الإصحاح ٠٢

• رسالة تيطس – الإصحَاح ٢

علمهم كيف يعيشون

• “هناك بضعة أجزاء من العهد الجديد تتفوق على هذا الإصحاح. ومع ذلك، من الممكن تمامًا أن يُشكل هذا الإصحاح العقيدة ويكون منهجًا للأخلاق ودليلًا لكل واعظ. فهل هناك من يسألك عن واجبات خادم الإنجيل؟ إذًا دعه يقرأ الإصحاح الثاني من تيطس ليجد الجواب الكامل.” آدم كلارك (Adam Clarke)

أولًا. كيف ينبغي أن يُعلم تيطس مجموعات مختلفة من الناس في الكنيسة؟

أ ) الآية (١): وصية التعليم.

١وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ.

١. وَأَمَّا أَنْتَ: هذا الكلام يفرز تيطس عن الأشخاص الموصوفين في نهاية الإصحاح الأول من الرسالة. إذ يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يعلموا الناموسية والخرافات، أما تيطس فعليه أن يتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ.

٢. فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ: تتضمن هذه العبارة سلوكًا صحيحًا وليس مجرد تفكيرًا صحيحًا. وقد ترجمت العبارة في نسخة الكتاب المقدس الحي كالتالي: “تكلم بكل مجاهرة عن الحياة الصحيحة المرافقة للإيمان الصحيح.” أما ترجمة الحياة الجديدة فتقرأها: “عزز نوعية الحياة التي تعكس التعليم الصحيح.”

• يتعذّر فرارنا من هذا. فالكتاب المقدس هو الكتاب الذي يعلمنا كيف نسلك كمؤمنين. والقول أننا نؤمن بالكتاب المقدس ونتجاهل تعليمه حول كيفية سلوكنا الصحيح هو قمة الرياء. وبالطبع لن يعجبنا هذا دائمًا، لكننا نحتاج أن نسمع باستمرار كيف يتوقع الله منا أن نسلك.

• ما يريده بولس من تيطس ببساطة هو أن يتمم مأمورية يسوع المذكورة في إنجيل متى ١٩:٢٨-٢٠ “وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ.”

ب) الآية (٢): كيف تُعلم الرجال المسنين؟

٢أَنْ يَكُونَ الأَشْيَاخُ صَاحِينَ، ذَوِي وَقَارٍ، مُتَعَقِّلِينَ، أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّبْرِ.

١. الأَشْيَاخ: كان ضمن جماعة المؤمنين في جزيرة كريت رجالًا مسنين، وقد وجب على تيطس اتِّباع أسلوب المحبة والحكمة في التعامل معهم، لأنهم يمكن أن ينزعجوا بسهولة من تعليم تيطس كونه شابًا أصغر منهم في السن.

٢. الأَشْيَاخ: أراد بولس لتيطس أن يعلم ضرورة أن يعيش هؤلاء المسنين بالنضج والحكمة التي اكتسبوها عبر السنين. ويقصد بذلك أن عليهم أن يكونوا صَاحِينَ وذَوِي وَقَارٍ ومُتَعَقِّلِينَ. وطلب بولس أن يُعلم تيطس هذه الأمور يعني أنها لا تأتي تلقائيًا مع التقدم في السن.

٣. الأَشْيَاخ: وعلى كبار السن أيضًا أن يكونوا يتمسكوا ويثبتوا في الأشياء صحيحة، أي أن يكونوا أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّبْرِ. فكلما تقدمنا في السن كلما تمسكنا بتقاليدنا وبطريقتنا. وهذا أمر جيد خاصة إن كان يتعلق بطرق الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّبْرِ.

الصَّبْرِ هي الكلمة اليونانية الرائعة ’هوبومون‘ (hupomone) وتعني الثبات والقدرة على التحمل بنشاط وليس الانتظار السلبي. وليس على الأَشْيَاخ مجرد الانتظار بصبر حتى ينتقلوا إلى العالم الآخر، بل عليهم تحمل تحديات الحياة، بما فيها تحديات سن الشيخوخة.

ج ) الآيات (٣-٤أ): كيف تُعلم النساء المسنات؟

٣كَذلِكَ الْعَجَائِزُ فِي سِيرَةٍ تَلِيقُ بِالْقَدَاسَةِ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ، غَيْرَ مُسْتَعْبَدَاتٍ لِلْخَمْرِ الْكَثِيرِ، مُعَلِّمَاتٍ الصَّلاَحَ، ٤لِكَيْ يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ…

١. كَذلِكَ الْعَجَائِزُ: كما كان على تيطس إيلاء اهتمام خاص للرجال المسنين، عليه أيضًا أن يهتم في كيفية التعامل مع الْعَجَائِزُ اللاتي لديهن تجاربهن وفرصهن.

٢. فِي سِيرَةٍ تَلِيقُ بِالْقَدَاسَةِ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ: الفكرة وراء السلوك بلياقة تشمل المظهر الخارجي والتصرفات. أما كلمة ثَالِبَات فهي نفس الكلمة المستخدمة لوصف “الشياطين.” فعندما تمارس الْعَجَائِزُ أو غيرهن النَّمِيمَةِ والافتراء، فهن حينئذٍ يقمن بدور الشيطان.

• “صفة ’الْقَدَاسَة‘ تعني بشكل أساسي “التصرف بما يليق المكانة المقدسة” وتنقل صورة كاهنة صالحة تنفذ واجباتها. فعلى تصرفات العجائز أن تُظهِرَ أنهن يعتبرن الحياة مقدسة بكافة جوانبها.” هايبرت (Hiebert)

٣. غَيْرَ مُسْتَعْبَدَاتٍ لِلْخَمْرِ الْكَثِيرِ: كانت عادة شرب الخمر منتشرة كثيرًا بين الْعَجَائِز في كلا الحضارتين الرومانية واليونانية. ويلاحظ بولس أن ذلك التحدي بالذات يتطلب تعليمات خاصة.

• “إن وصية الابتعاد عن النميمة وعن الإكثار من شرب الخمر، يرسمان بصورة جلية ثانية البيئة الكريتية المعاصرة. وقد رأينا الصورة الأولى في تيموثاوس الأولى ١١:٣ والثانية في تيموثاوس الأولى ٨:٣. ويتضح أن احتمال حدوث هذا في جزيرة كريت كان يفوق بكثير احتمال حدوثه في مدينة أفسس وخاصة بين النساء، حيث أن الفعل ’دولو‘ (doulo) يستخدم هنا للدلالة على ’العبودية‘ (وقد ترجمتها بعض الترجمات هكذا: ’عبيد للشراب‘) وهو تعبير أقوى بكثير من العبارة المقابلة له في رسالة تيموثاوس الأولى.” غوثري (Guthrie)

٤. مُعَلِّمَاتٍ الصَّلاَحَ: إن كان هناك تحدٍ خاص أمام الْعَجَائِز، فهناك أيضًا فرص خاصة لهن. فالله قادر أن يستخدم حكمتهن وخبرتهن لِكَيْ يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ. وهذا يضع أمامهن شيء إيجابي يستثمرن وقتهن فيه بدلًا من الأمور السلبية مثل النميمة والإفراط في شرب الكحول.

• “يستخدم الرسول بولس كلمة: كالوديداسكالوي (kalodidaskaloi) أي ’معلمات الصلاح‘ وهي تعبير فريد مُرَكَّب يُظهِر الخصائص المسيحية المطلوبة.” غوثري (Guthrie)

د ) الآيات (٤ب-٥): كيف تُعلم الْحَدَثَات؟

٤… الْحَدَثَاتِ أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ، ٥مُتَعَقِّلاَتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ، صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، لِكَيْ لاَ يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ.

١. الْحَدَثَاتِ: وفقًا لتعليمات بولس، لم تكن مسؤولية تعليم الْحَدَثَاتِ تقع على عاتق تيطس مباشرة، بل كان عليه إعداد وتشجيع النساء المسنات ليقمن بهذه الخدمة.

• بالطبع هذا لا يعني أنه يجب منع الْحَدَثَاتِ من الإصغاء لتعليم تيطس. بل يعني ببساطة أن تركيز خدمة تيطس على الْحَدَثَاتِ سيُعرِّضه للخطأ والمخاطر. فإن كان هناك مجموعة درس كتاب خاص بالحدثات، فلا يجوز لتيطس أن يعلمه بل أن يترك المهمة للنساء المسنات.

٢. أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ: تبدأ التعليمات الموجهة للْحَدَثَاتِ من شؤون البيت. فقد منحهن الله موقعًا استراتيجيًا للتأثير على رِجَالِهِنَّ وأَوْلاَدَهُنَّ وتقديم العون لهم. ويجب أن تسود المحبة على تأثيرهنَّ وعَونهنَّ.

• يقول بولس أنه يجب أن يقدم تعليم عن محبة الأزواج والأولاد. فهناك جوانب فطرية لهذه المحبة، أما جوانبها الأخرى، ولا سيما التي تعكس تضحية يسوع الذاتية، فيجب تعليمهن إياها.

٣. مُتَعَقِّلاَتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ: يجب تعليم الْحَدَثَاتِ التحلي بهذه المواقف (مُتَعَقِّلَاتٍ، طَاهِرَاتٍ) واكتساب هذه المهارات (مُهتَمَّاتٍ بِبُيُوتِهِنَّ).

٤. صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ: إن عمل الصلاح ليس دائمًا سهلًا وسط عالم يَطْمُس الخط الفاصل بين الخير والشر، لذلك تحتاج النساء المسنات أن يعلمن الشابات أن يكن صَالِحَاتٍ. أما الطريقة الأخرى للتعبير عن واجب الزوجة في الخضوع ضمن علاقة الزواج، فهي أن يكن خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ (أفسس ٢٢:٥، كولوسي ١٨:٣).

٥. لِكَيْ لاَ يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ: هذه العبارة تظهر كم هو مهم للنساء المسنات أن يعلمن تلك الأمور، وكم هو مهم للْحَدَثَاتِ أن يتعلمن ذلك. إن فشل المؤمنين في العيش بحسب الكتاب المقدس والتقوى سيجعل غير المؤمنين ينتقدون (يجدفون) على كَلِمَةِ اللهِ.

• “أفضل طريقة عملية لتقييم أي ديانة هو تأثيرها على حياة المعترفين بها. فإن كان التأثير الملحوظ للإنجيل هو زوجات أسوأ، لما أوصي بتعليم الإنجيل للوثنيين.” وايت (White)

هـ) الآية (٦): كيف تُعلم الأَحْدَاث؟

٦كَذلِكَ عِظِ الأَحْدَاثَ أَنْ يَكُونُوا مُتَعَقِّلِينَ.

١. كَذلِكَ: هذه كلمة تربط بين فقرتين. إنها ترينا بأن ما يحتاج الأَحْدَاث تعلمه لا يختلف كثيرًا عما يحتاج تعلمه كل من الحدثات والعجائز والأشياخ. فقد نحتاج إلى تشديد مختلف قليلًا على بعض الأمور بحسب المرحلة العمرية، ولكن الرسالة الجوهرية تبقى كما هي: حياة التقوى.

٢. أَنْ يَكُونُوا مُتَعَقِّلِينَ: ترجمت نسخة الكتاب الحي هذه الآية بطريقة جيدة: حث الشباب بأن يكونوا حريصين في تصرفاتهم وأن يأخذوا الحياة بجدية. هذه هي الوصية الوحيدة الذي على تيطس أن يعلمها للأَحْدَاث، ولكنها أحيانًا قد تكون صعبة عليهم.

مُتَعَقِّلِينَ: “تصف الكلمة اليونانية ’سوفرون‘ (sophron)رجلًا صمم بعقله أن يسيطر على كل الأمور… فقوة الإرادة تعلمت ضبط كل غريزة وعاطفة حتى يتم وضعهما في مكانهما المناسب والكم المناسب.” باركلي (Barclay)

و ) الآيات (٧-٨): تيطس كمثال عملي يحتذي به الأحداث.

٧مُقَدِّمًا نَفْسَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ قُدْوَةً لِلأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ، وَمُقَدِّمًا فِي التَّعْلِيمِ نَقَاوَةً، وَوَقَارًا، وَإِخْلاَصًا، ٨وَكَلاَمًا صَحِيحًا غَيْرَ مَلُومٍ، لِكَيْ يُخْزَى الْمُضَادُّ، إِذْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ رَدِيءٌ يَقُولُهُ عَنْكُمْ.

١. مُقَدِّمًا نَفْسَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ قُدْوَةً لِلأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ: كان على تيطس أن يكون أكثر من معلم، كان عليه أن يكون قدوة. فلا يمكن أن يؤخذ إرشاده للآخرين على محمل الجد إن لم يكن هو نفسه تابعًا أمينًا للرب.

٢. وَمُقَدِّمًا فِي التَّعْلِيمِ نَقَاوَةً: على تيطس أن يكون قدوة في ثبات العقيدة والاستقامة. فإن لم يملك فكرًا ثابتًا نحو الكلمة المقدسة، فلن يكون مهيًا للقيادة.

٣. لِكَيْ يُخْزَى الْمُضَادُّ: المقصود هنا، إحراج من يتهمون تيطس إذ لن يجدوا ما يقولونه ضده. فقد استطاع يسوع أن يقول لجمعٍ غاضب: “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟” (يوحنا ٤٦:٨).

• يُعَقِّب وايت (White) على عبارة ’إِذْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ رَدِيءٌ يَقُولُهُ عَنْكُمْ‘ كالتالي: “يُقصد بالعبارة، عدم وجود أي شيء شرير يقدمونه كتقرير عنا: وليس: ’ليس لديهم شيء شرير يقولونه.‘”

ز ) الآيات (٩-١٠): كيف تُعلم العبيد؟

٩وَالْعَبِيدَ أَنْ يَخْضَعُوا لِسَادَتِهِمْ، وَيُرْضُوهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ، غَيْرَ مُنَاقِضِينَ، ١٠غَيْرَ مُخْتَلِسِينَ، بَلْ مُقَدِّمِينَ كُلَّ أَمَانَةٍ صَالِحَةٍ، لِكَيْ يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ مُخَلِّصِنَا اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

١. وَالْعَبِيدَ: كان على تيطس أن يُعلم الْعَبِيد عن واجباتهم كمؤمنين. فقد صَدَم المؤمنون في العالم القديم، الثقافة الأوسع بدمجهم العبيد مع السادة في الخدمة الكنسية. وهذا يعني أنه يمكن للعبد أن يذهب إلى الكنيسة وأن يكون شيخًا على سيده.

• “لست اعتقد للحظة بأن بولس كان يؤيد نظام العبودية، لكنه آمن بشدة بأن مبادئ المسيحية العظيمة سوف تطيح بالعبودية في كل مكان، وكلما تم ذلك مبكرًا كلما جعله هذا مسرورًا أكثر. ولكن في الوقت الراهن، الذي سادت فيه نظام العبودية، كان على العبيد أن يزيّنوا تعليم الله مخلصهم بحسب مكانتهم في المجتمع.” سبيرجن (Spurgeon)

٢. أَنْ يَخْضَعُوا لِسَادَتِهِمْ: لا يقول بولس هنا أنه ينبغي على الْعَبِيد أن يَخْضَعُوا لكل إنسان، بل لِسَادَتِهِمْ فقط. وبهذا يعترف بولس بالتزامات الْعَبِيد، ولكن فقط تجاه سَادَتِهِمْ.

يَخْضَعُوا: “استخدمت كلمة ’الخضوع‘ لوصف الجنود الذين يقفون متأهبين لتحية قائدهم. وهكذا يعلنون استعدادهم لتنفيذ أوامره.” درابر (Draper)

• في نفس الوقت، وكما هو الحال في كل علاقاتنا، فإن طاعتنا وخضوعنا مرتبطين بطاعتنا الأسمى لله. وكما قال بطرس في أعمال الرسل ٢٩:٥ «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ» عندما يحصل تعارض بينهما.

٣. غَيْرَ مُخْتَلِسِينَ: كان هذا النوع من التعدي شائعًا في العالم القديم، لدرجة أن كلمتي عبد ولص كانتا تستخدمان على نحو متبادل. وكان يفترض بأن العبيد كانوا يسرقون من أسيادهم بطرق صغيرة.

مُخْتَلِسِينَ: “لا تعني هذه الكلمة السرقة فقط بل الاختلاس من ملكية شخص آخر، وتعني أيضًا الاحتفاظ بجزء من سعر البضاعة المباعة من حساب السيد. وقد ترجمت هذه الكلمة في سفر أعمال الرسل ٢:٥ في الترجمة العربية المبسطة كالتالي: ’احتَفَظَ بِجُزءٍ مِنْ ثَمَنِهَا‘؛ وهي الجريمة التي أذنب في ارتكابها حنانيا وسفيرة.” كلارك (Clarke)

٤. وَيُرْضُوهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ: على تيطس ببساطة أن يُعلم العبيد كي يكونوا وكلاء صالحين في كل المجالات. ومن خلال عملهم المُجِدْ وخضوعهم المتواضع سوف يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ مُخَلِّصِنَا اللهِ.

يُزَيِّنُوا: “تعني هذه الكلمة حرفيًا أن تأخذ مجوهرات ثمينة وترتبها بشكل يُظهِر جمالها الحقيقي.” درابر (Draper)

• بمعنى ما، لا يحتاج الإنجيل إلى تزيين. ولكننا في نفس الوقت نستطيع إظهار جمال الإنجيل بسلوكنا. وغالبًا ما نعتقد أننا بحاجة إلى كلمات أفضل لتزيين الإنجيل، وهذا أمر جيد، ولكننا في الحقيقية نحتاج إلى حياة أفضل.

• الأمر الرائع أن هؤلاء (في هذا السياق) الذين لديهم القدرة على أن يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ مُخَلِّصِنَا اللهِ هم الْعَبِيد. فمهما كان الشخص محرومًا أو في مكانة متدنية في المجتمع، فلا يزال بإمكانه إظهار جمال حق الله من خلال سلوكه في الحياة.

• “قد رأينا كيف يمكن تزيين تعليم مخلصنا الله. وفجمال تعليم الله يظهر عندما نُعبَّر عن آثارها على حياتنا وشخصياتنا في سلوكنا، وإن لم نفعل ذلك يبقى التعليم مجرد نظرية. فجمال التعليم يَظهَر حالًا عندما يلاحظ الناس تطبيقه في حياتنا. فقيمة النظرية تصبح جلية من خلال ما تظهره من نتائج.” مورجان (Morgan)

ثانيًا. مكانة النعمة في الحياة المسيحية

أ ) الآية (١١): نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَة.

١١لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ.

١. نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ: النعمة تجلب خلاصًا. فأنت لا يمكنك الحصول على الخلاص بنفسك، الخلاص يأتي إليك ولديك الفرصة لِتلقِّيه.

٢. قَدْ ظَهَرَتْ… لِجَمِيعِ النَّاسِ: يوجد إنجيل نعمة واحد لِجَمِيعِ النَّاسِ. فليس لدى الله إنجيل نعمة للبعض وإنجيل ناموس أو بر ذاتي للبعض الآخر. فجَمِيعِ النَّاسِ يجدون الخلاص من خلال نِعْمَةُ الله.

• “ليس هناك رتبة أو طبقة أو نوعية من الناس خارج تأثير نعمة الله المخلِّصة.” وايت (White)

• “نادرًا ما نُلاحَظ الجمال والطاقة في كلمة ظَهَرَ أو أشرق ’إبيفينو‘ (epiphaino) ويبدو أنها استعارة مأخوذة من الشمس. فكما أنها تطلع من الشرق وتشرق وتنير كل العالم على التعاقب، كذلك فالرب يسوع المُسمى شمس البر في ملاخي ٢:٤ يشرق على كل الجنس البشري، والشفاء في أجنحته.” كلارك (Clarke)

• إن نور ودفء الشمس يَعُم الأرض كلها، ولكنه لا يشع على الأرض في نفس الوقت ولا بنفس الشدة من مكان لآخر.

ب) الآيات (١٢-١٣): ماذا تعملنا النعمة؟

١٢مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ، ١٣مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

١. مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ: كلمة ’مُعَلِّمَةً‘ في اليونانية القديمة تحمل معنى ما يفعله الأب ليدرب ابنه. فتشير إلى عملية التدريب بأكملها: تعليم وتشجيع وتقويم وتأديب. فالنعمة بهذا المعنى هي المعلم.

• “تصرح جملة ’مُعَلِّمَةً إِيَّانَا‘ بأن النعمة تعمل أيضًا في حياة المخلصين. ولأن النعمة متأصلة في طبيعة الله فمطالبها تتوافق مع طبيعته. فكلمة ’تُعلَّم‘ تُصوِّر لنا النعمة وكأنها شخص يرشد المؤمن في الأشياء التي تتوافق مع العقيدة السليمة.” هايبرت (Hiebert)

• “يقصد الكاتب بهذا أن على نعمة الله أن ترشدنا لكي نرتب حياتنا بالشكل الصحيح. وقد حول البعض الوعظ حول رحمة الله إلى عذر لممارسة الفجور، بينما منعت اللامبالاة آخرين من التفكير بتجديد حياتهم. ولكن إعلان نعمة الله يجلب معه بالضرورة إنذارات تُحرِّض على حياة التقوى.” كالفن (Calvin)

• “لذلك نرى أن للنعمة تلاميذه. فهل أنت تلميذ لنعمة الله؟ هل سبق لك وأخضعت نفسك لها؟” سبيرجن (Spurgeon)

٢. أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ: تترك النعمة الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ في ماضينا، ولكنها تعلمنا أن نرفضها في حاضرنا وليس فقط أن نتجنبها.

أَنْ نُنْكِرَ: “تشير الكلمة إلى إنكار الشيطان والأمور الباطلة لهذا العالم وكل شهوات الجسد.” وايت (White)

• ويمكننا القول إننا نعيش في عالم يُغرينا لنقول نعم لكل الرغبات والمشاعر، ولكن حقيقة إيماننا يمكن أن تظهر عندما نرفض العالم ونقول لا. فإيماننا يَظهَر في الأمور التي نريد إنكارها.

• “إن أصعب جزء في تدريب الأحداث ليس هو زرع الصلاح فيهم بل قلع الخطأ منهم.” سبيرجن (Spurgeon)

٣. نَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ: تعلمنا النعمة كيف نحيا فِي الْعَالَمِ الْحَاضِر، لذا علينا أن نعيش بِالتَّعَقُّل (ضبط النفس) إزاء أنفسنا، وأن نعيش بالْبِرِّ إزاء الآخرين، وأن نعيش بالتَّقْوَى (التعامل مع الله بجدية) إزاء الله.

• “لقد علمتنا معلمة المدرسة اللطيفة ’نعمة الله‘ أن نحيا بتعقل في حياتنا الشخصية، وببر في علاقتنا مع الآخرين، وبتقوى في موقفنا تجاه الله.” ماير (Meyer)

• إذا أخذنا تلك الأمور معًا، سنرى أن خوف الناموسي الذي يعظ بأن النعمة تنتج مؤمنين غير مبالين بالطاعة لا أساس له. فالنعمة تعلمنا الطاعة. “نعمة الله لها تأثير أينما كانت، فهي تجعل من يحيا برخاوة ينكر شهوات الجسد، وتجعل من يشتهي الذهب يتغلب على جشعه. وهي تبعد المتكبر عن طموحاته، وتدرب الكسلان على الاجتهاد، وهي تعقل الشخص المستهتر الخليع واللامبالي والمنغمس في أمور الحياة التافهة. فنحن لا نتخلى فقط عن تلك الشهوات بل بالأحرى ننكرها.” سبيرجن (Spurgeon)

• إن عبارة وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ هي أيضًا برهان حاذق ضد فكرة المَطْهَر أو فكرة وجود مكان ما لتطهيرنا في الحياة الآخرة. “الاعتقاد بأن أي شيء لا يتطهر في هذه الحياة سَيتَطَّهر في الحياة الآخرة هو اعتقاد باطل.” كلارك (Clarke)

٤. مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ: إن النعمة تعلمنا أن نتوقع الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ ونُحَضِّر أنفسنا له. وذلك الرَّجَاءَ ليس هو السماء أو المجد بل هو يسوع نفسه، الذي سنراه وجهًا لوجه، أقرب من أي وقت مضى.

مُنْتَظِرِينَ: تشير هذه الكلمة إلى ضرورة أن يعيش المؤمنين في حالة توقُّع مستمر لمجيء المسيح الثاني، وأن يراعو ما يلي:

• أتى يسوع في مجيئه الأول ليخلص نفس الإنسان؛ وسوف يأتي ثانية ليقيم الجسد.

• أتى يسوع في مجيئه الأول ليخلص الفرد؛ وسوف يأتي ثانية ليخلص المجتمع.

• أتى يسوع في مجيئه الأول ليُصلَب؛ وسوف يأتي ثانية ليتوَّج.

• أتى يسوع في مجيئه الأول إلى صليب خشبي؛ وسوف يأتي ثانية إلى عرش.

• أتى يسوع في مجيئه الأول متواضعًا؛ وسوف يأتي ثانية ممجدًا.

• أتى يسوع في مجيئه الأول ليُدان من البشر؛ وسوف يأتي ثانية ليدين كل البشر.

• أتى يسوع في مجيئه الأول ليقف أمام بيلاطس؛ وسوف يأتي ثانية وسيقف حينئذٍ بيلاطس أمامه.

اللهِ الْعَظِيمِ: “هذه الآية هي الآية الوحيدة في العهد الجديد التي تُنسَب فيها كلمة ’ميغاس‘ (megas) (أي العظيم) إلى الإله الحقيقي، مع أنها تُنسَب باستمرار لآلهة الوثنيين، كما في سفر أعمال الرسل ٢٨:١٩.” وايت (White)

• “هناك ثلاث نتائج لتأديب النعمة بحسب بولس الرسول: إنكار وحياة وتوقع. ويمكنك أن ترى الكلمات الثلاث أمامك.” سبيرجن (Spurgeon)

ج ) الآية (١٤): قلب إله النعمة.

١٤الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ.

١. الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا: كل كلمة قيلت في هذا الوصف عن عمل يسوع هي في غاية الأهمية. فكلمة بَذَلَ تعني أن يسوع فعل ذلك طوعًا. وكلمة نَفْسَهُ تعني أن يسوع أعطى كل ما يمكنه أن يقدمه. وكلمة لأَجْلِنَا تعني أن يسوع بذل نفسه كبديل عن الإنسان الخاطئ.

٢. لِكَيْ يَفْدِيَنَا: إن مصطلح الفداء يعني “شراء شخص من العبودية عن طريق دفع الفدية عنه.” فنحن قد اشْتُرِينا من عبودية الخطية، واشْتُرِينا لأجل خدمته.

مِنْ كُلِّ إِثْمٍ: “لذلك، فقد تعلمنا أن الغرض من موت يسوع لم يكن لأجل غفراننا وتبريرنا فحسب، بل لأجل تقديسنا وتحريرنا من سلطان الخطايا المحيطة بنا.” ماير (Meyer)

لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا: “إن الكلمة التي ترجمت ’خَاصًّا ‘ (بيريوسيوس periousios) هي كلمة مثيرة للاهتمام. فهي تعني ’محفوظ لأجل،‘ وكانت تستخدم بشكل خاص في وصف ذلك الجزء من الغنائم التي يفرزها الملك المنتصر بعد المعركة ويخصَّصَها لنفسه.” باركلي (Barclay)

٣. غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ: قد اشْتُرِينا لنحيا إيماننا بغيرة. فهي غيرة مبنية على المعرفة والفهم، وغيرة لأجل البر في حياتنا أولًا قبل أن ننظر لحياة الآخرين.

• “وكما تعلمون، كان تيطس معلمًا للمعلمين. وقد وقع على عاتقه ترتيب الأمور المطلوبة وأن يُري الوعاظ الآخرين كيف ينبغي أن يعظوا… وقد رأينا مقدار المساحة المخصص في الرسالة للقضايا اليومية وللسلوك بقداسة. لذلك دعونا نعظ عن تلك الأمور، ودعونا نُعلم المؤمنين أن يستقبلوا مثل تلك التوجيهات بفرح.” سبيرجن (Spurgeon)

د ) الآية (١٥): مُراسلي النعمة.

١٥تَكَلَّمْ بِهذِهِ، وَعِظْ، وَوَبِّخْ بِكُلِّ سُلْطَانٍ. لاَ يَسْتَهِنْ بِكَ أَحَدٌ.

١. تَكَلَّمْ بِهذِهِ: على تيطس وكل خادم أن يتكلم ويعظ ويوبخ – وأن يفعل ذلك بِكُلِّ سُلْطَانٍ. وعلى المُرسلين أن يتذكروا أنهم مرسلون من قبل ملك، وهم يحملون كلمة تجلب حياة وتنجي من الجهنم.

٢. لاَ يَسْتَهِنْ بِكَ أَحَدٌ: إن تكلم تيطس بِكُلِّ سُلْطَانٍ فعليه أن يدعم كلامه بسلوكه وأن يعيش بأسلوب لا يسمح فيه لأحد أن يَسْتَهِنْ به أو برسالته.

• “رغم أن هذه الرسالة كانت ستقرأ في الكنائس، لكن هذه الملاحظة لم توجه لأهل كريت فحسب، بل لتيطس أيضًا.” هايبرت (Hiebert)