١. كَرَجُل أُوقِظَ مِنْ نَوْمِهِ: شَعَرَ زكريّا بتلك الدُّوخَة التي نَشعُر بها عندما نستيقظ فجأةً من نومٍ عَميق.
٢. وَإِذَا بِمَنَارَةٍ كُلُّهَا ذَهَبٌ: أعطى الله زكريّا رؤيا لمنارةٍ ذهبيّةٍ كان من المُفترَض أن توضع في الهيكل. ولأن زكريّا وشعبه كانوا يعملون على إعادة بناء الهيكل، كان من الطبيعي أن يُكلّمهم الله من خلال صورٍ مرتبطةٍ بالهيكل.
٣. وَسَبْعُ أَنَابِيبَ لِلسُّرْجِ… زَيْتُونَتَانِ: إلى جانب الْمَنَارَة، رأى زكريّا أمرًا غير مسبُوقٍ في هيكل الرب – زَيْتُونَتَانِ تزوّدان السُّرُجَ السَّبْعَةَ بالزيتِ عبر سَبْع أَنَابِيب.
• من أكثر المهام المُرهقة في خدمة الهيكل كانت العنايةُ المستمرةُ بسُرُجِ المنارةِ الذَّهبيّة؛ إذ كان لا بدَّ من إعادةِ ملئِها بالزَّيْتِ باستمرار، وتنظيفِها من الرماد والسواد، وصيانةِ فتائلها. أمّا في هذه الرؤيا، فرأى زكريّا سُرُجًا “تملأ نفسها بنفسها” تستمد زيتها مباشرةً من شجرتي الزَيتُون.
• في الهيكل، كانت تُزوَّد السُّرُج بزَيْتِ زَيْتُونٍ نقيٍّ، مُعَدٍّ خصّيصًا لهذا الغرض. أمّا المنارةُ التي رآها زكريّا في رؤياه، فكانت تَسْتَمِدُّ زَيْتَها مباشرةً من الشَّجَرَتَين.
١. مَا هذِهِ يَا سَيِّدِي؟: رأى زكريّا الرؤيا، لكنّه لم يَفهم معناها. فمع أن ما رآه بدا بسيطًا، لكنّه غير مألوف – منارةٌ عليها سُرُج، يصلها الزيت مباشرةً عبر أنابيب خارجة من زَيتُونَتَين.
٢. أَمَا تَعْلَمُ مَا هذِهِ؟: شدّد الملاك على ضرورة أن يَفهم زكريّا معنى هذه الرؤيا.
ثانيًا. معنى الرؤيا
أ ) الآيات (٦-٧): كيف سيتمّم زَرُبَّابِل العمل: بروح الله.
١. هذِهِ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى زَرُبَّابِل: كان زَرُبَّابِل القائدَ المدنيَّ لأورشليم، والمسؤول عن إتمام إعادةِ بناءِ الهيكل. ولما تعثّر العمل وتوقف، كان بحاجةٍ إلى تشجيعٍ لمواصلةِ العمل.
٢. لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: في رؤيا زكريّا ٣، تكلّم الله عن مسألة الطهارة. لكنّ الطهارة وحدها لم تكن كافية لإتمام عمل الله – فعمل الله يحتاج أيضًا إلى موارد، لكن ليس إلى مواردِ الْقُدْرَةِ أو الْقُوَّةِ البشريّة.
• تُركّز كلمة الْقُدْرَةُ على القوّة الجماعيّة، أي إلى موارد الجماعة أو الجيش، بينما تُركّز كلمة الْقُوَّةُ على القوّة الفرديّة. ويقول الله: ’ليس بمواردِ الكثيرين ولا بمواردِ الفرد، بل بِرُوحِي. فلن يُعاد بناءُ الهيكل بذكائكم، ولا بقدرتكم، ولا بقوّتكم الجسديّة، بل بروحِ الله.‘
• المورد الضروري لعمل الله هو الرُّوحُ الْقُدُس، وقد وعد الله زَرُبَّابِل أن يمنحه هذا المورد الغنيّ ليُتمّم به عمله. فعندما نتّكل على مواردنا الخاصّة – سواء أكانت صغيرةً أم عظيمةً في نظر الإنسان – فإنّنا لا نحظى بملءِ الرُّوح الكامل. صلّى سبيرجن: “ليت الله يرسل لنا الفقر في الموارد، ويرسل إلينا النقص في الوسائل، وينزِع عنّا قوّةَ الكلام إن لزم الأمر، ويساعدنا حتى على التلعثُم، إنْ كان ذلك هو ما سيجلب البركة. كم أتوق أن أكون نافعًا للنفوس، ولْيَذهَبْ ما سوى ذلك حيث يشاء.” سبيرجن (Spurgeon)
• كان هذا هو الروح – نَفَسُ الرّبِ – رُوح (ruach) الرَّب الذي عمل في الخلق (تكوين ١: ٢)، وعند البحر الأحمر، فشقّه وأغلقه (خروج ١٥: ٨، ١٠)، وهو الذي أعطى الحياة للعِظام اليابسة (حزقيال ٣٧: ١-١٤).
• بالعودة إلى الرؤيا التي في بداية الإصحاح، نرى أن الله أراد لزَرُبَّابِل أنّ يعلم أن الرُّوحَ الْقُدُسَ سيزوّده دائمًا بما يحتاج إليه، تمامًا كما كانت شجرتا الزيتون في الرؤيا تزوّدان سُرُجَ المنارةِ بالزيت بلا انقطاع. يريد الله أن يكون عطاؤه لنا بالرُّوح، واتكالُنا على الرُّوحِ مستمرًا.
• “أيّتها الكنائس! احذروا لئلّا تتّكلوا على أنفسكم؛ احذروا لئلّا تقولوا: ’نحن كيان محترم،‘ ’عددنا كبير،‘ ’نحن شعب قوي؛‘ احذروا لئلّا تبدأوا بالافتخار بقوّتكم؛ فعندئذٍ ستُكتب كلمة ’إِيخَابُودَ‘ على جدرانكم ويزول مجدكم عنكم. تذكّروا أن الذي كان معنا حين كنّا قلّة، لا بدّ أن يكون معنا الآن ونحن كثيرون، وإلا فمصيرنا الفشل. والذي شدّدنا يوم كنّا ’الأَصغَر فِي إِسْرَائِيل،‘ ينبغي أن يكون معنا الآن ونحن مثل ’أُلُوفُ مَنَسَّى،‘ وإلّا، فقد انتهى أمرُنا، وانقضى زمانُنا.” سبيرجن (Spurgeon)
• الزَّيْت يُلَيِّن حين يُستَخدَم لهذا الغرض – فيقلّ الاحتكاك والتآكل بين الذين يُمسَحون بزيتِ روحِ الله.
• الزَّيْتُ يُشفِي، وقد استُخدم كدواءٍ في زمن الكتاب المقدّس (لوقا ١٠: ٣٤) – وهكذا يَجلب رُوحُ الله الشفاءَ والاسترداد.
• الزَّيْتُ يُنِيرُ حين يُحرَق في السِّراج – وحيثُ يَحلُّ روحُ الله، يوجد النور.
• الزَّيْتُ يُدْفِئُ حين يُستخدَم كوقود للنار – وحيثُ يُوجد روحُ الله، يوجد الدفءٌ والتعزية.
• الزَّيْتُ يُنَشِّطُ عند استخدامه للتدليك – والرُّوحُ القُدُس يُنعِشنا ويُنشّطنا لأجل خدمته.
• الزَّيْتُ يُزَيِّن عند استُخدامه كعِطر – والرُّوحُ القُدُس يُجمِّلُ ويُزيّن حياتَنا، فيَجعلُنا أكثر قبولًا لدى الآخَرين.
• الزَّيْتُ يُلَمِّعُ عندما يُستخدَم لتلميع المعادن – والرُّوحُ القُدُس يُزيلُ عنّا أقذارنا، ويُهذِّبُ زوايا نفوسِنا الخشِنة.
٤. مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟ أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلًا: بدا عمل إعادة بناء الهيكل ضخمًا إلى حدٍّ جعله يبدو كأنه جَبَلٌ عَظِيم. وهنا وعد الله أنه بروحه سيُسَوّى ذلك الجَبَلَ الْعَظِيمَ، لكي يَصِيرُ سَهْلًا.
• وفي هذه الحالة، قد يكون الجَبَلُ الْعَظِيم إشارة حرفيّة إلى كومة الأنقاض الهائلة التي كانت تغطّي موقع الهيكل. فهذه الأنقاض ستُزال، وسيُستمر العمل.
• “كلكم تضعون خططًا وتقولون: ’لو تغيّرت الكنيسة قليلًا، لكان الوضع أفضل.‘ تظنّون أنه لو تغيّر الخُدّام، أو تغيّر نظام الكنيسة، أو حدث شيء مختلف، لكان كلّ شيء على ما يُرام. كلا، يا أحبائي، الخطأ ليس هناك، بل أننا نحتاج إلى المزيد من الرُّوح.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. فَيُخْرِجُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ بَيْنَ الْهَاتِفِينَ: كَرَامَةً، كَرَامَةً لَهُ: كان هذا تأكيد الله لزَرُبَّابِل، بأن العمل لن يكتمل فحسب، بل إن زَرُبَّابِل نفسه هو من سيُتممّه، واضعًا حَجَرَ الزَّاوِيَةِ ومُعلنًا أن العمل كله: كَرَامَةً، كَرَامَةً لَهُ.
• عندما يُنجَز العمل بِالْقُدْرَةِ أو بِالْقُوَّة البشريّة، يمكننا أن ننسب الفضل لأنفسنا. أمّا حين يتمّ بمعونة الرُّوح المستمرة، فإنّ العمل كلّه يكون لمجد الله وكَرَامَةً لَهُ.
١. فَيَدَاهُ تُتَمِّمَانِهِ: عندما يتمّ العمل بِرُوحِ الله، فإن الموارد لا تكفي فقط لبدء العمل، بل تكفي أيضًا لتُتَمِّمَهِ. فالله هو مَن يُتَمِّمَ عمله (فيلبّي ١: ٦).
٢. لأَنَّهُ مَنِ ازْدَرَى بِيَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ؟: يبدو سؤال زكريا واقعيًّا بالنسبة لنا اليوم، إذ يستطيع كثيرون منّا أن يقولوا: “نعم، لقد ازدرَيْنا بيَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ (البِدَايَاتِ الصَّغِيرَة).” غير أنّ السؤال نفسه يتضمّن الجواب: لا يَنبغي لأحدٍ منّا أن يزْدَرَي بِيَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ، لأنّ لله قصدًا رائعًا، حتى وإن استعصى علينا إدراكه.
• لقد كان يَوْمُ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ طويلًا بالنسبة لزَرُبَّابِل، إذ ظلّ بناء الهيكل في حالة خراب لما يقرب من عشرين سنة. وكان بإمكانه أن يقول لله: “أيّ ’يَوم‘ من الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ تعني؟ لقد عشتُ عشرين سنةً من الأُمُورِ الصَّغِيرَة!” ومع ذلك، أوصى الله زَرُبَّابِل ألّا يزدري زمن الأُمُورِ الصَّغِيرَة، بل أن يَعُدَّه كأنّه مجرّد ’يَوْمِ‘ واحد.
• كثيرًا ما يستخدم الله في حياة خُدّامه المختارين موسمًا ذا أثرٍ بالغ من الأُمُورِ الصَّغِيرَة. وهذه الأيّام ليست خطأً ولا عقابًا، بل هي أيام تشكيل لا تُقدَّر بثمن وإعداد ثمين. إنها ليست أيّامًا يُزدَرى بها.
• حين يُجَرِّبُنا الشيطان أن نزدري يَوْمَ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ، يتجلّى مثل أبرع الكاذبين – لأنّه هو لا يزدري يَوْمَ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ، بل يخشاه في حياتنا، إذ يرى ما يصنعه الله من أمور عظيمة فيه، وما يُخرِجه من خلاله.
• تحدّث سبيرجن عن ضرورة التحلّي بالشجاعة في مواسم البدايات الصغيرة في كنائسنا، فقال: “إنّي أرى أنّ انضمامك إلى أفقر الكنائس وأضعفها ينبغي أن يُعدّ فخرًك الذي لا يُستهان به، وحيثما ذهبت تقول: ’قد لا تكون هذه الخدمة بالقوّة التي أرجوها، لكن، بنعمة الله، سأُسهم في نموّ تأثيرها. على الأقل، سأبذل جهدي لأُسنِد الضعف في صِهْيَوْن، ولن أزدري أبدًا يَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ. لو لم يحرص آباؤنا الأوائل على رعاية الكنيسة وهي ما تزال في مهدها، فهل كانت لتصبح كما نراها اليوم مزدهرة وقوية؟
• “إنّ الله يقبل أعمالك الصغيرة إنْ صَنَعتَها بإيمانٍ بابنه الحبيب. وهو سيُنجِح تلك الأعمال الصغيرة، ويعلّمك من خلالها لتقوم بأعمالٍ أعظم. بل وقد تكون أعمالك الصغيرة نفسها هي ما يدعو آخرين إلى إنجاز أعمالٍ تفوق بكثير ما كنتَ قادرًا على تحقيقه.” سبيرجن (Spurgeon)
٣. فَتَفْرَحُ أُولئِكَ السَّبْعُ، وَيَرَوْنَ الزِّيجَ بِيَدِ زَرُبَّابِلَ: هؤلاء السَّبْعُ هم أَعْيُنُ الرَّبِّ المذكورة في السياق نفسه، وهي تَفْرَحُ إذ ترى زَرُبَّابِل منشغِلًا في عمل البناء، والزِّيج في يده. إنَّ أَعْيُنَ الرَّبِّ ترى كلّ شيء، وتُسرّ حين ترى شعب الله منشغِلًا بالعمل.
• رغم أنّ العملَ كان بِقُوَّةِ رُوحِ الله، فإنّ زَرُبَّابِل كان لا يزالُ بحاجةٍ إلى الزِّيج، ولا يزالُ مُلزَمًا بالعمل. كان بإمكانِ الله أن يختصر الطريقَ ويُتمِّمَ العملَ فورًا وبطريقةٍ معجزية، لكنّ هذه ليست طريقة الله في العمل؛ لأن عمله في حياة زَرُبَّابِل لا يقلُّ أهمية عند الرب عن عمله من خلالِ زَرُبَّابِل.
١. مَا هَاتَانِ الزَّيْتُونَتَانِ: فَهِمَ زكريّا رسالة التشجيع المُوجَّهة إلى زَرُبَّابِل، لكنه لم يفهم تمامًا كيف ترتبط هذه الرسالة برؤيا شجرتَي الزَّيتُون والمَنَارَة.
٢. هَاتَانِ هُمَا ابْنَا الزَّيْتِ: في أيّامِ زكريّا، كان ابْنَا الزَّيْتِ هما زَرُبَّابِل ويَهُوشَع. ويبدو أنّ المقصود ليس أنّهما الشجرتان كاملتان، بل كانا فَرْعَيِ الزَّيْتُونِ الْمُفْرِغَانِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا، أي فرعًا واحدًا من كلّ شجرة على الأرجح. وأمّا الشجرتان نفسُهما، فغالبًا ما تُشيران إلى وظيفتَي المُلك والكهنوت في إسرائيل.
• كان الله قد خصّ ابْنَيِ الزَّيْتِ بمسحةٍ فريدة ليعملا معًا ويُنجزا عمله. وغالبًا ما يدعو الله رجلين ليشتركا في تنفيذ مقاصده.
✓ موسى وهرون
✓ يشوع وكالب
✓ إيليّا وأليشَع
✓ بطرس ويوحنّا
✓ بولس وبرنابا
✓ كالفن ولوثر
✓ وايتفيلد ووسلي
✓ مودي وسانكي
✓ غراهام وباروز
• يَعِدُ الله بأن يُقيم شاهدَين جديدَين، مَمسوحَين خصّيصًا للكرازة برسالة الإنجيل في العالم، قبل مجيء المسيح الثاني مباشرة (رؤيا ١١: ٣-١٣). وتقول رؤيا ١١: ٤ عن هذين الشاهدَين تحديدًا: هذَانِ هُمَا الزَّيْتُونَتَانِ وَالْمَنَارَتَانِ الْقَائِمَتَانِ أَمَامَ رَبِّ الأَرْض.
٣. ابْنَا الزَّيْتِ كان لهما عملٌ يقومان به، وكان هذا العمل يتمّ بقوة روح الله، فصارا كأنهما شجرتا زيتون تمدّان مصابيح المنارة بزيتٍ لا ينقطع.
• ابْنَا الزَّيْتِ: في اللغة العبرية (كما في العربية)، يُقال ابن الشيء بمعنى أنه من يتّصف به تمام الاتصاف. فمثلًا، “أبناء بليعال” هم الذين يجسّدون تمامًا إلههم الوثني بليعال. كذلك هذان، فهما يتّسمان بالكامل بخدمة الروح القدس وقوّته، حتى دُعِيا: ابْنَا الزَّيْتِ.
• نلاحظ أن الزيت خرج من الأشجار. كل خدمة حقيقية هي عطاء من ذواتنا. لا يهم كم نملك؛ ما يهم هو كم نعطي من أنفسنا. بعض الناس أشبه بخزان نفط ضخم في مصفاة بترول. قد تقول في نفسك: “هذا يكفي من الوقود لمدى الحياة” – لكنك في الواقع، لن تستطيع أبدًا أن تملأ سيارتك من هناك. ففي المصفاة يوجد وفرة في المخزون، لكن لا يوجد توصيل. بينما وعاء واحد بخمسة جالونات من البنزين في البيت قد يبدو محدودًا لكنه مُتاحًا للاستخدام المطلوب.
سِفر زكريا – الإصحاح ٤ – بِرُوحِي، قَالَ الرَّب
أولًا. رُؤيَا زكريَّا
أ ) الآيات (١-٣): رؤيا زكريا عن شجرة الزيتون والمَنارات.
١فَرَجَعَ الْمَلاَكُ الَّذِي كَلَّمَنِي وَأَيْقَظَنِي كَرَجُل أُوقِظَ مِنْ نَوْمِهِ. ٢وَقَالَ لِي: «مَاذَا تَرَى؟» فَقُلْتُ: «قَدْ نَظَرْتُ وَإِذَا بِمَنَارَةٍ كُلُّهَا ذَهَبٌ، وَكُوزُهَا عَلَى رَأْسِهَا، وَسَبْعَةُ سُرُجٍ عَلَيْهَا، وَسَبْعُ أَنَابِيبَ لِلسُّرْجِ الَّتِي عَلَى رَأْسِهَا. ٣وَعِنْدَهَا زَيْتُونَتَانِ، إِحْدَاهُمَا عَنْ يَمِينِ الْكُوزِ، وَالأُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ».
١. كَرَجُل أُوقِظَ مِنْ نَوْمِهِ: شَعَرَ زكريّا بتلك الدُّوخَة التي نَشعُر بها عندما نستيقظ فجأةً من نومٍ عَميق.
٢. وَإِذَا بِمَنَارَةٍ كُلُّهَا ذَهَبٌ: أعطى الله زكريّا رؤيا لمنارةٍ ذهبيّةٍ كان من المُفترَض أن توضع في الهيكل. ولأن زكريّا وشعبه كانوا يعملون على إعادة بناء الهيكل، كان من الطبيعي أن يُكلّمهم الله من خلال صورٍ مرتبطةٍ بالهيكل.
٣. وَسَبْعُ أَنَابِيبَ لِلسُّرْجِ… زَيْتُونَتَانِ: إلى جانب الْمَنَارَة، رأى زكريّا أمرًا غير مسبُوقٍ في هيكل الرب – زَيْتُونَتَانِ تزوّدان السُّرُجَ السَّبْعَةَ بالزيتِ عبر سَبْع أَنَابِيب.
• من أكثر المهام المُرهقة في خدمة الهيكل كانت العنايةُ المستمرةُ بسُرُجِ المنارةِ الذَّهبيّة؛ إذ كان لا بدَّ من إعادةِ ملئِها بالزَّيْتِ باستمرار، وتنظيفِها من الرماد والسواد، وصيانةِ فتائلها. أمّا في هذه الرؤيا، فرأى زكريّا سُرُجًا “تملأ نفسها بنفسها” تستمد زيتها مباشرةً من شجرتي الزَيتُون.
• في الهيكل، كانت تُزوَّد السُّرُج بزَيْتِ زَيْتُونٍ نقيٍّ، مُعَدٍّ خصّيصًا لهذا الغرض. أمّا المنارةُ التي رآها زكريّا في رؤياه، فكانت تَسْتَمِدُّ زَيْتَها مباشرةً من الشَّجَرَتَين.
ب) الآيات (٤-٥): زكريّا يَطلُب تفسيرًا للرؤيا.
٤فَأَجَبْتُ وَقُلْتُ لِلْمَلاَكِ الَّذِي كَلَّمَنِي قَائِلاً: «مَا هذِهِ يَا سَيِّدِي؟» ٥فَأَجَابَ الْمَلاَكُ الَّذِي كَلَّمَنِي وَقَالَ لِي: «أَمَا تَعْلَمُ مَا هذِهِ؟» فَقُلْتُ: «لاَ يَا سَيِّدِي».
١. مَا هذِهِ يَا سَيِّدِي؟: رأى زكريّا الرؤيا، لكنّه لم يَفهم معناها. فمع أن ما رآه بدا بسيطًا، لكنّه غير مألوف – منارةٌ عليها سُرُج، يصلها الزيت مباشرةً عبر أنابيب خارجة من زَيتُونَتَين.
٢. أَمَا تَعْلَمُ مَا هذِهِ؟: شدّد الملاك على ضرورة أن يَفهم زكريّا معنى هذه الرؤيا.
ثانيًا. معنى الرؤيا
أ ) الآيات (٦-٧): كيف سيتمّم زَرُبَّابِل العمل: بروح الله.
٦فَأَجَابَ وَكَلَّمَنِي قَائِلاً: «هذِهِ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى زَرُبَّابِلَ قَائِلاً: لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. ٧مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟ أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلاً! فَيُخْرِجُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ بَيْنَ الْهَاتِفِينَ: كَرَامَةً، كَرَامَةً لَهُ».
١. هذِهِ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى زَرُبَّابِل: كان زَرُبَّابِل القائدَ المدنيَّ لأورشليم، والمسؤول عن إتمام إعادةِ بناءِ الهيكل. ولما تعثّر العمل وتوقف، كان بحاجةٍ إلى تشجيعٍ لمواصلةِ العمل.
٢. لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: في رؤيا زكريّا ٣، تكلّم الله عن مسألة الطهارة. لكنّ الطهارة وحدها لم تكن كافية لإتمام عمل الله – فعمل الله يحتاج أيضًا إلى موارد، لكن ليس إلى مواردِ الْقُدْرَةِ أو الْقُوَّةِ البشريّة.
• تُركّز كلمة الْقُدْرَةُ على القوّة الجماعيّة، أي إلى موارد الجماعة أو الجيش، بينما تُركّز كلمة الْقُوَّةُ على القوّة الفرديّة. ويقول الله: ’ليس بمواردِ الكثيرين ولا بمواردِ الفرد، بل بِرُوحِي. فلن يُعاد بناءُ الهيكل بذكائكم، ولا بقدرتكم، ولا بقوّتكم الجسديّة، بل بروحِ الله.‘
• المورد الضروري لعمل الله هو الرُّوحُ الْقُدُس، وقد وعد الله زَرُبَّابِل أن يمنحه هذا المورد الغنيّ ليُتمّم به عمله. فعندما نتّكل على مواردنا الخاصّة – سواء أكانت صغيرةً أم عظيمةً في نظر الإنسان – فإنّنا لا نحظى بملءِ الرُّوح الكامل. صلّى سبيرجن: “ليت الله يرسل لنا الفقر في الموارد، ويرسل إلينا النقص في الوسائل، وينزِع عنّا قوّةَ الكلام إن لزم الأمر، ويساعدنا حتى على التلعثُم، إنْ كان ذلك هو ما سيجلب البركة. كم أتوق أن أكون نافعًا للنفوس، ولْيَذهَبْ ما سوى ذلك حيث يشاء.” سبيرجن (Spurgeon)
• كان هذا هو الروح – نَفَسُ الرّبِ – رُوح (ruach) الرَّب الذي عمل في الخلق (تكوين ١: ٢)، وعند البحر الأحمر، فشقّه وأغلقه (خروج ١٥: ٨، ١٠)، وهو الذي أعطى الحياة للعِظام اليابسة (حزقيال ٣٧: ١-١٤).
• بالعودة إلى الرؤيا التي في بداية الإصحاح، نرى أن الله أراد لزَرُبَّابِل أنّ يعلم أن الرُّوحَ الْقُدُسَ سيزوّده دائمًا بما يحتاج إليه، تمامًا كما كانت شجرتا الزيتون في الرؤيا تزوّدان سُرُجَ المنارةِ بالزيت بلا انقطاع. يريد الله أن يكون عطاؤه لنا بالرُّوح، واتكالُنا على الرُّوحِ مستمرًا.
• “أيّتها الكنائس! احذروا لئلّا تتّكلوا على أنفسكم؛ احذروا لئلّا تقولوا: ’نحن كيان محترم،‘ ’عددنا كبير،‘ ’نحن شعب قوي؛‘ احذروا لئلّا تبدأوا بالافتخار بقوّتكم؛ فعندئذٍ ستُكتب كلمة ’إِيخَابُودَ‘ على جدرانكم ويزول مجدكم عنكم. تذكّروا أن الذي كان معنا حين كنّا قلّة، لا بدّ أن يكون معنا الآن ونحن كثيرون، وإلا فمصيرنا الفشل. والذي شدّدنا يوم كنّا ’الأَصغَر فِي إِسْرَائِيل،‘ ينبغي أن يكون معنا الآن ونحن مثل ’أُلُوفُ مَنَسَّى،‘ وإلّا، فقد انتهى أمرُنا، وانقضى زمانُنا.” سبيرجن (Spurgeon)
٣. بِرُوحِي: يُعَدّ الزيت صورة رائعة تُمثّل الرُّوحَ الْقُدُس تمثيلًا جيّدًا.
• الزَّيْت يُلَيِّن حين يُستَخدَم لهذا الغرض – فيقلّ الاحتكاك والتآكل بين الذين يُمسَحون بزيتِ روحِ الله.
• الزَّيْتُ يُشفِي، وقد استُخدم كدواءٍ في زمن الكتاب المقدّس (لوقا ١٠: ٣٤) – وهكذا يَجلب رُوحُ الله الشفاءَ والاسترداد.
• الزَّيْتُ يُنِيرُ حين يُحرَق في السِّراج – وحيثُ يَحلُّ روحُ الله، يوجد النور.
• الزَّيْتُ يُدْفِئُ حين يُستخدَم كوقود للنار – وحيثُ يُوجد روحُ الله، يوجد الدفءٌ والتعزية.
• الزَّيْتُ يُنَشِّطُ عند استخدامه للتدليك – والرُّوحُ القُدُس يُنعِشنا ويُنشّطنا لأجل خدمته.
• الزَّيْتُ يُزَيِّن عند استُخدامه كعِطر – والرُّوحُ القُدُس يُجمِّلُ ويُزيّن حياتَنا، فيَجعلُنا أكثر قبولًا لدى الآخَرين.
• الزَّيْتُ يُلَمِّعُ عندما يُستخدَم لتلميع المعادن – والرُّوحُ القُدُس يُزيلُ عنّا أقذارنا، ويُهذِّبُ زوايا نفوسِنا الخشِنة.
٤. مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟ أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلًا: بدا عمل إعادة بناء الهيكل ضخمًا إلى حدٍّ جعله يبدو كأنه جَبَلٌ عَظِيم. وهنا وعد الله أنه بروحه سيُسَوّى ذلك الجَبَلَ الْعَظِيمَ، لكي يَصِيرُ سَهْلًا.
• وفي هذه الحالة، قد يكون الجَبَلُ الْعَظِيم إشارة حرفيّة إلى كومة الأنقاض الهائلة التي كانت تغطّي موقع الهيكل. فهذه الأنقاض ستُزال، وسيُستمر العمل.
• “كلكم تضعون خططًا وتقولون: ’لو تغيّرت الكنيسة قليلًا، لكان الوضع أفضل.‘ تظنّون أنه لو تغيّر الخُدّام، أو تغيّر نظام الكنيسة، أو حدث شيء مختلف، لكان كلّ شيء على ما يُرام. كلا، يا أحبائي، الخطأ ليس هناك، بل أننا نحتاج إلى المزيد من الرُّوح.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. فَيُخْرِجُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ بَيْنَ الْهَاتِفِينَ: كَرَامَةً، كَرَامَةً لَهُ: كان هذا تأكيد الله لزَرُبَّابِل، بأن العمل لن يكتمل فحسب، بل إن زَرُبَّابِل نفسه هو من سيُتممّه، واضعًا حَجَرَ الزَّاوِيَةِ ومُعلنًا أن العمل كله: كَرَامَةً، كَرَامَةً لَهُ.
• عندما يُنجَز العمل بِالْقُدْرَةِ أو بِالْقُوَّة البشريّة، يمكننا أن ننسب الفضل لأنفسنا. أمّا حين يتمّ بمعونة الرُّوح المستمرة، فإنّ العمل كلّه يكون لمجد الله وكَرَامَةً لَهُ.
ب) الآيات (٨-١٠): تشجيعٌ إضافيّ لزَرُبَّابِل.
٨وَكَانَتْ إِلَيَّ كَلِمَةُ الرَّبِّ قَائِلاً: ٩«إِنَّ يَدَيْ زَرُبَّابِلَ قَدْ أَسَّسَتَا هذَا الْبَيْتَ، فَيَدَاهُ تُتَمِّمَانِهِ، فَتَعْلَمُ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ». ١٠لأَنَّهُ مَنِ ازْدَرَى بِيَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ. فَتَفْرَحُ أُولئِكَ السَّبْعُ، وَيَرَوْنَ الزِّيجَ بِيَدِ زَرُبَّابِلَ. إِنَّمَا هِيَ أَعْيُنُ الرَّبِّ الْجَائِلَةُ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا.
١. فَيَدَاهُ تُتَمِّمَانِهِ: عندما يتمّ العمل بِرُوحِ الله، فإن الموارد لا تكفي فقط لبدء العمل، بل تكفي أيضًا لتُتَمِّمَهِ. فالله هو مَن يُتَمِّمَ عمله (فيلبّي ١: ٦).
٢. لأَنَّهُ مَنِ ازْدَرَى بِيَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ؟: يبدو سؤال زكريا واقعيًّا بالنسبة لنا اليوم، إذ يستطيع كثيرون منّا أن يقولوا: “نعم، لقد ازدرَيْنا بيَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ (البِدَايَاتِ الصَّغِيرَة).” غير أنّ السؤال نفسه يتضمّن الجواب: لا يَنبغي لأحدٍ منّا أن يزْدَرَي بِيَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ، لأنّ لله قصدًا رائعًا، حتى وإن استعصى علينا إدراكه.
• لقد كان يَوْمُ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ طويلًا بالنسبة لزَرُبَّابِل، إذ ظلّ بناء الهيكل في حالة خراب لما يقرب من عشرين سنة. وكان بإمكانه أن يقول لله: “أيّ ’يَوم‘ من الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ تعني؟ لقد عشتُ عشرين سنةً من الأُمُورِ الصَّغِيرَة!” ومع ذلك، أوصى الله زَرُبَّابِل ألّا يزدري زمن الأُمُورِ الصَّغِيرَة، بل أن يَعُدَّه كأنّه مجرّد ’يَوْمِ‘ واحد.
• كثيرًا ما يستخدم الله في حياة خُدّامه المختارين موسمًا ذا أثرٍ بالغ من الأُمُورِ الصَّغِيرَة. وهذه الأيّام ليست خطأً ولا عقابًا، بل هي أيام تشكيل لا تُقدَّر بثمن وإعداد ثمين. إنها ليست أيّامًا يُزدَرى بها.
• حين يُجَرِّبُنا الشيطان أن نزدري يَوْمَ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ، يتجلّى مثل أبرع الكاذبين – لأنّه هو لا يزدري يَوْمَ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ، بل يخشاه في حياتنا، إذ يرى ما يصنعه الله من أمور عظيمة فيه، وما يُخرِجه من خلاله.
• تحدّث سبيرجن عن ضرورة التحلّي بالشجاعة في مواسم البدايات الصغيرة في كنائسنا، فقال: “إنّي أرى أنّ انضمامك إلى أفقر الكنائس وأضعفها ينبغي أن يُعدّ فخرًك الذي لا يُستهان به، وحيثما ذهبت تقول: ’قد لا تكون هذه الخدمة بالقوّة التي أرجوها، لكن، بنعمة الله، سأُسهم في نموّ تأثيرها. على الأقل، سأبذل جهدي لأُسنِد الضعف في صِهْيَوْن، ولن أزدري أبدًا يَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ. لو لم يحرص آباؤنا الأوائل على رعاية الكنيسة وهي ما تزال في مهدها، فهل كانت لتصبح كما نراها اليوم مزدهرة وقوية؟
• “إنّ الله يقبل أعمالك الصغيرة إنْ صَنَعتَها بإيمانٍ بابنه الحبيب. وهو سيُنجِح تلك الأعمال الصغيرة، ويعلّمك من خلالها لتقوم بأعمالٍ أعظم. بل وقد تكون أعمالك الصغيرة نفسها هي ما يدعو آخرين إلى إنجاز أعمالٍ تفوق بكثير ما كنتَ قادرًا على تحقيقه.” سبيرجن (Spurgeon)
٣. فَتَفْرَحُ أُولئِكَ السَّبْعُ، وَيَرَوْنَ الزِّيجَ بِيَدِ زَرُبَّابِلَ: هؤلاء السَّبْعُ هم أَعْيُنُ الرَّبِّ المذكورة في السياق نفسه، وهي تَفْرَحُ إذ ترى زَرُبَّابِل منشغِلًا في عمل البناء، والزِّيج في يده. إنَّ أَعْيُنَ الرَّبِّ ترى كلّ شيء، وتُسرّ حين ترى شعب الله منشغِلًا بالعمل.
• رغم أنّ العملَ كان بِقُوَّةِ رُوحِ الله، فإنّ زَرُبَّابِل كان لا يزالُ بحاجةٍ إلى الزِّيج، ولا يزالُ مُلزَمًا بالعمل. كان بإمكانِ الله أن يختصر الطريقَ ويُتمِّمَ العملَ فورًا وبطريقةٍ معجزية، لكنّ هذه ليست طريقة الله في العمل؛ لأن عمله في حياة زَرُبَّابِل لا يقلُّ أهمية عند الرب عن عمله من خلالِ زَرُبَّابِل.
ج) الآيات (١١-١٤): تَفْسِير شجرتَي الزَّيتُون والمَنَارَة.
١١فَأَجَبْتُ وَقُلْتُ لَهُ: «مَا هَاتَانِ الزَّيْتُونَتَانِ عَنْ يَمِينِ الْمَنَارَةِ وَعَنْ يَسَارِهَا؟» ١٢وَأَجَبْتُ ثَانِيَةً وَقُلْتُ لَهُ: «مَا فَرْعَا الزَّيْتُونِ اللَّذَانِ بِجَانِبِ الأَنَابِيبِ مِنْ ذَهَبٍ، الْمُفْرِغَانِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا الذَّهَبِيَّ؟» ١٣فَأَجَابَنِي قَائِلاً: «أَمَا تَعْلَمُ مَا هَاتَانِ؟» فَقُلْتُ: «لاَ يَا سَيِّدِي». ١٤فَقَالَ: «هَاتَانِ هُمَا ابْنَا الزَّيْتِ الْوَاقِفَانِ عِنْدَ سَيِّدِ الأَرْضِ كُلِّهَا».
١. مَا هَاتَانِ الزَّيْتُونَتَانِ: فَهِمَ زكريّا رسالة التشجيع المُوجَّهة إلى زَرُبَّابِل، لكنه لم يفهم تمامًا كيف ترتبط هذه الرسالة برؤيا شجرتَي الزَّيتُون والمَنَارَة.
٢. هَاتَانِ هُمَا ابْنَا الزَّيْتِ: في أيّامِ زكريّا، كان ابْنَا الزَّيْتِ هما زَرُبَّابِل ويَهُوشَع. ويبدو أنّ المقصود ليس أنّهما الشجرتان كاملتان، بل كانا فَرْعَيِ الزَّيْتُونِ الْمُفْرِغَانِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا، أي فرعًا واحدًا من كلّ شجرة على الأرجح. وأمّا الشجرتان نفسُهما، فغالبًا ما تُشيران إلى وظيفتَي المُلك والكهنوت في إسرائيل.
• كان الله قد خصّ ابْنَيِ الزَّيْتِ بمسحةٍ فريدة ليعملا معًا ويُنجزا عمله. وغالبًا ما يدعو الله رجلين ليشتركا في تنفيذ مقاصده.
✓ موسى وهرون
✓ يشوع وكالب
✓ إيليّا وأليشَع
✓ بطرس ويوحنّا
✓ بولس وبرنابا
✓ كالفن ولوثر
✓ وايتفيلد ووسلي
✓ مودي وسانكي
✓ غراهام وباروز
• يَعِدُ الله بأن يُقيم شاهدَين جديدَين، مَمسوحَين خصّيصًا للكرازة برسالة الإنجيل في العالم، قبل مجيء المسيح الثاني مباشرة (رؤيا ١١: ٣-١٣). وتقول رؤيا ١١: ٤ عن هذين الشاهدَين تحديدًا: هذَانِ هُمَا الزَّيْتُونَتَانِ وَالْمَنَارَتَانِ الْقَائِمَتَانِ أَمَامَ رَبِّ الأَرْض.
٣. ابْنَا الزَّيْتِ كان لهما عملٌ يقومان به، وكان هذا العمل يتمّ بقوة روح الله، فصارا كأنهما شجرتا زيتون تمدّان مصابيح المنارة بزيتٍ لا ينقطع.
• ابْنَا الزَّيْتِ: في اللغة العبرية (كما في العربية)، يُقال ابن الشيء بمعنى أنه من يتّصف به تمام الاتصاف. فمثلًا، “أبناء بليعال” هم الذين يجسّدون تمامًا إلههم الوثني بليعال. كذلك هذان، فهما يتّسمان بالكامل بخدمة الروح القدس وقوّته، حتى دُعِيا: ابْنَا الزَّيْتِ.
• نلاحظ أن الزيت خرج من الأشجار. كل خدمة حقيقية هي عطاء من ذواتنا. لا يهم كم نملك؛ ما يهم هو كم نعطي من أنفسنا. بعض الناس أشبه بخزان نفط ضخم في مصفاة بترول. قد تقول في نفسك: “هذا يكفي من الوقود لمدى الحياة” – لكنك في الواقع، لن تستطيع أبدًا أن تملأ سيارتك من هناك. ففي المصفاة يوجد وفرة في المخزون، لكن لا يوجد توصيل. بينما وعاء واحد بخمسة جالونات من البنزين في البيت قد يبدو محدودًا لكنه مُتاحًا للاستخدام المطلوب.