١. وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ: إن كان كل ما لدينا هو إنجيل مرقس، لاعتقدنا أن هذه كانت أول رحلة ليسوع إلى أورشليم. ولكن يخبرنا إنجيل يوحنا عن العديد من الرحلات السابقة. فيسوع، مثل أي يهودي متدين، كان يذهب إلى أورشليم كلما استطاع ليحتفل بالأعياد الرئيسية.
٢. عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: بينما كان يسوع يستعد لدخول أورشليم، قام بإرسال تلاميذه بحذر وبعناية لعمل الترتيبات اللازمة لوصوله إلى المدينة. وبما أن الوقت قبل صلبه كان قصيرًا جدًا، لم يترك يسوع شيئًا للصدفة.
٣. تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ: وضح يسوع بقوله هذا الكلام أنه سيدخل أورشليم راكبًا جَحْشًا. وقد اختار بالتحديد جحشًا صغيرًا، ليس حصانًا أو حمارًا، ولم يختر الدخول سيرًا على الأقدام. ويرجع هذا لأنه في تلك الأيام، كان دخول المدينة على جحش (بدلًا من حصان) علامة على أن راكبه رجل سلام. فيسوع لم يأتِ إلى أورشليم كقائد محارب، بل كخادم (مع أنه منتصر).
• كان لدى معلمي اليهود أيام يسوع عدة نظريات حول كيفية دخول المسيا (المسيح) إلى أورشليم. واستنادًا إلى سفر دانيال ١٣:٧، اعتقد البعض أن المسيا سيأتي كمحارب منتصر عظيم. واعتقد البعض، حسب سفر زكريا ٩: ٩، أن المسيا سيأتي بطريقة وديعة ومتواضعة للغاية، رَاكِبًا عَلَى جَحْشٍ.
• وقام بعض معلمي اليهود في زمن يسوع بالتوفيق بين هذه النظريات وقالوا إن المسيّا سيأتي متواضعًا لإسرائيل إن كانت مقهورة، ولكنه سيأتي بقوة لإسرائيل القوية الجديرة بذلك المسيا. وبما أن إسرائيل اعتبرت نفسها جديرة ومهمة، فقد كانوا ينتظرون المسيح الغالب المنتصر.
• لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ: “لم يهتم يسوع حقًا إن كان الجحش مروّضًا أم لا. فهو الخالق الذي جاء إلى هذا المشهد بهيئة إنسان، وكل الخليقة تخضع له.” ايروسايد (Ironside)
٤. فَقَالاَ لَهُمْ كَمَا أَوْصَى يَسُوعُ. فَتَرَكُوهُمَا: يبدو أن يسوع رتب لهذا مسبقًا مع مالك الجحش، وكل ما كان على التلاميذ فعله هو أن يقولوا: “إنه ليسوع” إن سئلوا. ففعلوا كما أمرهم يسوع، وسارت الأمور على ما يرام.
١. وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ: جميعنا يحب هذا الجزء من حياة يسوع لأنها ببساطة ترضي مشاعرنا. فطوال خدمة يسوع كان محتقرًا ومخذولًا من الناس وغالبًا ما كانت الجموع تتبعه للاستفادة منه فقط، ورفضوا أن يتبعوه بجدية. ولكن كان الأمر مختلفًا في ذلك اليوم.
• غمروا يسوع في هذا اليوم بكل الاهتمام والتكريم. فاستخدموا ملابسهم كسرج ليجلس عليه يسوع وكسجادة حمراء ليسير عليها الجحش. وبالنظر لتكلفة الملابس تلك الأيام، فما فعلوه كان فعلًا تكريمًا سخيًا.
٢. وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!: كثيرًا ما منع يسوع الناس من الإشادة به علنًا باعتباره المسيا. ولكننا نراه هنا يرحب بهذا التمجيد والثناء العلني.
• بل في واقع الأمر، عندما اعترض القادة الدينيون في يومه، أجابهم قائلًا: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!» (لوقا ٤٠:١٩).
• استعان الجمهور بالمزمور ١٩:١١٨-٢٩ لحمد يسوع، فكان مدحهم كتابيًا. فمن المهم أن نحمد الله كما يشاء هو. فإن طلب الله منا أن نتقدم أمامه مستخدمين الكلمات (هوشع ٢:١٤)، إذًا هكذا نفعل. وإن طلب منا أن ندخل إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ (مزمور ٢:١٠٠)، إذًا هكذا ينبغي أن ندخل. وإن طلب منا أن نرفع أيدينا نحوه (مزمور ٢:١٣٤)، إذًا هذا ما سنفعله. فالنقطة الأساسية في العبادة هي أن نفعل ما يرضي الله، وليس ما يرضينا، ولكن الحقيقة الرائعة هي أنه عندما نُرضي الله، نحن من سنشعر بالسعادة الغامرة.
• نطلق على هذا الحدث اسم ’الدخول الانتصاري،‘ ولكنه كان نوعًا غريبًا من الانتصار. فإن تحدثت عن دخول يسوع الانتصاري مع شخص روماني، لضحك عليك. فبالنسبة لهم، كان الدخول الانتصاري شرف يمنح لقائد روماني حقق عدة انتصارات وقتل على الأقل خمسة آلاف من جنود الأعداء. وكان عندما يعود القائد إلى روما، يقيمون له استعراضًا هائلًا: أولًا، تدخل الغنائم التي أخذت من العدو، ثم الأسرى. ثم يتقدم الجيش بحسب الوحدة، وأخيرًا تدخل مركبة القائد الذهبية تجرها خيول مزينة. ويقوم الكهنة بإحراق البخور تكريمًا له، ويهتف الجموع باسمه ويحيوه. وينتهي الموكب في الساحة، حيث يلقون بالأسرى إلى الحيوانات المتوحشة لتسلية الجموع. فهذا هو معنى الدخول الانتصاري بالنسبة للرومان، ليس مجرد فلاح جليلي يجلس على بعض الملابس التي وضعت على جحش.
٣. وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ: جاء يسوع كمسيح السلام إلى أورشليم، وليس كمسيح الحرب ليغزو الرومان. لكنه أولًا جاء ليرى موقف الناس من الله. وسوف نرى النتائج في نهاية الأصحاح ١١ من إنجيل مرقس.
• تنبأ سفر الملاخي ١:٣-٣ بأن المسيا سيأتي إلى الهيكل ليقوم بتقييم دقيق.
• نرى مرة أخرى شجاعة يسوع لأنه لم يختبئ من السلطات. ويوضح لنا يوحنا ٥٧:١١ أنه كان هناك مكافأة لمن يسلم يسوع للسلطات. وبالرغم من هذا التهديد، لم يتسلل يسوع إلى أورشليم لكنه دخلها بأكبر احتفال علني ممكن.
١. فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا: لعن المسيح الشجرة لأنها صورة المظهر الخادع، إذ عَلَيْهَا وَرَقٌ لكنها دون ثمر. إذ من طبيعة أشجار التين أن تكون مثمرة حين تورق ويسقط ورقها حين ينقطع الثمر.
• لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ: المشكلة لا شأن لها بموسم التين، بل لأن الشجرة كان عليها ورقٌ دون ثمر. فوجود الأوراق يوحي بوجود الثمر، ولكن الواقع كان عكس ذلك تمامًا.
• هناك العديد من الأشجار التي تحمل أوراق دون ثمر، لكنها لم تكن ملعونة. وهناك العديد من الأشجار بلا أوراق ولا ثمر، وهذه أيضًا ليست ملعونة. أما هذه الشجرة فكانت ملعونة لأنها كانت توحي بأنها مثمرة، لكن الواقع كان غير ذلك.
٢. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!»: لُعِنت الشجرة لأنها تظاهرت بالثمر (من خلال الورق)، وليس بسبب افتقارها للثمر. وهذا يشبه أمة إسرائيل زمن يسوع، إذ كان لها الشكل الخارجي للتقوى ولكن دون أي ثمر. فقد حذر يسوع الشعب في هذه الصورة – ويحذرنا أيضًا – من استياء الله عندما نحمل مظهر الثمر دون أن يكون هناك ثمر فعلًا. فالله لا يُسر إن كان شعبه يحمل أوراقًا دون ثمر.
• كانت خدمة يسوع حافلة بالمعجزات الإيجابية، إلا هذه المعجزة التي لعن فيها الشجرة. وقد ذكر العهد القديم الكثير من المعجزات التي كانت بغرض العقاب أو التدمير، لكن يسوع يظهر لنا طبيعة الله بشكل رائع. فإن كانت تلك معجزة فريدة من نوعها، إذًا لا بد من وجود درس هام يمكن الاستفادة منه. فالله لا يقبل بالمظاهر دون الواقع، وبالكلام دون التطبيق.
• “ليس هناك أي مبرر لانتقاد يسوع لأنه لعن شجرة لغرض التعليم، فهذا أمر مساو لقطع شجرة لاستخدامها كشجرة عيد الميلاد أو قطف زهرة ما لتعليم درس في علم النبات.” مورغان (Morgan)
١. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ: كان الهيكل حافلًا بالباعة الذين يعملون لصالح الكهنة ويستغلون الحجاج بإجبارهم على شراء حيوانات الذبائح منهم وصرف العملات بأسعار مرتفعة جدًا.
• كان على كل يهودي أن يدفع الضريبة السنوية للهيكل – أي أجر يومين لعامل بسيط. وكانت الضريبة لا تدفع إلا بعملة الهيكل، فكان الصيارفة يحولون نقود هؤلاء إلى عملة الهيكل بسعر باهظ للغاية.
٢. يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ: كانوا يفعلون هذا في الساحة الخارجية للهيكل، وهي المنطقة المخصصة ليصلي فيها الأمم. وهكذا، تحول مكان الصلاة هذا إلى سوق لاستغلال وسرقة الناس. فقد أراد الله أن يكون الهيكل بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ، لكنهم حولوه إلى مَغَارَةَ لُصُوصٍ.
• مَغَارَةَ لُصُوصٍ هو الوكر الذي يجتمع ويختبئ فيه اللُصُوص. من المؤسف والمخجل أن يتحول بيت الله إلى مكان يجتمع فيه ويختبئ الخطاة وغير التائبين.
د ) الآيات (٢٠-٢٤): العودة إلى شجرة التين الملعونة
١. لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ: أوضح يسوع أن هذه المعجزة كانت في الحقيقة نتيجة لصلاة رفعت بالإيمان، وقد شجع يسوع تلاميذه المتحيرين على هذا النوع من الإيمان والثقة بأن الله سوف يستمع لهم أيضًا.
٢. بِاللهِ: أوضح يسوع أن على الصلاة أن ترفع بالإيمان، وعلى هذا الإيمان أن يكون مؤسسًا على الله. فالإيمان هو الثقة والاتكال على شخص أو شيء ما.
• يقول البعض إن ما قصده يسوع حقًا بهذه الجملة، إن نقلناها حرفيًا عن اليونانية، هو أن نملك إيمانًا مثل ’إيمان الله.‘ ولكن اعترض علماء اللغة على هذه الطريقة في فهم الآية: لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ.
• “الله (Theou) هنا في صيغة المضاف إليه المفعولي (Objective genitive) كما في غلاطية ٢٦:٣، رومية ٢٢:٣، ٢٦.” روبرتسون (Robertson). بمعنى أن الله في هذه الجملة هو موضوع الإيمان.
• “كلمة ’الله‘ مضاف إليه، مظهرًا أنه موضوع الإيمان.” وست (Wuest)
• “الإيمان بالله، المضاف إليها مفعولي، في رومية ٢٢:٣، عبرانيين ٢:٦.” (أحد المفسرين)
• جاءت كلمة ’الله‘ في هذا المقطع بصيغة المضاف إليه في مقام المفعول به، لأن المفعول به جاء بصيغة من يقع عليه الفعل، وهذا يعني أن يكون الله هو هدف وموضوع إيماننا.
٣. إِنَّ مَنْ قَالَ لِهذَا الْجَبَلِ ’انْتَقِلْ‘: كان الْجَبَلِ تعبيرًا مجازيًا لوصف أي مشكلة مستعصية؛ قال يسوع عندما نؤمن بالله، فسوف يتغلب على أي عقبة.
• “كانت عبارة ’ينقل الجبل‘ مألوفة جدًا لكل يهودي. كانت عبارة مستخدمة بكثرة ومعبرة للغاية وتعني: إزالة الصعوبات.” باركلي (Barclay)
• استجابة الله لصلاة الإيمان هو وعد قدمه يسوع للتلاميذ وليس للجموع. “ولا ينبغي لنا أن نفسر الآية في مرقس ٢٤:١١ لتعني: ’إن صليت بحرارة كافية وآمنت حقًا، فالله ملزم بالإجابة على صلاتك بغض النظر عن طلبتك.‘ فهذا النوع من الإيمان ليس هو الإيمان بالله، بل هو مجرد الإيمان بالإيمان، أو الإيمان بالمشاعر.” ويرزبي (Wiersbe)
١. وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ، فَاغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ: عدم الإيمان ليس هو العائق الوحيد أمام الصلاة الفعالة. فعدم المغفرة للآخرين أو المرارة يمكن أن يعوق صلاتنا أيضًا.
• وقد يكون هذا أمر نحتاج فيه إلى إيمان عظيم. فأحيانًا يكون القلب القاسي وغير المسامح أكبر من أي جبل.
٢. وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ… إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ: هذا يعني أننا لا ينبغي أن نضع الواجبات الدينية أو الخدمة قبل علاقتنا مع الآخرين. بل علينا أولًا أن نصحح هذه الأمور ثم نواصل الصلاة. وعلينا أن نفعل ما قاله بولس في رومية ١٨:١٢ “إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ.”
٣. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أَنْتُمْ لاَ يَغْفِرْ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ: القلب الغافر يغفر للآخرين. وإن كانت قلوبنا متحجرة لا ترحم، فهذا يجعلنا نتساءل إن كنا قد اختبرنا أو قبلنا غفران الله لنا.
١. وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي فِي الْهَيْكَلِ، أَقْبَلَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ: لم يكن يسوع يريد الجدال مع القادة الدينيين، بل أراد تعليم الناس وأن يخبرهم عن أخبار الله السارة. ولكن هؤلاء السائلين هم من جاؤوا إليه، وكان قادرًا تمامًا على التعامل معهم.
٢. بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟: كان يسوع في منتهى الشجاعة عندما دخل أورشليم بجرأة وثم قام بطرد الباعة الفاسدين من ساحات الهيكل. والآن أراد رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ أن يعرفوا بأي حق فعل هذه الأمور.
١. : وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً: لم يكن يسوع يتهرب من السؤال عندما سألهم عن يوحنا المعمدان. فإن كان يوحنا قد جاء حقًا من الله، فقد كان محقًا بشأن يسوع، مما يعني أن يسوع هو المسيح فعلًا. وإن كان ما قاله يوحنا صحيحًا، فيسوع إذًا يملك كل السلطان ليفعل ما فعله.
• “لم يكن رد يسوع نوعًا من المراوغة بل كان ردًا حاسمًا أوضح فيه حقيقة موقفهم تجاه كل من يوحنا ويسوع. فقد رفضوا يوحنا وها هم الآن يرفضون يسوع.” روبرتسون (Robertson)
٢. «لاَ نَعْلَمُ»: أظهر ردهم على سؤاله حقيقة أن هؤلاء الرجال لم يسعوا فعلًا للحصول على إجابة على سوالهم بل كان هدفهم الأول هو ربح النقاش وإرضاء الشعب أكثر من معرفة الحق.
• “القصة بأكملها مثال حي لما يحدث للإنسان الذي يرفض مواجهة الحق. فهو يراوغ ويناور في كلامه إلى أن يصبح في حالة يرثى لها ولا يعود لديه ما يقوله.” باركلي (Barclay). فمواجهة الحق والاعتراف بالخطأ قد تكون أمرًا صعبًا في البداية، ولكنها الدرب الوحيد لمستقبل حقيقي.
إنجيل مرقس – الإصحاح ١١ – يسوع يصل إلى أورشليم
أولًا. الدخول الانتصاري
أ ) الآيات (١-٦): الاستعداد للدخول
١وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا، عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، ٢وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ وَأَنْتُمَا دَاخِلاَنِ إِلَيْهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. فَحُلاَّهُ وَأْتِيَا بِهِ. ٣وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَفْعَلاَنِ هذَا؟ فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُ إِلَى هُنَا». ٤فَمَضَيَا وَوَجَدَا الْجَحْشَ مَرْبُوطًا عِنْدَ الْبَابِ خَارِجًا عَلَى الطَّرِيقِ، فَحَلاَّهُ. ٥فَقَالَ لَهُمَا قَوْمٌ مِنَ الْقِيَامِ هُنَاكَ: «مَاذَا تَفْعَلاَنِ، تَحُلاَّنِ الْجَحْشَ؟» ٦فَقَالاَ لَهُمْ كَمَا أَوْصَى يَسُوعُ. فَتَرَكُوهُمَا.
١. وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ: إن كان كل ما لدينا هو إنجيل مرقس، لاعتقدنا أن هذه كانت أول رحلة ليسوع إلى أورشليم. ولكن يخبرنا إنجيل يوحنا عن العديد من الرحلات السابقة. فيسوع، مثل أي يهودي متدين، كان يذهب إلى أورشليم كلما استطاع ليحتفل بالأعياد الرئيسية.
٢. عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: بينما كان يسوع يستعد لدخول أورشليم، قام بإرسال تلاميذه بحذر وبعناية لعمل الترتيبات اللازمة لوصوله إلى المدينة. وبما أن الوقت قبل صلبه كان قصيرًا جدًا، لم يترك يسوع شيئًا للصدفة.
٣. تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ: وضح يسوع بقوله هذا الكلام أنه سيدخل أورشليم راكبًا جَحْشًا. وقد اختار بالتحديد جحشًا صغيرًا، ليس حصانًا أو حمارًا، ولم يختر الدخول سيرًا على الأقدام. ويرجع هذا لأنه في تلك الأيام، كان دخول المدينة على جحش (بدلًا من حصان) علامة على أن راكبه رجل سلام. فيسوع لم يأتِ إلى أورشليم كقائد محارب، بل كخادم (مع أنه منتصر).
• كان لدى معلمي اليهود أيام يسوع عدة نظريات حول كيفية دخول المسيا (المسيح) إلى أورشليم. واستنادًا إلى سفر دانيال ١٣:٧، اعتقد البعض أن المسيا سيأتي كمحارب منتصر عظيم. واعتقد البعض، حسب سفر زكريا ٩: ٩، أن المسيا سيأتي بطريقة وديعة ومتواضعة للغاية، رَاكِبًا عَلَى جَحْشٍ.
• وقام بعض معلمي اليهود في زمن يسوع بالتوفيق بين هذه النظريات وقالوا إن المسيّا سيأتي متواضعًا لإسرائيل إن كانت مقهورة، ولكنه سيأتي بقوة لإسرائيل القوية الجديرة بذلك المسيا. وبما أن إسرائيل اعتبرت نفسها جديرة ومهمة، فقد كانوا ينتظرون المسيح الغالب المنتصر.
• لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ: “لم يهتم يسوع حقًا إن كان الجحش مروّضًا أم لا. فهو الخالق الذي جاء إلى هذا المشهد بهيئة إنسان، وكل الخليقة تخضع له.” ايروسايد (Ironside)
٤. فَقَالاَ لَهُمْ كَمَا أَوْصَى يَسُوعُ. فَتَرَكُوهُمَا: يبدو أن يسوع رتب لهذا مسبقًا مع مالك الجحش، وكل ما كان على التلاميذ فعله هو أن يقولوا: “إنه ليسوع” إن سئلوا. ففعلوا كما أمرهم يسوع، وسارت الأمور على ما يرام.
ب) الآيات (٧-١١): هتاف ليسوع
٧فَأَتَيَا بِالْجَحْشِ إِلَى يَسُوعَ، وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِ. ٨وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. ٩وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! ١٠مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!». ١١فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ.
١. وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ: جميعنا يحب هذا الجزء من حياة يسوع لأنها ببساطة ترضي مشاعرنا. فطوال خدمة يسوع كان محتقرًا ومخذولًا من الناس وغالبًا ما كانت الجموع تتبعه للاستفادة منه فقط، ورفضوا أن يتبعوه بجدية. ولكن كان الأمر مختلفًا في ذلك اليوم.
• غمروا يسوع في هذا اليوم بكل الاهتمام والتكريم. فاستخدموا ملابسهم كسرج ليجلس عليه يسوع وكسجادة حمراء ليسير عليها الجحش. وبالنظر لتكلفة الملابس تلك الأيام، فما فعلوه كان فعلًا تكريمًا سخيًا.
٢. وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!: كثيرًا ما منع يسوع الناس من الإشادة به علنًا باعتباره المسيا. ولكننا نراه هنا يرحب بهذا التمجيد والثناء العلني.
• بل في واقع الأمر، عندما اعترض القادة الدينيون في يومه، أجابهم قائلًا: «أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!» (لوقا ٤٠:١٩).
• استعان الجمهور بالمزمور ١٩:١١٨-٢٩ لحمد يسوع، فكان مدحهم كتابيًا. فمن المهم أن نحمد الله كما يشاء هو. فإن طلب الله منا أن نتقدم أمامه مستخدمين الكلمات (هوشع ٢:١٤)، إذًا هكذا نفعل. وإن طلب منا أن ندخل إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ (مزمور ٢:١٠٠)، إذًا هكذا ينبغي أن ندخل. وإن طلب منا أن نرفع أيدينا نحوه (مزمور ٢:١٣٤)، إذًا هذا ما سنفعله. فالنقطة الأساسية في العبادة هي أن نفعل ما يرضي الله، وليس ما يرضينا، ولكن الحقيقة الرائعة هي أنه عندما نُرضي الله، نحن من سنشعر بالسعادة الغامرة.
• نطلق على هذا الحدث اسم ’الدخول الانتصاري،‘ ولكنه كان نوعًا غريبًا من الانتصار. فإن تحدثت عن دخول يسوع الانتصاري مع شخص روماني، لضحك عليك. فبالنسبة لهم، كان الدخول الانتصاري شرف يمنح لقائد روماني حقق عدة انتصارات وقتل على الأقل خمسة آلاف من جنود الأعداء. وكان عندما يعود القائد إلى روما، يقيمون له استعراضًا هائلًا: أولًا، تدخل الغنائم التي أخذت من العدو، ثم الأسرى. ثم يتقدم الجيش بحسب الوحدة، وأخيرًا تدخل مركبة القائد الذهبية تجرها خيول مزينة. ويقوم الكهنة بإحراق البخور تكريمًا له، ويهتف الجموع باسمه ويحيوه. وينتهي الموكب في الساحة، حيث يلقون بالأسرى إلى الحيوانات المتوحشة لتسلية الجموع. فهذا هو معنى الدخول الانتصاري بالنسبة للرومان، ليس مجرد فلاح جليلي يجلس على بعض الملابس التي وضعت على جحش.
٣. وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ: جاء يسوع كمسيح السلام إلى أورشليم، وليس كمسيح الحرب ليغزو الرومان. لكنه أولًا جاء ليرى موقف الناس من الله. وسوف نرى النتائج في نهاية الأصحاح ١١ من إنجيل مرقس.
• تنبأ سفر الملاخي ١:٣-٣ بأن المسيا سيأتي إلى الهيكل ليقوم بتقييم دقيق.
• نرى مرة أخرى شجاعة يسوع لأنه لم يختبئ من السلطات. ويوضح لنا يوحنا ٥٧:١١ أنه كان هناك مكافأة لمن يسلم يسوع للسلطات. وبالرغم من هذا التهديد، لم يتسلل يسوع إلى أورشليم لكنه دخلها بأكبر احتفال علني ممكن.
ثانيًا. درس من شَجَرَةَ تِينٍ
أ ) الآيات (١٢-١٤): يسوع يلعن شجرةَ تينٍ
١٢وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ، ١٣فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. ١٤فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُون.
١. فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا: لعن المسيح الشجرة لأنها صورة المظهر الخادع، إذ عَلَيْهَا وَرَقٌ لكنها دون ثمر. إذ من طبيعة أشجار التين أن تكون مثمرة حين تورق ويسقط ورقها حين ينقطع الثمر.
• لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ: المشكلة لا شأن لها بموسم التين، بل لأن الشجرة كان عليها ورقٌ دون ثمر. فوجود الأوراق يوحي بوجود الثمر، ولكن الواقع كان عكس ذلك تمامًا.
• هناك العديد من الأشجار التي تحمل أوراق دون ثمر، لكنها لم تكن ملعونة. وهناك العديد من الأشجار بلا أوراق ولا ثمر، وهذه أيضًا ليست ملعونة. أما هذه الشجرة فكانت ملعونة لأنها كانت توحي بأنها مثمرة، لكن الواقع كان غير ذلك.
٢. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!»: لُعِنت الشجرة لأنها تظاهرت بالثمر (من خلال الورق)، وليس بسبب افتقارها للثمر. وهذا يشبه أمة إسرائيل زمن يسوع، إذ كان لها الشكل الخارجي للتقوى ولكن دون أي ثمر. فقد حذر يسوع الشعب في هذه الصورة – ويحذرنا أيضًا – من استياء الله عندما نحمل مظهر الثمر دون أن يكون هناك ثمر فعلًا. فالله لا يُسر إن كان شعبه يحمل أوراقًا دون ثمر.
• كانت خدمة يسوع حافلة بالمعجزات الإيجابية، إلا هذه المعجزة التي لعن فيها الشجرة. وقد ذكر العهد القديم الكثير من المعجزات التي كانت بغرض العقاب أو التدمير، لكن يسوع يظهر لنا طبيعة الله بشكل رائع. فإن كانت تلك معجزة فريدة من نوعها، إذًا لا بد من وجود درس هام يمكن الاستفادة منه. فالله لا يقبل بالمظاهر دون الواقع، وبالكلام دون التطبيق.
• “ليس هناك أي مبرر لانتقاد يسوع لأنه لعن شجرة لغرض التعليم، فهذا أمر مساو لقطع شجرة لاستخدامها كشجرة عيد الميلاد أو قطف زهرة ما لتعليم درس في علم النبات.” مورغان (Morgan)
ب) الآيات (١٥-١٩): تطهير الهيكل
١٥وَجَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ. ١٦وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ. ١٧وَكَانَ يُعَلِّمُ قَائِلًا لَهُمْ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ». ١٨وَسَمِعَ الْكَتَبَةُ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ، لأَنَّهُمْ خَافُوهُ، إِذْ بُهِتَ الْجَمْعُ كُلُّهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ. ١٩وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، خَرَجَ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ.
١. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ: كان الهيكل حافلًا بالباعة الذين يعملون لصالح الكهنة ويستغلون الحجاج بإجبارهم على شراء حيوانات الذبائح منهم وصرف العملات بأسعار مرتفعة جدًا.
• كان على كل يهودي أن يدفع الضريبة السنوية للهيكل – أي أجر يومين لعامل بسيط. وكانت الضريبة لا تدفع إلا بعملة الهيكل، فكان الصيارفة يحولون نقود هؤلاء إلى عملة الهيكل بسعر باهظ للغاية.
٢. يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ: كانوا يفعلون هذا في الساحة الخارجية للهيكل، وهي المنطقة المخصصة ليصلي فيها الأمم. وهكذا، تحول مكان الصلاة هذا إلى سوق لاستغلال وسرقة الناس. فقد أراد الله أن يكون الهيكل بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ، لكنهم حولوه إلى مَغَارَةَ لُصُوصٍ.
• مَغَارَةَ لُصُوصٍ هو الوكر الذي يجتمع ويختبئ فيه اللُصُوص. من المؤسف والمخجل أن يتحول بيت الله إلى مكان يجتمع فيه ويختبئ الخطاة وغير التائبين.
د ) الآيات (٢٠-٢٤): العودة إلى شجرة التين الملعونة
٢٠وَفِي الصَّبَاحِ إِذْ كَانُوا مُجْتَازِينَ رَأَوْا التِّينَةَ قَدْ يَبِسَتْ مِنَ الأُصُولِ، ٢١فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «يَا سَيِّدِي، انْظُرْ! اَلتِّينَةُ الَّتِي لَعَنْتَهَا قَدْ يَبِسَتْ!» ٢٢فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ : «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ. ٢٣لأَنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ! وَلاَ يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ. ٢٤لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ».
١. لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ: أوضح يسوع أن هذه المعجزة كانت في الحقيقة نتيجة لصلاة رفعت بالإيمان، وقد شجع يسوع تلاميذه المتحيرين على هذا النوع من الإيمان والثقة بأن الله سوف يستمع لهم أيضًا.
٢. بِاللهِ: أوضح يسوع أن على الصلاة أن ترفع بالإيمان، وعلى هذا الإيمان أن يكون مؤسسًا على الله. فالإيمان هو الثقة والاتكال على شخص أو شيء ما.
• يقول البعض إن ما قصده يسوع حقًا بهذه الجملة، إن نقلناها حرفيًا عن اليونانية، هو أن نملك إيمانًا مثل ’إيمان الله.‘ ولكن اعترض علماء اللغة على هذه الطريقة في فهم الآية: لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ.
• “الله (Theou) هنا في صيغة المضاف إليه المفعولي (Objective genitive) كما في غلاطية ٢٦:٣، رومية ٢٢:٣، ٢٦.” روبرتسون (Robertson). بمعنى أن الله في هذه الجملة هو موضوع الإيمان.
• “كلمة ’الله‘ مضاف إليه، مظهرًا أنه موضوع الإيمان.” وست (Wuest)
• “الإيمان بالله، المضاف إليها مفعولي، في رومية ٢٢:٣، عبرانيين ٢:٦.” (أحد المفسرين)
• جاءت كلمة ’الله‘ في هذا المقطع بصيغة المضاف إليه في مقام المفعول به، لأن المفعول به جاء بصيغة من يقع عليه الفعل، وهذا يعني أن يكون الله هو هدف وموضوع إيماننا.
٣. إِنَّ مَنْ قَالَ لِهذَا الْجَبَلِ ’انْتَقِلْ‘: كان الْجَبَلِ تعبيرًا مجازيًا لوصف أي مشكلة مستعصية؛ قال يسوع عندما نؤمن بالله، فسوف يتغلب على أي عقبة.
• “كانت عبارة ’ينقل الجبل‘ مألوفة جدًا لكل يهودي. كانت عبارة مستخدمة بكثرة ومعبرة للغاية وتعني: إزالة الصعوبات.” باركلي (Barclay)
• استجابة الله لصلاة الإيمان هو وعد قدمه يسوع للتلاميذ وليس للجموع. “ولا ينبغي لنا أن نفسر الآية في مرقس ٢٤:١١ لتعني: ’إن صليت بحرارة كافية وآمنت حقًا، فالله ملزم بالإجابة على صلاتك بغض النظر عن طلبتك.‘ فهذا النوع من الإيمان ليس هو الإيمان بالله، بل هو مجرد الإيمان بالإيمان، أو الإيمان بالمشاعر.” ويرزبي (Wiersbe)
هـ) الآيات (٢٥-٢٦): الصلاة والمغفرة
٢٥«وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ، فَاغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ، لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ زَلاَتِكُمْ. ٢٦وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أَنْتُمْ لاَ يَغْفِرْ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ».
١. وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ، فَاغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ: عدم الإيمان ليس هو العائق الوحيد أمام الصلاة الفعالة. فعدم المغفرة للآخرين أو المرارة يمكن أن يعوق صلاتنا أيضًا.
• وقد يكون هذا أمر نحتاج فيه إلى إيمان عظيم. فأحيانًا يكون القلب القاسي وغير المسامح أكبر من أي جبل.
٢. وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ… إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ: هذا يعني أننا لا ينبغي أن نضع الواجبات الدينية أو الخدمة قبل علاقتنا مع الآخرين. بل علينا أولًا أن نصحح هذه الأمور ثم نواصل الصلاة. وعلينا أن نفعل ما قاله بولس في رومية ١٨:١٢ “إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ.”
٣. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أَنْتُمْ لاَ يَغْفِرْ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ: القلب الغافر يغفر للآخرين. وإن كانت قلوبنا متحجرة لا ترحم، فهذا يجعلنا نتساءل إن كنا قد اختبرنا أو قبلنا غفران الله لنا.
ثالثًا. «بِأَيِّ سُلْطَانٍ؟»
أ ) الآيات (٢٧-٢٨): القادة الدينيين يستجوبون يسوع
٢٧وَجَاءُوا أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي فِي الْهَيْكَلِ، أَقْبَلَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ، ٢٨وَقَالُوا لَهُ: «بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟»
١. وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي فِي الْهَيْكَلِ، أَقْبَلَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ: لم يكن يسوع يريد الجدال مع القادة الدينيين، بل أراد تعليم الناس وأن يخبرهم عن أخبار الله السارة. ولكن هؤلاء السائلين هم من جاؤوا إليه، وكان قادرًا تمامًا على التعامل معهم.
٢. بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟: كان يسوع في منتهى الشجاعة عندما دخل أورشليم بجرأة وثم قام بطرد الباعة الفاسدين من ساحات الهيكل. والآن أراد رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ أن يعرفوا بأي حق فعل هذه الأمور.
ب) الآيات (٢٩-٣٣): أجاب يسوع عن سؤالهم بسؤال
٢٩فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً. أَجِيبُونِي، فَأَقُولَ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا ٣٠مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟ أَجِيبُونِي». ٣١فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: «إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ ٣٢وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ». فَخَافُوا الشَّعْبَ. لأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ نَبِيٌّ. ٣٣فَأَجَابُوا وَقَالوا لِيَسوع: «لاَ نَعْلَمُ». فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا».
١. : وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً: لم يكن يسوع يتهرب من السؤال عندما سألهم عن يوحنا المعمدان. فإن كان يوحنا قد جاء حقًا من الله، فقد كان محقًا بشأن يسوع، مما يعني أن يسوع هو المسيح فعلًا. وإن كان ما قاله يوحنا صحيحًا، فيسوع إذًا يملك كل السلطان ليفعل ما فعله.
• “لم يكن رد يسوع نوعًا من المراوغة بل كان ردًا حاسمًا أوضح فيه حقيقة موقفهم تجاه كل من يوحنا ويسوع. فقد رفضوا يوحنا وها هم الآن يرفضون يسوع.” روبرتسون (Robertson)
٢. «لاَ نَعْلَمُ»: أظهر ردهم على سؤاله حقيقة أن هؤلاء الرجال لم يسعوا فعلًا للحصول على إجابة على سوالهم بل كان هدفهم الأول هو ربح النقاش وإرضاء الشعب أكثر من معرفة الحق.
• “القصة بأكملها مثال حي لما يحدث للإنسان الذي يرفض مواجهة الحق. فهو يراوغ ويناور في كلامه إلى أن يصبح في حالة يرثى لها ولا يعود لديه ما يقوله.” باركلي (Barclay). فمواجهة الحق والاعتراف بالخطأ قد تكون أمرًا صعبًا في البداية، ولكنها الدرب الوحيد لمستقبل حقيقي.