إنجيل لوقا – الإصحاح ٢٤ – قيامة يسوع المسيح

أولًا. اِكتِشاف قيامة يسوع

أ ) الآيات (١-٣): اِكتشفت النساء القبر الفارغ

١ثُمَّ فِي أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلَاتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. ٢فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، ٣فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ.

١. ثُمَّ فِي أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ: صُلبَّ يسوع يوم الجمعة (أو يوم الخميس حسب بعض الروايات). وبعد دفنه، وَضَعُوا خَتْمًا عَلَى الحَجَرِ، كَما أقامُوا حُرّاسًا مِنَ الجُنْدِ الرومان عَلَيهِ (متى ٦٢:٢٧-٦٦)، وبقي كذلك إلى أن اُكتُشِفَ من النساء فِي أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ.

• من الطبيعي أن يملك رجل غني كيوسف الرامي قبر منحوت في الصخور الصلبة. وقد كان القبر يقع في بُسْتَانٌ بالقرب من مكان الصلب (يوحنا ٤١:١٩)، وله مدخل صغير وربما مقصورة واحدة أو أكثر حيث توضع الأجساد بعد لفها بالكتان المغموسة بالعُطُور وزيت الصبار والحنوط. وجرت العادة، أن يترك اليهود هذه الأجساد لبضع سنوات إلى أن تتحلل وتصل إلى العظام، ثم توضع العظام في مربع حجري صغير. ويبقى هذا الصندوق داخل القبر مع بقايا أفراد الأسرة.

• وكان مدخل القبر يُقفل بحجرٍ على شكل دائري، يدحرج بشكل آمن في قناة، وكان عادة ثقيلًا جدًا بحيث لا يستطيع تحريكه سوى الرجال الأقوياء. والهدف من ذلك هو ضمان عدم إزعاج الرفات.

• يخبرنا يوحنا (٤٢:١٩) على وجه التحديد بأن قبر يوسف الرامي الذي وضع فيه جسد يسوع كان قريبًا من مكان الصلب (وكلا المكانين المقترحين لموت يسوع وقيامته يؤكدان ذلك). ربما لم يُعجب يوسف بفكرة استخدام الرومان لمكان قريب لصلب أعدائهم لأن ذلك يقلل من قيمة مقبرة عائلته. ولكن هذا يذكرنا أن خطة الله تربط دائمًا بين الصليب وقوة القيامة بشكل وثيق جدًا.

• علّقَ ليفيلد (Liefeld): “أصبح هذا هو يوم العبادة الجديد بالنسبة للمؤمنين (راجع أعمال الرسل ٧:٢٠). فالاِنتقال من يوم السبت التقليدي إلى أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ الكتابي ما هو إلا دليل قوي على القيامة لأنه يُظهر قناعة التلاميذ بشأن ما حدث في ذلك اليوم.”

٢. وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ (أي نساء أخريات): هؤلاء النسوة جديرات بالاهتمام. فهن من تبعن يسوع من الجليل ورأين جسده يوضع في القبر (لوقا ٥٥:٢٣-٥٦). يتفق لوقا مع مرقس (٤٧:١٥) ومع متى (٦١:٢٧) بأن مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ كن معهن (لوقا ١٠:٢٤)، وكذلك َيُوَنَّا وأخريات لم تذكر أسمائهن.

• كتب تراب (Trapp): “جاءت النساء أولًا إلى القبر، بحسب الترتيب الإلهي، قبل الرُسل، لدحض الكذبة التي اختلقها الكهنة أن التلاميذ سرقوا جسد يسوع.”

٣. أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلَاتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ: قام يوسف الرامي ونيقوديموس بدفن جسد يسوع على عجلة قبل إعداده بالطريقة الملائمة (يوحنا ٣٨:١٩-٤١). ولذلك أتت النساء إلى القبر لدهنة ثانية بالطريقة المناسبة.

• يخبرنا مرقس (٣:١٦) بأنهم كن يقلن فيما بينهن: «مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟».

٤. فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ: لا توجد لدينا أية تفاصيل عن قيامة يسوع، ولكن ما حدث بعد القيامة تم تسجيله ببعض من التفاصيل. فنرى هنا أن النساء اللواتي أردن دفن يسوع بطريقة لائقًا وجدن أن الحجر مدحرج، ولم يجدن جسد يسوع هناك.

• كتب بايت (Pate): “غياب التفاصيل عن القيامة بحد ذاته، يشير إلى الأصالة التاريخية للعهد الجديد. فلم يحاول كُتاب الأناجيل تجميل حادثة القيامة بأي شكل من الأشكال.”

• تذكرنا الآيات في متى ٦٥:٢٧-٦٦ بأنه كان هناك حُرَّاسٌ عند القبر. فمن المستحيل على النساء أن يدحرجن الحجر (فلم يكن أقوياء بما فيه الكفاية) أو أن يفعل ذلك التلاميذ (حتى وإن تملكتهم الشجاعة فجأة، فلن يتمكنوا من هزيمة الحراس المسلحين). ولم يكن هناك أي شخص آخر يرغب بدحرجة الحجر، ولهذا يخبرنا متى (٢:٢٨) بأن مَلَاكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ.

• لم يُدحرج الحجر كي يخرج يسوع من الباب، فالآية في يوحنا ١٩:٢٠ تخبرنا بأن يسوع، في جسده المُقام، يستطيع أن يمر عبر الحواجز المادية. ولكن كان الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ لكي يدخل الآخرين ويروا ويقتنعوا أن يسوع المسيح قد قام من الأموات.

ب) الآيات (٤-٨): إعلان الملائكة عن القيامة

٤وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ، إِذَا رَجُلَانِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. ٥وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَا لَهُنَّ: «لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ؟ ٦لَيْسَ هُوَ هَهُنَا، لَكِنَّهُ قَامَ! اُذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وَهُوَ بَعْدُ فِي الْجَلِيلِ ٧قَائِلًا: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الْإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ». ٨فَتَذَكَّرْنَ كَلَامَهُ…

١. وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ: وبمجرد أن رأت النساء الحجر مدحرج والقبر فارغ، كانت ردة فعلهن الفورية الحيرة. فلم يتوقعن العثور على قبر فارغ. وهذا دليل على أن الروايات حول القيامة لم تكن مجرد نسج من الخيال؛ فهن لم يتوقعن القيامة أساسًا.

٢. إِذَا رَجُلَانِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ: وكما أعلنت الملائكة ولادة يسوع (لوقا ٨:٢-١٥) أعلنت أيضًا قيامته. وكما جاء إعلان الولادة لعدد قليل من الناس البسطاء والمهمشين في تلك الثقافة؛ وكذلك جاء إعلان القيامة لعدد قليل من النساء.

٣. لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ؟: يا له من سؤال منطقي ورائع. يبدو أن الملائكة تعجبت من دهشة النساء، لأنهم سبق وسمعوا ما قاله يسوع عن قيامته وبالتأكيد سمعت النساء ذلك أيضًا. لهذا تساءلوا بشكل طبيعي عن سبب التعجب.

• كتب موريس (Morris): “لا يجوز التفكير بيسوع كشخص ميت، وبالتالي لا يجب أن يطلب الحي بين الأموات.”

• وعلّقَ كلارك (Clarke): “وبما أن أماكن الدفن كانت قذرة، فلم يكن من المنطق الافتراض تردد الأحياء على مثل هذه الأماكن، أو إن ضاع أحدهم فسيكون هناك على الأكثر.”

• أثار سؤال الملائكة نقطة هامة: فلا تستطيع أن تطلب الْحَيَّ يومًا بَيْنَ الْأَمْوَاتِ. لهذا علينا ألا نتوقع حياة روحية بين أولئك الذين لا يملكونها. فالكثيرون يبحثون عن يسوع في الأشياء الميتة – التقاليد الدينية والشكليات والقوانين والمجهودات والحكمة البشرية. ولكننا لن نجد يسوع إلا في الحياة المُقامة وحيث يُعبد بالروح والحق.

٤. لَيْسَ هُوَ هَهُنَا: كانت هذه أروع وأهم كلمات قالها ملاك لإنسان. يستطيع المرء أن ينظر في كل أرجاء أورشليم ويرى عدد لا حصر له من القبور، ولكن من المستحيل أن يجد قبر يسوع بينها – لأنه لَيْسَ هُوَ هَهُنَا.

• يظهر بين الحين والآخر شخص يدّعي أنه وجد أدلة على قبر يسوع أو وجد عظام يسوع. وفي كل مرة يتم دحض تلك الأدلة، في حين ثبتت صحة شهادة الملائكة مرارًا وتكرارًا: لَيْسَ هُوَ هَهُنَا.

• دحضت رواية القيامة، منذ البداية، العديد من النظريات البديلة الكاذبة التي اقترحها البعض.

• تم الرد على نظرية القبر في الموقع الخطأ في لوقا ٥٥:٢٣، فقد عرفت النساء تمامًا أين دفن يسوع.

• تم الرد على نظرية نسج الخيال (أو أماني حالمة) في لوقا ٤:٢٤ و١١:٢٤، والتي تشير إلى دهشة النساء والتلاميذ عند سماع خبر القيامة.

• تم الرد على نظرية أن الحيوانات التهمت جسده بوجود الحجر على باب القبر (لوقا ٢:٢٤).

• تم الرد على نظرية الإغماء بوجود الحجر على باب القبر (لوقا ٢:٢٤).

• تم الرد على نظرية سرقة القبر بوجود الحرس الروماني بالإضافة إلى الختم الموضوع على الباب (متى ٦٢:٢٧-٦٦).

٥. إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الْإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ: بدى للنساء وكأنه مضى وقت طويل جدًا على هذا الكلام (لوقا ٣١:١٨-٣٣). لهذا ذكرتهم الملائكة بما قاله يسوع.

• كلمة يَنْبَغِي هامة جدًا: بقدر ما كان صليب يسوع ضروريًا وحتميًا، هكذا كانت القيامة. فلن يذهب يسوع إلى الجلجثة إن لم يكن هناك قبر فارغ.

٦. فَتَذَكَّرْنَ كَلَامَهُ: لاقت أولى كلمات الأمل صدى في قلبهن عندما تذكرن كلمات يسوع. فالقبر الفارغ وإعلان الملائكة لن يغير قلوبهم – بل كَلَامَهُ وحده قادر على تغيير القلب وملئه بالبهجة والسرور.

ج ) الآيات (٩-١١): لم يصدق التلاميذ كلامهن

٩وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ، وَأَخْبَرْنَ الْأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهَذَا كُلِّهِ. ١٠وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَيُوَنَّا وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَالْبَاقِيَاتُ مَعَهُنَّ، اللَّوَاتِي قُلْنَ هَذَا لِلرُّسُلِ. ١١فَتَرَاءَى كَلَامُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ.

١. وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ، وَأَخْبَرْنَ الْأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهَذَا كُلِّهِ: تحمست النساء اللواتي رأين الدليل على قيامة يسوع وتذكرن كلامه، وكان هذا بالنسبة لهم أحلى خبر في الوجود. فيسوع حي وقام منتصرًا على الموت.

• لا اعتقد أنهم كانوا سيتحمسون بهذه الطريقة إذا نجا يسوع بطريقة معجزية من عذاب الصليب. لهذا عنى لهم خبر القيامة أكثر بكثير من معرفتهم أنه نجا من الصليب، لأن هذا يعني أنه انتصر على الموت وأنه يمثل كل ما تمنوه وأكثر.

٢. وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَيُوَنَّا وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَالْبَاقِيَاتُ مَعَهُنَّ: هؤلاء النساء المذكورات في لوقا ١:٢٤ اللواتي اكتشفن القبر الفارغ. وقد ذكر لوقا ثلاثة على وجه التحديد، أما الْبَاقِيَاتُ مَعَهُنَّ فلم يُكشف عن أسمائهم. وقد أَعْطِيْنَ الامتياز أن يكن أول من يشهد للآخرين عن يسوع المقام.

• كلما أشارت الأناجيل عن مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ فإنها تشير إليها كالشاهدة على الصلب (مرقس ٤٠:١٥ ويوحنا ٢٥:١٩) وعلى القيامة (في الأناجيل الأربعة)، والَّتِي أخَرَجَ مِنْهَا يسوع سَبْعَةُ شَيَاطِينَ (لوقا ٢:٨، مرقس ٩:١٦).

• أما يُوَنَّا فقد ذُكرت في لوقا ٢:٨ كواحدة من النساء اللواتي رافقن يسوع وكُنَّ يَخْدِمْنَهُ. وأضاف لوقا أنها كانت امْرَأَةُ خُوزِي من يهتم بإدارة شؤون هيرودس (وَكِيلِ هِيرُودُسَ). وعلى الأرجح كانت امرأة تتمتع بامتيازات متعددة وموارد مختلفة.

• وأما مَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ فلم تُذْكر إلا عند أحداث القيامة. ويبدو أنها كانت والدة يعقوب الأصغر أحد الرسل (ليس يعقوب شقيق يوحنا).

٣. فَتَرَاءَى كَلَامُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ: على الرغم من حماستهن، إلا أن شهادة النساء لم تُصدق. بل ظهر كلامهن بالنسبة للتلاميذ كالهذيان، وهذه الكلمة هي مصطلح طبي يُستخدم لوصف ثرثرة رجل أصابته الحُمى أو ثرثرة شخص مجنون (وفقًا لباركلي).

• علّقَ بايت (Pate): “شهادة المرأة لم تعتبر ذات مصداقية في القرن الأول. ولكن إضافة لوقا لهذه الحادثة يؤكد على احترامه الشديد للمرأة.”

• ويُعلّق موريس (Morris): “لم يكن التلاميذ مستعدين ولم ينتظروا إشارة للبدء في الإعلان عن القيامة. بل كانوا متشككين تمامًا.”

د ) الآية (١٢): إيمان التلاميذ

١٢فَقَامَ بُطْرُسُ وَرَكَضَ إِلَى الْقَبْرِ، فَانْحَنَى وَنَظَرَ الْأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً وَحْدَهَا، فَمَضَى مُتَعَجِّبًا فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ.

١. فَقَامَ بُطْرُسُ وَرَكَضَ إِلَى الْقَبْرِ: نعرف من يوحنا ٣:٢٠-٨ بأن كل من بطرس ويوحنا ركضا إلى القبر معًا. ونَظَرَ الْأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً وحدها، ولكنها كانت كما هي وغير ممزقة وكأن جسد يسوع خرج منها كالهواء (يوحنا ٦:٢٠-٧). عندما رأى يوحنا ذلك آمن، أما بطرس فتعجب. رغم أنهم لم يشاهدوا يسوع المُقام بعد، إلا أنهم علموا أن شيئًا قويًا قد حدث ليتسبب بترك الأكفان بهذه الطريقة.

٢. فَمَضَى مُتَعَجِّبًا فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ: لاحظ كلٍ من بطرس ويوحنا ما كان في القبر على حد سواء، ولكن يوحنا هو الوحيد الذي آمن (يوحنا ٨:٢٠). وهذا يخبرنا أن بطرس حلل الوضع؛ فقد عرف أن أمرًا مذهلًا قد حدث بسبب وضعية الأكفان، ولكن لأنه نسي كلام يسوع (يوحنا ٩:٢٠) لم يفهم ولم يؤمن كما فعل يوحنا.

• يمكنك أن تعرف أن يسوع قام، ولكن إن كنت لا تعرف كلامه، فلن يكون للقيامة أي معنى. فبدون أن تعرف حياة يسوع وتعاليمه:

• لن تعرف أن القيامة تعني أن الثمن الذي قدمه يسوع على الصليب كان كاملًا وتامًا.

• لن تعرف أن الصليب كان الثمن وأن القبر الفارغ هو وَصْلٌ بالاستلام.

• لن تعرف أن الموت لا يسود على الشخص المفدي.

• لن تعرف أنه عندما تعاركت محبة الله وكراهية الإنسان على الصليب، فازت المحبة.

• لن تعرف أننا سنقوم من الأموات بسبب قيامة يسوع المجيدة.

ثانيًا. الطريق إلى عمواس

أ ) الآيات (١٣-١٦): يسوع يسير مع التلميذين

١٣وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً، اسْمُهَا «عِمْوَاسُ». ١٤وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ. ١٥وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا. ١٦وَلَكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ.

١. وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً، اسْمُهَا «عِمْوَاسُ»: في ذلك اليوم، أي يوم الأحد، سافر تلميذين من أورشليم إلى عمواس. وبينما كانا منطلقين (ربما عائدين من احتفال عيد الفصح في أورشليم) كانت لديهم فرصة للحديث.

• لم يكن هؤلاء من التلاميذ المشهورين، بل كانوا أتباع بسطاء وربما غير معروفين. علّقَ موريسون (Morrison) على هذا وكتب: “يا لها من سمة رائعة من سمات الرب، فهو في مجد القيامة ظهر لهؤلاء الرجال المجهولين … ولا يزال يكشف نفسه للقلوب البسيطة. وهو مخلص الرجل العادي البسيط. وهو الرب الذي لا ينكر المتواضع.”

• علّقَ بايت (Pate): “لا نعرف تمامًا أين تقع قرية عمواس. ولكن يذكر لوقا أنها تبعد حوالي ١١ كيلومتر (حرفيًا ستين غلوة) عن أورشليم. فإذا كان المسافة تشير إلى الرحلة ذهابًا وإيابًا، فإن هذا سيتناسب مع بلدة حددها يوسيفوس على أنها عمواس، والتي تبعد ثلاثين غلوة عن أورشليم.”

• اِقتَبَسَ جيلدنهويس (Geldenhuys) من بلامر (Plummer): “لا بد وأن لوقا حصل على معلوماته من أحد التلميذين، وربما عن طريق رسالة مكتوبة. فالتجربة الشخصية واضحة جدًا في سرد هذه الحادثة.”

٢. يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ: كانا يتكلمان عما كان يشغل بالهما حينها – عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ، أي كل ما يتعلق باِعتقال وصلب يسوع.

٣. اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا: اقترب يسوع من التلميذين، وصار يَمْشِي مَعَهُمَا لفترة من الوقت. ولكن، أعيُنَهُما مُنِعَتا، بطريقة معجزية، مِنَ التَّعَرُّفِ إلَيهِ.

• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “عندما يتحدث إثنَينِ من القديسين معًا، من المرجح جدًا أن يأتي يسوع ويصبح الثالث في هذه الشركة. لهذا تكلم عنه، ولأنك سرعان ما ستصبح تتكلم معه.”

ب) الآيات (١٧-٢٤): يسرد التلميذان ما حدث

١٧فَقَالَ لَهُمَا: «مَا هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَتَطَارَحَانِ بِهِ وَأَنْتُمَا مَاشِيَانِ عَابِسَيْنِ؟». ١٨فَأَجَابَ أَحَدُهُمَا، الَّذِي اسْمُهُ كِلْيُوبَاسُ وَقَالَ لَهُ: «هَلْ أَنْتَ مُتَغَرِّبٌ وَحْدَكَ فِي أُورُشَلِيمَ وَلَمْ تَعْلَمِ الْأُمُورَ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؟». ١٩فَقَالَ لَهُمَا: «وَمَا هِيَ؟». فَقَالَا: «الْمُخْتَصَّةُ بِيَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللهِ وَجَمِيعِ الشَّعْبِ. ٢٠كَيْفَ أَسْلَمَهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَحُكَّامُنَا لِقَضَاءِ الْمَوْتِ وَصَلَبُوهُ. ٢١وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ. وَلَكِنْ، مَعَ هَذَا كُلِّهِ، الْيَوْمَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ حَدَثَ ذَلِكَ. ٢٢بَلْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَّا حَيَّرْنَنَا إِذْ كُنَّ بَاكِرًا عِنْدَ الْقَبْرِ، ٢٣وَلَمَّا لَمْ يَجِدْنَ جَسَدَهُ أَتَيْنَ قَائِلَاتٍ: إِنَّهُنَّ رَأَيْنَ مَنْظَرَ مَلَائِكَةٍ قَالُوا إِنَّهُ حَيٌّ. ٢٤وَمَضَى قَوْمٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَنَا إِلَى الْقَبْرِ، فَوَجَدُوا هَكَذَا كَمَا قَالَتْ أَيْضًا النِّسَاءُ، وَأَمَّا هُوَ فَلَمْ يَرَوْهُ».

١. مَا هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَتَطَارَحَانِ بِهِ وَأَنْتُمَا مَاشِيَانِ عَابِسَيْنِ؟: ابتدأ يسوع حديثه بسؤالهم عن الكلام الذي يتبادلانه. ويبدو أن يسوع سار معهم بصمت لفترة من الوقت يستمع إليهم.

• كان واضحًا من تعابير وجهيهما (وربما حتى في طريقة مشيتهما) أنهما كانا عَابِسَيْنِ. فقد عرف يسوع تمامًا ما كانوا يعرفونه (أنهم حزانى) وما لم يعرفونه بعد (ليس هناك سببًا للحزن).

٢. هَلْ أَنْتَ مُتَغَرِّبٌ وَحْدَكَ فِي أُورُشَلِيمَ وَلَمْ تَعْلَمِ الْأُمُورَ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؟: ربما اِبتَسَمَ يسوع عند سماعه لهذا الكلام. فقد عَرِفَّ جيدًا الْأُمُورَ الَّتِي حَدَثَتْ هَذِهِ الْأَيَّامِ.

٣. وَمَا هِيَ؟: قصد يسوع بسؤاله هذا أن يسَايِرُهُما في الحديث عن الأمور التي وقعت مؤخرًا، مشجعًا إياهم بالإفصاح عن مكنونات صدورهم. على الرغم من معرفته الكاملة بما في قلبيهما، ولكن كان من المهم بالنسبة لهم أن يسردوا ما حدث ليسوع.

٤. الْمُخْتَصَّةُ بِيَسُوعَ النَّاصِرِيِّ: شرح الرجلين ما يعرفانه عن يسوع.

• عَرَّفَا اسمه ومن أي مدينة كان.

• عَرَّفَا أنه كان نَبِيًّا.

• عَرَّفَا أنه كان مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ.

• عَرَّفَا أنهم صَلَبُوهُ.

• عَرَّفَا أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ.

• عَرَّفَا أن الآخرين قالوا أنه سيقوم من الأموات.

٥. وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو: شعر التلميذان بخيبة الأمل. ولكن أملهم لم يخيب في الحقيقة، ولكنه كان غير صحيح (أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ). وسيثبت لهم يسوع قريبًا أن أملهم الحقيقي قد تحقق بالفعل من خلاله ومن خلال قيامته.

٦. كَمَا قَالَتْ أَيْضًا النِّسَاءُ: الدليل الوحيد الذي كان بين أيديهم هو شهادة الآخرين، ولكنهما كانا بَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الْإِيمَانِ. فلم تعني شهادة النساء لهم شيئًا، وكذلك شهادة كلٍ من بطرس ويوحنا، والسبب أنهم لَمْ يَرَوْهُ بأنفسهم.

• أراد يسوع أن يعرف منهم ما يريد أن يعرفه منا اليوم: هل يمكننا أن نؤمن دون أن نرى بأعيننا؟ فعلينا أن نؤمن ويجب أن نؤمن بناءً على الشهادة الموثوقة لشهود العيان.

ج ) الآيات (٢٥-٢٧): ابتدأ يسوع يعلمهم لماذا يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّم

٢٥فَقَالَ لَهُمَا: «أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الْإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ! ٢٦أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟». ٢٧ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الْأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ.

١. الْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الْإِيمَانِ: أخبرهم يسوع أن مشكلة إيمانهم لم تكن في الذهن بل في القلب. فغالبًا ما نعتقد أن العقبات الرئيسية أمام الإيمان هي في الذهن، ولكنها في الواقع تكمن في القلب.

٢. أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟: كان عليهم أن يؤمنوا بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ.

• كانوا رجالًا عاديين وبسطاء.

• فقدوا الأمل.

• فقدوا الفرح – شعروا وكأن الرب تخلى عنهم.

• لم يفقدوا الرغبة في الحديث عن يسوع.

• ولم يروا بعد أهمية الصليب.

• تكلم الأنبياء في إشعياء ٣:٥٣-٥ قائلين: مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لِأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لِأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.

• مثال آخر من إشعياء ٥:٥٠-٧ عما علم به الأنبياء بهذا الشأن: السَّيِّدُ الرَّبُّ فَتَحَ لِي أُذُنًا وَأَنَا لَمْ أُعَانِدْ. إِلَى الْوَرَاءِ لَمْ أَرْتَدَّ. بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ. وَالسَّيِّدُ الرَّبُّ يُعِينُنِي، لِذَلِكَ لَا أَخْجَلُ. لِذَلِكَ جَعَلْتُ وَجْهِي كَالصَّوَّانِ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَا أَخْزَى.

• يشير دانيال ٢٦:٩ إلى نبيٌ آخر علّم بهذه الأمور: يُقْتَلُ الْمَسِيحُ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ.

• يضيف زكريا ١٠:١٢ أيضًا: فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ.

٣. ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الْأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ: ابتدأ يسوع يعلمهم، ولا بد أنه كان أروع درس كتاب حدث في التاريخ. ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، يفسر لهما الأمور المختصة بالمسيح.

• علّقَ موريسون (Morrison): “هذه إشارة لنا على أنه لن يتغير أبدًا، فعلى الرغم من أنه قد دْخُلُ إِلَى مَجْدِ القيامة، إلا أنه لا يزال يعود إلى الكُتب المقدسة التي أعتاد أن يتعلم منها وهو يجلس بجانب والدته.”

• أخبرهم أن المسيح كان:

• من نسل المرأة الذي سيسحق عَقِبَهُ.

• بركة إبراهيم لجَمِيعُ الأُمَمِ.

• كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ على رتبة مَلْكِي صَادَقَ.

• الرجل الذي تصارع مع يعقوب.

• الْأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا.

• الصوت من الشُّجَيْرَةُ المُلْتَهِبَة.

• ذبيحة الْفِصْحَ.

• النبي الأعظم من موسى.

• قائِدُ جَيشِ اللهِ ليشوع.

• الوَلِيُّ والفادي الأعظم المذكور في راعوث.

• ابن داود الذي كان ملكًا أعظم من داود.

• المخلص المتألم في مزمور ٢٢.

• الراعي الصالح في مزمور٢٣.

• الحكمة في سفر الأمثال والحبيب في سفر نشيد الأنشاد.

• المخلص الذي وصفه الأنبياء والخادم المتألم في إشعياء ٥٣.

• المسيا الرئيس المذكور في سفر دانيال والذي سيقيم مملكة لن تنتهي أبدًا.

• كتب جيلدنهويس (Geldenhuys): “المخلص، الذي يَعرِف كلمة الله جيدًا، وبسبب اتحاده مع الروح الذي هو المؤلف الرئيسي للكتاب المقدس، شرح لهم في خطوط عريضة جميع الكتب التي أشار إليه، مبتدئًا من الكتب الأولى من العهد القديم وحتى النهاية.”

• علّقَ موريس (Morris): “لا ينبغي أن نفترض أنه اِختارَ بعض من النصوص ليثبت وجهة نظره، بل أظهر من خلال العهد القديم ككل أن هناك غرض إلهي ثابت وواضح عبر كل الكتاب، وهو الصليب.”

٤. يُفَسِّرُ لَهُمَا الْأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ: تصف هذه الكلمات كيف علّمهم يسوع. إن فكرة التفسير هي ببساطة السماح للنص بالتحدث عن نفسه؛ وعلى مُعلم الكتاب المقدس أن يبذل قصارى جهده ليفعل ذلك.

• تحمل الكلمة اليونانية القديمة “يُفَسِّر (diermeneuo) فكرة الاِلْتِصَاق (وَالاِلْتِحَام) بالنص وعدم الخروج عنه. استخدم لوقا كلمة “تَرْجَمَة” في مقطع آخر للتعبير عن نفس الكلمة (أعمال الرسل ٣٦:٩). فعندما شرح يسوع الْأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ في العهد القديم، لم يستخدم استعارات خيالية أو أفكار تحزرية تأملية. بل فسر الكتاب كما هو، وهذا يعني أنه التصق بالنص ولم يحيد عنه أبدًا.

• علّقَ موريسون (Morrison): “كانت الكتب مألوفة جدًا بالنسبة لهم. وماذا فعل الرب عندما التقى بهم؟ أخذ الكتاب الذي درسوه طوال حياتهم، وعلمهم من الصفحات التي كانوا يعرفونها جيدًا، واستخدم نفس النصوص القديمة المألوفة.”

د ) الآيات (٢٨-٣٢): يكشف يسوع عن نفسه للتلميذين على طريق عمواس

٢٨ثُمَّ اقْتَرَبُوا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ إِلَيْهَا، وَهُوَ تَظَاهَرَ كَأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ. ٢٩فَأَلْزَمَاهُ قَائِلَيْنِ: «امْكُثْ مَعَنَا، لِأَنَّهُ نَحْوُ الْمَسَاءِ وَقَدْ مَالَ النَّهَارُ». فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا. ٣٠فَلَمَّا اتَّكَأَ مَعَهُمَا، أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا، ٣١فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا، ٣٢فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟».

١. وَهُوَ تَظَاهَرَ كَأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ: تَظاهَرَ يَسُوعُ بِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُواصِلَ المَسِير، ولا يريد أن يفرض نفسه على التلميذين. تُظهر كلمة فَأَلْزَمَاهُ أنهما كانا يريدان قضاء المزيد من الوقت مع يسوع على الرغم من عدم تمييزهما له.

• كتب سبيرجن (Spurgeon): “فَأَلْزَمَاهُ يا لها من كلمة قوية. وهي أقرب إلى الكلمة التي استخدمها يسوع عندما قال: “مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ (متى ١٢:١١).” فالتلميذين لم يدعونه فحسب، بل ألزماه أيضًا وأمسكوا بيده وبردائه وأصروا بشدة ألا يذهب عنهم.”

٢. أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا: لم يكن هذين التلميذين في العشاء الأخير مع يسوع والِاثْنَيْ عَشَر، ولم يعرفوا شيئًا عن الطبيعة المقدسة لممارسة كسر الخبز، لا سيما جوانبها اللاهوتية.

• علّقَ موريسون (Morrison): “لم تكن وجبة ذات طبيعة مقدسة بأي حال من الأحوال، فلم تكن تُشبه ما نقوم به في مائدة الرب هذه الأيام. بل كان عشاءًا بسيطًا في أحد البيوت البسيطة في قرية المسافرين المتعبين. وحينها فقط – أثناء كسر الخبز، وليس في رؤية للقيامة العظيمة – عرفوا أن رفيقهم كان الرب نفسه.”

٣. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ: على الرغم من أنه لم تحمل أي مؤهلات لتكون مائدة مقدسة، ولكن كان هناك شيء خاص أظهر طبيعة ضيفهم الغامض والحكيم. نقرأ أنه في البداية أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ (لوقا ١٦:٢٤)، ولكن انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا الآن وعَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ الْخُبْزِ (لوقا ٣٥:٢٤).

• اقترح موريسون (Morrison) عدة طرق كان بإمكانهم أن يميزوا يسوع بها أثناء كسر الخبز:

• الطريقة التي أخذ بها دور المُضيف بكل هدوء وعظمة.

• الطريقة التي بارك بها الوجبة قبل تناولها.

• يداه المثقوبة التي أعطتهم الخبز.

• وأضاف موريسون (Morrison): “مهما كانت الطريقة، سواء من طريقة كلامه أو من رؤيتهم لِيَدَاه، شعروا بقوة أنه كان هو. ربما قام يسوع بتصرف بسيط أو فعل شيئًا كان يميزه وكان مألوفًا بالنسبة لهم، وهكذا عرفوا في تلك اللحظة أنه المسيح.”

• قد يكون يسوع حاضر في حياتك ويسير معك ويجلس معك أثناء كل وجبة – ولكن أُمْسِكَتْ عيناك عن معرفته. لذلك علينا أن نصلي أن يفتح الرب أعيننا لرؤية يسوع ومعرفته كما هو، كالحاضر في وسطنا طوال الوقت.

٤. ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا: في اللحظة التي انفتحت فيها أعينهما وعرفا يسوع، وثم أختفى بطريقة معجزية، عبرا عما شعروا به وقالا أن قلوبهم كانت مُلتهبة إذ كان يكلمهم ويعلمهم.

٥. أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا: حتى عندما لم يميزوا أنه كان يسوع، ولم يؤمنوا أنه قام من الأموات، التهبت قلوبهم بسبب سماع كلمة الله وخدمة يسوع لهم، فكلمة الله الحية.

• تستطيع كلمة الله أن يكون لها نفس الأثر على قلوبنا، حتى عندما لا نميز أن يسوع هو من يفعل ذلك.

• لم يعرف أي منهما أن قلب الآخر كان مشتعلًا في داخله إلا عندما تركهما يسوع. والآن يمكنهم التمتع بالشركة معًا بقلوب مشتعلة حبًا ليسوع. أحد الأسباب التي من أجلها ترك يسوع الأرض هي أن يحبوا ويخدموا بعضهم البعض.

هـ) الآيات (٣٣-٣٥): بشروا الآخرين بالأخبار السارة

٣٣فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَوَجَدَا الْأَحَدَ عَشَرَ مُجْتَمِعِينَ، هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ ٣٤وَهُمْ يَقُولُونَ: «إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسِمْعَانَ!». ٣٥وَأَمَّا هُمَا فَكَانَا يُخْبِرَانِ بِمَا حَدَثَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ عَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ الْخُبْزِ.

١. فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ: بعد أن ساروا ١١ كيلومتر سيرًا على الأقدام في اتجاه واحد، دفعتهم الحماسة أن رجعوا نفس الطريق ثانية – وربما كانوا أسرع بكثير هذه المرة. كان لديهم شوق شديد ليبشروا الآخرين بقيامة يسوع.

٢. إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسِمْعَانَ!: كان لديهم تأكيد مشترك على قيامة يسوع. وعلى الرغم من أن يسوع لم يكن معهم جسديًا حينها، إلا أن قيامته قد تأكدت على فهم شاهدين وأكثر.

ثالثًا. تعليم التلاميذ والصعود إلى السماء

أ ) الآيات (٣٦-٤٣): يَسُوعُ يَظهَرُ لِتَلامِيذِه الأَحَدَ عَشَرَ

٣٦وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلَامٌ لَكُمْ!». ٣٧فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. ٣٨فَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ ٣٩اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي». ٤٠وَحِينَ قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. ٤١وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ الْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ، قَالَ لَهُمْ: «أَعِنْدَكُمْ هَهُنَا طَعَامٌ؟». ٤٢فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَلٍ. ٤٣فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ.

١. وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ: يبدو أنه كان نفس الاجتماع الذي حدث في وقت متأخر من يوم الأحد والذي وصفه يوحنا في ١٩:٢٠-٢٥. وحدد يوحنا في إنجيله أن يسوع ظهر لهم عندما كانت الْأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً (يوحنا ١٩:٢٠). يبدو أن يسوع ظهر بأعجوبة وَوَقَفَ وسط التلاميذ أثناء تواجدهم في غرفة مغلقة دون أن يثير أية ضجة واضحة عند دخوله.

٢. سَلَامٌ لَكُمْ!: كانت لهذه الكلمات معنى جديد الآن بسبب قيامة يسوع من الأموات. فيمكن للسلام الحقيقي الآن أن يحل بين الله والإنسان وبين الإنسان وأخيه الإنسان.

• علّقَ سبيرجن (Spurgeon) على هذا وقال: “كان كل ما يحيط بيسوع وطريقته في الحياة تدل على أنه شخص يتمتع بالسلام الداخلي، ويريد توصيل هذا السلام للآخرين. فنبرة صوته كانت تمنح السلام. لهذا ميز التلاميذ أنه قائدهم عندما ألقى تحيته لأنه كان صانع سلام ومعطي السلام.”

٣. اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: أول أمر كشفه يسوع للتلاميذ كانت يديه ورجليه المثقوبة. فلم يرغب يسوع في إثبات هويته فحسب، بل أن يؤكد لهم على وجوده معهم في الجسدي أيضًا. فلم يمتلك يسوع جسد مختلف عما كان له قبل الصليب أو بعده، ولكنه الآن كان في جسد ممجد.

• من الجدير بالملاحظة أن جسد يسوع المُقام كان مليئًا بالجروح جراء الألم والصلب. وهناك العديد من الأسباب المحتملة لبقائها:

• لإظهار الجروح للتلاميذ ولكي يعرفوا أنه كان يسوع حقًا.

• لتتعجب الملائكة إلى الأبد.

• لتكون المكافأة (الإكليل) لعمله العظيم عنا.

• للتذكير بالأسلحة التي هزمت الموت.

• لتخدم كالمحامي عند شفاعته المستمرة من أجلنا.

• للحفاظ على دليل جرم الإنسانية ضده.

• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “تم اختبار الحقائق في حالة الرُسل لأبعد درجة، ولم يقبلوا الحق إلا عندما فُرِضَّ عليهم بالقوة. أنا لا أقدم الأعذار لعدم تصديق التلاميذ، ولكني أقول أن شهادتهم كان لها وزن أكبر لأنها كانت نتيجة لاسْتِجْوَابٍ رائع كهذا.”

٤. جُسُّونِي وَانْظُرُوا: أراد يسوع أن يؤكد لهم أن جسده كان حقيقيًا، رغم أنه يختلف بعض الشيء عن أجسادنا. فيسوع الُمقام لم يكن شبحًا أو خيالًا.

• علّقَ مورغان (Morgan): “نفى بوضوح أن قيامته كانت للروح فقط، وسمح لهم بلمس يديه ورجليه. فأدِلة الجسد المادي كانت وفيرة.”

• كما علّقَ بايت (Pate): “اِهْتَمَّ يوحنا في روايته أن يدحض فكرة أن يسوع قام في الروح فقط أو أنه كان مجرد شبح. بل قام يسوع بالروح وبالجسد، أي في جَسَد رُوحِيّ.”

٥. فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي: اِهْتَمَّ البعض كثيرًا بحقيقة أن يسوع قال: لَحْمٌ وَعِظَامٌ ولم يستخدم الصيغة المعتادة: لَحْم ودم. والفكرة هنا أنه ربما لم يكن هناك دم في جسد يسوع المقام، وربما لن يكون كذلك بالنسبة لأجسادنا الُمقامة أيضًا. ومن المحتمل أيضًا أن يسوع قال لَحْمٌ وَعِظَامٌ لأننا لا نستطيع لمس الدم، ولكن نستطيع لمس العظام.

٦. وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ الْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ: من الجدير بالملاحظة أن هذا الْفَرَحِ منعهم من الإيمان. وقد يحدث هذا معنا أيضًا، فأحيانًا لا نصدق أمرًا من شدة روعته. فكل ما يرده الله منا في النهاية أن نملك إيمان عقلي ومنطقي وليس إيمان دون تفكير. أرادهم يسوع أن يؤمنوا باِقْتِناع.

• كتب موريسون (Morrison): “اجتاحهم فرح غامر ولكنهم لم يصدقوا من شدة الفرح. فقد وجدهم المسيح، منذ فترة ليست ببعيد، نيامًا بَعدَ أنْ أنهَكَهُمُ الحُزنُ (لوقا ٤٥:٢٢)، والآن وجدهم غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ الْفَرَح. فعلينا ألا ننسى إذًا، أن الفرح يمكن أن يعرقل الإيمان. وقد يكون الفرح أحيانًا هو العدو الأعظم للإيمان تمامًا كالحزن.”

• قد سبق وعرقل الفرح الإيمان من قبل، بمعنى أن المرء لم يصدق شيئًا من شدة روعته.

• لم يصدق يعقوب في سفر التكوين ٢٥:٤٥-٢٦ بأن يوسف كان حيًا لأنه كان خبرًا رائعًا.

• قال أيوب في ١٦:٩ إنْ دَعَوتُ اللهَ فَأجابَنِي، فلن أُصَدِّقُ أنَّهُ يُصغِي!

• يبدو في مزمور ١:١٢٦ أن كاتب المزمور لم يصدق أن الله أرجع الشعب مِنَ الْأَسْرِ.

• عندما أُطلِقَ سراح بطرس من السجن في أعمال الرسل ١٢، لم تصدق الكنيسة الأمر (أعمال الرسل ١٣:١٢-١٤).

• علّقَ جيلدنهويس (Geldenhuys): “كان فرحهم كبيرًا جدًا لدرجة أنه عرقل إيمانهم في تلك اللحظة.”

٧. أَعِنْدَكُمْ هَهُنَا طَعَامٌ؟: طلب يسوع أن يأكل قُدَّامَهُم ليقنعهم تمامًا وأن جسده هذا كان جسده الروحي. ونرى أنه في معظم ظهورات يسوع بعد القيامة، كان يأكل مع التلاميذ.

• كان هذا دليل آخر قوي على أنه يسوع الذي عرفوه. فقد فعل معهم ما اعتاد أن يفعله العديد من المرات من قبل.

ب) الآيات (٤٤-٤٨): يسوع يُعلم التلاميذ

٤٤وَقَالَ لَهُمْ: «هَذَا هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ». ٤٥حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. ٤٦وَقَالَ لَهُمْ: «هَكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الْأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، ٤٧وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ، مُبْتَدًَا مِنْ أُورُشَلِيمَ. ٤٨وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذَلِكَ.

١. هَذَا هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: وكأنه يقول: “أخبرتكم أن هذا سيحدث من قبل!” وكأنه يذكرهم بأن كل ذلك حدث تمامًا كما قال. ولكي يساعد التلاميذ على فهم كل ما كان يجري: فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ.

• كان على التلاميذ أن يولدوا ثانية من روح الله قبل أن تُفتح أذهانهم، وكان عليهم أن يقبلوا الروح القدس. وهذا ما نقرأه في (يوحنا ٢٢:٢٠) “وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ.”

• كتب موريسون (Morrison): “رأى التلاميذ في تلك الساعة، وهم في العُلية مع المسيح، الْكُتُبَ بنظرة جديدة. علينا ألا ننسى أبدًا عدد المرات التي اقتبس فيها يسوع كلمة الله وكيف كان يعاملها بكل جدية وأهمية.”

٢. كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الْأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ: أرادهم يسوع أن يفهموا بأن الصليب لم يكن مجرد عقبة مؤسفة في الطريق وكان عليه تخطيه. بل كَانَ يَنْبَغِي، أي كان الصليب جزءً لا يتجزأ من خطة الله لفداء الإنسان، وسينال الناس التَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا حينما يصلون باسم المخلص المصلوب والمقام.

• كتب سبيرجن (Spurgeon): “أخبرهم سيدهم العظيم بماذا يكرزوا وأين يكرزوا وكيف يكرزوا ومن أين يبدأوا.”

وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ: ما معنى أن يُكرَزَ بالإنجيل باسم يسوع؟

• أَنْ يُكْرَزَ بالإنجيل تحت قيادته

• أَنْ يُكْرَزَ بالإنجيل بسلطانه

• أَنْ يُكْرَزَ بالإنجيل عالمين أن التوبة ومغفرة الخطايا تأتي من أجل خاطر اسمه

• أن نرفض الكرازة بأسمائنا وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ فقط.

٣. وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذَلِكَ: أخبرهم يسوع أنهم شُهُودٌ لِذَلِكَ. لم يكونوا شهودًا فقط على الأحداث المحيطة بعمل يسوع بل على الإرسالية العظمى أيضًا. كان عليهم جميعًا أن يتحملون هذه المسؤولية.

٤. مُبْتَدًَا مِنْ أُورُشَلِيمَ: كان عليهم أن يبدأوا من أورشليم، وهناك عدة أسباب لماذا كان مناسبًا أن يبدأوا من هناك:

• لأن الْكُتُبَ أشارت أنه ينبغي أن تكون البداية هناك (إشعياء ٣:٢، يوئيل ٣٢:٢).

• لأنه هناك وقعت أحداث الإنجيل، وعلى تلك الوقائع أن تختبر في الحال.

• لتكريم الشعب اليهودي وتقديم رسالة الإنجيل لهم أولًا.

• لأنه من الجيد أن نبدأ في المكان الذي لا نرغب أن نبدأ منه.

• لأن الوقت مُقّصر ومن الجيد أن نبدأ في منطقتنا.

• لأنه من الجيد أن نبدأ حيث نتوقع المعارضة.

ج ) الآيات (٤٩-٥٣): صعود يسوع

٤٩وَهَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي. فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الْأَعَالِي. ٥٠وَأَخْرَجَهُمْ خَارِجًا إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. ٥١وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. ٥٢فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، ٥٣وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ. آمِينَ.

١. وَهَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي: لن يتمكنوا من تنفيذ العمل الذي أوكله يسوع إليهم إلا عندما يلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الْأَعَالِي، وتأتي تلك القوة من انسكاب الروح القدس عليهم.

٢. وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْوَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ: استمر يسوع في الظهور لشعبه لمدة ٤٠ يوم بعد القيامة. ولكن أتت الساعة التي عليه فيها أن يصعد إلى السماء. وعندما فعل وترك الأرض، بارك كنيسته واِسْتَمَرَّ في مباركتها، بقدر ما يسمح شعبه بذلك.

• لا تأتي البركة سوى من يَدَيْهِ، وهو يقف الآن كرَئِيسُ الكَهَنَة ليبارك شعبه. كتب مورغان (Morgan): “وهكذا سيبقى حتى مجيئه الثاني، يديه مرفوعتان وشفتيه تعلنان البركة على خاصته.”

• عندما يبارك يسوع شعبه، لا تكون مجرد أمنيات، مثل: “أتمنى أن تسير الأمور على ما يرام” أو “أتمنى أن تشعر بتحسن.” بل هناك قوة متأصلة في بركة يسوع.

• كتب سبيرجن (Spurgeon): “إذا كان قد باركك، فستكون مباركًا لا محالة. فلا توجد قوة في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض يمكنها أن تعكس البركة التي منحك إياها.”

• وكتب مورغان (Morgan): “عندما نرى يَداه المرفوعة، لا ينبغي أن نشك أو نخاف عندما تمتد إلينا يد معادية تريد أن تؤذينا أو تزعجنا. فبسبب يداه المرفوعة نعلم يقينًا أننا بأمان إن كان في هذه الحياة أو الموت، في الشدة أو الرخاء، أو في الحزن أو الفرح.”

٣. انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ: كان على يسوع أن يصعد كي يضع التلاميذ ثقتهم في قوة وخدمة الروح القدس وليس في حضور يسوع المادي.

• تشير الآية في أعمال الرسل ٣:١ بأن يسوع صعد إلى السماء بعد ٤٠ يومًا من قيامته. قضاها يثبت حقيقة قيامته ويُعِدُّ التلاميذ لرحيله.

• كتب سبيرجن (Spurgeon): “قام يسوع من الأموات بسلطانه وعظمته، ولم يحتاج لمعونة أحد… وأثبت بذلك قدرته الإلهية، وبأنه قادر على ترك هذا العالم حينما يشاء، كاسرًا الجاذبية ومعلقًا القوانين التي تحكم هذا الكون.”

• وكتب باركلي (Barclay): “كان من غير الوارد بأن تَقِلّ ظهورات يسوع شيئًا فشيئًا إلى أن يتلاشى تمامًا. فحدوث هذا كان سيؤثر سلبًا على إيمان التلاميذ، فمن الضروري أن تكون هناك نهاية واضحة.”

• وأضافَ موريس (Morris): “كان صعود يسوع يختلف تمامًا عن اختفاءه من أمام تلميذي عمواس أو اللقاءات المماثلة. فيجب أن تكون هناك نهاية حاسمة …. نهاية فصّل وبداية فصّل آخر.”

٤. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ. آمِينَ: يُظهر هذا النتائج الرائعة لخدمة يسوع في حياة التلاميذ.

فَسَجَدُوا لَهُ: أي أنهم عرفوا أن يسوع هو الله، فقدموا له التقدير اللائق به.

وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ: أي أنهم أطاعوا أمر يسوع.

بِفَرَحٍ عَظِيمٍ: أي أنهم آمنوا حقًا بأن يسوع قام من بين الأموات، وسمحوا لفرح تلك الحقيقة أن تتلامس مع حياتهم.

وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ: أي أنهم عاشوا كأتباع حقيقيين ليسوع أمام الناس، ولم يتمكنوا من إخفاء محبتهم وعبادتهم له.

• كتب موريسون (Morrison): “قبل فترة وجيزة، كانوا غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ الْفَرَحِ. أما الآن وبسبب الإيمان سبحوا وباركوا اللهَ.”

• عندما يعمل الله في حياة شعبه بهذه الطريقة، نقول: “ آمِينَ.”