١. قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيم: هذا هو الوفد الرسمي الثاني من القادة الدينيين الذين جاؤوا مِنْ أُورُشَلِيم لتقييم خدمة يسوع. وقد سبق ورأينا في مرقس ٢٢:٣ كيف اتهم الوفد الأول يسوع بتهمة قاسية جدًا. فهؤلاء الوفد مِنْ أُورُشَلِيم سبق واتخذوا قرارهم بشأن يسوع وكانوا يبحثون فقط عما يؤكد قرارهم ويدعمه.
• كانت فكرة تقييمهم لخدمة يسوع جيدة ومقبولة. فيبدو للعيان أن مهمة هؤلاء كانت حماية الشعب اليهودي من الأنبياء الكذبة أو المسحاء الدجالين. ولكن الطريقة التي قيموا بها يسوع كانت غير صحيحة إطلاقًا: أولًا، لقد سبق وقرروا بشأن يسوع، ثانيًا، لم يقيّموا يسوع وفقًا لمقياس كلمة الله، بل وفقًا لتقاليدهم.
٢. بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟: يشير القادة الدينيون هنا إلى طقوس الاغتسال وليس إلى غسل الأيدي العادي. فقد اهتم اليهودي المتزمت بأن يمارس طقوس الاغتسال بحذافيرها قبل كل وجبة.
• يشير غسل الأيدي هنا إلى طقوس الاغتسال. فلم يكن كافيًا أن تغسل يديك جيدًا إن كانت متسخة، بل عليك أولًا أن تغسلها حتى تنظف، ومن ثم أداء الطقوس اللازمة لتنظيفها روحيًا. بالإضافة إلى ذلك كانوا يرددون صلاة معينة أثناء الطقوس: “مبارك أنت يا رب، ملك الكون، لأنك قدستنا بالناموس وأمرتنا بغسل الأيدي.” (مأخوذة عن لاين Lane)
• “إن الأساس الذي بنيت عليه هذه الممارسة التي انتشرت في أورشليم والشتات هي الوصية التي تأمر الكهنة بغسل أيديهم وأرجلهم قبل الدخول إلى خيمة الاجتماع (سفر الخروج ١٩:٣٠، ١٢:٤٠).” لاين (Lane)
٣. لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ: كان مصدر طقوس الاغتسال هو تقاليد الشيوخ وليس الناموس. وقد عرف القادة اليهود هذا جيدًا، ومع ذلك انتقدوا التلاميذ لأنهم لم يطيعوا هذه التقاليد.
• حفظ اليهود في ذلك الزمن ناموس موسى. ولكن بالإضافة إلى الناموس، كان هناك ناموس شفوي، تم تدوينه لاحقًا، يحتوي على تقاليد وتفاسير بشرية. والكثير من القادة اليهود في زمن يسوع احترموا وكرموا الناموس الشفهي أكثر من ناموس موسى.
• قال المعلم اليهودي إليعازر: “من يخرج بتفاسير من ناموس موسى تعارض التقاليد، لن يكون له نصيب في العالم الآتي.” ونقرأ في المشنا، أي مجموعة التقاليد اليهودية في التلمود: “أعظم خطية هي أن تُعلم بما يخالف تعاليم المعلم اليهودي، فهذه الخطية تفوق معارضتك للناموس نفسه.” ويرزبي (Wiersbe)
• “لدى اليهود عدة أقوال تُظهر احترامهم وتقديرهم للتقاليد، مثل: ’علينا أن نصدق الكتبة وإن قالوا أن يدنا اليمنى هي اليسرى، وأن اليسرى هي اليمنى.‘ ومثل آخر: ’هناك عمق في كلام الكتبة غير موجود في الناموس.‘ وأضاف المعلم اليهودي جوس (Jose): ’من يأكل بأيدٍ غير نظيفة يشبه من يضجع مع زانية.‘” تراب (Trapp)
• “كان هناك مجموعة كبيرة من التقاليد (الأحكام والقوانين): المجموعة الأولى من التقاليد كان الهدف منها تفسير الناموس وتطبيقه على الحياة اليومية؛ والمجموعة الثانية من التقاليد كانت لتفسير تقاليد المجموعة الأولى وتطبيقها؛ والمجموعة الثالثة من التقاليد كانت لتفسير تفسير التقاليد!” مورغان (Morgan)
• “عدم تأييد يسوع للتقليد الشفهي هو الذي جعله هدفًا لهجوم الكتبة.” لاين (Lane)
٤. لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ، لاَ يَأْكُلُونَ، مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ: كانت طقوس الاغتسال كالتالي: أولًا، يجب على ماء الاغتسال أن يوضع في أوانٍ حجرية لأن الماء العادي قد يكون نجسًا طقسيًا. وعلى كمية الماء المستخدمة لغسل الأيدي بِاعْتِنَاءٍ أن لا تزيد عن كمية الماء التي تملأ قشرة بيضة كاملة ونصف بيضة. ثم ابتدئ بصب الماء على يديك بدءًا من الأصابع إلى المعصمين، وافرك معصميك بكفيك لتنظيفها. ثم قم بصب الماء ثانية على يديك، لكن بدءًا من المعصمين إلى الأصابع هذه المرة.
• كان على اليهودي المتزمت أن يقوم بهذه الغسلات ليس بعد تناول أي وجبة فحسب بل بين كل طبق وآخر. فقد كان معلمو اليهود يولون أهمية كبيرة لهذا الأمر. وقالوا إن تناول الخبز بأيد غير مغسولة ليس أفضل من أكل البراز. وقد تم عزل معلم يهودي من المجمع مرة لأنه فشل في أداء طقوس الاغتسال. وشارف معلم آخر على الموت في سجن روماني، لأنه كان يستخدم حصته من الماء ليغتسل بدلًا من الشرب، واعتبروه بطلًا بسبب تضحيته هذه.
• من السهل أن ننتقد هؤلاء القادة أو هذه الثقافة الدينية بأكملها ونقول أن تركيزهم على التقاليد بهذه الطريقة أمر سخيف وزائف. ولكننا لا ندرك كم تبدو هذه الأمور روحية خاصة في البداية. فالعديد من الطقوس أو التقاليد تبدو أنها مبنية على منطق روحي راسخ:
• ألا يريدنا الله أن نمجده في كل ما نفعل؟
• ألم يوصي الله الكهنة أن يغسلوا أيديهم قبل الخدمة؟
• ألا ينبغي على كل مؤمن أمين أن يكون له نفس شغف وتفاني الكاهن؟
• أليس كل وجبة مقدسة عند الله؟
• ألا ينبغي علينا أن ننتهز كل فرصة لننقي أنفسنا أمام الرب؟
• عندما نطرح الأسئلة بهذه الطريقة، من السهل أن تجيب عليها بالإيجاب، وفجأة تجد نفسك تتفق مع المنطق وراء هذه التقاليد. ولكن إن كانت التقاليد التي هي مجرد كلام وطقوس من صنع الإنسان لها نفس تأثير كلمة الله، إذًا فأنت مخطئ تمامًا، ومنطقك الروحي لم يعد مهمًا.
ب) الآيات (٦-٩): سمو تقاليد الإنسان على إرادة الله
١. أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ: تكلم يسوع بكل حزم لأن اهتمام هؤلاء القادة كان منصبًا على أمور تافهة مثل طقوس الاغتسال. وبسبب تمسكهم بهذه التقاليد التافهة، حرموا كل من لم يحفظ تقاليدهم من المجمع، وبالتالي منعوهم من التواجد في محضر الله.
• هناك ترجمة أخرى للآية من إشعياء: هؤلاء الناس يتكلمون بشكل جميل عن الرب، لكنهم لا يحبونه على الإطلاق. عبادتهم مهزلة، لأنهم يزعمون أن الله يوصي الناس أن يطيعوا تعليماتهم التافهة.
٢. هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ: صحيح أن هذا الشعب كان يكرم الله بِشَفَتَيْهِ، ولكن الواقع كان، وكما قال الله عنهم: وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا. فيمكنك أن تتحلى بمظهر التقوى والتدين، ولكنك في الواقع بعيدًا كل البعد عن الله. وهذا كان حال هؤلاء القادة.
• هذه هي الفكرة الأساسية وراء كلمة ’الْمُرَائِينَ.‘ فالكلمة في اليونانية تشير إلى “الممثل” أو “شخص يرتدي قناعًا.” فالصورة التي يروجونها عن أنفسهم كانت أهم بكثير بالنسبة لهم من حقيقتهم.
٣. وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ: هذا أحد أعمدة الناموسية. فما يدعم الناموسية هو أن تأخذ وصية أو رأي إنسان وتُعلمه أو تروجه على أنه عقيدة من الله. فالناموسية تضع كلمة الإنسان على نفس المستوى مع كلمة الله.
• الحياة المسيحية ليست مجرد مسألة صواب وخطأ. فالكثير من الأشياء يحددها ببساطة ضمير الإنسان أمام الله. فمثلًا، لا توجد وصية في الكتاب المقدس تحثنا على ممارسة طقوس الاغتسال قبل الوجبات. ولكن إن أردت أن تفعل ذلك، فهذا جيد. ولكن إفعل ذلك كما للرب وليس للناس ودون التباهي بالتفوق الروحي أمام إخوانك وأخواتك. وإن كنت لا تريد أن تفعل ذلك، فهذا جيد أيضًا. ولكن لا تفعل ذلك للرب، ولا تنظر باحتقار للذين يحثهم ضميرهم على ممارسة هذه الطقوس.
٤. أَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ: وهذا عمود آخر للناموسية. وكأن إضافة تقاليد الإنسان على كلمة الله ليس سيئًا بما فيه الكفاية، ها هم يذهبون خطوة أبعد من ذلك: تَرَكْوا (رفضوا) وَصِيَّةَ اللهِ … وَتَمَسَّكُوا بِتَقْلِيدِ النَّاسِ. وبهذا، سلبوا الجوهر الحقيقي لكلمة الله.
• “السؤال الذي يحير من يملك استنارة روحية هو: كيف يسرع الإنسان إلى قبول أو حتى الدفاع عن سلطان تقاليد البشر، بينما يتجاهل تمامًا تعاليم كلمة الله البسيطة.” أيرونسايد (Ironside)
ج) الآيات (١٠-١٣): مثال على الطريقة التي أهانت بها تقاليدهم الله: تقاليدهم عن الواجبات تجاه الوالدين
١. لأَنَّ مُوسَى قَالَ: بيّن العهد القديم بوضوح مسؤولية الأولاد نحو والديهم: ’أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ.‘ فطالما كان الأولاد تحت رعاية والديهم، فمسؤوليتهم هي الطاعة، ولكن متى كبروا وعاشوا بعيدًا عن المنزل، يتوجب عليهم بالإضافة إلى الطاعة، أن يكرموهم.
٢. قُرْبَانٌ، أَيْ هَدِيَّةٌ، هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي: وفقًا لهذا التقليد، يمكن للابن أن يقول لوالديه: ’لَا أسْتَطِيعُ مُسَاعَدَتَكُمَا، لِأنَّ كُلَّ مَا أمتَلِكُهُ هُوَ قُربَانٌ لِلرَّبِّ!‘ أي تَقْدِمَة الهيكل المخصصة للرب.
٣. مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ: ومن خلال هذا التقليد، يستطيع الابن أن يكسر الوصية ’أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ‘ بحجة التدين. لهذا قال يسوع أن تقليدهم أبطلت (تجاهلت) كلام الله.
د ) الآيات (١٤-١٦): تكلم يسوع مع الجَمْع عن صورة التقوى (التدين الزائف).
١. لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ: هذا لا يعني أنه لا توجد أشياء خارج الإنسان يمكن أن تنجسه (مثل المشاهد الإباحية). ولكن في هذا السياق بالتحديد كان يسوع يتكلم عن الشَعائرِ (الطقوس) المتعلقة بالطعام، وكان يشير إلى الوقت الذي سيعلن فيه أن كل الطعام طاهر (أعمال الرسل ١٥:١٠).
٢. لكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ: المبدأ الأساسي بسيط للغاية: الأكل بأيدٍ غير نظيفة أو أكل أي شيء لا ينجسنا. لكن الأشياء التي تخرج منا هي التي تنجسنا وتكشف أن قلوبنا نجسة وغير نقية.
• “هذا النص بالنسبة لنا اليوم لا يعني الكثير بالمقارنة مع الوقت الذي قيلت فيه هذه الكلمات لأول مرة، فهذا بالنسبة لليهود يعتبر من أكثر الكلام تطرفًا في كل العهد الجديد.” باركلي (Barclay)
هـ) الآيات (١٧-٢٣): تكلم يسوع مع تلاميذه عن مظاهر التدين
١. أَفَأَنْتُمْ أَيْضًا هكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ؟: شرح يسوع بإسهاب المثل الذي قاله للْجَمْع. فالإنسان نجس من الداخل وهذه النجاسة تنعكس في تصرفاته وليس العكس، وهذا صحيح بصورة خاصة فيما يتعلق بأنظمة وشعائر الطعام.
٢. لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: كل ما يهم الله هو ما يخرج منا لا ما يدخل فينا. وهذا صحيح عندما يتعلق الأمر بالطعام والتقاليد والطقوس.
٣. الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ، زِنىً، فِسْقٌ: هذه مجرد جزء من قائمة تشمل ١٣ نوع من الشرور داخل الإنسان. فأنت لا تحتاج إلى الذهاب بعيدًا لتعرف مصدر هذه الخطايا، ولا تحتاج أن تبحث كثيرًا، كل ما عليك فعله هو النظر إلى قلبك. “مصدر التلوث في الإنسان هو طبيعته الساقطة. فالخطية ليست بعض الوحل الذي يلوث الإنسان من الخارج، بل هي القذارة التي ولد فيها.” سبيرجن (Spurgeon)
• “أشعر بالسوء كلما فكرت كيف ابتلى الإنسان أخيه الإنسان بخطاياه. ولكني لن أسرد قائمة الخطايا، فلا احتاج لذلك: لقد وعظ الشيطان عن هذا النص هذا الأسبوع، وقليلون تمكنوا من الهرب من هذا العرض الرهيب.” سبيرجن (Spurgeon)
• الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ هي: “كل عمل رديء يعمله الإنسان لا بد وأن يسبقه فكر شرير يتحول إلى دافع شرير. ولهذا بدأ يسوع بالحديث عن الأفكار الشريرة التي تنبع منها التصرفات الشريرة.” باركلي (Barclay)
• تَجْدِيفٌ: “إذا استخدمت الكلمة ضد إنسان فهي تعني إفتراء، أما إذا استخدمت ضد الله فهي تعني تجديف… فتعني إهانة الله أو الإنسان.” باركلي (Barclay)
١. وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ: قطع يسوع حوالي ٨٠ كيلومتر شمالًا ليزور هذه المدن الأممية (تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ). وكان هذا غير عادي بالنسبة لخدمة يسوع لأن تركيزه كان على خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ (متى ٢٤:١٥).
• ويُظهر هذا أيضًا أن يسوع لم يحفظ تقاليد الشيوخ التي كانت تمنع اختلاط اليهودي الأمين بالأمم ولا تسمح له بدخول بيوتهم.
• “نرى في الحادثة السابقة كيف أزال يسوع الفرق بين الأطعمة النجسة والطاهرة طقسيًا. أيعقل أنه هنا، ولو عن طريق الرمز، يمحي الفروقات بين شعب نجس وطاهر طقسيًا؟ وكما حرمت هذه التقاليد على اليهودي أكل كثير من الأطعمة، هكذا حرمت عليه الاتصال بأي أممي نجس.” باركلي (Barclay)
• وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ: وفي ذات الوقت، لم يشأ يسوع الإساءة إلى الناس دون أي داع. فقد كان يعلم أن الحائط الذي يفصل بين اليهود والأمم سينهدم في المستقبل وسيشكلون معًا جسدًا واحدًا هو الكنيسة. لهذا مَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وكان لا يريد لأحد أن يعرف.
٢. لم يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ: يا له من مبدأ رائع – لا يقدر يسوع أَنْ يَخْتَفِيَ. فيسوع حاضر دائمًا، ويجد الوسيلة للمس حياتنا باستمرار، لأنه ببساطة لا يستطيع أن يُخفي نفسه.
٣. فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ… فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنَتِهَا: جاءت هذه المرأة للتشفع من أجل ابنتها، وهي تعكس صورة من يتشفع لأجل الآخرين لأنها جعلت احتياجات ابنتها وكأنه احتياجاتها الشخصية.
١. «دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلًا يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ»: يبدو وكأن يسوع لم يشجع المرأة، وذكرها بأن الْبَنِينَ (الشعب اليهودي) لهم أولوية على الْكِلاَبِ (الأمم أمثالها).
• كان اليهود في تلك الأيام يدعون الأمم بالكلاب بطريقة مهينة جدًا. “كان اليونانيون يعتبرون المرأة الفاسدة التي تتصرف بدون خجل ’كلبة‘؛ وهو نفس التعبير الذي نستخدمه اليوم لوصف العاهرة. وكانت الكلمة عند اليهود تستخدم للإهانة.” باركلي (Barclay)
• ومع ذلك، لم يستخدم يسوع الكلمة المعتادة التي تطلق على الكلاب، بل خفف وقع الكلمة واستخدم الكلمة التي تعني الكلاب الصغيرة، لتذكير المرأة بمكانتها كأممية أساسًا، إلا أنه لم يرد أن يبعدها كليًا عنه. “التصغير في اللغة اليونانية تعطي الكلمة صفة التحبب. وبهذا أزال يسوع المعنى السيء الذي تتضمنه الكلمة.” باركلي (Barclay)
٢. وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ!: تجاوبت المرأة بإيمان عظيم. أولًا، قبلت مكانتها المتدنية أمام يسوع بعدم معارضتها للقب الذي أعطاها إياه: الْكِلاَبِ. ثانيًا، طلبت من يسوع أن يتعامل معها على نفس مستواها (وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ). ولهذا استجاب يسوع لها.
• نحتاج لرؤية القوة والتأثير عندما نأتي إلى الله كما نحن، وعلينا أن نسمح له بتحقيق وعوده للضعفاء والأثمة. فإن ردت المرأة هكذا: “من تكون لتدعوني بهذا؟” لما حصلت ابنتها على الشفاء. ولكن خضوعها وإيمانها بيسوع أعطاها النصرة. “لا شيء يسر ربنا المبارك أكثر من الإيمان المصحوب بالتواضع.” أيرونسايد (Ironside)
• أشاد كلارك بصلاة هذه المرأة وأظهر فيها تسع سمات ملحوظة، كانت صلاتها: “١. قصيرة، ٢. وديعة، ٣. ممتلئة إيمانًا، ٤. ملتهبة (متقدة)، ٥. متواضعة، ٦. تتسم بالاحترام. ٧. عقلانية ٨. معتمدة فقط على رحمة الله ٩. مثابرة.”
١. وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ: كان هذا مثال آخر للشفاعة. فقد جاء أصدقاء هذا الرجل وقدموا احتياج صديقهم إلى يسوع.
٢. فَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَتَفَلَ وَلَمَسَ لِسَانَهُ: استخدم يسوع طريقة غريبة في شفاء هذا الرجل. فطوال خدمته، استخدم يسوع طرق شتى للشفاء. شفى بكلمة، وشفى من دون كلمة، شفى مستجيبًا لإيمان أحدهم، وشفى مستجيبًا لإيمان شخص آخر، وشفى أولئك الذين طلبوا، وشفى أولئك الذين اقتربوا منه. فلم يكن يسوع يريد أن يحدد نفسه في إطار معين، وذلك ليظهر أن سلطانه لا يعتمد على طريقة ما وإنما على سلطان الله الكامل.
• اهتم الكثيرين بهذا الرجل، وربما صلى لأجله الكثيرون. ولكن لم يضع أحدهم أصبعه في آذانه أو بصق على لسانه بهذه الطريقة. فعل يسوع أمرًا جديدًا تمامًا لجذب انتباه هذا الرجل لأنه لا يستطع جذب انتباهه بالكلمات. “من خلال اللمس والبصق دخل يسوع عقل الرجل واكتسب ثقته.” لاين (Lane)
• مما لا شك فيه أن يسوع عرف قدرته على مساعدة هذا الرجل. “قام بتكييف أسلوبه ليتناسب مع حالة الرجل الذي يتعامل معه. وأنا مقتنع تمامًا أنه إن تمكنا من معرفة الناس جيدًا سنتمكن كيف نسدد احتياجهم. وفي كل حالة تعامل المسيح مع حاجة الإنسان بالشكل الذي يلائمه.” مورغان (Morgan)
٣. وَأَنَّ (وَتَنَهَّدَ بِعُمْقٍ): “نرى هنا رجل الأحزان ومختبر الحزن. تأمل في ذلك الرجل الذي تحفل خدمته بقوة الشفاء وبتقديم النور للناس لكن لا تنسى أبدًا الثمن الباهظ لهذه الخدمة.” مورغان (Morgan)
• “كانت التنهيدة عبارة عن الألم الذي اعتصر قلب ربنا الحنون تجاوبًا مع المعاناة التي جلبتها الخطية على العالم. وكانت التنهيدة أيضًا صلاة إلى الآب نيابة عن هذا الرجل المريض. (استخدمت الكلمة في الصلاة المذكورة في رومية ٢٣:٨، والاسم في رومية ٢٦:٨).” ويرزبي (Wiersbe)
٤. وَلِلْوَقْتِ انْفَتَحَتْ أُذْنَاهُ، وَانْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ، وَتَكَلَّمَ مُسْتَقِيمًا: الكلمة اليونانية القديمة ’انْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ‘ هي mogilalon واستخدمت هنا فقط في العهد الجديد. واستخدمة مرة في الترجمة السبعينية للعهد القديم في إشعياء ٥:٣٥-٦: ٥ “حِينَئِذٍ، سَتُبصِرُ عُيُونُ العُمِي، وَآذَانُ الصُّمِّ سَتَسْمَعُ. حِينَئِذٍ، سَيَقْفِزُ الأعرَجُ كَالغَزَالِ، وَسَيَهْتِفُ الأخْرَسُ (mogilalon) فَرِحًا. لِأنَّ مِيَاهًا سَتَتَدَفَّقُ فِي البَرِّيَّةِ، وَجَدَاوِلَ فِي الصَّحرَاءِ. يريدنا مرقس أن نعرف أن المسيح جاء، ليحقق الفوائد ملكه على الأرض.
• “استخدام مرقس لكلمة نادرة لوصف عدم قدرة الرجل على الكلام تكاد تؤكد اقتباسه الآية من إشعياء ٥:٣٥ التي تحتفل بالرب الذي سيفتح آذان الصم ويضع ترنيمة في فم الأخرس.” لاين (Lane)
٥. إِنَّهُ عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا!: هذا صحيح، فيسوع يعمل كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا، ولا يعمل شيئًا على عجلة أو بغير إتقان. وهذه الحقيقة نراها في الخليقة ونراها أكثر في الفداء.
إنجيل مرقس – الإصحاح ٧ – الطاهر والنجس إعلان طهارة الطعام والناس
أولًا. خلاف حَوْلَ الاغتسال الطَّقْسِيِّ
أ ) الآيات (١-٥): جاء القادة اليهود القادمون من أورشليم ليتصيدوا الأخطاء ويطرحوا الأسئلة حول عدم اتباع التلاميذ لطقوس الاغتسال.
١وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ. ٢وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضًا مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ، أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ، لاَمُوا. ٣لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ، لاَ يَأْكُلُونَ، مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. ٤وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا، مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ. ٥ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: «لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ، بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟»
١. قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيم: هذا هو الوفد الرسمي الثاني من القادة الدينيين الذين جاؤوا مِنْ أُورُشَلِيم لتقييم خدمة يسوع. وقد سبق ورأينا في مرقس ٢٢:٣ كيف اتهم الوفد الأول يسوع بتهمة قاسية جدًا. فهؤلاء الوفد مِنْ أُورُشَلِيم سبق واتخذوا قرارهم بشأن يسوع وكانوا يبحثون فقط عما يؤكد قرارهم ويدعمه.
• كانت فكرة تقييمهم لخدمة يسوع جيدة ومقبولة. فيبدو للعيان أن مهمة هؤلاء كانت حماية الشعب اليهودي من الأنبياء الكذبة أو المسحاء الدجالين. ولكن الطريقة التي قيموا بها يسوع كانت غير صحيحة إطلاقًا: أولًا، لقد سبق وقرروا بشأن يسوع، ثانيًا، لم يقيّموا يسوع وفقًا لمقياس كلمة الله، بل وفقًا لتقاليدهم.
٢. بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟: يشير القادة الدينيون هنا إلى طقوس الاغتسال وليس إلى غسل الأيدي العادي. فقد اهتم اليهودي المتزمت بأن يمارس طقوس الاغتسال بحذافيرها قبل كل وجبة.
• يشير غسل الأيدي هنا إلى طقوس الاغتسال. فلم يكن كافيًا أن تغسل يديك جيدًا إن كانت متسخة، بل عليك أولًا أن تغسلها حتى تنظف، ومن ثم أداء الطقوس اللازمة لتنظيفها روحيًا. بالإضافة إلى ذلك كانوا يرددون صلاة معينة أثناء الطقوس: “مبارك أنت يا رب، ملك الكون، لأنك قدستنا بالناموس وأمرتنا بغسل الأيدي.” (مأخوذة عن لاين Lane)
• “إن الأساس الذي بنيت عليه هذه الممارسة التي انتشرت في أورشليم والشتات هي الوصية التي تأمر الكهنة بغسل أيديهم وأرجلهم قبل الدخول إلى خيمة الاجتماع (سفر الخروج ١٩:٣٠، ١٢:٤٠).” لاين (Lane)
٣. لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ: كان مصدر طقوس الاغتسال هو تقاليد الشيوخ وليس الناموس. وقد عرف القادة اليهود هذا جيدًا، ومع ذلك انتقدوا التلاميذ لأنهم لم يطيعوا هذه التقاليد.
• حفظ اليهود في ذلك الزمن ناموس موسى. ولكن بالإضافة إلى الناموس، كان هناك ناموس شفوي، تم تدوينه لاحقًا، يحتوي على تقاليد وتفاسير بشرية. والكثير من القادة اليهود في زمن يسوع احترموا وكرموا الناموس الشفهي أكثر من ناموس موسى.
• قال المعلم اليهودي إليعازر: “من يخرج بتفاسير من ناموس موسى تعارض التقاليد، لن يكون له نصيب في العالم الآتي.” ونقرأ في المشنا، أي مجموعة التقاليد اليهودية في التلمود: “أعظم خطية هي أن تُعلم بما يخالف تعاليم المعلم اليهودي، فهذه الخطية تفوق معارضتك للناموس نفسه.” ويرزبي (Wiersbe)
• “لدى اليهود عدة أقوال تُظهر احترامهم وتقديرهم للتقاليد، مثل: ’علينا أن نصدق الكتبة وإن قالوا أن يدنا اليمنى هي اليسرى، وأن اليسرى هي اليمنى.‘ ومثل آخر: ’هناك عمق في كلام الكتبة غير موجود في الناموس.‘ وأضاف المعلم اليهودي جوس (Jose): ’من يأكل بأيدٍ غير نظيفة يشبه من يضجع مع زانية.‘” تراب (Trapp)
• “كان هناك مجموعة كبيرة من التقاليد (الأحكام والقوانين): المجموعة الأولى من التقاليد كان الهدف منها تفسير الناموس وتطبيقه على الحياة اليومية؛ والمجموعة الثانية من التقاليد كانت لتفسير تقاليد المجموعة الأولى وتطبيقها؛ والمجموعة الثالثة من التقاليد كانت لتفسير تفسير التقاليد!” مورغان (Morgan)
• “عدم تأييد يسوع للتقليد الشفهي هو الذي جعله هدفًا لهجوم الكتبة.” لاين (Lane)
٤. لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ، لاَ يَأْكُلُونَ، مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ: كانت طقوس الاغتسال كالتالي: أولًا، يجب على ماء الاغتسال أن يوضع في أوانٍ حجرية لأن الماء العادي قد يكون نجسًا طقسيًا. وعلى كمية الماء المستخدمة لغسل الأيدي بِاعْتِنَاءٍ أن لا تزيد عن كمية الماء التي تملأ قشرة بيضة كاملة ونصف بيضة. ثم ابتدئ بصب الماء على يديك بدءًا من الأصابع إلى المعصمين، وافرك معصميك بكفيك لتنظيفها. ثم قم بصب الماء ثانية على يديك، لكن بدءًا من المعصمين إلى الأصابع هذه المرة.
• كان على اليهودي المتزمت أن يقوم بهذه الغسلات ليس بعد تناول أي وجبة فحسب بل بين كل طبق وآخر. فقد كان معلمو اليهود يولون أهمية كبيرة لهذا الأمر. وقالوا إن تناول الخبز بأيد غير مغسولة ليس أفضل من أكل البراز. وقد تم عزل معلم يهودي من المجمع مرة لأنه فشل في أداء طقوس الاغتسال. وشارف معلم آخر على الموت في سجن روماني، لأنه كان يستخدم حصته من الماء ليغتسل بدلًا من الشرب، واعتبروه بطلًا بسبب تضحيته هذه.
• من السهل أن ننتقد هؤلاء القادة أو هذه الثقافة الدينية بأكملها ونقول أن تركيزهم على التقاليد بهذه الطريقة أمر سخيف وزائف. ولكننا لا ندرك كم تبدو هذه الأمور روحية خاصة في البداية. فالعديد من الطقوس أو التقاليد تبدو أنها مبنية على منطق روحي راسخ:
• ألا يريدنا الله أن نمجده في كل ما نفعل؟
• ألم يوصي الله الكهنة أن يغسلوا أيديهم قبل الخدمة؟
• ألا ينبغي على كل مؤمن أمين أن يكون له نفس شغف وتفاني الكاهن؟
• أليس كل وجبة مقدسة عند الله؟
• ألا ينبغي علينا أن ننتهز كل فرصة لننقي أنفسنا أمام الرب؟
• ألم يقل الله: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ؟ وَمَنْ يَقُومُ فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ؟ اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ (مزمور ٣:٢٤-٤).
• عندما نطرح الأسئلة بهذه الطريقة، من السهل أن تجيب عليها بالإيجاب، وفجأة تجد نفسك تتفق مع المنطق وراء هذه التقاليد. ولكن إن كانت التقاليد التي هي مجرد كلام وطقوس من صنع الإنسان لها نفس تأثير كلمة الله، إذًا فأنت مخطئ تمامًا، ومنطقك الروحي لم يعد مهمًا.
ب) الآيات (٦-٩): سمو تقاليد الإنسان على إرادة الله
٦فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، ٧وَبَاطِلًا يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. ٨لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ، وَأُمُورًا أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ». ٩ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ!».
١. أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ: تكلم يسوع بكل حزم لأن اهتمام هؤلاء القادة كان منصبًا على أمور تافهة مثل طقوس الاغتسال. وبسبب تمسكهم بهذه التقاليد التافهة، حرموا كل من لم يحفظ تقاليدهم من المجمع، وبالتالي منعوهم من التواجد في محضر الله.
• هناك ترجمة أخرى للآية من إشعياء: هؤلاء الناس يتكلمون بشكل جميل عن الرب، لكنهم لا يحبونه على الإطلاق. عبادتهم مهزلة، لأنهم يزعمون أن الله يوصي الناس أن يطيعوا تعليماتهم التافهة.
٢. هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ: صحيح أن هذا الشعب كان يكرم الله بِشَفَتَيْهِ، ولكن الواقع كان، وكما قال الله عنهم: وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا. فيمكنك أن تتحلى بمظهر التقوى والتدين، ولكنك في الواقع بعيدًا كل البعد عن الله. وهذا كان حال هؤلاء القادة.
• هذه هي الفكرة الأساسية وراء كلمة ’الْمُرَائِينَ.‘ فالكلمة في اليونانية تشير إلى “الممثل” أو “شخص يرتدي قناعًا.” فالصورة التي يروجونها عن أنفسهم كانت أهم بكثير بالنسبة لهم من حقيقتهم.
• هل سيقول الله لك شيئًا شبيهًا؟
• يحضر الكنيسة، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
• يقرأ الكتاب المقدس، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
• يصلي بكل بلاغة، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
• يقدم العشور، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
• يخدم، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
• يحب الترنيم، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
• يكرز بالإنجيل، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
٣. وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ: هذا أحد أعمدة الناموسية. فما يدعم الناموسية هو أن تأخذ وصية أو رأي إنسان وتُعلمه أو تروجه على أنه عقيدة من الله. فالناموسية تضع كلمة الإنسان على نفس المستوى مع كلمة الله.
• الحياة المسيحية ليست مجرد مسألة صواب وخطأ. فالكثير من الأشياء يحددها ببساطة ضمير الإنسان أمام الله. فمثلًا، لا توجد وصية في الكتاب المقدس تحثنا على ممارسة طقوس الاغتسال قبل الوجبات. ولكن إن أردت أن تفعل ذلك، فهذا جيد. ولكن إفعل ذلك كما للرب وليس للناس ودون التباهي بالتفوق الروحي أمام إخوانك وأخواتك. وإن كنت لا تريد أن تفعل ذلك، فهذا جيد أيضًا. ولكن لا تفعل ذلك للرب، ولا تنظر باحتقار للذين يحثهم ضميرهم على ممارسة هذه الطقوس.
٤. أَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ: وهذا عمود آخر للناموسية. وكأن إضافة تقاليد الإنسان على كلمة الله ليس سيئًا بما فيه الكفاية، ها هم يذهبون خطوة أبعد من ذلك: تَرَكْوا (رفضوا) وَصِيَّةَ اللهِ … وَتَمَسَّكُوا بِتَقْلِيدِ النَّاسِ. وبهذا، سلبوا الجوهر الحقيقي لكلمة الله.
• “السؤال الذي يحير من يملك استنارة روحية هو: كيف يسرع الإنسان إلى قبول أو حتى الدفاع عن سلطان تقاليد البشر، بينما يتجاهل تمامًا تعاليم كلمة الله البسيطة.” أيرونسايد (Ironside)
ج) الآيات (١٠-١٣): مثال على الطريقة التي أهانت بها تقاليدهم الله: تقاليدهم عن الواجبات تجاه الوالدين
١٠لأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا. ١١وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ، أَيْ هَدِيَّةٌ، هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي ١٢فَلاَ تَدَعُونَهُ فِي مَا بَعْدُ يَفْعَلُ شَيْئًا لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ. ١٣مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ».
١. لأَنَّ مُوسَى قَالَ: بيّن العهد القديم بوضوح مسؤولية الأولاد نحو والديهم: ’أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ.‘ فطالما كان الأولاد تحت رعاية والديهم، فمسؤوليتهم هي الطاعة، ولكن متى كبروا وعاشوا بعيدًا عن المنزل، يتوجب عليهم بالإضافة إلى الطاعة، أن يكرموهم.
٢. قُرْبَانٌ، أَيْ هَدِيَّةٌ، هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي: وفقًا لهذا التقليد، يمكن للابن أن يقول لوالديه: ’لَا أسْتَطِيعُ مُسَاعَدَتَكُمَا، لِأنَّ كُلَّ مَا أمتَلِكُهُ هُوَ قُربَانٌ لِلرَّبِّ!‘ أي تَقْدِمَة الهيكل المخصصة للرب.
٣. مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ: ومن خلال هذا التقليد، يستطيع الابن أن يكسر الوصية ’أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ‘ بحجة التدين. لهذا قال يسوع أن تقليدهم أبطلت (تجاهلت) كلام الله.
د ) الآيات (١٤-١٦): تكلم يسوع مع الجَمْع عن صورة التقوى (التدين الزائف).
١٤ثُمَّ دَعَا كُلَّ الْجَمْعِ وَقَالَ لَهُمُ: «اسْمَعُوا مِنِّي كُلُّكُمْ وَافْهَمُوا. ١٥لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. ١٦إِنْ كَانَ لأَحَدٍ أُذْنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ».
١. لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ: هذا لا يعني أنه لا توجد أشياء خارج الإنسان يمكن أن تنجسه (مثل المشاهد الإباحية). ولكن في هذا السياق بالتحديد كان يسوع يتكلم عن الشَعائرِ (الطقوس) المتعلقة بالطعام، وكان يشير إلى الوقت الذي سيعلن فيه أن كل الطعام طاهر (أعمال الرسل ١٥:١٠).
٢. لكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ: المبدأ الأساسي بسيط للغاية: الأكل بأيدٍ غير نظيفة أو أكل أي شيء لا ينجسنا. لكن الأشياء التي تخرج منا هي التي تنجسنا وتكشف أن قلوبنا نجسة وغير نقية.
• “هذا النص بالنسبة لنا اليوم لا يعني الكثير بالمقارنة مع الوقت الذي قيلت فيه هذه الكلمات لأول مرة، فهذا بالنسبة لليهود يعتبر من أكثر الكلام تطرفًا في كل العهد الجديد.” باركلي (Barclay)
هـ) الآيات (١٧-٢٣): تكلم يسوع مع تلاميذه عن مظاهر التدين
١٧وَلَمَّا دَخَلَ مِنْ عِنْدِ الْجَمْعِ إِلَى الْبَيْتِ، سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ عَنِ الْمَثَلِ. ١٨فَقَالَ لَهُمْ: «أَفَأَنْتُمْ أَيْضًا هكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ أَمَا تَفْهَمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الإِنْسَانَ مِنْ خَارِجٍ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، ١٩لأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ بَلْ إِلَى الْجَوْفِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْخَلاَءِ، وَذلِكَ يُطَهِّرُ كُلَّ الأَطْعِمَةِ». ٢٠ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. ٢١لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، ٢٢سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. ٢٣جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ».
١. أَفَأَنْتُمْ أَيْضًا هكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ؟: شرح يسوع بإسهاب المثل الذي قاله للْجَمْع. فالإنسان نجس من الداخل وهذه النجاسة تنعكس في تصرفاته وليس العكس، وهذا صحيح بصورة خاصة فيما يتعلق بأنظمة وشعائر الطعام.
٢. لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: كل ما يهم الله هو ما يخرج منا لا ما يدخل فينا. وهذا صحيح عندما يتعلق الأمر بالطعام والتقاليد والطقوس.
٣. الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ، زِنىً، فِسْقٌ: هذه مجرد جزء من قائمة تشمل ١٣ نوع من الشرور داخل الإنسان. فأنت لا تحتاج إلى الذهاب بعيدًا لتعرف مصدر هذه الخطايا، ولا تحتاج أن تبحث كثيرًا، كل ما عليك فعله هو النظر إلى قلبك. “مصدر التلوث في الإنسان هو طبيعته الساقطة. فالخطية ليست بعض الوحل الذي يلوث الإنسان من الخارج، بل هي القذارة التي ولد فيها.” سبيرجن (Spurgeon)
• “أشعر بالسوء كلما فكرت كيف ابتلى الإنسان أخيه الإنسان بخطاياه. ولكني لن أسرد قائمة الخطايا، فلا احتاج لذلك: لقد وعظ الشيطان عن هذا النص هذا الأسبوع، وقليلون تمكنوا من الهرب من هذا العرض الرهيب.” سبيرجن (Spurgeon)
• الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ هي: “كل عمل رديء يعمله الإنسان لا بد وأن يسبقه فكر شرير يتحول إلى دافع شرير. ولهذا بدأ يسوع بالحديث عن الأفكار الشريرة التي تنبع منها التصرفات الشريرة.” باركلي (Barclay)
• تَجْدِيفٌ: “إذا استخدمت الكلمة ضد إنسان فهي تعني إفتراء، أما إذا استخدمت ضد الله فهي تعني تجديف… فتعني إهانة الله أو الإنسان.” باركلي (Barclay)
ثانيًا. مثلين رائعين على قوة يسوع الشافية
أ ) الآيات (٢٤-٢٦): طلبة إمرأة أممية
٢٤ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ، ٢٥لأَنَّ امْرَأَةً كَانَ بِابْنَتِهَا رُوحٌ نَجِسٌ سَمِعَتْ بِهِ، فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ. ٢٦وَكَانَتْ الامْرَأَةُ أُمَمِيَّةً، وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً. فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنَتِهَا.
١. وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ: قطع يسوع حوالي ٨٠ كيلومتر شمالًا ليزور هذه المدن الأممية (تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ). وكان هذا غير عادي بالنسبة لخدمة يسوع لأن تركيزه كان على خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ (متى ٢٤:١٥).
• ويُظهر هذا أيضًا أن يسوع لم يحفظ تقاليد الشيوخ التي كانت تمنع اختلاط اليهودي الأمين بالأمم ولا تسمح له بدخول بيوتهم.
• “نرى في الحادثة السابقة كيف أزال يسوع الفرق بين الأطعمة النجسة والطاهرة طقسيًا. أيعقل أنه هنا، ولو عن طريق الرمز، يمحي الفروقات بين شعب نجس وطاهر طقسيًا؟ وكما حرمت هذه التقاليد على اليهودي أكل كثير من الأطعمة، هكذا حرمت عليه الاتصال بأي أممي نجس.” باركلي (Barclay)
• وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ: وفي ذات الوقت، لم يشأ يسوع الإساءة إلى الناس دون أي داع. فقد كان يعلم أن الحائط الذي يفصل بين اليهود والأمم سينهدم في المستقبل وسيشكلون معًا جسدًا واحدًا هو الكنيسة. لهذا مَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وكان لا يريد لأحد أن يعرف.
٢. لم يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ: يا له من مبدأ رائع – لا يقدر يسوع أَنْ يَخْتَفِيَ. فيسوع حاضر دائمًا، ويجد الوسيلة للمس حياتنا باستمرار، لأنه ببساطة لا يستطيع أن يُخفي نفسه.
٣. فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ… فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنَتِهَا: جاءت هذه المرأة للتشفع من أجل ابنتها، وهي تعكس صورة من يتشفع لأجل الآخرين لأنها جعلت احتياجات ابنتها وكأنه احتياجاتها الشخصية.
ب) الآيات (٢٧-٣٠): رد يسوع على طلبة المرأة
٢٧وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا: «دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلًا يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ». ٢٨فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ لَهُ: «نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ!». ٢٩فَقَالَ لَهَا: «لأَجْلِ هذِهِ الْكَلِمَةِ، اذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنِ ابْنَتِكِ». ٣٠فَذَهَبَتْ إِلَى بَيْتِهَا وَوَجَدَتِ الشَّيْطَانَ قَدْ خَرَجَ، وَالابْنَةَ مَطْرُوحَةً عَلَى الْفِرَاشِ.
١. «دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلًا يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ»: يبدو وكأن يسوع لم يشجع المرأة، وذكرها بأن الْبَنِينَ (الشعب اليهودي) لهم أولوية على الْكِلاَبِ (الأمم أمثالها).
• كان اليهود في تلك الأيام يدعون الأمم بالكلاب بطريقة مهينة جدًا. “كان اليونانيون يعتبرون المرأة الفاسدة التي تتصرف بدون خجل ’كلبة‘؛ وهو نفس التعبير الذي نستخدمه اليوم لوصف العاهرة. وكانت الكلمة عند اليهود تستخدم للإهانة.” باركلي (Barclay)
• ومع ذلك، لم يستخدم يسوع الكلمة المعتادة التي تطلق على الكلاب، بل خفف وقع الكلمة واستخدم الكلمة التي تعني الكلاب الصغيرة، لتذكير المرأة بمكانتها كأممية أساسًا، إلا أنه لم يرد أن يبعدها كليًا عنه. “التصغير في اللغة اليونانية تعطي الكلمة صفة التحبب. وبهذا أزال يسوع المعنى السيء الذي تتضمنه الكلمة.” باركلي (Barclay)
٢. وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ!: تجاوبت المرأة بإيمان عظيم. أولًا، قبلت مكانتها المتدنية أمام يسوع بعدم معارضتها للقب الذي أعطاها إياه: الْكِلاَبِ. ثانيًا، طلبت من يسوع أن يتعامل معها على نفس مستواها (وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ). ولهذا استجاب يسوع لها.
• نحتاج لرؤية القوة والتأثير عندما نأتي إلى الله كما نحن، وعلينا أن نسمح له بتحقيق وعوده للضعفاء والأثمة. فإن ردت المرأة هكذا: “من تكون لتدعوني بهذا؟” لما حصلت ابنتها على الشفاء. ولكن خضوعها وإيمانها بيسوع أعطاها النصرة. “لا شيء يسر ربنا المبارك أكثر من الإيمان المصحوب بالتواضع.” أيرونسايد (Ironside)
• أشاد كلارك بصلاة هذه المرأة وأظهر فيها تسع سمات ملحوظة، كانت صلاتها: “١. قصيرة، ٢. وديعة، ٣. ممتلئة إيمانًا، ٤. ملتهبة (متقدة)، ٥. متواضعة، ٦. تتسم بالاحترام. ٧. عقلانية ٨. معتمدة فقط على رحمة الله ٩. مثابرة.”
ج ) الآيات (٣١-٣٧): شفاء رجل أصَمَّ أخْرَس
٣١ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ. ٣٢وَجَاءُوا إِلَيْهِ بِأَصَمَّ أَعْقَدَ، وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. ٣٣فَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَتَفَلَ وَلَمَسَ لِسَانَهُ، ٣٤وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ وَقَالَ لَهُ: «إِفَّثَا». أَيِ انْفَتِحْ. ٣٥وَلِلْوَقْتِ انْفَتَحَتْ أُذْنَاهُ، وَانْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ، وَتَكَلَّمَ مُسْتَقِيمًا. ٣٦فَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ. وَلكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا أَوْصَاهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ أَكْثَرَ كَثِيرًا. ٣٧وَبُهِتُوا إِلَى الْغَايَةِ قَائِلِينَ: «إِنَّهُ عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا! جَعَلَ الصُّمَّ يَسْمَعُونَ وَالْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ».
١. وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ: كان هذا مثال آخر للشفاعة. فقد جاء أصدقاء هذا الرجل وقدموا احتياج صديقهم إلى يسوع.
٢. فَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَتَفَلَ وَلَمَسَ لِسَانَهُ: استخدم يسوع طريقة غريبة في شفاء هذا الرجل. فطوال خدمته، استخدم يسوع طرق شتى للشفاء. شفى بكلمة، وشفى من دون كلمة، شفى مستجيبًا لإيمان أحدهم، وشفى مستجيبًا لإيمان شخص آخر، وشفى أولئك الذين طلبوا، وشفى أولئك الذين اقتربوا منه. فلم يكن يسوع يريد أن يحدد نفسه في إطار معين، وذلك ليظهر أن سلطانه لا يعتمد على طريقة ما وإنما على سلطان الله الكامل.
• اهتم الكثيرين بهذا الرجل، وربما صلى لأجله الكثيرون. ولكن لم يضع أحدهم أصبعه في آذانه أو بصق على لسانه بهذه الطريقة. فعل يسوع أمرًا جديدًا تمامًا لجذب انتباه هذا الرجل لأنه لا يستطع جذب انتباهه بالكلمات. “من خلال اللمس والبصق دخل يسوع عقل الرجل واكتسب ثقته.” لاين (Lane)
• مما لا شك فيه أن يسوع عرف قدرته على مساعدة هذا الرجل. “قام بتكييف أسلوبه ليتناسب مع حالة الرجل الذي يتعامل معه. وأنا مقتنع تمامًا أنه إن تمكنا من معرفة الناس جيدًا سنتمكن كيف نسدد احتياجهم. وفي كل حالة تعامل المسيح مع حاجة الإنسان بالشكل الذي يلائمه.” مورغان (Morgan)
٣. وَأَنَّ (وَتَنَهَّدَ بِعُمْقٍ): “نرى هنا رجل الأحزان ومختبر الحزن. تأمل في ذلك الرجل الذي تحفل خدمته بقوة الشفاء وبتقديم النور للناس لكن لا تنسى أبدًا الثمن الباهظ لهذه الخدمة.” مورغان (Morgan)
• “كانت التنهيدة عبارة عن الألم الذي اعتصر قلب ربنا الحنون تجاوبًا مع المعاناة التي جلبتها الخطية على العالم. وكانت التنهيدة أيضًا صلاة إلى الآب نيابة عن هذا الرجل المريض. (استخدمت الكلمة في الصلاة المذكورة في رومية ٢٣:٨، والاسم في رومية ٢٦:٨).” ويرزبي (Wiersbe)
٤. وَلِلْوَقْتِ انْفَتَحَتْ أُذْنَاهُ، وَانْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ، وَتَكَلَّمَ مُسْتَقِيمًا: الكلمة اليونانية القديمة ’انْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ‘ هي mogilalon واستخدمت هنا فقط في العهد الجديد. واستخدمة مرة في الترجمة السبعينية للعهد القديم في إشعياء ٥:٣٥-٦: ٥ “حِينَئِذٍ، سَتُبصِرُ عُيُونُ العُمِي، وَآذَانُ الصُّمِّ سَتَسْمَعُ. حِينَئِذٍ، سَيَقْفِزُ الأعرَجُ كَالغَزَالِ، وَسَيَهْتِفُ الأخْرَسُ (mogilalon) فَرِحًا. لِأنَّ مِيَاهًا سَتَتَدَفَّقُ فِي البَرِّيَّةِ، وَجَدَاوِلَ فِي الصَّحرَاءِ. يريدنا مرقس أن نعرف أن المسيح جاء، ليحقق الفوائد ملكه على الأرض.
• “استخدام مرقس لكلمة نادرة لوصف عدم قدرة الرجل على الكلام تكاد تؤكد اقتباسه الآية من إشعياء ٥:٣٥ التي تحتفل بالرب الذي سيفتح آذان الصم ويضع ترنيمة في فم الأخرس.” لاين (Lane)
٥. إِنَّهُ عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا!: هذا صحيح، فيسوع يعمل كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا، ولا يعمل شيئًا على عجلة أو بغير إتقان. وهذه الحقيقة نراها في الخليقة ونراها أكثر في الفداء.