١. كَانَ يَسِيرُ فِي مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ: غالبًا ما يُعتقد أن هذه كانت الجولة الثانية لخدمة يسوع في منطقة الجليل (وصفت الأولى في لوقا ٤٢:٢-٤٤). ربما ذهب إلى نفس المدن والقرى أكثر من مرة وقام بخدمته كواعظ متجول.
• في هذه الجولة الثانية، كان مَعَهُ الِاثْنَا عَشَرَ. عندما بدأ جولته الأولى من الجليل، لم يختار الِاثْنَا عَشَرَ بشكل رسمي بعد.
٢. يَكْرِزُ وَيُبَشِّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ: هذا وصفٌ عام لنوع الوعظ الذي كان يقوم به يسوع. فقد بشر الناس بالأخبار السارة، أن مسيح الرب والملك حل بينهم، مُعلنًا عن ملكوته.
٣. وَبَعْضُ النِّسَاءِ: ذكر لوقا على وجه التحديد بَعْضُ النِّسَاءِ اللواتي تبعن يسوع، رغم أنه لم يكن أمرًا مُعتادًا. كان ليسوع موقفًا مُغايرًا تجاه المرأة عن القادة والمعلمين الدينيين من ذلك اليوم.
• رفض المعلمون اليهود تعليم النساء وكانوا عادة يضعونهم في مكانة متدنية للغاية. علّقَ موريس (Morris): “من المثير للاهتمام أن نلاحظ من الأناجيل الأربعة أن كل أعداء يسوع كانوا من الرجال.”
• واحدة منهن كانت مَرْيَمُ الَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ. كانت مريم مسكونة بالشيطان إلى أن حررها يسوع. ويفترض الكثيرون أيضًا أنها أُمسكت بعلة الزنى، ولكن لا نرى هذا في النص الكتابي. ويُعلّق موريس (Morris): “أعتقد الكثيرون أن مريم المجدلية هي المرأة الجميلة التي خلصها يسوع من حياة الزنى. ولكن لا يوجد أي مصدر يشير إلى ذلك.”
• يُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ: كتب باركلي (Barclay): “كان لهِيرُودُسَ، الملك صاحب الممتلكات الخاصة والأموال الطائلة، وكيلًا ناظرًا أمواله وجميع مكاسبه… ولم يكن هناك من هو أكثر ثقة وأهمية من هذا الوكيل.”
• كما وأضاف باركلي: “من الغريب أن تجد مريم المجدلية بماضيها الأسود تعمل جنبًا إلى جنب وفي شركة مع سيدة القصر يُوَنَّا.”
• مريم ويونا كانتا من بين الشهود الأوائل على قيامة يسوع المسيح (لوقا ١٠:٢٤).
٤. وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ: نرى هنا طبيعة يسوع المتواضعة، وكيف اعتمد على الآخرين رغم طبيعته الإلهية. لم يضطر لفعل ذلك؛ كان بإمكانه أن يخلق ما يحتاجه من المال أو الطعام. ولكن بسبب تواضعه سمح للآخرين أن يخدمونه من أموالهم.
• يرفض الكثيرين مساعدة الآخرين بسبب الكبرياء. وأفضل طريقة لقياس عمل الله في حياتنا ليس قدرتنا على العطاء بل قبولنا لمساعدة الآخرين بكل بتواضع. فالعطاء أحيانًا يجعلنا نشعر بالفخر، ولكن قبول المساعدة والأخذ يكسرنا.
• علّقَ بايت (Pate): “المصطلح المستخدم ليشير إلى دعم النساء لخدمة يسوع هو دياكونيا (diakonia)، والذي يعني الشماس/الشماسة. ويبدو أن هذا المصطلح ساهم لاحقًا في خلق هذا المنصب في الكنيسة الأولى.”
١. فَلَمَّا اجْتَمَعَ جَمْعٌ كَثِيرٌ: عَلَمَ يسوع حشود كبيرة في جلسة واحدة. ولم يُهمل بالتأكيد المجموعات الصغيرة أو حتى الأفراد، ولكنه علم الحشود في العديد من المناسبات. وجذب إليه جمعٌ كثيرٌ مِنْ كُلِّ مَدِينَةٍ.
• يخبرنا كلٍ من متى ١:١٣-٣ ومرقس ١:٤-٢ بأن الجمع كان كثير جدًا مما جعل يسوع يعلمهم من القارب. وقف الجمع عند الشاطئ، ووقف يسوع في القارب واستخدمه كمنبر فعّال.
٢. قَالَ بِمَثَلٍ: الفكرة من وراء كلمة مَثَل هي: “شي يوازي شيء.” فهي قصة تُروى بموازاة الحق بهدف التعليم. وكانت الأمثال أيضًا: “قصص أرضية ولكن بمعنى سماوي.”
• كتب فرانس (France): “المعنى اليوناني لكلمة مَثَل أوسع بكثير مما نعرفه الآن. ففي الترجمة السبعينية ترجمت الكلمة إلى “المسال (masal)” والتي تتضمن الحِكم والأحاجي والأقوال المأثورة بالإضافة إلى الأمثال. وعلى سبيل المثال، استخدم متى نفس الكلمة في حديث يسوع المُبهم عن الفم النجس (متى ١٠:١٥-١١، ١٥)، وفي متى (٣٢:٢٤) استخدم كلمة (تَعَلَّمُوا) للمقارنة.”
• كما وكتب بوول (Poole) مُعلقًا: “كان للمثل تأثير مزدوج على السامعون: أولًا، تأثيره على الذاكرة، فمن السهل عليهم أن يتذكروا القصص. وثانيًا، تأثيره على العقل، فالمثل سيدفعهم لدراسة معناه.”
• غالبًا ما يعلم المثل نقطة رئيسية واحدة أو مبدأ واحد. وسنقع في مأزق إن توقعنا أنه يحتوي على أنظمة لاهوتية معقدة، أو على تفاصيل تكشف الحقائق الخفية. وعلّقَ باركلي (Barclay): “المثل ليس هو الرواية الرمزية. فعادة ما تحمل الرواية الرمزية خفايا وأسرار، ولا بد من قراءتها ودراستها. أما المثل فيُسمع. فيجب أن نكون حريصين جدًا من عدم إخراج الرموز من الأمثال.”
٣. خَرَجَ الزَّارِعُ لِيَزْرَعَ زَرْعَهُ: تكلم يسوع عن العادات التي كانت متبعة في الزراعة ذلك الوقت. فكانت البذور تُنثر على الأرض أولًا ثم يتم حرثها. وفي معظم الحالات، لا يستطيع المرء أن يعرف نوعية الثمر الذي سينبت إن كان جيدًا أم لا.
٤. وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ … وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الصَّخْرِ … وَسَقَطَ آخَرُ فِي وَسْطِ الشَّوْكِ … وَسَقَطَ آخَرُ فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ: نرى في هذا المثل أن البذور سقطت على أربعة أنواع مختلفة من التربة. على الرغم من أن المثل اشتهر بمَثَل الزارع، ولكن أفضل تسمية له: مَثَل التربة. فالذي يُحدث الفرق ليس البذور، ولكن نوعية التربة التي تسقط عليها البذور.
• عَلَى الطَّرِيقِ: وهو الطريق الذي يسير عليه الناس، ولا ينمو شيء عليه لأن الأرض صلبة جدًا.
• عَلَى الصَّخْرِ: حيث تتجمع التربة الرقيقة عند أطراف الصخر. فتنمو البذور بسرعة بسبب دفئ التربة، ولكنها لا تتأصل بسبب الصخور.
• وَسْطِ الشَّوْكِ: عادة ما تكون التربة التي ينمو بها الشَّوْكِ خصبة جدًا. ولكن الشَّوْكِ يخنق البذور الجيدة ولا تأتي بثمر.
• فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ: وصفت هذه التربة بأنها خصبة وخالية من الأعشاب الضارة. فينبت الثمر الجيد بالْأَرْضِ الصَّالِحَةِ، ويصنع مِئَةَ ضِعْفٍ.
٥. مَنْ لَهُ أُذْنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ!: إنها ليست دعوة موجهة للجميع. بل دعوة لتحذير الحساسين روحيًا. وهذا صحيح في ضوء الآيات القليلة التالية، حيث يشرح يسوع الغرض من الأمثال.
١. مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَثَلُ؟: لم يفهم التلاميذ معنى المثل على الفور. ويبدو أن استخدام يسوع للأمثال لم يكن سهلًا كاستخدام التوضيحات البسيطة لشرح الحقائق الروحية.
٢. لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَمَّا لِلْبَاقِينَ فَبِأَمْثَالٍ: عندما استخدم يسوع الأمثال، كانت أشبه بالألغاز أو الأحاجي من التوضيح البسيط. ولن يفهمها سوى من يملك “المفتاح” الصحيح للمثل. ولهذا قال يسوع للتلاميذ، الذين أرادوا أن يفهموا الأمور المتعلقة بالله: أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ – أي أنه يستطيع أن يكلمهم مباشرة دون أمثال. ولكنه استخدم الأمثال أحيانًا كثيرة، عندما علم الباقين.
• أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ: السر في الكتاب المقدس ليس أمرًا لا يمكنك فهمه. بل أمرًا لن نتمكن من فهمه أبدًا إن لم يُعلنه الله لنا. وحسب المفهوم الكتابي، يمكن للمرء أن يعرف السر ولكنه يبقى سرًا، ما لم يكشف الله الأمر.
٣. مُبْصِرِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لَا يَفْهَمُونَ: اقتبس يسوع هذا المقطع من إشعياء ٩:٦، ليشرح أن القصد من وراء الأمثال ليس توضيح الامور الصعبة على السامعين. بل لتقديم رسالة الله بطريقة يفهمها من يملكون حسًا روحيًا، ولكن من يملكون قلوبًا قاسية، هي مجرد قصة لا تضيف المزيد من الإدانة على رفضهم لكلمة الله.
• ليس الهدف من الأمثال التوضيح. يستطيع المعلم الماهر أن يوضح أمرًا بعرضه لحقيقة ما، ومن ثم يستخدم قصة أو مثل لتوضيح تلك الحقيقة. أما يسوع فقد استخدم الأمثال قبل أن يبدأ بعرض الحق، واستخدمها كنوع من المدخل أو الباب. ما فعله المستمعون هو الوقوف عند المدخل والإستماع لأقوال يسوع. من كان غير مهتم، مكث في الخارج. ومن أبدى إهتمامًا، استطاع الدخول، واستطاع التفكير بالحق الكامن من وراء المثل وما يعنيه لحياته.
• كتب جيلدنهيز (Geldenhuys): “ولكي لا يتراكم ذنبهم ويزداد، توقف الرب عن تعليمهم بشكل مباشر وواضح خلال الفترة التي سبقت صلبه، بل استخدم الأمثال طيلة الوقت.”
• إذا لم تفهم مفتاح المثل، فلن تفهمه على الإطلاق. ولنا أن نتخيل نوعية الناس التي كانت تستمع ليسوع وماذا كان يدور في ذهنهم عندما عَلَمَ هذا المثل دون تقديم أي تفسير.
• فالمزارع سيقول: “يريدني أن أتوخى الحذر في الطريقة التي ألقي فيها البذار. يبدو أنني أهدرت الكثير في السابق.”
• والسياسي سيعتقد: “يبدو أنني بحاجة لبدء برنامج تعليمي لمساعدة المزارعين ليصبحوا أكثر مهارة في إلقاء البذار. وهذا سيكون دفعة جيدة في حملتي الإنتخابية القادمة.”
• والمُراسل الصحفي سيخطط: “لا بد أنه يتحدث عن قصة هامة تتعلق بالمشاكل التي تسببها الطيور وتأثيرهم على المجتمع الزراعي. يا لها من فكرة رائعة لسلسلة من المقالات في الصحيفة.”
• والبائع سيحلم: “إنه يشجعني على الإستمرار في مبيعات الأسمدة. فيمكنني مساعدة المزارعين بصورة أفضل إن استخدموا منتجاتي الخاصة.”
• ولكن لم يفهم أيًا منهم المعنى الروحي للمثل إلى أن وضح يسوع المفتاح لحله: (البذور) الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ (لوقا ١١:٨). إذا لم تفهم المفتاح، فلن تفهم القصد من وراء المثل. إذا كنت تعتقد أن البذور تمثل المال، فسيفقد المثل معناه. وإذا اعتقدت أن البذور تمثل المحبة، فسيفقد المثل معناه أيضًا. وإذا فكرت أن البذور تمثل العمل الشاق، فسيفقد المثل معناه حتمًا. لا يمكنك أن تفهم المثل إلا عن طريق فهم المفتاح: الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ.
٤. حَتَّى إِنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لَا يَفْهَمُونَ: في ضوء ذلك، يا لها من بركة عظيمة لمن يفهم أمثال الرب يسوع المسيح. فالذين يفهمون الأمثلة لا يستفيدون من فهم الحق الروحي وحسب، بل يُظهرون تجاوبهم مع عمل الروح القدس في قلوبهم.
١. الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ: يُشَبِه يسوع كلمة الله (ويمكننا القول الكلمة المكتوبة والمنطوقة) بالبذور (الزَّرعُ). هناك إمكانيات هائلة في البذرة بحد ذاتها، فهي تنبت حياة جديدة ولها فوائد عدة إن تم استقبالها (زُرعت) في ظروف مناسبة.
• فكرة أن الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ مكررة في أكثر من موضع في الكتاب المقدس. استخدمها بولس في كورنثوس الأولى ٦:٣، وكتب عنها بطرس عندما قال: مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لَا مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لَا يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الْأَبَدِ (بطرس الأولى ٢٣:١).
• ويُعلّق سبيرجن (Spurgeon): “واعظ الإنجيل يُشبه الزَّارِعُ. هو لا يصنع البذور؛ بل يقُدمها له مُعلمه الإلهي. لا يملك أي إنسان القدرة على خلق أصغر الحبوب الموجودة على الأرض، ناهيك عن البذور السماوية للحياة الأبدية.”
٢. وَالَّذِينَ عَلَى الطَّرِيقِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلَّا يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا: مثلما أَكَلَتْ طُيُورُ السَّمَاءِ بَعْضٌ من البذور عَلَى الطَّرِيقِ (لوقا ٥:٨)، هكذا قَبِلَ البعضُ الكلمة بقلوب قاسية وآتى إِبْلِيسُ بسرعة وَنْزِع الْكَلِمَة المزروعة. لم يَعُد للكلمة أي تأثير لأنها لم تخترق القلب القاسي وسرعان ما نُزعت منه.
• تُمثل التربة على الطَّرِيقِ من لم يفهم الكلمة مطلقًا. ولكي تأتي بثمر حقيقي، عليك أن تفهم كلمة الله أولًا. واحدة من أهم الأعمال التي يقوم بها إبليس هو أن يُعمي أذهان غير المؤمنين فيما يتعلق بفهمهم للإنجيل. (كورنثوس الثانية ٣:٤-٤).
• هذا يخبرنا بأن الشيطان يعمل أثناء سماعنا للوعظ ودراستنا لكلمة الله. يبدو أن الشيطان يؤمن بقوة كلمة الله أكثر من كثير من الوعاظ أنفسهم؛ فهو يعلم أنه كلما عُلم بالكلمة أو كُرز بها، عليه أن يكون مشغولًا للعمل ضدها.
• ثُمَّ يأتي إبليس؛ هو دقيق جدًا في عمله. يعلم إبليس متى يأتي بالضبط خلال العظة. ويعرف اللحظة المناسبة لتشتيت ذهنك. يمكن للواعظ أحيانًا أن يكون هو نفسه مصدرًا للتشتيت. وأحيانًا قد يستخدم الخادم كلمة ما أو قصة ما تساعد على تشتيت الذهن. وأحيانًا يكون الذهن مشغولًا أصلًا بنشاطات يوم البارحة واليوم، أو بما سيحدث بعد الكنيسة. وأحيانًا أخرى، طفل لطيف يقوم بالمهمة أو شخص يهمس شيئًا وسط الإجتماع.
• ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ: قال يسوع أن إبليس ينجح في ذلك فعلًا، ولا يسعى للمحاولة فقط، ولديه القدرة والقوة على تحقيق ذلك. فهو يرى، ويأتي، وينتصر. ولولا عمل الروح القدس، لما كان هناك تأثير للوعظ في حياتنا.
• وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ تُظهر هذه الكلمات هدف إبليس. فهو في الواقع لاهوتي جيد، ويعلم أن من يسمع كلمة الله ينال الإيمان والخلاص. فيعمل بجد ليمنع تأثير الكلمة الجيد على أولئك الذين يسمعون لِئَلَّا يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا.
• يمكننا الإستفادة من استراتيجية الشيطان إن فهمناها – فهو يريد إبعادنا عن كلمة الله بأي طريقة، إذًا علينا البقاء على تواصل مستمر مع كلمة الله، وهكذا تفتح أمامنا فرص جيدة للتوبة والإيمان.
٣. وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ: كما تسقط البذور على التربة الرقيقة عند الصخر وتنمو بسرعة ثم تذبل وتموت (لوقا ٦:٨)، هكذا يستجيب البعض لكلمة الله بحماس فوري ولكن قريبًا يذبلون.
• كانت البذور جيدة، والتربة ملائمة ودافئة، وقبلوا الكلمة بفرح شديد. ولكن المشكلة لم تكن بتلك الأمور؛ بل لأن البذور افتقرت إلى الرطوبة (لوقا ٦:٨)، وبالتالي لم تتأصل لتحتمل التَّجْرِبَةِ.
• كان يعوزهم ما يروي الكلمة. كتب سبيرجن (Spurgeon): “عندما نتحدث عن الندى الروحي (الرطوبة)، فنحن نشير إلى عمل الروح القدس. وعندما نتحدث عن نهر ماء الحياة، فإننا نعني الأشياء المقدسة التي تنهمر علينا من عرش الله من خلال عمل روحه بداخلنا.”
• ذكر سبيرجن (Spurgeon) بعض المؤشرات لعدم وجود رطوبة في التربة:
• العقائد دون اختبار حقيقي.
• الاختبار لكن بدون تواضع وانكسار.
• التطبيق ولكن بقلب غير مُحب.
• الإيمان بدون توبة.
• الثقة الزائدة.
• الخدمة بدون الروح.
• الغيرة بدون الشركة.
• وأضاف سبيرجن: “نحن بحاجة إلى الروح القدس؛ وإذا لم يروينا الرب يوميًا من الينابيع الحية النازلة من تلال المجد، فحتمًا سنموت. فاحذروا إذًا، أيها الإخوة والأخوات، من نقص تأثير رطوبة الروح القدس الكريم.”
٤. وَالَّذِي سَقَطَ بَيْنَ الشَّوْكِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ فَيَخْتَنِقُونَ مِنْ هُمُومِ الْحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَلَذَّاتِهَا، وَلَا يُنْضِجُونَ ثَمَرًا: كما تتساقط البذور بين الأشواك وتنمو وسرعان ما تختنق (لوقا ٧:٨)، هكذا يستجيب البعض مع الكلمة وينمون، ولكن الشوك يخنقهم ويتوقف نموهم الروحي بسبب المنافسة مع أشياء غير روحية.
• تمثل هذه التربة أرض خصبة للكلمة؛ ولكنها تربة خصبة للغاية، وينمو بها أيضًا أمورًا أخرى كثيرة تأتي وتخنق كلمة الله. وهذه الأمور هي: هُمُومِ الْحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَلَذَّاتِهَا.
٥. وَالَّذِي فِي الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ، وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ. يشبه بعض الناس الأرض الجيدة، فيستقبلون الكلمة فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ. ويَحْفَظُونَهَا وبالتالي يأتون بثمر، ويحققون الهدف من البذور.
• تمثل هذه التربة أولئك الذين يقبلون الكلمة، وتثمر في حياتهم بوفرة (لوقا ٨:٨).
٦. وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ: من الواضح أن هذه النتيجة المرجوة لكلٍ من المزارع والواعظ. ومع ذلك، فمن الخطأ أن نفكر بهذا المثل على أنه قضاء وقدر، أي أن نقول: “هذا من أكون، وهذه نوعية التربة التي تمثلني، القرار ليس بيدي.” بل على العكس تمامًا، هذا المثل عليه أن يتحدى كل مستمع، بمساعدة الله، حتى يحرث تربة قلبه لتُحدث كلمة الله الصالحة أفضل تأثير على حياته.
• نستفيد إن رأينا أنفسنا قليلًا في هذه الأنواع من التربة:
• نشبه من سقط عَلَى الطَّرِيقِ، لأننا أحيانًا لا نعطي مساحة للكلمة في حياتنا على الإطلاق.
• نشبه من سقط عَلَى الصَّخْرِ، لأننا نتحمس لفترة ونقبل الكلمة ولكنها سرعان ما تجف.
• نشبه من سقط وَسْطِ الشَّوْكِ، لأننا نسمح لهموم هذا العالم وغرور الغنى أن تخنقان كلمة الله والثمر في حياتنا.
• نشبه من سقط فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ، لأن الكلمة تأتي بثمر في حياتنا.
• لاحظوا أن الفرق كان في التربة نفسها، أما البذار التي يلقيها المزارع فهي لم تتغير. لهذا لا يمكنك أن تلوم الاختلافات في النتائج على الزارع أو على البذار، ولكن على التربة وحدها. علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “أيها الأعزاء، اليوم يوم اختبار! ربما ستحكم على الواعظ اليوم، ولكن هناك من سيحكم عليك أهم من الواعظ؛ كلمة الله نفسها سوف تحكم عليك.”
• شجع هذا المثل التلاميذ كثيرًا. على الرغم أن تجاوب الناس قد يبدو ضعيفًا، ولكن الله هو المسيطر وسيأتي الحصاد بالتأكيد. كان هذا كلام هام جدًا خاصة مع إزداد المقاومة ضد يسوع. كتب فرانس (France): “لن يتجاوب الجميع بكل تأكيد، ولكن سيتجاوب البعض، وحينها سيكون الحصاد وفيرًا.”
• على الرغم من أن مَثَل الزارع يصف التجاوب المختلف مع رسالة الإنجيل، إلا أنه يجبر المستمع إلى التساؤل: “أي نوع من التربة أنا؟ كيف يمكنني إعداد قلبي وعقلي كي أكون تربة جيدة؟” هذا المثل يدعونا للعمل كي نستفيد من كلمة الله إلى أقصى درجة.
ثانيًا. المسؤولية التي تقع على عاتق من يقبلون الكلمة
أ ) الآيات (١٦-١٧): أولئك الذين يقبلون الكلمة مسؤولون عن كشف الحق ( كلمة الله) وإعلانه للآخرين
١. وَلَيْسَ أَحَدٌ يُوقِدُ سِرَاجًا وَيُغَطِّيهِ بِإِنَاءٍ أَوْ يَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرٍ، بَلْ يَضَعُهُ عَلَى مَنَارَةٍ: يجب على الحق أن يُعلن ويكون واضحًا. وقد وعد الله أن هذا ما سيحدث حتمًا (لِأَنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لَا يُظْهَرُ).
٢. لِيَنْظُرَ الدَّاخِلُونَ النُّورَ: إن كنت تعرف الحق الإلهي، إذًا فأنت مسؤول عن نشر هذا الحق مستغلًا أي فرصة يفتحها الله أمامك. كحال الشخص الذي يملك علاج لمرض مهدد للحياة والمسؤولية تقع على كاهله لتعميم هذا العلاج. فالله لم يوقد سراجك كي يكون خَفِيًا.
• يجب على المرء إما نشر الكلمة نفسها أو نشر تأثير كلمة الله من خلال تحفيز الآخرين على سماعها. ويُفضل فعل الأمرين.
ب) الآية (١٨): أولئك الذين يقبلون الكلمة تزداد مسؤوليتهم وسيقدمون حسابًا يومًا عما سمعوه، لهذا علينا توخي الحذر كلما سمعنا الكلمة.
١. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْمَعُونَ: من الجيد أن نسمع كلمة الله؛ ولكن الأهم كَيْفَ نسْمَع. وبهذا حذَّرَ يسوع سامعيه أن يهيئوا قلوبهم وعقولهم باستمرار لكي يحكموا على أنفسهم أولًا كمستمعين بقدر لا يقل عن حكمهم على الواعظ.
• من الخطورة أن نسمع كلمة الله بطريقة سلبية جدًا؛ أي أن لا يكون لها أي تأثير واضح على العقل والقلب والإرادة. فالذي يسمع فقط ولا يعمل بالكلمة، سيؤدي إلى خراب عظيم (لوقا ٤٩:٦).
• في عظته بعنوان المستمع الجيد، اقترح تشارلز سبيرجن بعض الطرق لسماع كلمة الله بإنتباه وحذر:
• اسمع باهتمام، واحفظ ما تسمع.
• اسمع بإيمان وطاعة.
• اسمع بإخلاص وبأمانة.
• اسمع بخشوع وبصدق.
• اسمع بجدية وبالروح.
• اسمع بكل مشاعرك وبحس مرهف.
• اسمع بامتنان وبروح الصلاة.
٢. لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى: عندما نسمع كلمة الله ونقبلها بفرح، سيعطينا الله المزيد من الثروات الروحية.
• لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى: سيُعطى ماذا؟ رغبة أكثر في الإستماع للكلمة وفهم أعمق لها. ستحصل على المزيد من البركات التي يسمع عنها.
• لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى: يذكرنا يسوع بأن النمو الروحي يتبعه قوة دافعة، ربما تكون إيجابية أو سلبية. عندما نملك عادات روحية جيدة مثل سماع الكلمة وتطبيقها على حياتنا، سنُعطى أكثر. وعندما نفقد تلك العادات، فمن الصعب للغاية إرجاعها.
٣. فَالَّذِي يَظُنُّهُ لَهُ: يعتقد بعض الناس أحيانًا أنهم روحيين، ولكن هذا ما يظنونه عن أنفسهم. هذا ما اعتقده الفريسيون أيضًا؛ وكذلك الكنيسة في لاودكية (رؤيا يوحنا ١٤:٣-٢٢). قال شعب كنيسة لاودكية عن أنفسهم: “إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلَا حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ”؛ ولكنهم لم يعلموا في الواقع: “أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ.”
ج ) الآيات (١٩-٢١): نقترب من يسوع عندما نسمع كلمته ونطيعها.
١. وَجَاءَ إِلَيْهِ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ لِسَبَبِ الْجَمْعِ: نتوقع أن تكون لعائلة يسوع امتيازات خاصة؛ ولكننا نتفاجأ أن الأمر لم يكن كذلك.
• يبدو أن إِخْوَتُهُ لم يكونوا داعمين ومؤيدين لخدمته قبل الصلب والقيامة (يوحنا ٥:٧، مرقس ٢١:٣).
٢. إِخْوَتُهُ … وَإِخْوَتُكَ … وَإِخْوَتِي …: كان ليسوع الكثير من الإخوة والأخوات، وهذا واضح جدًا في النص الكتابي. واعتقاد الكنيسة الكاثوليكية في بتولية مريم يناقض مع المعنى الواضح في الكتاب المقدس.
• علّقَ كارسون (Carson): “من الطبيعي أن نفهم أن كلمة “الإخوة” تُشير إلى أبناء مريم ويوسف وبالتالي إلى إخوة يسوع من جهة الأم. والجهود المبذولة لجعل كلمة الإخوة تعني شيئًا آخر هي لدعم عقيدة نشأت بعد العهد الجديد بفترة طويلة.”
• كما وعلّقَ بايت (Pate): “يقر المفكر الكاثوليكي الضليع فيتزماير (Fitzmyer) هذه النقطة. حيث يكتب عن العذرية الدائمة المفترضة لمريم ما يلي: “ليس هناك ما يشير في العهد الجديد إلى بقاء مريم عذراء إلى الأبد. يُعزى هذا الاعتقاد، بشكل أو بآخر، إلى القرن الثاني الميلادي.”
٣. أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا: أشار يسوع أن عائلته المُقربة هم من يسمعون ويطيعون كلمة الله. فنحن نقترب من يسوع عندما نسمع كلمته ونعمل بها. وعندما نفعل ذلك، نحن نوطد العلاقة معه لتبدو تمامًا كالعلاقات الأسرية في مفهومها الطبيعي. يا له من تصريح مذهل.
• يمكن للمرء أن يصلي أو يرنم أو يصوم طوال اليوم، ولكن إذا لم يسمع الكلمة ويطيعها، فهو في الواقع لا يقترب من الله.
• التأكيد المتكرر على كَلِمَةَ اللهِ مثيرٌ للإعجاب. ويُعلّق بوول (Poole): “كيف يمكن لأي شخص أن يفكر أن الصلاة أو إدارة الكنيسة أو منح الأسرار المقدسة أو أي شيء آخر أكثر أهمية بالنسبة للخادم من الوعظ؟ من يقرأ الكتاب المقدس سيندهش مما قاله الكتاب حول هذا الأمر.”
١. لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ: قدم يسوع وعدًا لتلاميذه بهذه الكلمات. فهو لم يقول: “دعونا نهلك في بحر الجليل.” ولكنه وعد أنهم سيعبرون الْبُحَيْرَةِ بأمان رغم العاصفة.
• ويُعلّق باركلي (Barclay): “يبلغ طول بحيرة الجليل حوالي ٢١ كيلومتر وعرضها ١٢ كيلومتر. وكانوا على بعد ٨ كيلومتر في هذا الجزء بالذات.”
• كتب ويرزبي (Wiersbe): “عصيان يونان أوقعه في العاصفة، إلا أن التلاميذ دخلوا في العاصفة بسبب طاعتهم للرب.”
٢. فَأَقْلَعُوا. وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ: حقيقة أنه كان بحاجة إلى النوم تبهرنا، وتبين طبيعته كإنسان. كان يحتاج لقسط من الراحة عندما شعر بالتعب، وكان يفعل ذلك عندما تسنح له الفرصة حتى في الأماكن غير المتوقعة.
• يكتب بروس (Bruce): “كان نومه نوم شخص منهك من زخم الحياة التي تُجهد الجسم والعقل.”
• نتعجب من حقيقة أنه كان قادرًا على النوم وسط العاصفة. ولكنه استطاع ذلك لأنه كان يتمتع بسلام تام وثقة كبيرة في محبة ورعاية أبيه السماوي.”
٣. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ: كان بحر الجليل معروفًا بعواصفه المفاجئة العنيفة. شدة هذه العاصفة كان واضحًا لأن التلاميذ اضطربوا (رغم أن الكثير منهم كانوا صيادين متمرسين بهذا البحر بالذات) (مرقس ٤٠:٤).
١. فَتَقَدَّمُوا وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ!»: لم يحصل التلاميذ على راحتهم وسلامهم من يسوع النائم، ولم يفترضوا أنه حتى وإن كان نائمًا فكل الأمور ستكون على ما يرام. كانوا يحتاجون إلى معونته، لهذا أَيْقَظُوهُ.
• كتب مورغان (Morgan): “كلمة ‘إِنَّنَا’ في صرختهم «يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ!» تشير إلى أنهم أضافوا يسوع معهم. إذا غرق القارب، فسيغرق الكل معه – خدمته وآمالهم والمشاريع الهائلة التي دعاهم ليفعلوها.”
• ويضيف مورغان (Morgan): “كم من المرات نشعر بالتوتر والقلق حيال مشاريع الرب؟ ووسط العاصفة نتصور أن كل شيء على وشك الإنهيار. وحينها سنسمعه يقول: “أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟”
٢. فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ: لم يهدئ يسوع الرياح والبحر بطريقة عادية؛ ولكنه انْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ. وبالإضافة إلى خوف التلاميذ الكبير، وما سيواجه يسوع لاحقًا، نستطيع أن نقول أن الشيطان ساهم بطريقة أو بأخرى في إثارة هذه العاصفة.
• افترض آدم كلارك (Adam Clarke) أن العاصفة كانت “من عمل الشيطان، رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الذي توقع أنه بإغراق القارب، الذي يحمل كاتب الأخبار السارة والمبشرين، سيحبط مقاصد الله، وبالتالي سيمنع الخلاص عن العالم الهالك. وكانت تلك فرصة رائعة لعدو البشر!”
٣. “أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟”: لم يقل يسوع: “يا لها من عاصفة.” عوضًا عن ذلك سأل: “أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟” لم تزعج العاصفة يسوع، ولكن ما أزعجه كان عدم إيمان التلاميذ.
• لم يكن عدم إيمانهم خوفًا من ظرف مخيف، ولكن لأن يسوع قال لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ (لوقا ٢٢:٨). فهو لم يقل: “دعونا نفعل ما في وسعنا، ونذهب نحو مستقبل مجهول، وربما سنغرق نتيجة لذلك.” بل على العكس تمامًا، فقد أعطاهم يسوع وعدًا واضحًا أنهم سيذهبون بكل تأكيد ويصلوا إلى الجانب الآخر.
• الظروف الصعبة – العواصف، إذا جاز التعبير – ليست دليلًا على عدم الإيمان. فعدم الإيمان هو رفض وعود الله التي لها علاقة بظروف معينة.
• كان على التلاميذ أن يعرفوا أن الله لن يسمح بهلاك المسيا في قارب يعبر بحر الجليل. لم يكن من الممكن أن تنتهي قصة المسيا بغرقِهِ في البحيرة.
• تُظهر هذه الحادثة رعاية يسوع المستمرة لشعبه. قال مورغان (Morgan): “هناك الكثير من المسيحيين اليوم يعتقدون أن القارب سيغرق! أنا شخصيًا تعبت من نواح بعض الأصدقاء الذين يتبنون هذا الرأي. فلا يمكن للقارب أن يغرق، فيسوع فيه.”
٤. فَخَافُوا وَتَعَجَّبُوا: كان يجب على البحر الهادئ أن يملئهم بالسلام، ولكن كان خوفهم بعد العاصفة مشابهًا للذي كان في خضم العاصفة.
• أصاب التلاميذ الذهول. وهذا السلطان القوي على الخليقة جعلهم يتساءلون: “مَنْ هُوَ هَذَا؟” هو حتمًا الرب، يهوه، الذي يملك كل السلطان والقوة: “يَا رَبُّ إِلَهَ الْجُنُودِ، مَنْ مِثْلُكَ؟ قَوِيٌّ، رَبٌّ، وَحَقُّكَ مِنْ حَوْلِكَ. أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْبَحْرِ. عِنْدَ ارْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا” (مزمور ٨:٨٩-٩).
• في غضون لحظات قليلة، رأى التلاميذ طبيعة يسوع البشرية (كان متعبًا فنام) ثم رأوا كمال ألوهيته. رأوا حقيقة يسوع: إنسان كامل وإله كامل.
رابعًا. شفاء إنسان به روح نجس من كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ
١. إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ: تقع هذه البلدة على الجانب الشرقي من بحر الجليل، وهي من أكثر المدن التي يقطنها أممين من المدن العشرة.
٢. اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ: هذا الوصف يُعتبر الأكثر تفصيلًا لرجل يسكنه شيطان في كل الكتاب المقدس. فيما يلي الصورة النمطية لرجل يسكنه شيطان.
• كان الرجل يسكنه شيطان مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ.
• كان الرجل لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وكان يعيش كحيوان في البراري أكثر من إنسان طبيعي (وَلَا يُقِيمُ فِي بَيْتٍ… وَيُسَاقُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى الْبَرَارِي).
• كان الرجل يعيش بين الأموات والجثث المتحللة، خلافًا للقانون اليهودي وغريزة الإنسان (فِي الْقُبُورِ).
• كان الرجل يملك قوة خارقة للطبيعة (وَكَانَ يَقْطَعُ الرُّبُطَ).
• كان الرجل يشوه ويؤذي نفسه (يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَةِ، مرقس ٥:٥).
• كان الرجل قوي (فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ، مرقس ٤:٥).
• من الغريب أن يكون هناك بعض المسيحيين الذين يؤمنون أن الروح القدس يعمل بطريقة مماثلة؛ أي أنه يسيطر بالكامل على الجسد، ويدفع المرء ليقوم بأشياء غريبة وعجيبة.
• نستطيع القول أنه لم يبدأ بهذه الطريقة، بل عاش وسط الناس في القرية قبلًا. ربما كان شخصًا غير عقلاني، ويتصرف بتهور، وأقتنع أهل القرية أن به شيطان، أو على الأقل مجنون. فقيدوه بالسلاسل لمنعه من إيذاء الآخرين، ولكنه كسر السلاسل مرارًا وتكرارًا. وأخيرًا، طردوه من المدينة وعاش في مقبرة القرية، مجنون بين القبور، ويقوم بإذاء الشخص الوحيد الذي يستطيع إذائه وهو نفسه.
• وَيُسَاقُ مِنَ الشَّيْطَانِ: علّقَ تراب (Trapp): “كالحصان الذي يسوقه راكبه (هذا ما تدل عليه الكلمة) أو كالسفينة التي تُساق بالمجداف.”
٣. اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ: مما يعني أن يسوع لم يسعى وراء هذا الرجل، بل هو من انجذب ليسوع.
٤. لِأَنَّهُ أَمَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْإِنْسَانِ: لا يستطيع الإنسان أن يُخلص نفسه من الرُّوحَ النَّجِسَ، ولكن يسوع ذو السلطان يستطيع.
٥. مَا لِي وَلَكَ … أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي!: هذا ما قاله الروح النجس الذي كان يسكن الرجل، وليس الرجل نفسه. لم يرغب الشيطان بترك الجسد الذي كان يسكنه.
• يعني المس الشيطاني سكنى روح شيطاني في جسم الإنسان. ويظهر أحيانًا شخصيته الخاصة من خلال شخصية الجسم المضيف. المس الشيطاني هو حقيقة واقعية اليوم، ولكن لا يجب أن نتجاهل العمل الشيطاني أو التركيز الزائد عليه.
• لا يخبرنا الكتاب المقدس على وجه التحديد كيف أصبح هذا الشخص مسكونًا بالروح النجسة، غير أنه يمكننا أن نستنتج بأن هذا حدث نتيجة دعوة قدمها الشخص إما عن معرفة أو عن جهل.
• الخرافة وقراءة الطالع وما يسمى بالألعاب السحرية غير المؤذية واستحضار الأرواح وخداع حركة العصر الجديد (New Age) والسحر وتعاطي المخدرات وغيرها أمور تخدع المؤمن وتُعرض غير المؤمن لخطر شيطاني حقيقي.
• غالبًا ما ينخرط الناس في الهرطقات أو الأشياء الشيطانية لأنهم يحصلون على نتائج. ولكن لسوء الحظ تلك النتائج سببها أرواح شيطانية.
• نستطيع القول أن الشيطان يريد أن يسكن الأجساد لنفس السبب الذي يجعل المخرب يرش الحائط بالدهان أو القاتل للحصول على مسدس – فالجسد هو السلاح الذي يستخدمه لمحاربة الله. والسبب الثاني لهجوم الشيطان على الإنسان هو كرههم لصورة الله في الإنسان، ولذلك يسعون لتشويه تلك الصورة من خلال الحط من قدر الإنسان وإذلاله وجعله يتصرف بطريقة غريبة وغير لائقة.
• يريد الشيطان تحقيق نفس الهدف مع المؤمنين (يريد تدمير صورة الله)، ولكن هناك حدود لما يستطيع فعله مع المؤمنين. فبالرغم من أن يسوع جَرَّدَ الأرواح الشريرة على الصليب (كولوسي ١٥:٢)، إلا أنهم قادرون على خداع وتخويف المؤمنين مستخدمًا الخوف والشك.
• أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي! يا لها من جملة مثيرة للسخرية، لقد عذبت الشياطين الرجل وسيطرت على جسده وعقله وروحه لمدة طويلة. ولكنها الآن تطلب من يسوع وتقول: لَا تُعَذِّبَنِي.
٦. يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ: كان هذا رد فعل الروح النجس عندما أمره يسوع أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْإِنْسَانِ. واستخدم هذه الجملة كطريقة يحاول بها مقاومة يسوع.
• الخلفية من وراء كل هذا كان خرافة قديمة تَدّعي أنك ستملك سلطان روحي يفوق على الآخر إذا نطقت باسم ذلك الروح أو عرفت اسمه. لهذا السبب دعى الروح النجس يسوع بلقبه الكامل: يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ. وفقًا لخرافات تلك الأيام، كانت تلك الجملة أقوى طريقة للرد على يسوع.
• بناءً على ذلك، نستطيع القول أن الروح النجس كان يملك الحقائق اللاهوتية الصحيحة عن يسوع، ولكن قلبه لم يكن صحيحًا. كان الروح النجس يملك نوعًا من “الإيمان” في يسوع. فقد عرف هوية يسوع الحقيقية أفضل من القادة الدينيين أنفسهم. ومع ذلك، لا يمكن للإيمان أو المعرفة أن يخلص (رسالة يعقوب ١٩:٢).
ب) الآيات (٣٠-٣٣): أظهر يسوع سلطانه على الأرواح الشريرة.
١. مَا اسْمُكَ؟: وفقًا للعادات اليهودية فيما يتعلق بطرد الأرواح الشريرة في ذلك الوقت، كان لا بد من معرفة اسم الروح الشرير لفرض السيطرة عليه واخراجه من الشخص المسكون. ولكن يسوع لم يحتاج الاسم في هذه المقايضة؛ بل كان يملك سلطان أكبر بكثير من الخرافات التي كانت سائدة حينها.
٢. فَقَالَ: «لَجِئُونُ»: ربما سأل يسوع عن اسم الشيطان ليتسنى لنا معرفة حجم المعضلة، عالمًا أن شَيَاطِينَ كَثِيرَةً كانت تسكن الرجل وليس واحد فقط. ونلاحظ أن «لَجِئُونُ» (والتي تعني الفيلق) هو ليس اسم بل محاولة للمراوغة والتهديد والتخويف.
• عادة ما يتألف الفيلق الروماني من ستة آلاف رجل. هذا لا يعني أن الرجل كان يسكنه ستة آلاف شيطان، ولكن عدد كبير منهم.
• من الممكن أيضًا أن تكون هذه محاولة لتخويف يسوع. أحيانًا كثيرة وعندما يُحاصر الحيوان، يحاول أن يبدو بحجم أكبر من الحيوان الذي يريد افتراسه؛ لهذا ربما نطق هؤلاء الشياطين بهذا الاسم معتقدين خاطئًا أنهم يستطيعون تخويف يسوع. قال لجئون: “هناك الكثير منا، ونحن منظمون ومتحدون ومستعدون للقتال؛ إننا أقوياء.”
• وفقًا لخرافات ذلك العصر، ربما شعر المتفرجين أن الأرواح النجسة كانت هي المسيطرة على الوضع. فقد عرفوا وأعلنوا اسم يسوع بالكامل، وحاولوا التهرب من طلب يسوع بالإعلان عن أسمائهم، وأخيرًا كانوا يأملون في تخويف يسوع بعددهم الكبير. ولكن يسوع لم يأبه بهذه الخرافات القديمة على الإطلاق، وبكل سهولة أخرج الأرواح النجسة من الرجل المصاب.
٣. وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَأْمُرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَى الْهَاوِيَةِ: لم ترغب الشياطين، التي كانت تسكن هذا الرجل، أن تُسجن في الهاوية التي ذكرها سفر رؤيا يوحنا (١١:٩). ويبدو أنها المكان الذي تسجن فيه أنواع معينة من الأرواح.
• لا تريد هذه الشياطين أن تصبح غير نشطة. ويُعلّق تراب (Trapp): “يبدو أنه جحيم آخر بالنسبة للشيطان أن يكون خاملًا، والبديل هو أن يسكن الناس.”
٤. فَخَرَجَتِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ: يبدو أن فكرة سكنى الشياطين جثث الحيوانات غريبة، ولكنها طرحت في سفر التكوين (٣). كان من الملائم أن تدخل هذه الشياطين في الْخَنَازِيرِ، كونها حيوانات نجسة ولا تسمع الشريعة اليهودية بأكلها.
• لاحظ أنه لا تستطيع للشياطين أن تسبب الألم أو المعاناة للخنازير دون السماح من الله. ويُعلّق كلارك (Clarke): “عدم قدرة الشيطان على الدخول حتى في الخنازير دون سماح من الله نفسه، يُظهر ضُعفهم أو خبثهم في محاولة تخويف من يستمتعون برعاية وحماية الله.”
• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “يُفضل الشيطان مضايقة الخنازير من أن لا يُحدث أي ضرر على الإطلاق. فهو مولع جدًا بالشر لدرجة تجعله يستخدمه ضد الحيوان إن كان غير قادر على مزاولته ضد الإنسان.”
• سمح يسوع بهذا لأن وقت عرض سلطانه الكامل على الشياطين لم يحين بعد – سيفعل ذلك على الصليب. ويخبرنا بولس في رسالته إلى أهل كولوسي ١٥:٢ بأن الصليب “جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلَاطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ.”
٥. فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبُحَيْرَةِ وَاخْتَنَقَ: تأثير طبيعة الأرواح الشريرة المدمرة ظهر بوضوح على الخنازير. كانوا مثل زعيمهم الشيطان الذي يريد أن يسرق ويذبح ويهلك (يوحنا ١٠:١٠).
• هذا يفسر السبب الذي جعل يسوع يأمر الشياطين بالدخول في الخنازير – فقد أراد للجميع أن يعرفوا نية هذه الشياطين الحقيقية. فهم يريدون هلاك الإنسان، تمامًا كما فعلت مع الخنازير. ولأن الإنسان مخلوق على صورة الله، لا يستطيع الشيطان فرض نيته بسهولة عليه. ونيته هي: تدمير الإنسان بالكامل.
• يعتقد البعض أن ما حدث لم يكن عادلًا بالنسبة لأصحاب الخنازير. ويُعلّق كلارك (Clarke): “قد يقول البعض: ’لكن أصحاب الخنازير فقدوا ممتلكاتهم.‘ هذا صحيح، ولكننا نتعلم هنا أن قيمة ثرواتنا الزمنية ضئيلة في نظر الله. حيث يسمح الله أحيانًا بخسارة ممتلكاتنا ليفك الارتباط بيننا وبينها برحمته؛ وأحيانًا أخرى يسمح بذلك لتحقيق عدالته، فيعاقبتنا لأننا اكتسبنا ثروتنا أو حافظنا عليها إما عن طريق الطمع أو الظلم.”
• كان لدى سبيرجن (Spurgeon) عدة تعليقات حكيمة حول الطريقة التي أثرت فيها الشياطين على الخنازير:
• فضلت الخنازير الموت على وحشية وضرر الشيطان؛ حتى وإن كان الإنسان أسوأ من الخنازير، فإن رأيهم سيكون مشابهًا.
• من يدفعه الشيطان يركض بكل قوة.
• دائمًا ما يقود الشيطان خنازيره إلى سوقٍ سيئة.
ج ) الآيات (٣٤-٣٧): رد فعل المارة من تحرير الرجل المَسكُون بِأرواحٍ شِرِّيرَة.
١. فَخَافُوا… اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ: كان خوفهم من الرجل عندما تحرر من الأرواح الشريرة يفوق خوفهم منه عندما كان مسكونًا. رأوا الرجل لَابِسًا وَعَاقِلًا وجَالِسًا عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ، فَخَافُوا.
• جزء من مخاوفهم كان حقيقة أن الخرافات التي كانوا يؤمنون بها قد تحطمت، ولم يكن لديهم تفسير لما حدث. ووفقًا لمعتقداتهم الخرافية، كان على الشياطين أن يكون لها اليد العليا على يسوع – ولكن هذا لم يحدث على الإطلاق. لذا واجهوا صعوبة في قبول ذلك.
٢. فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ جُمْهُورِ … أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ: يبدو أنهم لم يمانعوا من وجود هذا الرجل الذي كان يملكه الشيطان ويعذبه وسطهم، ولكنهم مانعوا من وجود يسوع وسطهم – فطلبوا منه أن يذهب عنهم – وفعل ذلك بالفعل!
• ما فعله يسوع وَحَدَّ كُلُّ الجُمْهُورِ، فقد جاءوا للقاء يسوع وللتحدث معه، ولكنهم جاؤوا بهدف سيء. علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “نرى هنا مدينة بأكملها تحضر اجتماع للصلاة، ولكنها تصلي ضد البركة المخصصة لها .. ويا لها من صلاة سيئة؛ ولكنها أُستُجيبت، وتركهم يسوع.”
• عادة ما يدفع الناس يسوع بعيدًا عنهم عندما يفوق خوفهم مما سيفعله في حياتهم على خوفهم مما يفعله الشيطان في الوقت الحاضر – ولن يتردد يسوع في تركهم إن طلبوا منه ذلك.
د ) الآيات (٣٨-٣٩): ردة فعل الرجل الذي خرجت منه الشياطين.
١. أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ: يا له من لقب رائع. سيُطلق الناس على هذا الرجل الاسم الذي سيذكره بالعمل العظيم الذي فعله يسوع معه، وربما لبقية حياته.
٢. فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ: أول أمر فعله هذا الرجل هو الجلوس عند قدمي يسوع بكل بساطة (لوقا ٣٥:٨). وكل ما أراده هو أَنْ يَكُونَ مع يسوع، وأن يتبعه كتلميذ.
• لم يسعى فقط للحصول على ما يمكن ليسوع أن يقدمه له، بل أظهر تغييرًا حقيقيًا في القلب لأنه كان يطلب يسوع نفسه.
٣. وَلَكِنَّ يَسُوعَ صَرَفَهُ: رغبة الرجل لإتباع يسوع كانت جيدة، ولكن يسوع لم يسمح بذلك. عرف يسوع أن لديه خدمة أكثر أهمية مع عائلته ومع المجتمع.
• نواجه صعوبة أحيانًا في فهم طرق الله. فقد طلب أهل المدينة أمرًا رديئًا (طلبوا أن يذهب عنهم) واستجاب يسوع لطلبتهم. أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ فطلب أمرًا صالحًا: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ، ولكن يسوع لم يحقق له طلبه.
• إحدى الأسباب التي أدت إلى رفض يسوع لطلبة هذا الرجل هي لأنه يستطيع أن يكون نورًا في هذه المدن الأممية بطريقة لا يمكن ليسوع أو لتلاميذه أن يفعلوا. ولكن السبب الآخر كان لتخليص الرجل من أي خرافات عالقة في ذهنه. فربما اعتقد أن البقاء بالقرب من يسوع سيبعد الشياطين عنه. ويُعلّق سبيرجن (Spurgeon): “ربما لم تُستجاب صلاته خشية التصديق على تلك المخاوف. فلو شعر بالخوف من عودة الشياطين، ومن الطبيعي أن يشعر هكذا، عندها سيطلب حتمًا البقاء مع المسيح. ولكن المسيح نزع تلك المخاوف وطمئنه قائلًا: “أنت لا تحتاج أن تكون قربي. لقد شفيتك بالكامل ولن تمرض ثانية.”
• كتب تراب (Trapp): “يقع الكثيرين بهذا الخطأ القديم والشائع بطلبهم لحضور المسيح جسديًا .. ولكن المسيح لن يسمح بأن يعتمد هذا الرجل على حضوره الجسدي، بل يريده أن يعتمد على قوته الإلهية.”
٤. فَمَضَى وَهُوَ يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا بِكَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ: يا لها من رسالة عظيمة يُكرز بها، وعلى أتباع يسوع أن يكرزوا بهذه الرسالة أيضًا. أظهرت قصة هذا الرجل قيمة الفرد بالنسبة ليسوع، فلأجله أتى يسوع إلى هذا الجانب من بحر الجليل. كما وأظهرت قصته أنه مع يسوع هناك أمل للجميع مهما كانت الحالة، فتغيير هذا الرجل هو دليل على إمكانية تغيير أي شخص.
• قال له يسوع حَدِّثْ بِكَمْ صَنَعَ اللهُ بِكَ، وتحدث الرجل مع الآخرين بِكَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ. لم يكن هناك أي تناقض، لأن يسوع هو الله.
خامسًا. شفى امرأة، وأقام فتاة من الأموات.
أ ) الآيات (٤٠-٤٢): أبٌ يتوسل كي يشفي يسوع ابنته الوحيدة
١. قَبِلَهُ الْجَمْعُ: ترك يسوع المدن الأممية حول بحر الجليل حيث التقى بالرجل الذي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ. وقد عاد الآن إلى المدن اليهودية على الجانب الآخر، وجمعٌ كبير كانوا يَنْتَظِرُونَهُ.
٢. وَكَانَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ: كان رئيس المجمع يشبه الى حد ما الراعي في وقتنا الحالي. حيث كان يهتم بالأمور الروحية والإدارية في المجمع. جاء يايرس بيأس شديد إلى يسوع (فَوَقَعَ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَطَلَبَ إِلَيْهِ)، لأن ابنته كَانَتْ فِي حَالِ الْمَوْتِ.
• ويُعلّق لاين (Lane): “كرئيس للمجمع كان شخصًا علمانيًا مسؤولًا عن إدارة المبنى وترتيب الخدمة.”
• عندما جاء قائد المئة إلى يسوع ولديه وضعٍ مشابه (لوقا ١:٧-١٠)، لم يذهب يسوع الى بيته ليشفي الخادم – بل أعلن شفاءه ببساطة من مسافة بعيدة.
• ويُعلّق موريسن (Morrison): “كان الجميع يعرف يَايِرُسُ في كفرناحوم؛ ولكن لم يعرف أحد انه كان مؤمنًا بالمسيح إلى أن وصلت ابنته الصغيرة إلى حافة الموت. وعندها أعلن إيمانه بيسوع.”
٣. فَفِيمَا هُوَ مُنْطَلِقٌ: لم يطالب يسوع بأن يُظهر يايرس نفس الإيمان كما فعل قائد المئة. بل استجاب يسوع مع الإيمان الذي أظهره يايروس وذهب معه، حيث زَحَمَتْهُ الْجُمُوعُ.
• وعلّقَ كلارك (Clarke) بأن الكلمة اليونانية القديمة زَحَمَتْهُ المترجمة هنا تعني: “يكاد يختنق بسبب الحشد الشديد حوله.” ويستخدم نفس جذر الكلمة اليونانية لوصف الاختناق الذي حصل لبذار كلمة الله في (لوقا ٧:٨).
١. وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً: كانت هذه المرأة في حالة يرثى لها. نزيفها جعل منها نجسة دينيًا واجتماعيًا، وهذا من شأنه أن يكون عبئًا كبيرًا لتعيش في ظله لمدة ١٢ عامًا.
• وفقًا للأفكار اليهودية في ذلك الوقت، إذا مست هذه المرأة أي شخص فإنها تنقل نجاستها له. ليس هذا فحسب، بل لن يُسمح لها بالمشاركة في أي جانب من جوانب العبادة بسبب نجاستها (لاويين ١٩:١٥-٣١).
٢. وَقَدْ أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِهَا لِلْأَطِبَّاءِ، وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُشْفَى مِنْ أَحَدٍ: ذهبت إلى الأطباء سعيًا للشفاء، ولكن صحتها تدهورت أكثر، كما وأصبحت أكثر فقرًا. عرف لوقا الطبيب كيف يمكن لفواتير الطبيب أن تجعلك تنفق كل ما لديك.
• عندما تمرض النفس اليوم، غالبًا ما تذهب إلى عدة “أطباء” وتنفق قدرًا كبيرًا من الوقت والمال، والنتيجة: وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُشْفَى مِنْ أَحَدٍ. ربما تذهب الروح المريضة إلى “طبيب الترفيه” ولكنها لن تجد العلاج. ويمكنها زيارة “طبيب النجاح” ولكنه لن يساعد على المدى البعيد. وزيارة كلٍ من “طبيب المتعة” أو “طبيب المساعدة الذاتية” أو “طبيب الدين” لن يمنحها الشفاء الحقيقي. فوحده “يسوع الطبيب” قادر على منح الشفاء الكامل.
٣. جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ: شكّل لها هذا المرض إحراجًا كبيرًا، ولأنها كانت نجسة حسب الطقوس السائدة، وبسبب معرفتها أنها ستُدان عند لمسها ليسوع أو حتى لمجرد تواجدها وسط الجموع، أرادت أن تفعل ذلك سرًا، ولم تطلب صراحة الشفاء من يسوع.
• وعلّق بايت (Pate): “كلمة “طرف” [هُدْبَ] هي الكلمة اليونانية kraspedon، ويشير المصطلح في الترجمة السبعينية إلى الشرابة (جديلة من الخيوط مرتبطة معًا كزركشة) وكان الرجل اليهودي يضعها على طَرَفَ عَباءَتِهِ.”
• اقتربت المرأة من يسوع وفكرها مليء بالخزعبلات، مؤمنة أن هناك قوة في هدب ثوبه. ومع ذلك كانت تملك إيمانًا بسيطًا، لأنه لا يوجد أي دليل على أن يسوع شفى بهذه الطريقة من قبل.
• على الرغم وجود بعض الشوائب والخزعبلات في إيمانها، إلا أنها آمنت بقوة يسوع الشافية، وكان هدب ثوبه بمثابة حلقة الوصل مع إيمانها. يمكننا أن نجد العديد من الأخطاء في إيمان هذه المرأة، ولكن الأهم أنها وضعت إيمانها في يسوع. فهدف الإيمان أهم بكثير من نوع الإيمان.
٤. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا: ووفقًا لتفكير ذلك العصر، عندما لامست هذه المرأة النجسة يسوع، فإنه من شأنها أن تجعله نجسًا أيضًا. ولكن نظرًا لطبيعة يسوع وقوة الله، لم تجري الأمور هكذا. فعندما لمست هدب ثوب يسوع، لم تجعله نجسًا، بل نالت هي الشفاء الكامل. عندما نأتي إلى يسوع بخطايانا ونضعها عليه، لا تجعله خاطئ، ولكنها تجعلنا مُبررين.
ج ) الآيات (٤٥-٤٨): حديث يسوع مع المرأة التي شُفيت
١. «مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟»: لم يُشكل هذا السؤال أي معنى بالنسبة للتلاميذ. يخبرنا لوقا أن الجُمُوعُ زَحَمَتْهُ (لوقا ٤٢:٨)، ومع ذلك، إنزعج يسوع لأن شخص ما لمسه. فمن الطبيعي أن يتلامس الناس مع يسوع بسبب الزحمة.
٢. يَا مُعَلِّمُ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ: لم يفهم بطرس والتلاميذ الفرق بين ملامسة يسوع العفوية، وبين لمسه الإيمان.
• يمكننا أن نتخيل بسهولة إمكانية أن يصطدم أي شخص بيسوع بسبب زَحَمَة الجُمُوع. عندما تم الكشف عن معجزة المرأة، ربما قالوا: “أنا اصطدمت بيسوع ولمسته ولكنني لم أُشفى.” فهناك فرق كبير بين أن نصطدم بيسوع هنا وهناك، وأن نمد أيدينا ونلمسه بالإيمان. يمكنك الذهاب إلى الكنيسة أسبوع وراء الآخر و”تصطدم” بيسوع، ولكن هذا يختلف تمامًا عن ملامسته بالإيمان.
• كتب سبيرجن (Spurgeon): “ليست كل لمسة للمسيح تُخلص الإنسان؛ فما يخلص الإنسان هو الِاقتراب منه ولمسه بإيمان والتمسك به بعزيمة وتصميم.”
• وعلّقَ ماير (Meyer): “ربما نكون قريبين جدًا من المسيح ونزحمه، ومع ذلك لا نتلامس معه؛ ولكن لا يمكن لأحد أن يلمسه، حتى ولو برفق، دون أن ينال النعمة المطلوبة.”
٣. قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي: عندما لمست المرأة يسوع وشُفيت في الحال، شعر يسوع بأن شيئًا ما قد حدث. عَلِمَ يسوع بأن شخصًا ما قد شُفي.
٤. فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَخْتَفِ: قد يعني هذا أن يسوع نظر إليها مباشرة وقال: “قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ” (تقول الآية في مرقس ٣٢:٥ وَكَانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ لِيَرَى الَّتِي فَعَلَتْ هَذَا). عرف يسوع من فعل ذلك، ولكن كان على المرأة أن تعترف. شعرت بالحرج عندما دعاها يسوع؛ ولكن لم يكن هذا هدف يسوع، بل أراد أن يباركها.
• فعل يسوع ذلك كي تعرف أنها قد شُفيت. صحيح أنها بَرِئَتْ فِي الْحَالِ، ولكن حال هذه المرأة كحال أي شخص آخر، سرعان ما يتسلل الشك والخوف إلى نفسها متساءلة إن كانت قد شُفيت بالفعل. وربما تساءلت أيضًا متى سيعاودها المرض. ولكن يسوع قال لها: “إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ.” دعاها يسوع حتى تتأكد تمامًا أنها قد شفيت.
• فعل يسوع ذلك كي يعرف الآخرين أنها قد شُفيت. كانت هذه المرأة تعاني من مرض لم يراه أحد ومع ذلك، جعلها منبوذة من الجميع. سيبدو الأمر مشبوهًا للكثيرين إذا أعلنت أنها قد شفيت. قد يعتقدون أنها ألفت القصة كي يتوقفوا عن معاملتها كنجسة. لهذا دعاها يسوع حتى يؤكد للجميع أنها قد شفيت تمامًا، ولهذا أَخْبَرَتْهُ قُدَّامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ لِأَيِّ سَبَبٍ لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ بَرِئَتْ فِي الْحَالِ.
• فعل يسوع ذلك كي تعرف المرأة السبب الكامن وراء شفاءها. أظهر يسوع للمرأة عندما قال: “إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ” بأن شفاءها لم يكن بسبب لمسها لهدب ثوبه، بل بسبب إيمانها به وما يمكن أن يفعله لها.
• فعل يسوع ذلك لأنه لا يريدها أن تعتقد أنها سرقت البركة، وبأنها أصبحت غير قادرة على النظر إليه مباشرة مرة أخرى. هي لم تسرق شيئًا، بل نالت البركة بالإيمان وأراد يسوع أن يؤكد لها ذلك.
• فعل يسوع ذلك حتى يرى يايرس إيمان هذه المرأة ولتشجيعه بشأن ابنته. دعاها يسوع ليشجع كل من يملك إيمان.
• فعل يسوع ذلك لأنه كان يريد أن يباركها بطريقة خاصة. فقد دعاها “ابْنَةُ.” لم يدعو يسوع مطلقًا أي شخص بهذا الاسم من قبل. أرادها يسوع أن تسمع هذا الاسم المليء بالحنان. عندما يدعونا يسوع، فذلك لأن لديه شيء خاص ليعطينا إياه.
• قد يطلب منا يسوع أن نفعل أمورًا قد تبدو محرجة اليوم. ولكنه لا يطلب منا ذلك ليسبب لنا الحرج. فهناك دائمًا هدف أسمى حتى لو لم نتمكن من رؤيته. ولكن إن كان أهم أمر في حياتك هو تجنب الإحراج، إذًا فالكبرياء هو الإله الذي نعبده. وهو دليل على محبتنا لأنفسنا ولمظهرنا أكثر من محبتنا ليسوع.
• يا ليايرس المسكين! فأثناء كل هذا، كانت ابنته تقبع في المنزل مريضة وحياتها تذبل ببطء. لا بد وأنه تعذب حينما رأى يسوع يأخذ وقته ويخدم تلك المرأة أثناء تألم ابنته. فالرب لا يتباطأ أبدًا، ولكنه يبدو كذلك بالنسبة للمتألم.
د ) الآيات (٤٩-٥٠): يسوع يدعو يايرس أن يتحلى بإيمان قوي بتقديمه وعد أقوى
١. قَدْ مَاتَتِ ابْنَتُكَ: يمكننا أن نتخيل كيف شعر يايرس عندما سمع هذا الخبر. ربما تبادر إلى ذهنه: “لقد ضيع يسوع الكثير من الوقت على هذه المرأة السخيفة. أصبح الوضع الآن غير قابل للإصلاح أبدًا.”
٢. فَسَمِعَ يَسُوعُ، وَأَجَابَهُ: طلب يسوع من يايرس أن يفعل أمرين، أولًا: لَا تَخَفْ. ثانيًا: آمِنْ فَقَطْ.
• لَا تَخَفْ: تبدو هذه الكلمات قاسية على مسامع شخص فقد ابنته للتو، لكن يسوع عرف أن الخوف والإيمان لا يسيران معًا. وقبل أن يتمكن يايرس من وضع ثقته بالكامل في يسوع، كان عليه أن يقرر أن يضع الخوف جانبًا.
• آمِنْ فَقَطْ: لا تحاول أن تؤمن وتكون خائفًا في نفس الوقت. ولا تحاول أن تؤمن وتحاول فهم ما يجري تمامًا. ولا تحاول أن تؤمن وتفسر منطقيًا سبب التأخير. بدلًا من كل هذا، آمِنْ فَقَطْ.
٣. آمِنْ فَقَطْ، فَهِيَ تُشْفَى: كل ما كان على يايرس أن يفعله هو الإيمان بكلام يسوع. فكل شيء يشير إلى أن ابنته قد ماتت. لهذا كان يايرس في المكان الأفضل والأصعب في آن واحد.
١. لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَّا بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا: غالبًا ما كان هؤلاء الثلاثة من الدائرة المقربة ليسوع. ولعل السبب الذي جعل يسوع يراقبهم جيدًا كان ليجنبهم المشاكل.
٢. وَكَانَ الْجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَيَلْطِمُونَ: في ذلك اليوم كان من المعتاد استئجار نائحين (نّادِبِينَ) مهمتهم إضافة المزيد من الحزن والألم في الجنازات. ولكن حزنهم كان سطحيًا طبعًا. وسرعان ما تحولوا من النحيب إلى الضحك الساخر (فَضَحِكُوا عَلَيْهِ).
• غالبًا ما كان الناس يسخرون من يسوع ويضَحِكون عَلَيْهِ. علّقَ موريسون (Morrison): “سخر الناس من أصله ومن أعماله ومن إدعائه أنه المسيا المنتظر. ليس هناك في تاريخ البشرية من تعرض للسخرية والقسوة والوحشية أكثر من الصليب.”
• نعيش اليوم في عصر يستسهل فيه الناس استخدام السخرية والاستهزاء من أي شيء يبدو أو يدعي أنه جيد ربما أكثر من زمن يسوع. كتب موريسون (Morrison): “أود أن أقول للذين يميلون لرؤية الجانب السخيف من الأشياء فقط، أن هذا من أخطر الأمور على الشخصية. فعندما نسخر من كل ما هو جيد في الآخرين، نحن في الواقع ندمر إيماننا في كل ما هو جيد وجدير في أنفسنا.”
٣. لَمْ تَمُتْ لَكِنَّهَا نَائِمَةٌ: لم يكن يسوع بعيدًا عن الواقع عندما قال هذا، كما لم يتظاهر الإيمان. بل قال هذا لأنه يعرف الواقع الأسمى، الواقع الروحي الذي هو أقوى من الموت نفسه.
٤. فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ خَارِجًا: لا يهتم يسوع مطلقًا بمن لا يؤمنون بوعوده. أخرجهم خارجًا كي لا يحبطوا إيمان يايرس.
• إخرج يسوع للمستهزئين من غرفة المعجزة لم يكن عفويًا. هذا ما يفعله القدير دائمًا عندما يُسلم البشر أنفسهم للسخرية. يغلق الباب ويخرجهم خارجًا، وبهذا لا يرون المعجزات التي تملأ الكون، ويفوتهم رؤية ما هو أفضل، لأنه في ذهنهم الغبي ضحكوا على المُعطي.”
٥. يَا صَبِيَّةُ، قُومِي!: كان بإمكان يسوع التحدث مع الصبية كما لو أنها على قيد الحياة لأنه هو الله. تقول الآية في رومية ١٧:٤ بأن الله يُحْيِي الْمَوْتَى وَيَدْعُو الْأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. تحدث يسوع مع الصبية بقوة الله، ولهذا قامت من الأموات.
٦. فَأَمَرَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ: ربما فعل ذلك ليس لمصلحة الصبية فحسب، بل لمصلحة الأم أيضًا – ليُشغلها لتخفيف صدمة اللحظة.
• يكتب كلارك (Clarke): “رغم أنها أقيمت من الأموات بمعجزة، لم يكن هناك داعٍ لبقائها حية بمعجزة أيضًا. الطبيعة هي أداة عظيمة في يد الله، وهو يُسّر باستخدامها؛ ولن يفعل أي شيء بقوته، حتى المعجزة، يخالف عنايته المألوفة.”
٧. فَبُهِتَ وَالِدَاهَا: لم يخذل يسوع يايرس، ولم يخذل المرأة التي احتاجت للشفاء. ولكن كان عليه أن يزيد إيمان يايرس.
• نرى في كل هذا أن عمل يسوع كان مختلفًا مع كل فرد، ولكنه متشابهًا في نفس الوقت. فإن تمكن يسوع من سد احتياجات كل فرد بهذه الطريقة الشخصية، يمكنه أيضًا أن يتلامس مع احتياجاتنا بنفس الطريقة.
• تمتع يايرس مع ابنته ١٢ سَنَة (لوقا ٤٢:٨) ولكنها أوشكت على الإنتهاء. وتعذبت المرأة ١٢ سَنَة وبدى أن الشفاء ميؤوسًا منه.
• كان يايرس شخصًا مهمًا، رئيس المجمع. أما المرأة فلم تكن مهمة على الإطلاق، فنحن لا نعرف حتى اسمها.
• كان يايرس غنيًا على الأغلب لأنه كان رجلًا مهمًا. كانت المرأة فقيرة لأنها أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِهَا لِلْأَطِبَّاءِ.
• جاء يايرس عند يسوع علنًا. أما المرأة فجاءت سرًا.
• اعتقد يايرس أنه كان على يسوع أن يفعل الكثير لعلاج ابنته. أما المرأة ففكرت أن كل ما يلزمها هو لمس هدب ثوبه.
• تجاوب يسوع مع المرأة على الفور. تجاوب يسوع مع يايرس ببطء.
إنجيل لوقا – الإصحاح ٨ – سلطان كلمة يسوع وأهميتها
أولًا. مَثَل الزارع
أ ) الآيات (١-٣): نساء يخدمن يسوع
١وَعَلَى أَثَرِ ذَلِكَ كَانَ يَسِيرُ فِي مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ يَكْرِزُ وَيُبَشِّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَمَعَهُ الِاثْنَا عَشَرَ. ٢وَبَعْضُ النِّسَاءِ كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ: مَرْيَمُ الَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ، ٣وَيُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ، وَسُوسَنَّةُ، وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ.
١. كَانَ يَسِيرُ فِي مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ: غالبًا ما يُعتقد أن هذه كانت الجولة الثانية لخدمة يسوع في منطقة الجليل (وصفت الأولى في لوقا ٤٢:٢-٤٤). ربما ذهب إلى نفس المدن والقرى أكثر من مرة وقام بخدمته كواعظ متجول.
• في هذه الجولة الثانية، كان مَعَهُ الِاثْنَا عَشَرَ. عندما بدأ جولته الأولى من الجليل، لم يختار الِاثْنَا عَشَرَ بشكل رسمي بعد.
٢. يَكْرِزُ وَيُبَشِّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ: هذا وصفٌ عام لنوع الوعظ الذي كان يقوم به يسوع. فقد بشر الناس بالأخبار السارة، أن مسيح الرب والملك حل بينهم، مُعلنًا عن ملكوته.
٣. وَبَعْضُ النِّسَاءِ: ذكر لوقا على وجه التحديد بَعْضُ النِّسَاءِ اللواتي تبعن يسوع، رغم أنه لم يكن أمرًا مُعتادًا. كان ليسوع موقفًا مُغايرًا تجاه المرأة عن القادة والمعلمين الدينيين من ذلك اليوم.
• رفض المعلمون اليهود تعليم النساء وكانوا عادة يضعونهم في مكانة متدنية للغاية. علّقَ موريس (Morris): “من المثير للاهتمام أن نلاحظ من الأناجيل الأربعة أن كل أعداء يسوع كانوا من الرجال.”
• واحدة منهن كانت مَرْيَمُ الَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ. كانت مريم مسكونة بالشيطان إلى أن حررها يسوع. ويفترض الكثيرون أيضًا أنها أُمسكت بعلة الزنى، ولكن لا نرى هذا في النص الكتابي. ويُعلّق موريس (Morris): “أعتقد الكثيرون أن مريم المجدلية هي المرأة الجميلة التي خلصها يسوع من حياة الزنى. ولكن لا يوجد أي مصدر يشير إلى ذلك.”
• يُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ: كتب باركلي (Barclay): “كان لهِيرُودُسَ، الملك صاحب الممتلكات الخاصة والأموال الطائلة، وكيلًا ناظرًا أمواله وجميع مكاسبه… ولم يكن هناك من هو أكثر ثقة وأهمية من هذا الوكيل.”
• كما وأضاف باركلي: “من الغريب أن تجد مريم المجدلية بماضيها الأسود تعمل جنبًا إلى جنب وفي شركة مع سيدة القصر يُوَنَّا.”
• مريم ويونا كانتا من بين الشهود الأوائل على قيامة يسوع المسيح (لوقا ١٠:٢٤).
٤. وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ: نرى هنا طبيعة يسوع المتواضعة، وكيف اعتمد على الآخرين رغم طبيعته الإلهية. لم يضطر لفعل ذلك؛ كان بإمكانه أن يخلق ما يحتاجه من المال أو الطعام. ولكن بسبب تواضعه سمح للآخرين أن يخدمونه من أموالهم.
• يرفض الكثيرين مساعدة الآخرين بسبب الكبرياء. وأفضل طريقة لقياس عمل الله في حياتنا ليس قدرتنا على العطاء بل قبولنا لمساعدة الآخرين بكل بتواضع. فالعطاء أحيانًا يجعلنا نشعر بالفخر، ولكن قبول المساعدة والأخذ يكسرنا.
• علّقَ بايت (Pate): “المصطلح المستخدم ليشير إلى دعم النساء لخدمة يسوع هو دياكونيا (diakonia)، والذي يعني الشماس/الشماسة. ويبدو أن هذا المصطلح ساهم لاحقًا في خلق هذا المنصب في الكنيسة الأولى.”
ب) الآيات (٤-٨): مَثَل التربة
٤فَلَمَّا اجْتَمَعَ جَمْعٌ كَثِيرٌ أَيْضًا مِنَ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَدِينَةٍ، قَالَ بِمَثَلٍ: ٥«خَرَجَ الزَّارِعُ لِيَزْرَعَ زَرْعَهُ. وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَانْدَاسَ وَأَكَلَتْهُ طُيُورُ السَّمَاءِ. ٦وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الصَّخْرِ، فَلَمَّا نَبَتَ جَفَّ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ رُطُوبَةٌ. ٧وَسَقَطَ آخَرُ فِي وَسْطِ الشَّوْكِ، فَنَبَتَ مَعَهُ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. ٨وَسَقَطَ آخَرُ فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ، فَلَمَّا نَبَتَ صَنَعَ ثَمَرًا مِئَةَ ضِعْفٍ». قَالَ هَذَا وَنَادَى: «مَنْ لَهُ أُذْنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ!».
١. فَلَمَّا اجْتَمَعَ جَمْعٌ كَثِيرٌ: عَلَمَ يسوع حشود كبيرة في جلسة واحدة. ولم يُهمل بالتأكيد المجموعات الصغيرة أو حتى الأفراد، ولكنه علم الحشود في العديد من المناسبات. وجذب إليه جمعٌ كثيرٌ مِنْ كُلِّ مَدِينَةٍ.
• يخبرنا كلٍ من متى ١:١٣-٣ ومرقس ١:٤-٢ بأن الجمع كان كثير جدًا مما جعل يسوع يعلمهم من القارب. وقف الجمع عند الشاطئ، ووقف يسوع في القارب واستخدمه كمنبر فعّال.
٢. قَالَ بِمَثَلٍ: الفكرة من وراء كلمة مَثَل هي: “شي يوازي شيء.” فهي قصة تُروى بموازاة الحق بهدف التعليم. وكانت الأمثال أيضًا: “قصص أرضية ولكن بمعنى سماوي.”
• كتب فرانس (France): “المعنى اليوناني لكلمة مَثَل أوسع بكثير مما نعرفه الآن. ففي الترجمة السبعينية ترجمت الكلمة إلى “المسال (masal)” والتي تتضمن الحِكم والأحاجي والأقوال المأثورة بالإضافة إلى الأمثال. وعلى سبيل المثال، استخدم متى نفس الكلمة في حديث يسوع المُبهم عن الفم النجس (متى ١٠:١٥-١١، ١٥)، وفي متى (٣٢:٢٤) استخدم كلمة (تَعَلَّمُوا) للمقارنة.”
• كما وكتب بوول (Poole) مُعلقًا: “كان للمثل تأثير مزدوج على السامعون: أولًا، تأثيره على الذاكرة، فمن السهل عليهم أن يتذكروا القصص. وثانيًا، تأثيره على العقل، فالمثل سيدفعهم لدراسة معناه.”
• غالبًا ما يعلم المثل نقطة رئيسية واحدة أو مبدأ واحد. وسنقع في مأزق إن توقعنا أنه يحتوي على أنظمة لاهوتية معقدة، أو على تفاصيل تكشف الحقائق الخفية. وعلّقَ باركلي (Barclay): “المثل ليس هو الرواية الرمزية. فعادة ما تحمل الرواية الرمزية خفايا وأسرار، ولا بد من قراءتها ودراستها. أما المثل فيُسمع. فيجب أن نكون حريصين جدًا من عدم إخراج الرموز من الأمثال.”
٣. خَرَجَ الزَّارِعُ لِيَزْرَعَ زَرْعَهُ: تكلم يسوع عن العادات التي كانت متبعة في الزراعة ذلك الوقت. فكانت البذور تُنثر على الأرض أولًا ثم يتم حرثها. وفي معظم الحالات، لا يستطيع المرء أن يعرف نوعية الثمر الذي سينبت إن كان جيدًا أم لا.
٤. وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ … وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الصَّخْرِ … وَسَقَطَ آخَرُ فِي وَسْطِ الشَّوْكِ … وَسَقَطَ آخَرُ فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ: نرى في هذا المثل أن البذور سقطت على أربعة أنواع مختلفة من التربة. على الرغم من أن المثل اشتهر بمَثَل الزارع، ولكن أفضل تسمية له: مَثَل التربة. فالذي يُحدث الفرق ليس البذور، ولكن نوعية التربة التي تسقط عليها البذور.
• عَلَى الطَّرِيقِ: وهو الطريق الذي يسير عليه الناس، ولا ينمو شيء عليه لأن الأرض صلبة جدًا.
• عَلَى الصَّخْرِ: حيث تتجمع التربة الرقيقة عند أطراف الصخر. فتنمو البذور بسرعة بسبب دفئ التربة، ولكنها لا تتأصل بسبب الصخور.
• وَسْطِ الشَّوْكِ: عادة ما تكون التربة التي ينمو بها الشَّوْكِ خصبة جدًا. ولكن الشَّوْكِ يخنق البذور الجيدة ولا تأتي بثمر.
• فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ: وصفت هذه التربة بأنها خصبة وخالية من الأعشاب الضارة. فينبت الثمر الجيد بالْأَرْضِ الصَّالِحَةِ، ويصنع مِئَةَ ضِعْفٍ.
٥. مَنْ لَهُ أُذْنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ!: إنها ليست دعوة موجهة للجميع. بل دعوة لتحذير الحساسين روحيًا. وهذا صحيح في ضوء الآيات القليلة التالية، حيث يشرح يسوع الغرض من الأمثال.
ج ) الآيات (٩-١٠): القصد من الأمثال
٩فَسَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ قَائِلِينَ: «مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَثَلُ؟». ١٠فَقَالَ: «لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَمَّا لِلْبَاقِينَ فَبِأَمْثَالٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لَا يَفْهَمُونَ.
١. مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَثَلُ؟: لم يفهم التلاميذ معنى المثل على الفور. ويبدو أن استخدام يسوع للأمثال لم يكن سهلًا كاستخدام التوضيحات البسيطة لشرح الحقائق الروحية.
٢. لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَمَّا لِلْبَاقِينَ فَبِأَمْثَالٍ: عندما استخدم يسوع الأمثال، كانت أشبه بالألغاز أو الأحاجي من التوضيح البسيط. ولن يفهمها سوى من يملك “المفتاح” الصحيح للمثل. ولهذا قال يسوع للتلاميذ، الذين أرادوا أن يفهموا الأمور المتعلقة بالله: أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ – أي أنه يستطيع أن يكلمهم مباشرة دون أمثال. ولكنه استخدم الأمثال أحيانًا كثيرة، عندما علم الباقين.
• أَسْرَارَ مَلَكُوتِ اللهِ: السر في الكتاب المقدس ليس أمرًا لا يمكنك فهمه. بل أمرًا لن نتمكن من فهمه أبدًا إن لم يُعلنه الله لنا. وحسب المفهوم الكتابي، يمكن للمرء أن يعرف السر ولكنه يبقى سرًا، ما لم يكشف الله الأمر.
٣. مُبْصِرِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لَا يَفْهَمُونَ: اقتبس يسوع هذا المقطع من إشعياء ٩:٦، ليشرح أن القصد من وراء الأمثال ليس توضيح الامور الصعبة على السامعين. بل لتقديم رسالة الله بطريقة يفهمها من يملكون حسًا روحيًا، ولكن من يملكون قلوبًا قاسية، هي مجرد قصة لا تضيف المزيد من الإدانة على رفضهم لكلمة الله.
• ليس الهدف من الأمثال التوضيح. يستطيع المعلم الماهر أن يوضح أمرًا بعرضه لحقيقة ما، ومن ثم يستخدم قصة أو مثل لتوضيح تلك الحقيقة. أما يسوع فقد استخدم الأمثال قبل أن يبدأ بعرض الحق، واستخدمها كنوع من المدخل أو الباب. ما فعله المستمعون هو الوقوف عند المدخل والإستماع لأقوال يسوع. من كان غير مهتم، مكث في الخارج. ومن أبدى إهتمامًا، استطاع الدخول، واستطاع التفكير بالحق الكامن من وراء المثل وما يعنيه لحياته.
• كتب جيلدنهيز (Geldenhuys): “ولكي لا يتراكم ذنبهم ويزداد، توقف الرب عن تعليمهم بشكل مباشر وواضح خلال الفترة التي سبقت صلبه، بل استخدم الأمثال طيلة الوقت.”
• إذا لم تفهم مفتاح المثل، فلن تفهمه على الإطلاق. ولنا أن نتخيل نوعية الناس التي كانت تستمع ليسوع وماذا كان يدور في ذهنهم عندما عَلَمَ هذا المثل دون تقديم أي تفسير.
• فالمزارع سيقول: “يريدني أن أتوخى الحذر في الطريقة التي ألقي فيها البذار. يبدو أنني أهدرت الكثير في السابق.”
• والسياسي سيعتقد: “يبدو أنني بحاجة لبدء برنامج تعليمي لمساعدة المزارعين ليصبحوا أكثر مهارة في إلقاء البذار. وهذا سيكون دفعة جيدة في حملتي الإنتخابية القادمة.”
• والمُراسل الصحفي سيخطط: “لا بد أنه يتحدث عن قصة هامة تتعلق بالمشاكل التي تسببها الطيور وتأثيرهم على المجتمع الزراعي. يا لها من فكرة رائعة لسلسلة من المقالات في الصحيفة.”
• والبائع سيحلم: “إنه يشجعني على الإستمرار في مبيعات الأسمدة. فيمكنني مساعدة المزارعين بصورة أفضل إن استخدموا منتجاتي الخاصة.”
• ولكن لم يفهم أيًا منهم المعنى الروحي للمثل إلى أن وضح يسوع المفتاح لحله: (البذور) الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ (لوقا ١١:٨). إذا لم تفهم المفتاح، فلن تفهم القصد من وراء المثل. إذا كنت تعتقد أن البذور تمثل المال، فسيفقد المثل معناه. وإذا اعتقدت أن البذور تمثل المحبة، فسيفقد المثل معناه أيضًا. وإذا فكرت أن البذور تمثل العمل الشاق، فسيفقد المثل معناه حتمًا. لا يمكنك أن تفهم المثل إلا عن طريق فهم المفتاح: الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ.
٤. حَتَّى إِنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لَا يَفْهَمُونَ: في ضوء ذلك، يا لها من بركة عظيمة لمن يفهم أمثال الرب يسوع المسيح. فالذين يفهمون الأمثلة لا يستفيدون من فهم الحق الروحي وحسب، بل يُظهرون تجاوبهم مع عمل الروح القدس في قلوبهم.
د ) الآيات (١١-١٥): يسوع يُفسر الْمَثَل
١١وَهَذَا هُوَ الْمَثَلُ: الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ، ١٢وَالَّذِينَ عَلَى الطَّرِيقِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلَّا يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا. ١٣وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ. ١٤وَالَّذِي سَقَطَ بَيْنَ الشَّوْكِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ فَيَخْتَنِقُونَ مِنْ هُمُومِ الْحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَلَذَّاتِهَا، وَلَا يُنْضِجُونَ ثَمَرًا. ١٥وَالَّذِي فِي الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ، وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ.
١. الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ: يُشَبِه يسوع كلمة الله (ويمكننا القول الكلمة المكتوبة والمنطوقة) بالبذور (الزَّرعُ). هناك إمكانيات هائلة في البذرة بحد ذاتها، فهي تنبت حياة جديدة ولها فوائد عدة إن تم استقبالها (زُرعت) في ظروف مناسبة.
• فكرة أن الزَّرْعُ هُوَ كَلَامُ اللهِ مكررة في أكثر من موضع في الكتاب المقدس. استخدمها بولس في كورنثوس الأولى ٦:٣، وكتب عنها بطرس عندما قال: مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لَا مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لَا يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الْأَبَدِ (بطرس الأولى ٢٣:١).
• ويُعلّق سبيرجن (Spurgeon): “واعظ الإنجيل يُشبه الزَّارِعُ. هو لا يصنع البذور؛ بل يقُدمها له مُعلمه الإلهي. لا يملك أي إنسان القدرة على خلق أصغر الحبوب الموجودة على الأرض، ناهيك عن البذور السماوية للحياة الأبدية.”
٢. وَالَّذِينَ عَلَى الطَّرِيقِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلَّا يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا: مثلما أَكَلَتْ طُيُورُ السَّمَاءِ بَعْضٌ من البذور عَلَى الطَّرِيقِ (لوقا ٥:٨)، هكذا قَبِلَ البعضُ الكلمة بقلوب قاسية وآتى إِبْلِيسُ بسرعة وَنْزِع الْكَلِمَة المزروعة. لم يَعُد للكلمة أي تأثير لأنها لم تخترق القلب القاسي وسرعان ما نُزعت منه.
• تُمثل التربة على الطَّرِيقِ من لم يفهم الكلمة مطلقًا. ولكي تأتي بثمر حقيقي، عليك أن تفهم كلمة الله أولًا. واحدة من أهم الأعمال التي يقوم بها إبليس هو أن يُعمي أذهان غير المؤمنين فيما يتعلق بفهمهم للإنجيل. (كورنثوس الثانية ٣:٤-٤).
• هذا يخبرنا بأن الشيطان يعمل أثناء سماعنا للوعظ ودراستنا لكلمة الله. يبدو أن الشيطان يؤمن بقوة كلمة الله أكثر من كثير من الوعاظ أنفسهم؛ فهو يعلم أنه كلما عُلم بالكلمة أو كُرز بها، عليه أن يكون مشغولًا للعمل ضدها.
• ثُمَّ يأتي إبليس؛ هو دقيق جدًا في عمله. يعلم إبليس متى يأتي بالضبط خلال العظة. ويعرف اللحظة المناسبة لتشتيت ذهنك. يمكن للواعظ أحيانًا أن يكون هو نفسه مصدرًا للتشتيت. وأحيانًا قد يستخدم الخادم كلمة ما أو قصة ما تساعد على تشتيت الذهن. وأحيانًا يكون الذهن مشغولًا أصلًا بنشاطات يوم البارحة واليوم، أو بما سيحدث بعد الكنيسة. وأحيانًا أخرى، طفل لطيف يقوم بالمهمة أو شخص يهمس شيئًا وسط الإجتماع.
• ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ: قال يسوع أن إبليس ينجح في ذلك فعلًا، ولا يسعى للمحاولة فقط، ولديه القدرة والقوة على تحقيق ذلك. فهو يرى، ويأتي، وينتصر. ولولا عمل الروح القدس، لما كان هناك تأثير للوعظ في حياتنا.
• وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ تُظهر هذه الكلمات هدف إبليس. فهو في الواقع لاهوتي جيد، ويعلم أن من يسمع كلمة الله ينال الإيمان والخلاص. فيعمل بجد ليمنع تأثير الكلمة الجيد على أولئك الذين يسمعون لِئَلَّا يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا.
• يمكننا الإستفادة من استراتيجية الشيطان إن فهمناها – فهو يريد إبعادنا عن كلمة الله بأي طريقة، إذًا علينا البقاء على تواصل مستمر مع كلمة الله، وهكذا تفتح أمامنا فرص جيدة للتوبة والإيمان.
٣. وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ: كما تسقط البذور على التربة الرقيقة عند الصخر وتنمو بسرعة ثم تذبل وتموت (لوقا ٦:٨)، هكذا يستجيب البعض لكلمة الله بحماس فوري ولكن قريبًا يذبلون.
• كانت البذور جيدة، والتربة ملائمة ودافئة، وقبلوا الكلمة بفرح شديد. ولكن المشكلة لم تكن بتلك الأمور؛ بل لأن البذور افتقرت إلى الرطوبة (لوقا ٦:٨)، وبالتالي لم تتأصل لتحتمل التَّجْرِبَةِ.
• كان يعوزهم ما يروي الكلمة. كتب سبيرجن (Spurgeon): “عندما نتحدث عن الندى الروحي (الرطوبة)، فنحن نشير إلى عمل الروح القدس. وعندما نتحدث عن نهر ماء الحياة، فإننا نعني الأشياء المقدسة التي تنهمر علينا من عرش الله من خلال عمل روحه بداخلنا.”
• ذكر سبيرجن (Spurgeon) بعض المؤشرات لعدم وجود رطوبة في التربة:
• العقائد دون اختبار حقيقي.
• الاختبار لكن بدون تواضع وانكسار.
• التطبيق ولكن بقلب غير مُحب.
• الإيمان بدون توبة.
• الثقة الزائدة.
• الخدمة بدون الروح.
• الغيرة بدون الشركة.
• وأضاف سبيرجن: “نحن بحاجة إلى الروح القدس؛ وإذا لم يروينا الرب يوميًا من الينابيع الحية النازلة من تلال المجد، فحتمًا سنموت. فاحذروا إذًا، أيها الإخوة والأخوات، من نقص تأثير رطوبة الروح القدس الكريم.”
٤. وَالَّذِي سَقَطَ بَيْنَ الشَّوْكِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ فَيَخْتَنِقُونَ مِنْ هُمُومِ الْحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَلَذَّاتِهَا، وَلَا يُنْضِجُونَ ثَمَرًا: كما تتساقط البذور بين الأشواك وتنمو وسرعان ما تختنق (لوقا ٧:٨)، هكذا يستجيب البعض مع الكلمة وينمون، ولكن الشوك يخنقهم ويتوقف نموهم الروحي بسبب المنافسة مع أشياء غير روحية.
• تمثل هذه التربة أرض خصبة للكلمة؛ ولكنها تربة خصبة للغاية، وينمو بها أيضًا أمورًا أخرى كثيرة تأتي وتخنق كلمة الله. وهذه الأمور هي: هُمُومِ الْحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَلَذَّاتِهَا.
٥. وَالَّذِي فِي الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ، وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ. يشبه بعض الناس الأرض الجيدة، فيستقبلون الكلمة فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ. ويَحْفَظُونَهَا وبالتالي يأتون بثمر، ويحققون الهدف من البذور.
• تمثل هذه التربة أولئك الذين يقبلون الكلمة، وتثمر في حياتهم بوفرة (لوقا ٨:٨).
٦. وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ: من الواضح أن هذه النتيجة المرجوة لكلٍ من المزارع والواعظ. ومع ذلك، فمن الخطأ أن نفكر بهذا المثل على أنه قضاء وقدر، أي أن نقول: “هذا من أكون، وهذه نوعية التربة التي تمثلني، القرار ليس بيدي.” بل على العكس تمامًا، هذا المثل عليه أن يتحدى كل مستمع، بمساعدة الله، حتى يحرث تربة قلبه لتُحدث كلمة الله الصالحة أفضل تأثير على حياته.
• نستفيد إن رأينا أنفسنا قليلًا في هذه الأنواع من التربة:
• نشبه من سقط عَلَى الطَّرِيقِ، لأننا أحيانًا لا نعطي مساحة للكلمة في حياتنا على الإطلاق.
• نشبه من سقط عَلَى الصَّخْرِ، لأننا نتحمس لفترة ونقبل الكلمة ولكنها سرعان ما تجف.
• نشبه من سقط وَسْطِ الشَّوْكِ، لأننا نسمح لهموم هذا العالم وغرور الغنى أن تخنقان كلمة الله والثمر في حياتنا.
• نشبه من سقط فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ، لأن الكلمة تأتي بثمر في حياتنا.
• لاحظوا أن الفرق كان في التربة نفسها، أما البذار التي يلقيها المزارع فهي لم تتغير. لهذا لا يمكنك أن تلوم الاختلافات في النتائج على الزارع أو على البذار، ولكن على التربة وحدها. علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “أيها الأعزاء، اليوم يوم اختبار! ربما ستحكم على الواعظ اليوم، ولكن هناك من سيحكم عليك أهم من الواعظ؛ كلمة الله نفسها سوف تحكم عليك.”
• شجع هذا المثل التلاميذ كثيرًا. على الرغم أن تجاوب الناس قد يبدو ضعيفًا، ولكن الله هو المسيطر وسيأتي الحصاد بالتأكيد. كان هذا كلام هام جدًا خاصة مع إزداد المقاومة ضد يسوع. كتب فرانس (France): “لن يتجاوب الجميع بكل تأكيد، ولكن سيتجاوب البعض، وحينها سيكون الحصاد وفيرًا.”
• على الرغم من أن مَثَل الزارع يصف التجاوب المختلف مع رسالة الإنجيل، إلا أنه يجبر المستمع إلى التساؤل: “أي نوع من التربة أنا؟ كيف يمكنني إعداد قلبي وعقلي كي أكون تربة جيدة؟” هذا المثل يدعونا للعمل كي نستفيد من كلمة الله إلى أقصى درجة.
ثانيًا. المسؤولية التي تقع على عاتق من يقبلون الكلمة
أ ) الآيات (١٦-١٧): أولئك الذين يقبلون الكلمة مسؤولون عن كشف الحق ( كلمة الله) وإعلانه للآخرين
١٦«وَلَيْسَ أَحَدٌ يُوقِدُ سِرَاجًا وَيُغَطِّيهِ بِإِنَاءٍ أَوْ يَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرٍ، بَلْ يَضَعُهُ عَلَى مَنَارَةٍ، لِيَنْظُرَ الدَّاخِلُونَ النُّورَ. ١٧لِأَنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لَا يُظْهَرُ، وَلَا مَكْتُومٌ لَا يُعْلَمُ وَيُعْلَنُ. ١٨فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْمَعُونَ، لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي يَظُنُّهُ لَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ».
١. وَلَيْسَ أَحَدٌ يُوقِدُ سِرَاجًا وَيُغَطِّيهِ بِإِنَاءٍ أَوْ يَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرٍ، بَلْ يَضَعُهُ عَلَى مَنَارَةٍ: يجب على الحق أن يُعلن ويكون واضحًا. وقد وعد الله أن هذا ما سيحدث حتمًا (لِأَنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لَا يُظْهَرُ).
٢. لِيَنْظُرَ الدَّاخِلُونَ النُّورَ: إن كنت تعرف الحق الإلهي، إذًا فأنت مسؤول عن نشر هذا الحق مستغلًا أي فرصة يفتحها الله أمامك. كحال الشخص الذي يملك علاج لمرض مهدد للحياة والمسؤولية تقع على كاهله لتعميم هذا العلاج. فالله لم يوقد سراجك كي يكون خَفِيًا.
• يجب على المرء إما نشر الكلمة نفسها أو نشر تأثير كلمة الله من خلال تحفيز الآخرين على سماعها. ويُفضل فعل الأمرين.
ب) الآية (١٨): أولئك الذين يقبلون الكلمة تزداد مسؤوليتهم وسيقدمون حسابًا يومًا عما سمعوه، لهذا علينا توخي الحذر كلما سمعنا الكلمة.
١٨فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْمَعُونَ، لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي يَظُنُّهُ لَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ».
١. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْمَعُونَ: من الجيد أن نسمع كلمة الله؛ ولكن الأهم كَيْفَ نسْمَع. وبهذا حذَّرَ يسوع سامعيه أن يهيئوا قلوبهم وعقولهم باستمرار لكي يحكموا على أنفسهم أولًا كمستمعين بقدر لا يقل عن حكمهم على الواعظ.
• من الخطورة أن نسمع كلمة الله بطريقة سلبية جدًا؛ أي أن لا يكون لها أي تأثير واضح على العقل والقلب والإرادة. فالذي يسمع فقط ولا يعمل بالكلمة، سيؤدي إلى خراب عظيم (لوقا ٤٩:٦).
• في عظته بعنوان المستمع الجيد، اقترح تشارلز سبيرجن بعض الطرق لسماع كلمة الله بإنتباه وحذر:
• اسمع باهتمام، واحفظ ما تسمع.
• اسمع بإيمان وطاعة.
• اسمع بإخلاص وبأمانة.
• اسمع بخشوع وبصدق.
• اسمع بجدية وبالروح.
• اسمع بكل مشاعرك وبحس مرهف.
• اسمع بامتنان وبروح الصلاة.
٢. لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى: عندما نسمع كلمة الله ونقبلها بفرح، سيعطينا الله المزيد من الثروات الروحية.
• لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى: سيُعطى ماذا؟ رغبة أكثر في الإستماع للكلمة وفهم أعمق لها. ستحصل على المزيد من البركات التي يسمع عنها.
• لِأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى: يذكرنا يسوع بأن النمو الروحي يتبعه قوة دافعة، ربما تكون إيجابية أو سلبية. عندما نملك عادات روحية جيدة مثل سماع الكلمة وتطبيقها على حياتنا، سنُعطى أكثر. وعندما نفقد تلك العادات، فمن الصعب للغاية إرجاعها.
٣. فَالَّذِي يَظُنُّهُ لَهُ: يعتقد بعض الناس أحيانًا أنهم روحيين، ولكن هذا ما يظنونه عن أنفسهم. هذا ما اعتقده الفريسيون أيضًا؛ وكذلك الكنيسة في لاودكية (رؤيا يوحنا ١٤:٣-٢٢). قال شعب كنيسة لاودكية عن أنفسهم: “إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلَا حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ”؛ ولكنهم لم يعلموا في الواقع: “أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ.”
ج ) الآيات (١٩-٢١): نقترب من يسوع عندما نسمع كلمته ونطيعها.
١٩وَجَاءَ إِلَيْهِ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ لِسَبَبِ الْجَمْعِ. ٢٠فَأَخْبَرُوهُ قَائِلِينَ: «أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا، يُرِيدُونَ أَنْ يَرَوْكَ». ٢١فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا».
١. وَجَاءَ إِلَيْهِ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ لِسَبَبِ الْجَمْعِ: نتوقع أن تكون لعائلة يسوع امتيازات خاصة؛ ولكننا نتفاجأ أن الأمر لم يكن كذلك.
• يبدو أن إِخْوَتُهُ لم يكونوا داعمين ومؤيدين لخدمته قبل الصلب والقيامة (يوحنا ٥:٧، مرقس ٢١:٣).
٢. إِخْوَتُهُ … وَإِخْوَتُكَ … وَإِخْوَتِي …: كان ليسوع الكثير من الإخوة والأخوات، وهذا واضح جدًا في النص الكتابي. واعتقاد الكنيسة الكاثوليكية في بتولية مريم يناقض مع المعنى الواضح في الكتاب المقدس.
• علّقَ كارسون (Carson): “من الطبيعي أن نفهم أن كلمة “الإخوة” تُشير إلى أبناء مريم ويوسف وبالتالي إلى إخوة يسوع من جهة الأم. والجهود المبذولة لجعل كلمة الإخوة تعني شيئًا آخر هي لدعم عقيدة نشأت بعد العهد الجديد بفترة طويلة.”
• كما وعلّقَ بايت (Pate): “يقر المفكر الكاثوليكي الضليع فيتزماير (Fitzmyer) هذه النقطة. حيث يكتب عن العذرية الدائمة المفترضة لمريم ما يلي: “ليس هناك ما يشير في العهد الجديد إلى بقاء مريم عذراء إلى الأبد. يُعزى هذا الاعتقاد، بشكل أو بآخر، إلى القرن الثاني الميلادي.”
٣. أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا: أشار يسوع أن عائلته المُقربة هم من يسمعون ويطيعون كلمة الله. فنحن نقترب من يسوع عندما نسمع كلمته ونعمل بها. وعندما نفعل ذلك، نحن نوطد العلاقة معه لتبدو تمامًا كالعلاقات الأسرية في مفهومها الطبيعي. يا له من تصريح مذهل.
• يمكن للمرء أن يصلي أو يرنم أو يصوم طوال اليوم، ولكن إذا لم يسمع الكلمة ويطيعها، فهو في الواقع لا يقترب من الله.
• التأكيد المتكرر على كَلِمَةَ اللهِ مثيرٌ للإعجاب. ويُعلّق بوول (Poole): “كيف يمكن لأي شخص أن يفكر أن الصلاة أو إدارة الكنيسة أو منح الأسرار المقدسة أو أي شيء آخر أكثر أهمية بالنسبة للخادم من الوعظ؟ من يقرأ الكتاب المقدس سيندهش مما قاله الكتاب حول هذا الأمر.”
ثالثًا. يسوع يهدئ العاصفة
أ ) الآيات (٢٢-٢٣): بحر الجليل الهائج
٢٢وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ دَخَلَ سَفِينَةً هُوَ وَتَلَامِيذُهُ، فَقَالَ لَهُمْ: «لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ». فَأَقْلَعُوا. ٢٣وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ، وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ.
١. لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ: قدم يسوع وعدًا لتلاميذه بهذه الكلمات. فهو لم يقول: “دعونا نهلك في بحر الجليل.” ولكنه وعد أنهم سيعبرون الْبُحَيْرَةِ بأمان رغم العاصفة.
• ويُعلّق باركلي (Barclay): “يبلغ طول بحيرة الجليل حوالي ٢١ كيلومتر وعرضها ١٢ كيلومتر. وكانوا على بعد ٨ كيلومتر في هذا الجزء بالذات.”
• كتب ويرزبي (Wiersbe): “عصيان يونان أوقعه في العاصفة، إلا أن التلاميذ دخلوا في العاصفة بسبب طاعتهم للرب.”
٢. فَأَقْلَعُوا. وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ: حقيقة أنه كان بحاجة إلى النوم تبهرنا، وتبين طبيعته كإنسان. كان يحتاج لقسط من الراحة عندما شعر بالتعب، وكان يفعل ذلك عندما تسنح له الفرصة حتى في الأماكن غير المتوقعة.
• يكتب بروس (Bruce): “كان نومه نوم شخص منهك من زخم الحياة التي تُجهد الجسم والعقل.”
• نتعجب من حقيقة أنه كان قادرًا على النوم وسط العاصفة. ولكنه استطاع ذلك لأنه كان يتمتع بسلام تام وثقة كبيرة في محبة ورعاية أبيه السماوي.”
٣. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ: كان بحر الجليل معروفًا بعواصفه المفاجئة العنيفة. شدة هذه العاصفة كان واضحًا لأن التلاميذ اضطربوا (رغم أن الكثير منهم كانوا صيادين متمرسين بهذا البحر بالذات) (مرقس ٤٠:٤).
ب) الآيات (٢٤-٢٥): يسوع يهدئ العاصفة
٢٤فَتَقَدَّمُوا وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ!». فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ، فَانْتَهَيَا وَصَارَ هُدُوُّ. ٢٥ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟». فَخَافُوا وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الرِّيَاحَ أَيْضًا وَالْمَاءَ فَتُطِيعُهُ!».
١. فَتَقَدَّمُوا وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ!»: لم يحصل التلاميذ على راحتهم وسلامهم من يسوع النائم، ولم يفترضوا أنه حتى وإن كان نائمًا فكل الأمور ستكون على ما يرام. كانوا يحتاجون إلى معونته، لهذا أَيْقَظُوهُ.
• كتب مورغان (Morgan): “كلمة ‘إِنَّنَا’ في صرختهم «يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ!» تشير إلى أنهم أضافوا يسوع معهم. إذا غرق القارب، فسيغرق الكل معه – خدمته وآمالهم والمشاريع الهائلة التي دعاهم ليفعلوها.”
• ويضيف مورغان (Morgan): “كم من المرات نشعر بالتوتر والقلق حيال مشاريع الرب؟ ووسط العاصفة نتصور أن كل شيء على وشك الإنهيار. وحينها سنسمعه يقول: “أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟”
٢. فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ: لم يهدئ يسوع الرياح والبحر بطريقة عادية؛ ولكنه انْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ. وبالإضافة إلى خوف التلاميذ الكبير، وما سيواجه يسوع لاحقًا، نستطيع أن نقول أن الشيطان ساهم بطريقة أو بأخرى في إثارة هذه العاصفة.
• افترض آدم كلارك (Adam Clarke) أن العاصفة كانت “من عمل الشيطان، رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الذي توقع أنه بإغراق القارب، الذي يحمل كاتب الأخبار السارة والمبشرين، سيحبط مقاصد الله، وبالتالي سيمنع الخلاص عن العالم الهالك. وكانت تلك فرصة رائعة لعدو البشر!”
٣. “أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟”: لم يقل يسوع: “يا لها من عاصفة.” عوضًا عن ذلك سأل: “أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟” لم تزعج العاصفة يسوع، ولكن ما أزعجه كان عدم إيمان التلاميذ.
• لم يكن عدم إيمانهم خوفًا من ظرف مخيف، ولكن لأن يسوع قال لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ (لوقا ٢٢:٨). فهو لم يقل: “دعونا نفعل ما في وسعنا، ونذهب نحو مستقبل مجهول، وربما سنغرق نتيجة لذلك.” بل على العكس تمامًا، فقد أعطاهم يسوع وعدًا واضحًا أنهم سيذهبون بكل تأكيد ويصلوا إلى الجانب الآخر.
• الظروف الصعبة – العواصف، إذا جاز التعبير – ليست دليلًا على عدم الإيمان. فعدم الإيمان هو رفض وعود الله التي لها علاقة بظروف معينة.
• كان على التلاميذ أن يعرفوا أن الله لن يسمح بهلاك المسيا في قارب يعبر بحر الجليل. لم يكن من الممكن أن تنتهي قصة المسيا بغرقِهِ في البحيرة.
• تُظهر هذه الحادثة رعاية يسوع المستمرة لشعبه. قال مورغان (Morgan): “هناك الكثير من المسيحيين اليوم يعتقدون أن القارب سيغرق! أنا شخصيًا تعبت من نواح بعض الأصدقاء الذين يتبنون هذا الرأي. فلا يمكن للقارب أن يغرق، فيسوع فيه.”
٤. فَخَافُوا وَتَعَجَّبُوا: كان يجب على البحر الهادئ أن يملئهم بالسلام، ولكن كان خوفهم بعد العاصفة مشابهًا للذي كان في خضم العاصفة.
• أصاب التلاميذ الذهول. وهذا السلطان القوي على الخليقة جعلهم يتساءلون: “مَنْ هُوَ هَذَا؟” هو حتمًا الرب، يهوه، الذي يملك كل السلطان والقوة: “يَا رَبُّ إِلَهَ الْجُنُودِ، مَنْ مِثْلُكَ؟ قَوِيٌّ، رَبٌّ، وَحَقُّكَ مِنْ حَوْلِكَ. أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْبَحْرِ. عِنْدَ ارْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا” (مزمور ٨:٨٩-٩).
• في غضون لحظات قليلة، رأى التلاميذ طبيعة يسوع البشرية (كان متعبًا فنام) ثم رأوا كمال ألوهيته. رأوا حقيقة يسوع: إنسان كامل وإله كامل.
رابعًا. شفاء إنسان به روح نجس من كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ
أ ) الآيات (٢٦-٢٩): وصف للرجل الذي به روح نجس.
٢٦وَسَارُوا إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ الَّتِي هِيَ مُقَابِلَ الْجَلِيلِ. ٢٧وَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْأَرْضِ اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَكَانَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، وَلَا يُقِيمُ فِي بَيْتٍ، بَلْ فِي الْقُبُورِ. ٢٨فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ صَرَخَ وَخَرَّ لَهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ؟ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي!». ٢٩لِأَنَّهُ أَمَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْإِنْسَانِ. لِأَنَّهُ مُنْذُ زَمَانٍ كَثِيرٍ كَانَ يَخْطَفُهُ، وَقَدْ رُبِطَ بِسَلَاسِلٍ وَقُيُودٍ مَحْرُوسًا، وَكَانَ يَقْطَعُ الرُّبُطَ وَيُسَاقُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى الْبَرَارِي.
١. إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ: تقع هذه البلدة على الجانب الشرقي من بحر الجليل، وهي من أكثر المدن التي يقطنها أممين من المدن العشرة.
٢. اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ: هذا الوصف يُعتبر الأكثر تفصيلًا لرجل يسكنه شيطان في كل الكتاب المقدس. فيما يلي الصورة النمطية لرجل يسكنه شيطان.
• كان الرجل يسكنه شيطان مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ.
• كان الرجل لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وكان يعيش كحيوان في البراري أكثر من إنسان طبيعي (وَلَا يُقِيمُ فِي بَيْتٍ… وَيُسَاقُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى الْبَرَارِي).
• كان الرجل يعيش بين الأموات والجثث المتحللة، خلافًا للقانون اليهودي وغريزة الإنسان (فِي الْقُبُورِ).
• كان الرجل يملك قوة خارقة للطبيعة (وَكَانَ يَقْطَعُ الرُّبُطَ).
• كان الرجل يشوه ويؤذي نفسه (يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَةِ، مرقس ٥:٥).
• كان الرجل قوي (فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ، مرقس ٤:٥).
• من الغريب أن يكون هناك بعض المسيحيين الذين يؤمنون أن الروح القدس يعمل بطريقة مماثلة؛ أي أنه يسيطر بالكامل على الجسد، ويدفع المرء ليقوم بأشياء غريبة وعجيبة.
• نستطيع القول أنه لم يبدأ بهذه الطريقة، بل عاش وسط الناس في القرية قبلًا. ربما كان شخصًا غير عقلاني، ويتصرف بتهور، وأقتنع أهل القرية أن به شيطان، أو على الأقل مجنون. فقيدوه بالسلاسل لمنعه من إيذاء الآخرين، ولكنه كسر السلاسل مرارًا وتكرارًا. وأخيرًا، طردوه من المدينة وعاش في مقبرة القرية، مجنون بين القبور، ويقوم بإذاء الشخص الوحيد الذي يستطيع إذائه وهو نفسه.
• وَيُسَاقُ مِنَ الشَّيْطَانِ: علّقَ تراب (Trapp): “كالحصان الذي يسوقه راكبه (هذا ما تدل عليه الكلمة) أو كالسفينة التي تُساق بالمجداف.”
٣. اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ: مما يعني أن يسوع لم يسعى وراء هذا الرجل، بل هو من انجذب ليسوع.
٤. لِأَنَّهُ أَمَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْإِنْسَانِ: لا يستطيع الإنسان أن يُخلص نفسه من الرُّوحَ النَّجِسَ، ولكن يسوع ذو السلطان يستطيع.
٥. مَا لِي وَلَكَ … أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي!: هذا ما قاله الروح النجس الذي كان يسكن الرجل، وليس الرجل نفسه. لم يرغب الشيطان بترك الجسد الذي كان يسكنه.
• يعني المس الشيطاني سكنى روح شيطاني في جسم الإنسان. ويظهر أحيانًا شخصيته الخاصة من خلال شخصية الجسم المضيف. المس الشيطاني هو حقيقة واقعية اليوم، ولكن لا يجب أن نتجاهل العمل الشيطاني أو التركيز الزائد عليه.
• لا يخبرنا الكتاب المقدس على وجه التحديد كيف أصبح هذا الشخص مسكونًا بالروح النجسة، غير أنه يمكننا أن نستنتج بأن هذا حدث نتيجة دعوة قدمها الشخص إما عن معرفة أو عن جهل.
• الخرافة وقراءة الطالع وما يسمى بالألعاب السحرية غير المؤذية واستحضار الأرواح وخداع حركة العصر الجديد (New Age) والسحر وتعاطي المخدرات وغيرها أمور تخدع المؤمن وتُعرض غير المؤمن لخطر شيطاني حقيقي.
• غالبًا ما ينخرط الناس في الهرطقات أو الأشياء الشيطانية لأنهم يحصلون على نتائج. ولكن لسوء الحظ تلك النتائج سببها أرواح شيطانية.
• نستطيع القول أن الشيطان يريد أن يسكن الأجساد لنفس السبب الذي يجعل المخرب يرش الحائط بالدهان أو القاتل للحصول على مسدس – فالجسد هو السلاح الذي يستخدمه لمحاربة الله. والسبب الثاني لهجوم الشيطان على الإنسان هو كرههم لصورة الله في الإنسان، ولذلك يسعون لتشويه تلك الصورة من خلال الحط من قدر الإنسان وإذلاله وجعله يتصرف بطريقة غريبة وغير لائقة.
• يريد الشيطان تحقيق نفس الهدف مع المؤمنين (يريد تدمير صورة الله)، ولكن هناك حدود لما يستطيع فعله مع المؤمنين. فبالرغم من أن يسوع جَرَّدَ الأرواح الشريرة على الصليب (كولوسي ١٥:٢)، إلا أنهم قادرون على خداع وتخويف المؤمنين مستخدمًا الخوف والشك.
• أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي! يا لها من جملة مثيرة للسخرية، لقد عذبت الشياطين الرجل وسيطرت على جسده وعقله وروحه لمدة طويلة. ولكنها الآن تطلب من يسوع وتقول: لَا تُعَذِّبَنِي.
٦. يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ: كان هذا رد فعل الروح النجس عندما أمره يسوع أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْإِنْسَانِ. واستخدم هذه الجملة كطريقة يحاول بها مقاومة يسوع.
• الخلفية من وراء كل هذا كان خرافة قديمة تَدّعي أنك ستملك سلطان روحي يفوق على الآخر إذا نطقت باسم ذلك الروح أو عرفت اسمه. لهذا السبب دعى الروح النجس يسوع بلقبه الكامل: يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ. وفقًا لخرافات تلك الأيام، كانت تلك الجملة أقوى طريقة للرد على يسوع.
• بناءً على ذلك، نستطيع القول أن الروح النجس كان يملك الحقائق اللاهوتية الصحيحة عن يسوع، ولكن قلبه لم يكن صحيحًا. كان الروح النجس يملك نوعًا من “الإيمان” في يسوع. فقد عرف هوية يسوع الحقيقية أفضل من القادة الدينيين أنفسهم. ومع ذلك، لا يمكن للإيمان أو المعرفة أن يخلص (رسالة يعقوب ١٩:٢).
ب) الآيات (٣٠-٣٣): أظهر يسوع سلطانه على الأرواح الشريرة.
٣٠فَسَأَلَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: «مَا اسْمُكَ؟». فَقَالَ: «لَجِئُونُ». لِأَنَّ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً دَخَلَتْ فِيهِ. ٣١وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَأْمُرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَى الْهَاوِيَةِ. ٣٢وَكَانَ هُنَاكَ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى فِي الْجَبَلِ، فَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَأَذِنَ لَهُمْ. ٣٣فَخَرَجَتِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبُحَيْرَةِ وَاخْتَنَقَ.
١. مَا اسْمُكَ؟: وفقًا للعادات اليهودية فيما يتعلق بطرد الأرواح الشريرة في ذلك الوقت، كان لا بد من معرفة اسم الروح الشرير لفرض السيطرة عليه واخراجه من الشخص المسكون. ولكن يسوع لم يحتاج الاسم في هذه المقايضة؛ بل كان يملك سلطان أكبر بكثير من الخرافات التي كانت سائدة حينها.
٢. فَقَالَ: «لَجِئُونُ»: ربما سأل يسوع عن اسم الشيطان ليتسنى لنا معرفة حجم المعضلة، عالمًا أن شَيَاطِينَ كَثِيرَةً كانت تسكن الرجل وليس واحد فقط. ونلاحظ أن «لَجِئُونُ» (والتي تعني الفيلق) هو ليس اسم بل محاولة للمراوغة والتهديد والتخويف.
• عادة ما يتألف الفيلق الروماني من ستة آلاف رجل. هذا لا يعني أن الرجل كان يسكنه ستة آلاف شيطان، ولكن عدد كبير منهم.
• من الممكن أيضًا أن تكون هذه محاولة لتخويف يسوع. أحيانًا كثيرة وعندما يُحاصر الحيوان، يحاول أن يبدو بحجم أكبر من الحيوان الذي يريد افتراسه؛ لهذا ربما نطق هؤلاء الشياطين بهذا الاسم معتقدين خاطئًا أنهم يستطيعون تخويف يسوع. قال لجئون: “هناك الكثير منا، ونحن منظمون ومتحدون ومستعدون للقتال؛ إننا أقوياء.”
• وفقًا لخرافات ذلك العصر، ربما شعر المتفرجين أن الأرواح النجسة كانت هي المسيطرة على الوضع. فقد عرفوا وأعلنوا اسم يسوع بالكامل، وحاولوا التهرب من طلب يسوع بالإعلان عن أسمائهم، وأخيرًا كانوا يأملون في تخويف يسوع بعددهم الكبير. ولكن يسوع لم يأبه بهذه الخرافات القديمة على الإطلاق، وبكل سهولة أخرج الأرواح النجسة من الرجل المصاب.
٣. وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَأْمُرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَى الْهَاوِيَةِ: لم ترغب الشياطين، التي كانت تسكن هذا الرجل، أن تُسجن في الهاوية التي ذكرها سفر رؤيا يوحنا (١١:٩). ويبدو أنها المكان الذي تسجن فيه أنواع معينة من الأرواح.
• لا تريد هذه الشياطين أن تصبح غير نشطة. ويُعلّق تراب (Trapp): “يبدو أنه جحيم آخر بالنسبة للشيطان أن يكون خاملًا، والبديل هو أن يسكن الناس.”
٤. فَخَرَجَتِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ: يبدو أن فكرة سكنى الشياطين جثث الحيوانات غريبة، ولكنها طرحت في سفر التكوين (٣). كان من الملائم أن تدخل هذه الشياطين في الْخَنَازِيرِ، كونها حيوانات نجسة ولا تسمع الشريعة اليهودية بأكلها.
• لاحظ أنه لا تستطيع للشياطين أن تسبب الألم أو المعاناة للخنازير دون السماح من الله. ويُعلّق كلارك (Clarke): “عدم قدرة الشيطان على الدخول حتى في الخنازير دون سماح من الله نفسه، يُظهر ضُعفهم أو خبثهم في محاولة تخويف من يستمتعون برعاية وحماية الله.”
• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “يُفضل الشيطان مضايقة الخنازير من أن لا يُحدث أي ضرر على الإطلاق. فهو مولع جدًا بالشر لدرجة تجعله يستخدمه ضد الحيوان إن كان غير قادر على مزاولته ضد الإنسان.”
• سمح يسوع بهذا لأن وقت عرض سلطانه الكامل على الشياطين لم يحين بعد – سيفعل ذلك على الصليب. ويخبرنا بولس في رسالته إلى أهل كولوسي ١٥:٢ بأن الصليب “جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلَاطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ.”
٥. فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبُحَيْرَةِ وَاخْتَنَقَ: تأثير طبيعة الأرواح الشريرة المدمرة ظهر بوضوح على الخنازير. كانوا مثل زعيمهم الشيطان الذي يريد أن يسرق ويذبح ويهلك (يوحنا ١٠:١٠).
• هذا يفسر السبب الذي جعل يسوع يأمر الشياطين بالدخول في الخنازير – فقد أراد للجميع أن يعرفوا نية هذه الشياطين الحقيقية. فهم يريدون هلاك الإنسان، تمامًا كما فعلت مع الخنازير. ولأن الإنسان مخلوق على صورة الله، لا يستطيع الشيطان فرض نيته بسهولة عليه. ونيته هي: تدمير الإنسان بالكامل.
• يعتقد البعض أن ما حدث لم يكن عادلًا بالنسبة لأصحاب الخنازير. ويُعلّق كلارك (Clarke): “قد يقول البعض: ’لكن أصحاب الخنازير فقدوا ممتلكاتهم.‘ هذا صحيح، ولكننا نتعلم هنا أن قيمة ثرواتنا الزمنية ضئيلة في نظر الله. حيث يسمح الله أحيانًا بخسارة ممتلكاتنا ليفك الارتباط بيننا وبينها برحمته؛ وأحيانًا أخرى يسمح بذلك لتحقيق عدالته، فيعاقبتنا لأننا اكتسبنا ثروتنا أو حافظنا عليها إما عن طريق الطمع أو الظلم.”
• كان لدى سبيرجن (Spurgeon) عدة تعليقات حكيمة حول الطريقة التي أثرت فيها الشياطين على الخنازير:
• فضلت الخنازير الموت على وحشية وضرر الشيطان؛ حتى وإن كان الإنسان أسوأ من الخنازير، فإن رأيهم سيكون مشابهًا.
• من يدفعه الشيطان يركض بكل قوة.
• دائمًا ما يقود الشيطان خنازيره إلى سوقٍ سيئة.
ج ) الآيات (٣٤-٣٧): رد فعل المارة من تحرير الرجل المَسكُون بِأرواحٍ شِرِّيرَة.
٣٤فَلَمَّا رَأَى الرُّعَاةُ مَا كَانَ هَرَبُوا وَذَهَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الضِّيَاعِ، ٣٥فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى. وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ فَوَجَدُوا الْإِنْسَانَ الَّذِي كَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ لَابِسًا وَعَاقِلًا، جَالِسًا عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ، فَخَافُوا. ٣٦فَأَخْبَرَهُمْ أَيْضًا الَّذِينَ رَأَوْا كَيْفَ خَلَصَ الْمَجْنُونُ. ٣٧فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ جُمْهُورِ كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ. فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَرَجَعَ.
١. فَخَافُوا… اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ: كان خوفهم من الرجل عندما تحرر من الأرواح الشريرة يفوق خوفهم منه عندما كان مسكونًا. رأوا الرجل لَابِسًا وَعَاقِلًا وجَالِسًا عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ، فَخَافُوا.
• جزء من مخاوفهم كان حقيقة أن الخرافات التي كانوا يؤمنون بها قد تحطمت، ولم يكن لديهم تفسير لما حدث. ووفقًا لمعتقداتهم الخرافية، كان على الشياطين أن يكون لها اليد العليا على يسوع – ولكن هذا لم يحدث على الإطلاق. لذا واجهوا صعوبة في قبول ذلك.
٢. فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ جُمْهُورِ … أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ: يبدو أنهم لم يمانعوا من وجود هذا الرجل الذي كان يملكه الشيطان ويعذبه وسطهم، ولكنهم مانعوا من وجود يسوع وسطهم – فطلبوا منه أن يذهب عنهم – وفعل ذلك بالفعل!
• ما فعله يسوع وَحَدَّ كُلُّ الجُمْهُورِ، فقد جاءوا للقاء يسوع وللتحدث معه، ولكنهم جاؤوا بهدف سيء. علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “نرى هنا مدينة بأكملها تحضر اجتماع للصلاة، ولكنها تصلي ضد البركة المخصصة لها .. ويا لها من صلاة سيئة؛ ولكنها أُستُجيبت، وتركهم يسوع.”
• عادة ما يدفع الناس يسوع بعيدًا عنهم عندما يفوق خوفهم مما سيفعله في حياتهم على خوفهم مما يفعله الشيطان في الوقت الحاضر – ولن يتردد يسوع في تركهم إن طلبوا منه ذلك.
د ) الآيات (٣٨-٣٩): ردة فعل الرجل الذي خرجت منه الشياطين.
٣٨أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ، وَلَكِنَّ يَسُوعَ صَرَفَهُ قَائِلًا: ٣٩«ارْجِعْ إِلَى بَيْتِكَ وَحَدِّثْ بِكَمْ صَنَعَ اللهُ بِكَ». فَمَضَى وَهُوَ يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا بِكَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ.
١. أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ: يا له من لقب رائع. سيُطلق الناس على هذا الرجل الاسم الذي سيذكره بالعمل العظيم الذي فعله يسوع معه، وربما لبقية حياته.
٢. فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ: أول أمر فعله هذا الرجل هو الجلوس عند قدمي يسوع بكل بساطة (لوقا ٣٥:٨). وكل ما أراده هو أَنْ يَكُونَ مع يسوع، وأن يتبعه كتلميذ.
• لم يسعى فقط للحصول على ما يمكن ليسوع أن يقدمه له، بل أظهر تغييرًا حقيقيًا في القلب لأنه كان يطلب يسوع نفسه.
٣. وَلَكِنَّ يَسُوعَ صَرَفَهُ: رغبة الرجل لإتباع يسوع كانت جيدة، ولكن يسوع لم يسمح بذلك. عرف يسوع أن لديه خدمة أكثر أهمية مع عائلته ومع المجتمع.
• نواجه صعوبة أحيانًا في فهم طرق الله. فقد طلب أهل المدينة أمرًا رديئًا (طلبوا أن يذهب عنهم) واستجاب يسوع لطلبتهم. أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ فطلب أمرًا صالحًا: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ، ولكن يسوع لم يحقق له طلبه.
• إحدى الأسباب التي أدت إلى رفض يسوع لطلبة هذا الرجل هي لأنه يستطيع أن يكون نورًا في هذه المدن الأممية بطريقة لا يمكن ليسوع أو لتلاميذه أن يفعلوا. ولكن السبب الآخر كان لتخليص الرجل من أي خرافات عالقة في ذهنه. فربما اعتقد أن البقاء بالقرب من يسوع سيبعد الشياطين عنه. ويُعلّق سبيرجن (Spurgeon): “ربما لم تُستجاب صلاته خشية التصديق على تلك المخاوف. فلو شعر بالخوف من عودة الشياطين، ومن الطبيعي أن يشعر هكذا، عندها سيطلب حتمًا البقاء مع المسيح. ولكن المسيح نزع تلك المخاوف وطمئنه قائلًا: “أنت لا تحتاج أن تكون قربي. لقد شفيتك بالكامل ولن تمرض ثانية.”
• كتب تراب (Trapp): “يقع الكثيرين بهذا الخطأ القديم والشائع بطلبهم لحضور المسيح جسديًا .. ولكن المسيح لن يسمح بأن يعتمد هذا الرجل على حضوره الجسدي، بل يريده أن يعتمد على قوته الإلهية.”
٤. فَمَضَى وَهُوَ يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا بِكَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ: يا لها من رسالة عظيمة يُكرز بها، وعلى أتباع يسوع أن يكرزوا بهذه الرسالة أيضًا. أظهرت قصة هذا الرجل قيمة الفرد بالنسبة ليسوع، فلأجله أتى يسوع إلى هذا الجانب من بحر الجليل. كما وأظهرت قصته أنه مع يسوع هناك أمل للجميع مهما كانت الحالة، فتغيير هذا الرجل هو دليل على إمكانية تغيير أي شخص.
• قال له يسوع حَدِّثْ بِكَمْ صَنَعَ اللهُ بِكَ، وتحدث الرجل مع الآخرين بِكَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ. لم يكن هناك أي تناقض، لأن يسوع هو الله.
خامسًا. شفى امرأة، وأقام فتاة من الأموات.
أ ) الآيات (٤٠-٤٢): أبٌ يتوسل كي يشفي يسوع ابنته الوحيدة
٤٠وَلَمَّا رَجَعَ يَسُوعُ قَبِلَهُ الْجَمْعُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعُهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ. ٤١وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يَايِرُسُ قَدْ جَاءَ، وَكَانَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ، فَوَقَعَ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، ٤٢لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَحِيدَةٌ لَهَا نَحْوُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ فِي حَالِ الْمَوْتِ. فَفِيمَا هُوَ مُنْطَلِقٌ زَحَمَتْهُ الْجُمُوعُ.
١. قَبِلَهُ الْجَمْعُ: ترك يسوع المدن الأممية حول بحر الجليل حيث التقى بالرجل الذي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ. وقد عاد الآن إلى المدن اليهودية على الجانب الآخر، وجمعٌ كبير كانوا يَنْتَظِرُونَهُ.
٢. وَكَانَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ: كان رئيس المجمع يشبه الى حد ما الراعي في وقتنا الحالي. حيث كان يهتم بالأمور الروحية والإدارية في المجمع. جاء يايرس بيأس شديد إلى يسوع (فَوَقَعَ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَطَلَبَ إِلَيْهِ)، لأن ابنته كَانَتْ فِي حَالِ الْمَوْتِ.
• ويُعلّق لاين (Lane): “كرئيس للمجمع كان شخصًا علمانيًا مسؤولًا عن إدارة المبنى وترتيب الخدمة.”
• عندما جاء قائد المئة إلى يسوع ولديه وضعٍ مشابه (لوقا ١:٧-١٠)، لم يذهب يسوع الى بيته ليشفي الخادم – بل أعلن شفاءه ببساطة من مسافة بعيدة.
• ويُعلّق موريسن (Morrison): “كان الجميع يعرف يَايِرُسُ في كفرناحوم؛ ولكن لم يعرف أحد انه كان مؤمنًا بالمسيح إلى أن وصلت ابنته الصغيرة إلى حافة الموت. وعندها أعلن إيمانه بيسوع.”
٣. فَفِيمَا هُوَ مُنْطَلِقٌ: لم يطالب يسوع بأن يُظهر يايرس نفس الإيمان كما فعل قائد المئة. بل استجاب يسوع مع الإيمان الذي أظهره يايروس وذهب معه، حيث زَحَمَتْهُ الْجُمُوعُ.
• وعلّقَ كلارك (Clarke) بأن الكلمة اليونانية القديمة زَحَمَتْهُ المترجمة هنا تعني: “يكاد يختنق بسبب الحشد الشديد حوله.” ويستخدم نفس جذر الكلمة اليونانية لوصف الاختناق الذي حصل لبذار كلمة الله في (لوقا ٧:٨).
ب) الآيات (٤٣-٤٤): شفاء نازفة الدم
٤٣وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِهَا لِلْأَطِبَّاءِ، وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُشْفَى مِنْ أَحَدٍ، ٤٤جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا.
١. وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً: كانت هذه المرأة في حالة يرثى لها. نزيفها جعل منها نجسة دينيًا واجتماعيًا، وهذا من شأنه أن يكون عبئًا كبيرًا لتعيش في ظله لمدة ١٢ عامًا.
• وفقًا للأفكار اليهودية في ذلك الوقت، إذا مست هذه المرأة أي شخص فإنها تنقل نجاستها له. ليس هذا فحسب، بل لن يُسمح لها بالمشاركة في أي جانب من جوانب العبادة بسبب نجاستها (لاويين ١٩:١٥-٣١).
٢. وَقَدْ أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِهَا لِلْأَطِبَّاءِ، وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُشْفَى مِنْ أَحَدٍ: ذهبت إلى الأطباء سعيًا للشفاء، ولكن صحتها تدهورت أكثر، كما وأصبحت أكثر فقرًا. عرف لوقا الطبيب كيف يمكن لفواتير الطبيب أن تجعلك تنفق كل ما لديك.
• عندما تمرض النفس اليوم، غالبًا ما تذهب إلى عدة “أطباء” وتنفق قدرًا كبيرًا من الوقت والمال، والنتيجة: وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُشْفَى مِنْ أَحَدٍ. ربما تذهب الروح المريضة إلى “طبيب الترفيه” ولكنها لن تجد العلاج. ويمكنها زيارة “طبيب النجاح” ولكنه لن يساعد على المدى البعيد. وزيارة كلٍ من “طبيب المتعة” أو “طبيب المساعدة الذاتية” أو “طبيب الدين” لن يمنحها الشفاء الحقيقي. فوحده “يسوع الطبيب” قادر على منح الشفاء الكامل.
٣. جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ: شكّل لها هذا المرض إحراجًا كبيرًا، ولأنها كانت نجسة حسب الطقوس السائدة، وبسبب معرفتها أنها ستُدان عند لمسها ليسوع أو حتى لمجرد تواجدها وسط الجموع، أرادت أن تفعل ذلك سرًا، ولم تطلب صراحة الشفاء من يسوع.
• وعلّق بايت (Pate): “كلمة “طرف” [هُدْبَ] هي الكلمة اليونانية kraspedon، ويشير المصطلح في الترجمة السبعينية إلى الشرابة (جديلة من الخيوط مرتبطة معًا كزركشة) وكان الرجل اليهودي يضعها على طَرَفَ عَباءَتِهِ.”
• اقتربت المرأة من يسوع وفكرها مليء بالخزعبلات، مؤمنة أن هناك قوة في هدب ثوبه. ومع ذلك كانت تملك إيمانًا بسيطًا، لأنه لا يوجد أي دليل على أن يسوع شفى بهذه الطريقة من قبل.
• على الرغم وجود بعض الشوائب والخزعبلات في إيمانها، إلا أنها آمنت بقوة يسوع الشافية، وكان هدب ثوبه بمثابة حلقة الوصل مع إيمانها. يمكننا أن نجد العديد من الأخطاء في إيمان هذه المرأة، ولكن الأهم أنها وضعت إيمانها في يسوع. فهدف الإيمان أهم بكثير من نوع الإيمان.
٤. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا: ووفقًا لتفكير ذلك العصر، عندما لامست هذه المرأة النجسة يسوع، فإنه من شأنها أن تجعله نجسًا أيضًا. ولكن نظرًا لطبيعة يسوع وقوة الله، لم تجري الأمور هكذا. فعندما لمست هدب ثوب يسوع، لم تجعله نجسًا، بل نالت هي الشفاء الكامل. عندما نأتي إلى يسوع بخطايانا ونضعها عليه، لا تجعله خاطئ، ولكنها تجعلنا مُبررين.
ج ) الآيات (٤٥-٤٨): حديث يسوع مع المرأة التي شُفيت
٤٥فَقَالَ يَسُوعُ: «مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟». وَإِذْ كَانَ الْجَمِيعُ يُنْكِرُونَ، قَالَ بُطْرُسُ وَالَّذِينَ مَعَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ، وَتَقُولُ: مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟». ٤٦فَقَالَ يَسُوعُ: «قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ، لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي». ٤٧فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَخْتَفِ، جَاءَتْ مُرْتَعِدَةً وَخَرَّتْ لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ قُدَّامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ لِأَيِّ سَبَبٍ لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ بَرِئَتْ فِي الْحَالِ. ٤٨فَقَالَ لَهَا: «ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلَامٍ».
١. «مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟»: لم يُشكل هذا السؤال أي معنى بالنسبة للتلاميذ. يخبرنا لوقا أن الجُمُوعُ زَحَمَتْهُ (لوقا ٤٢:٨)، ومع ذلك، إنزعج يسوع لأن شخص ما لمسه. فمن الطبيعي أن يتلامس الناس مع يسوع بسبب الزحمة.
٢. يَا مُعَلِّمُ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ: لم يفهم بطرس والتلاميذ الفرق بين ملامسة يسوع العفوية، وبين لمسه الإيمان.
• يمكننا أن نتخيل بسهولة إمكانية أن يصطدم أي شخص بيسوع بسبب زَحَمَة الجُمُوع. عندما تم الكشف عن معجزة المرأة، ربما قالوا: “أنا اصطدمت بيسوع ولمسته ولكنني لم أُشفى.” فهناك فرق كبير بين أن نصطدم بيسوع هنا وهناك، وأن نمد أيدينا ونلمسه بالإيمان. يمكنك الذهاب إلى الكنيسة أسبوع وراء الآخر و”تصطدم” بيسوع، ولكن هذا يختلف تمامًا عن ملامسته بالإيمان.
• كتب سبيرجن (Spurgeon): “ليست كل لمسة للمسيح تُخلص الإنسان؛ فما يخلص الإنسان هو الِاقتراب منه ولمسه بإيمان والتمسك به بعزيمة وتصميم.”
• وعلّقَ ماير (Meyer): “ربما نكون قريبين جدًا من المسيح ونزحمه، ومع ذلك لا نتلامس معه؛ ولكن لا يمكن لأحد أن يلمسه، حتى ولو برفق، دون أن ينال النعمة المطلوبة.”
٣. قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي: عندما لمست المرأة يسوع وشُفيت في الحال، شعر يسوع بأن شيئًا ما قد حدث. عَلِمَ يسوع بأن شخصًا ما قد شُفي.
٤. فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَخْتَفِ: قد يعني هذا أن يسوع نظر إليها مباشرة وقال: “قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ” (تقول الآية في مرقس ٣٢:٥ وَكَانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ لِيَرَى الَّتِي فَعَلَتْ هَذَا). عرف يسوع من فعل ذلك، ولكن كان على المرأة أن تعترف. شعرت بالحرج عندما دعاها يسوع؛ ولكن لم يكن هذا هدف يسوع، بل أراد أن يباركها.
• فعل يسوع ذلك كي تعرف أنها قد شُفيت. صحيح أنها بَرِئَتْ فِي الْحَالِ، ولكن حال هذه المرأة كحال أي شخص آخر، سرعان ما يتسلل الشك والخوف إلى نفسها متساءلة إن كانت قد شُفيت بالفعل. وربما تساءلت أيضًا متى سيعاودها المرض. ولكن يسوع قال لها: “إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ.” دعاها يسوع حتى تتأكد تمامًا أنها قد شفيت.
• فعل يسوع ذلك كي يعرف الآخرين أنها قد شُفيت. كانت هذه المرأة تعاني من مرض لم يراه أحد ومع ذلك، جعلها منبوذة من الجميع. سيبدو الأمر مشبوهًا للكثيرين إذا أعلنت أنها قد شفيت. قد يعتقدون أنها ألفت القصة كي يتوقفوا عن معاملتها كنجسة. لهذا دعاها يسوع حتى يؤكد للجميع أنها قد شفيت تمامًا، ولهذا أَخْبَرَتْهُ قُدَّامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ لِأَيِّ سَبَبٍ لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ بَرِئَتْ فِي الْحَالِ.
• فعل يسوع ذلك كي تعرف المرأة السبب الكامن وراء شفاءها. أظهر يسوع للمرأة عندما قال: “إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ” بأن شفاءها لم يكن بسبب لمسها لهدب ثوبه، بل بسبب إيمانها به وما يمكن أن يفعله لها.
• فعل يسوع ذلك لأنه لا يريدها أن تعتقد أنها سرقت البركة، وبأنها أصبحت غير قادرة على النظر إليه مباشرة مرة أخرى. هي لم تسرق شيئًا، بل نالت البركة بالإيمان وأراد يسوع أن يؤكد لها ذلك.
• فعل يسوع ذلك حتى يرى يايرس إيمان هذه المرأة ولتشجيعه بشأن ابنته. دعاها يسوع ليشجع كل من يملك إيمان.
• فعل يسوع ذلك لأنه كان يريد أن يباركها بطريقة خاصة. فقد دعاها “ابْنَةُ.” لم يدعو يسوع مطلقًا أي شخص بهذا الاسم من قبل. أرادها يسوع أن تسمع هذا الاسم المليء بالحنان. عندما يدعونا يسوع، فذلك لأن لديه شيء خاص ليعطينا إياه.
• قد يطلب منا يسوع أن نفعل أمورًا قد تبدو محرجة اليوم. ولكنه لا يطلب منا ذلك ليسبب لنا الحرج. فهناك دائمًا هدف أسمى حتى لو لم نتمكن من رؤيته. ولكن إن كان أهم أمر في حياتك هو تجنب الإحراج، إذًا فالكبرياء هو الإله الذي نعبده. وهو دليل على محبتنا لأنفسنا ولمظهرنا أكثر من محبتنا ليسوع.
• يا ليايرس المسكين! فأثناء كل هذا، كانت ابنته تقبع في المنزل مريضة وحياتها تذبل ببطء. لا بد وأنه تعذب حينما رأى يسوع يأخذ وقته ويخدم تلك المرأة أثناء تألم ابنته. فالرب لا يتباطأ أبدًا، ولكنه يبدو كذلك بالنسبة للمتألم.
د ) الآيات (٤٩-٥٠): يسوع يدعو يايرس أن يتحلى بإيمان قوي بتقديمه وعد أقوى
٤٩وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، جَاءَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ قَائِلًا لَهُ: «قَدْ مَاتَتِ ابْنَتُكَ. لَا تُتْعِبِ الْمُعَلِّمَ». ٥٠فَسَمِعَ يَسُوعُ، وَأَجَابَهُ قَائِلًا: «لَا تَخَفْ! آمِنْ فَقَطْ، فَهِيَ تُشْفَى».
١. قَدْ مَاتَتِ ابْنَتُكَ: يمكننا أن نتخيل كيف شعر يايرس عندما سمع هذا الخبر. ربما تبادر إلى ذهنه: “لقد ضيع يسوع الكثير من الوقت على هذه المرأة السخيفة. أصبح الوضع الآن غير قابل للإصلاح أبدًا.”
٢. فَسَمِعَ يَسُوعُ، وَأَجَابَهُ: طلب يسوع من يايرس أن يفعل أمرين، أولًا: لَا تَخَفْ. ثانيًا: آمِنْ فَقَطْ.
• لَا تَخَفْ: تبدو هذه الكلمات قاسية على مسامع شخص فقد ابنته للتو، لكن يسوع عرف أن الخوف والإيمان لا يسيران معًا. وقبل أن يتمكن يايرس من وضع ثقته بالكامل في يسوع، كان عليه أن يقرر أن يضع الخوف جانبًا.
• آمِنْ فَقَطْ: لا تحاول أن تؤمن وتكون خائفًا في نفس الوقت. ولا تحاول أن تؤمن وتحاول فهم ما يجري تمامًا. ولا تحاول أن تؤمن وتفسر منطقيًا سبب التأخير. بدلًا من كل هذا، آمِنْ فَقَطْ.
٣. آمِنْ فَقَطْ، فَهِيَ تُشْفَى: كل ما كان على يايرس أن يفعله هو الإيمان بكلام يسوع. فكل شيء يشير إلى أن ابنته قد ماتت. لهذا كان يايرس في المكان الأفضل والأصعب في آن واحد.
هـ ) الآيات (٥١-٥٦): يسوع يقيم صبية من المَوت
٥١فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَّا بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَأَبَا الصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا. ٥٢وَكَانَ الْجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَيَلْطِمُونَ. فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا. لَمْ تَمُتْ لَكِنَّهَا نَائِمَةٌ». ٥٣فَضَحِكُوا عَلَيْهِ، عَارِفِينَ أَنَّهَا مَاتَتْ. ٥٤فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ خَارِجًا، وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا وَنَادَى قَائِلًا: «يَا صَبِيَّةُ، قُومِي!». ٥٥فَرَجَعَتْ رُوحُهَا وَقَامَتْ فِي الْحَالِ. فَأَمَرَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ. ٥٦فَبُهِتَ وَالِدَاهَا. فَأَوْصَاهُمَا أَنْ لَا يَقُولَا لِأَحَدٍ عَمَّا كَانَ.
١. لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَّا بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا: غالبًا ما كان هؤلاء الثلاثة من الدائرة المقربة ليسوع. ولعل السبب الذي جعل يسوع يراقبهم جيدًا كان ليجنبهم المشاكل.
٢. وَكَانَ الْجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَيَلْطِمُونَ: في ذلك اليوم كان من المعتاد استئجار نائحين (نّادِبِينَ) مهمتهم إضافة المزيد من الحزن والألم في الجنازات. ولكن حزنهم كان سطحيًا طبعًا. وسرعان ما تحولوا من النحيب إلى الضحك الساخر (فَضَحِكُوا عَلَيْهِ).
• غالبًا ما كان الناس يسخرون من يسوع ويضَحِكون عَلَيْهِ. علّقَ موريسون (Morrison): “سخر الناس من أصله ومن أعماله ومن إدعائه أنه المسيا المنتظر. ليس هناك في تاريخ البشرية من تعرض للسخرية والقسوة والوحشية أكثر من الصليب.”
• نعيش اليوم في عصر يستسهل فيه الناس استخدام السخرية والاستهزاء من أي شيء يبدو أو يدعي أنه جيد ربما أكثر من زمن يسوع. كتب موريسون (Morrison): “أود أن أقول للذين يميلون لرؤية الجانب السخيف من الأشياء فقط، أن هذا من أخطر الأمور على الشخصية. فعندما نسخر من كل ما هو جيد في الآخرين، نحن في الواقع ندمر إيماننا في كل ما هو جيد وجدير في أنفسنا.”
٣. لَمْ تَمُتْ لَكِنَّهَا نَائِمَةٌ: لم يكن يسوع بعيدًا عن الواقع عندما قال هذا، كما لم يتظاهر الإيمان. بل قال هذا لأنه يعرف الواقع الأسمى، الواقع الروحي الذي هو أقوى من الموت نفسه.
٤. فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ خَارِجًا: لا يهتم يسوع مطلقًا بمن لا يؤمنون بوعوده. أخرجهم خارجًا كي لا يحبطوا إيمان يايرس.
• إخرج يسوع للمستهزئين من غرفة المعجزة لم يكن عفويًا. هذا ما يفعله القدير دائمًا عندما يُسلم البشر أنفسهم للسخرية. يغلق الباب ويخرجهم خارجًا، وبهذا لا يرون المعجزات التي تملأ الكون، ويفوتهم رؤية ما هو أفضل، لأنه في ذهنهم الغبي ضحكوا على المُعطي.”
٥. يَا صَبِيَّةُ، قُومِي!: كان بإمكان يسوع التحدث مع الصبية كما لو أنها على قيد الحياة لأنه هو الله. تقول الآية في رومية ١٧:٤ بأن الله يُحْيِي الْمَوْتَى وَيَدْعُو الْأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. تحدث يسوع مع الصبية بقوة الله، ولهذا قامت من الأموات.
٦. فَأَمَرَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ: ربما فعل ذلك ليس لمصلحة الصبية فحسب، بل لمصلحة الأم أيضًا – ليُشغلها لتخفيف صدمة اللحظة.
• يكتب كلارك (Clarke): “رغم أنها أقيمت من الأموات بمعجزة، لم يكن هناك داعٍ لبقائها حية بمعجزة أيضًا. الطبيعة هي أداة عظيمة في يد الله، وهو يُسّر باستخدامها؛ ولن يفعل أي شيء بقوته، حتى المعجزة، يخالف عنايته المألوفة.”
٧. فَبُهِتَ وَالِدَاهَا: لم يخذل يسوع يايرس، ولم يخذل المرأة التي احتاجت للشفاء. ولكن كان عليه أن يزيد إيمان يايرس.
• نرى في كل هذا أن عمل يسوع كان مختلفًا مع كل فرد، ولكنه متشابهًا في نفس الوقت. فإن تمكن يسوع من سد احتياجات كل فرد بهذه الطريقة الشخصية، يمكنه أيضًا أن يتلامس مع احتياجاتنا بنفس الطريقة.
• تمتع يايرس مع ابنته ١٢ سَنَة (لوقا ٤٢:٨) ولكنها أوشكت على الإنتهاء. وتعذبت المرأة ١٢ سَنَة وبدى أن الشفاء ميؤوسًا منه.
• كان يايرس شخصًا مهمًا، رئيس المجمع. أما المرأة فلم تكن مهمة على الإطلاق، فنحن لا نعرف حتى اسمها.
• كان يايرس غنيًا على الأغلب لأنه كان رجلًا مهمًا. كانت المرأة فقيرة لأنها أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِهَا لِلْأَطِبَّاءِ.
• جاء يايرس عند يسوع علنًا. أما المرأة فجاءت سرًا.
• اعتقد يايرس أنه كان على يسوع أن يفعل الكثير لعلاج ابنته. أما المرأة ففكرت أن كل ما يلزمها هو لمس هدب ثوبه.
• تجاوب يسوع مع المرأة على الفور. تجاوب يسوع مع يايرس ببطء.
• شفيت ابنة يايرس سرًا. شفيت المرأة علنًا.