الإصحاح ١١٣

• مزمور ١١٣

تسبيح للرب الذي يرفع المتواضعين

• يحتوى سفر المزامير على ثلاث مجموعات من المزامير بعنوان ’هلِّلِ‘ (Hallel) مع المزامير ١١٣-١١٨ المعروفة باسم ’هلِّل المصرية.‘ ويعود هذا بشكل رئيسي إلى صلتها بعيد الفصح الذي يحتفل بتحرير إسرائيل من مصر. وكانت ترانيم ’هلِّل المصرية‘ جزءًا من احتفال الفصح، حيث كان المزموران ١١٣ و ١١٤ يرنمان قبل وجبة عيد الفصح، بينما كانت المزامير ١١٥-١١٨ بعدها.

• “هذه المجموعة ذات اهتمام خاص بالنسبة لنا، لأن من المرجح جدَّا أن الرب يسوع وتلاميذه رنموا هذه الترانيم في تلك الليلة المظلمة التي تعرَّض فيها يسوع للخيانة.” ج. كامبل مورجان (G. Campbell Morgan)

• “أشار البشيران متى ومرقس إلى هذه المزامير في متى ٢٦: ٣٠ ومرقس ١٤: ٢٦، حيث دُعيت بالترنيمة التي رنمها يسوع وتلاميذه في الفصح.” آدم كلارك (Adam Clarke)

أولًا. دعوة خدام الله إلى تسبيحه على الدوام

أ ) الآية (١): دعوة لتسبيح الله.

١هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا يَا عَبِيدَ الرَّبِّ. سَبِّحُوا اسْمَ الرَّبِّ.

١. هَلِّلُويَا: هذا هو المزمور الثالث على التوالي الذي يبدأ بهتاف ’هللويا!‘ وهو، كما هو الحال في المزمورين ١١١ و ١١٢، إعلان شخصي للتسبيح وتشجيع الآخرين على القيام بنفس الأمر.

٢. سَبِّحُوا يَا عَبِيدَ الرَّبِّ: لدى عَبِيدَ الرَّبِّ سبب خاص لتسبيحه. إذ يتمتعون بشرف المشاركة في عمله العظيم. وهم موعودون بمكافآت أبدية على فعل هذا. ولكل إنسان سبب للتسبيح والشكر، لكنْ يوجد لدى عَبِيدَ الرَّبِّ (خدام الرب) أسباب أكثر بكثير.

٣. سَبِّحُوا اسْمَ الرَّبِّ: يعني هذا تقديم الإكرام والتعظيم ليهوه ونفسه وطبيعته الأدبية التي يمثّلها اسمه.

• “هنالك هدف من وراء تخصيص عبيد الرب واسمه. فالعبادة الحقيقة ليست تملُّقًا أو عملية تخمين. إنها الولاء المُحِب من المكرَّسين للإله المعلَن.” كيدنر (Kidner)

• “في حالة الله، فإن ’اسم الرب‘ أمر مهم للغاية، لأنه متعلق بإعلان هوية الله. وبعبارة أخرى، نحن لا نعبد أي إله فحسب. إذ يتوجب علينا أن نسبّح الإله الحقيقي الذي أعلن نفسه في الخليقة، وفي سيناء، وفي مرحلة أكثر حداثة، في ابنه الوحيد يسوع الناصري.” بويس (Boice)

ب) الآيات (٢-٣): الطبيعة الدائمة لتسبيح الله.

٢لِيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا مِنَ الْآنَ وَإِلَى الْأَبَدِ. ٣مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمُ الرَّبِّ مُسَبَّحٌ.

١. مِنَ الْآنَ وَإِلَى الْأَبَدِ: شجّعَنا صاحب المزمور في الآية الأولى على تسبيح اسم الرب (يهوه). وهو يشجعنا في الآية التالية مباشرة على القيام بهذا إِلَى الْأَبَدِ. فالإله غير المتغير يبقى مستحقًّا لتسبيحنا إلى الأبد. فبالنسبة لكل ابن من أبناء الله مفتوحي العيون، فإن الزمن يكشف لهم على الدوام مزيدًا من أسباب التسبيح للرب.

لِيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا: “سبّحوه بأقصى عزم ونيّة، وعلى امتداد الروح والكلام. ولهذا، فإن الله يُدعى ’المبارَك‘ كاسم صحيح ملائم.” تراب (Trapp)

٢. مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمُ الرَّبِّ مُسَبَّحٌ: يستخدم صاحب المزمور النمط العبري للتكرار لتوكيد فكرة أن الله مستحق للتسبيح المستمر.

ثانيًا. أسباب لتسبيح الله بشكل مستمر

أ ) الآيات (٤-٦): عظمة مجد الله.

٤الرَّبُّ عَالٍ فَوْقَ كُلِّ الْأُمَمِ. فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَجْدُهُ. ٥مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلَهِنَا السَّاكِنِ فِي الْأَعَالِي؟ ٦النَّاظِرِ الْأَسَافِلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ.

١. فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَجْدُهُ: ليس الرب أعظم من كُلِّ الْأُمَمِ الوثنية فحسب، بل يمتد فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَجْدُهُ. فإله عهد إسرائيل أعظم من كل شيء في الخليقة.

• “رغم أن الأمم لم تعرف يهوه، إلاّ أنه هو حاكمها. فآلهتهم الزائفة ليست بآلهة. وملوكهم مجرد دمى بين يديه.” سبيرجن (Spurgeon)

٢. مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلَهِنَا: يبيّن تعظيمه فوق الأرض والسماوات أن يهوه لا مثيل له. فلا يوجد من هو أعظم من السَّاكِنِ فِي الْأَعَالِي.

٣. النَّاظِرِ الْأَسَافِلَ (يُشرِفُ مِنَ السَّمَاءِ): عندما نفهم عظمة الله، فإن اهتمامه بالخليقة (ولا سيما الإنسان) أمر مذهل. وهنا يشارك صاحب المزمور فكرة داود في مزمور ٨: ٤: “فَمَنْ هُوَ الْإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟” وتتضمن مزمور ١٤٤: ٣ إحساسًا مشابهًا بالدهشة.

• “لا يمكن أن تقاس قداسة الله بشكل كافٍ على الإطلاق، ما لم نُدخل في حسابنا تنازله. ولا يمكن أن نكتفي بالتعجب لتنازله أبدًا، ما لم نشعر بسموه.” ماكلارين (Maclaren)

• “إن ما يُدهش صاحب المزمور أن الله يرَفَّع عاليًا حتى إنه مضطر إلى الانحناء لكي يرى لا الأرض فحسب، بل السموات أيضًا، وهو في الوقت نفسه يهتم بالوضيعين.” بويس (Boice)

• “لم يستطع الفلاسفة الوثنيون أن يصدّقوا أن الإله العظيم ينتبه إلى الأحداث الصغيرة في التاريخ البشري. إذ تصوّروه قابعًا في لامبالاة هادئة برغبات البشر وويلاتهم.” سبيرجن (Spurgeon)

• “إن كان هدف هذا التنازل هو أن يرى الله أشياء في السماء وعلى الأرض، فيا لَهذا التنازل المذهل لابن الإنسان الذي جاء من السماء إلى الأرض، واتخذ طبيعتنا البشرية لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك! هنا تواضعٌ فعلًا.” سبيرجن (Spurgeon) نقلًا عن هنري (Henry)

ب) الآيات (٧-٩): اهتمام الله بالوضيعين.

٧الْمُقِيمِ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ ٨لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ. ٩الْمُسْكِنِ الْعَاقِرَ فِي بَيْتٍ، أُمَّ أَوْلَادٍ فَرْحَانَةً. هَلِّلُويَا.

١. الْمُقِيمِ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ: عندما ينظر الله في سمائه الأشياء على الأرض (الآية ٦)، فإنه يرى الْمِسْكِينَ في التُّرَابِ والمحتاج في أكوام الرماد (الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ) ليقيم مثل هؤلاء.

• “عندما لا تستطيع إلاّ يد الله أن تساعد، فإنه يتدخّل وينجز العمل. وإنه لأمر جدير أن نُطرَح لكي تقيمنا اليد الإلهية من التراب.” سبيرجن (Spurgeon)

• عندما رنّم يسوع هذه الكلمات في ليلة الخيانة والقبض عليه، لا بد أنه خطر بباله، بمعنى ما، أنه هو المسكين الذي سيُرفع من تراب القبر إلى أعلى مكان.

٢. لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ: “يرفع الله المساكين والبؤساء من الحضيض (المزبلة) إلى المرتفعات. وفي ضوء العهد الجديد، يمكننا أن نربط هذا بعمل الله في حياة المؤمنين، كما هو موصوف في أفسس ٢: ٥-٦ “…وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ – بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ – وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.”

• بينما تتطلع هذه الكلمات إلى الأمام إلى أفسس ٢: ٥-٦، إلاّ أنها تنظر إلى الوراء أيضًا. “غير أن هذه الكلمات تعود إلى الوراء بشكل واعٍ إلى ترنيمة حنة، والتي تمثل هذه الآية اقتباسًا دقيقًا تقريبًا لها (قارن الآية ٧ و ٨أ بالآية في ١ صموئيل ٢: ٨). ومن هنا، تأتي الإشارة المفاجئة إلى المرأة العاقر في بيت لتصبح أم أولاد (الآية ٩)، لأن هذا كان موضوع حنة.” كيدنر (Kidner)

٣. الْعَاقِرَ فِي بَيْتٍ: يوضح صاحب المزمور كيفية رفع المسكين والبائس إلى مكان كرامة وشرف. والصورة هنا هي لامرأة عاقر تصبح أُمَّ أَوْلَادٍ فَرْحَانَةً.

• “سينال الرجل المبتلى تقديرًا واعترافًا، والمرأة المقموعة كرامة في كونها امرأة. ففي الشرق الأدنى القديم، وبشكل خاص في إسرائيل، كانت الأمومة قمة إنجاز للمرأة. وكانت المرأة العاقر منبوذة اجتماعيًّا. إذ كانت مصدر خيبة أمل لزوجها، وللنساء الأخريات، وبشكل خاص لنفسها.” فانجيميرين (VanGemeren)

• “كانت سارة، وراحيل، وزوجة منوح، وحنة، وأليصابات وغيرهنّ أمثلة لقوة الله المعجزية في تحقيق عبارة صاحب المزمور.” سبيرجن (Spurgeon)

• “ينتهي هذا المزمور بالقول إن إله الكتاب المقدس لا يهتم بالأشخاص المساكين بشكل عام فحسب، بل أيضًا بالفرد. فهو يهتم بك وبي شخصيًّا.” بويس (Boice)

• إنه لأمر مهم أن نتذكر أن يسوع رنّم هذه الكلمات في الليلة التي تعرّض فيها للخيانة والقبض عليه في الليلة السابقة لصلبه. “عندما وصل يسوع إلى الأعماق النهائية في هذا الانحناء (التنازل)، رنم الترنيمة التي تقدم التسبيح لله على تنازله في نعمته.” مورجان (Morgan)

٤. هَلِّلُويَا: الله المهتم والمحب الذي يأتي من أعلى سماه ليساعد البؤساء والمساكين في الأرض جدير بالتسبيح- هَلِّلُويَا!

• “تختتم الموسيقى بنغمتها الأساسية. فالمزمور دائرة، حيث ينتهي من حيث بدأ، بتسبيح الرب من أول مقطع إلى آخر مقطع. ليت مزمور حياتنا يشارك طبيعة هذا المزمور من دون تقطُّع أو نهاية للتسبيح. إنها دائرة لا نهاية لها. فدعنا نسبّح الرب الذي لا تتوقف مراحمه.” سبيرجن (Spurgeon)