إنجيل لوقا – الإصحاح ١٧ – الواجب والشكر والملكوت

أولًا. المغفرة والإيمان والواجب

أ ) الآيات (١-٢): خطورة العَثَرات

١وَقَالَ لِتَلَامِيذِهِ: «لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلَكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ! ٢خَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحًى وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ، مِنْ أَنْ يُعْثِرَ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الصِّغَارِ.

١. وَقَالَ لِتَلَامِيذِهِ: وضح يسوع من خلال قصة لعازر والرجل الغني أن الأبدية حقيقية، ولن يرجع أحد من هناك لتحذيرنا. لهذا من الضروري أن نحيا للمسيح ونعكس صورته على الأرض، لأن ما نفعله هنا سيكون له تأثير أبدي.

٢. لَا يُمْكِنُ: لا مَفَرَّ مِنْ حُدُوثِ العَثَراتِ، لَكِنْ وَيلٌ لِذَلِكَ الإنسانِ الَّذِي تَأْتِي العَثَراتُ بِسَبَبِهِ. من المهم أن نفهم ما يعنيه يسوع عندما تحدث هنا عن العَثَراتِ.

• تأتي الكلمة اليونانية القديمة العَثَراتِ المستخدمة هنا من العصا المقوسة (السنارة)، أي العصا التي تفتح الفخ أو تُمسك بالطُعم. كما كانت الكلمة تُستخدم كحجر عثرة، وهو الشيء الذي يعرقل حركة الناس.

• ونجد في بعض الأحيان أن الكتاب المقدس يستخدم كلمة العثرات بمعنى إيجابي، مثلًا: “تَعَثَّرُوا بِحَجَرِ الْعَثْرَةِ” أي تقابلوا مع يسوع، أو تعرقلوا بالإنجيل (رومية ٣٣:٩، كورنثوس الأولى ٢٣:١، غلاطية ١١:٥).

• العثرات بين أعضاء جسد المسيح أمر سيء. قد تأتي العثرة بسبب مشورة باطلة (متى ٢٣:١٦)، أو ربما بسبب “الحرية الزئدة” التي من شأنها أن تعثر أخاك في الإيمان وتوقعه في الخطية (رومية ١٣:١٤). كما تأتي العثرات من التحزبات والتعاليم الضالة (رومية ١٧:١٦).

٣. وَلَكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ: الفكرة الأساسية هنا: “سيقع الناس في الفخ لا محالة – ولكن ويل لك إن كنت أنت من يقدم لهم الصنارة. سيتعثر الناس حتمًا – ولكن ويل لك إن كنت أنت من يضع حجر العثرة أمامهم.”

• خَيْرٌ لمن يعثر غيره أن يموت موتًا رهيبًا: “وخَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحًى وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ.”

• هذا هو الدرس الذي تعلمته الكنيسة بالطريقة الصعبة عندما أرادت تقديم المساعدة لله بلعن اليهود لرفضهم المسيح؛ ولكن عادت اللعنة على الكنيسة بطريقة أسوأ من قبل. إن كان هناك شخص يبدو أنه مستعد لدينونة الله أو لتأديبه، دع لله يفعل ذلك، وابتعد أنت عن الطريق. فالله لا يحتاجك لتكون أداة للدينونة، بل أداة للتعبير عن محبته.

• تضع الآية في رسالة يوحنا الأولى ١٠:٢ أمامنا الحل لتجنب العثرات: المحبة. “مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ.” إن كنا نُحب أخوتنا، فلن نجلب لهم العثرات.

ب) الآيات (٣-٤): إن عثرك أحد، تعامل مع الأمر واغفر له

٣اِحْتَرِزُوا لِأَنْفُسِكُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. ٤وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلًا: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ».

١. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ: عندما يخطئ شخص بحقك، فلا يجوز تجاهل الأمر، بل وَبِّخْهُ بمحبة.

• المحبة هي الأساس هنا؛ فلا نستطيع بالتأكيد، الاحتفاظ بسجل لكل إساءة ارتكبت ضدنا. نجد أن أحد جوانب ثمر الروح هو طُولُ الأَنَاةٍ (الصّبرُ/ طُولُ الْبَالِ) (غلاطية ٢٢:٥)، فعلينا إذًا أن نكون صبورين ونحتمل الإساءات البسيطة التي نواجهها يوميًا. تقول الآية في أفسس ٢:٤ وَبِطُولِ أَنَاةٍ مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. فلا تكونوا شديدي الحساسية، بل لنحتمل بعضنا البعض.

• عندما تسود المحبة، سنتمكن من تطبيق الآية في أفسس ١٥:٤ “بَلْ يَنبَغي أنْ نَتَكَلَّمَ بِالحَقِّ فِي المَحَبَّةِ” حتى وإن أخطأ إلينا أحد. فالمحبة ليست هي النميمة، وليست كتمان الأمر والسماح له بالتعشش بدواخلنا. المحبة هي الذهاب إلى الشخص الذي أخطأ إلينا ومعاتبته مباشرة بمحبة.

٢. وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ: هذا هو التحدي الذي قدمه يسوع، ولا يوجد أي خيار آخر. وعندما يتوب الشخص الذي أساء اليك، فَاغْفِرْ لَهُ.

• ماذا نفعل مع الشخص الذي لم يتوب أبدًا؟ هل نغفر له؟ حتى لو لم نتمكن من ترميم العلاقة بسبب عدم التوصل إلى اتفاق مشترك، فما زلنا نستطيع اختيار المغفرة، وننتظر عمل الله في حياتهم لاستعادة تلك العلاقة.

• ومن الواضح – وخاصة في ضوء الكلمات التي تلت – أن يسوع لم يقصد تحديد الغفران، بل أراد توسيع مفهومنا عنه. كما ولم يعطينا سببًا لعدم الغفران أو سببًا لنغفر أقل.

٣. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلًا: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ: تشير هذه الآية أنه غير مسموح لنا أن نحكم على توبة الآخر. فإن أخطأ إلي أحد سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ واستمر في طلب الغفران، ربما سأفكر أنهم غير صادقين. ولكن بغض النظر عن كل هذا، يأمرني يسوع أن أغفر لهم وأحاول ترميم العلاقة.

ج ) الآيات (٥-٦): نحتاج إيمان كبير لكي نتعايش مع الآخرين

٥فَقَالَ الرُّسُلُ لِلرَّبِّ: «زِدْ إِيمَانَنَا!». ٦فَقَالَ الرَّبُّ: «لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذِهِ الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ.

١. زِدْ إِيمَانَنَا: أدرك التلاميذ في هذه اللحظة ما قاله يسوع بالضبط. وعرفوا حاجتهم لطلب إيمان أكبر كي يعيشوا بسلام مع الآخرين، إن كانوا سيطبقون مبدأ الغفران هذا. وهذا دليل آخر على أن يسوع لم يحدد الغفران، وإلا لما كان هناك حاجة لطلب المزيد من الإيمان.

• ويُعلّق كلارك (Clarke): “يبدو أن غفران كل إساءة يرتكبها أحد ضدنا بشكل مستمر سيكون صعبًا، حتى على التلاميذ أنفسهم، الذين أدركوا أنه إن لم يزيد يسوع إيمانهم فلن يستطيعوا أبدًا تتميم هذه الوصية.”

٢. لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ: عادة ما نميل إلى الاعتقاد بأن المعجزات هي الطريقة الوحيدة لممارسة إيماننا. قد يكون هذا صحيحًا، ولكن أعظم معجزة للإيمان هو ترميم العلاقات.

• وفقًا لجيلدنهويس (Geldenhuys) فإن جذور شجرة الْجُمَّيْزَةِ (شَجَرَةِ التُّوتِ) قوية للغاية؛ ويقال أنه يمكنها الصمود ستمائة سنة.

• قد تكون جذور عدم غفران والمرارة متأصلة بداخلك مثل شجرة التوت ذات الجذور العميقة والقوية. ولكن بالإيمان، يستطيع يسوع أن يقلع تلك الجذور وينظف قلبك بالكامل، ويأمرها: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ.

٣. حَبَّةِ خَرْدَلٍ: الإيمان الذي يجب أن نمتلكه، له علاقة بالنوعية وليس بالكمية. فمقدار قليل من الإيمان – مثل حبة الخردل (بذرة صغيرة للغاية) يستطيع أن يحقق أمورًا عظيمة إن وضعناه في يد الإله العظيم.

• يمكن للإيمان البسيط أن يحقق أشياءً عظيمة؛ ولكن الإيمان القوي سيحقق أشياءً أعظم. الأهم هو موضوع إيماننا. ويُعلّق سبيرجن: “لا يمكن للعين أن ترى نفسها. هل سبق ورأيت عينك من قبل؟ قد تفعل ذلك من خلال المرآة، ولكنك ترى انعكاسًا لها فقط. ویمکنك أن ترى دلیل إیمانك بنفس الطریقة، ولكن لا یمكنك أن تنظر إلى الإیمان نفسه. فالإيمان نفسه ينظر إلى موضوع الإيمان، شخص الرب يسوع المسيح.”

• من الأفضل لك، إن أردت التزحلق على الجليد، أن تملك إيمان بسيط وأنت تقف على جليد سميك، من أن تملك إيمان قوي وأنت تقف على جليد رقيق. إيماننا البسيط في مخلص عظيم يستطيع أن يحقق أشياء عظيمة.

د ) الآيات (٧-١٠): مهما عملنا لله، فلن يكون مديونًا لنا أبدًا، فكل ما نقدمه هو مجرد تعويض بسيط لما عمله في حياتنا

٧«وَمَنْ مِنْكُمْ لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى، يَقُولُ لَهُ إِذَا دَخَلَ مِنَ الْحَقْلِ: تَقَدَّمْ سَرِيعًا وَاتَّكِئْ. ٨بَلْ أَلَا يَقُولُ لَهُ: أَعْدِدْ مَا أَتَعَشَّى بِهِ، وَتَمَنْطَقْ وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ وَأَشْرَبَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ؟ ٩فَهَلْ لِذَلِكَ الْعَبْدِ فَضْلٌ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟ لَا أَظُنُّ. ١٠كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا».

١. وَمَنْ مِنْكُمْ لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى: أنهى يسوع لتوه حديثه مع التلاميذ عن الأعمال العظيمة الممكنة بإلإيمان القوي. ويضيف هنا بعض الكلمات عن الكبرياء الذي يظهر عندما يستخدم الله شخص ما.

• يتحدث يسوع هنا عن أولئك الذين يخدمونه بحق. فالحرث عمل شاق؛ ويستنفد قوة الحارث وقدرة تحمله. وكما أن العمل في الحقل صعب وشاق، كذلك هي الخدمة الروحية. يمكن أيضًا لرعاية الأغنام أن تكون عملًا شاقًا، وتتطلب الكثير من الصبر والاهتمام بالتفاصيل وتحتاج لقلبٍ رعوي.

• من المفيد أن نتذكر أن يسوع لم يخاطب الجمُوُع بهذه الكلمات، إذ نقرأ في بداية الإصحاح ١٧: وَقَالَ لِتَلَامِيذِهِ. كتب سبيرجن (Spurgeon): “لاحظوا أن يسوع لم يكن يمهد طريقًا للخلاص، ولكنه كان يشير إلى طريق الخدمة للذين سبق ونالوا الخلاص.”

٢. أَعْدِدْ مَا أَتَعَشَّى بِهِ، وَتَمَنْطَقْ وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ وَأَشْرَبَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ: تخيل يسوع خادم قادم إلى البيت بعد يوم عمل طويل وشاق، ربما كان يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى. وعندما وصل إلى المنزل، لم يشجعه السيد أو يطعمه أو يخدمه أو حتى يدلك قدميه، بل توقع منه أن يستمر في الخدمة لأنه لا يزال هناك الكثير للقيام به.

• هناك دائمًا شيء يمكننا القيام به لخدمة سيدنا، وهناك دائمًا بع الطرق لذلك. كتب سبيرجن: “إذا كنت لا تستطيع الخروج للعمل في الحقل، يمكنك الذهاب إلى المطبخ وتطهو. وإذا كنت لا تعرف أن ترعى الماشية، يمكنك أن تجلب طبق الطعام لسيدك. قد تغير عملك، ولكن عليك أن تستمر في الخدمة ما دمت حيًا.”

• في سياق كلمات يسوع السابقة، يمكننا أن نقول أنه لا يزال هناك أشخاص علينا أن نغفر لهم، ولا يزال هناك الكثير لنعمله بإيماننا العظيم.

• هذه الأعمال صعبة، ولكن في هذا المثل الُمصغر قدم لنا يسوع الموقف القلبي الصحيح: مسرته قبل سعادتنا، وشعبه قبل أنفسنا، واسمه قبل أسمائنا.

٣. فَهَلْ لِذَلِكَ الْعَبْدِ فَضْلٌ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟: لم يكن السيد يشكر الخادم عادة لقيامه بعمله. ففي تلك الثقافة، أي ما قبل المسيحية، لم يكن اللطف أمرًا واردًا.

• نحن لا نخدم يسوع كي ننال الشكر أو المديح.

• يبدو غريبًا أن يشكرنا يسوع في ضوء كل ما فعله لأجلنا.

• يبدو غريبًا أن يشكرنا إذا أخذنا بعين الاعتبار كل ما لم نفعله له.

• يبدو غريبًا أن يشكرنا عندما نفكر بأن كل ما قدمناه له هو بالأساس عطية منه.

• علّقَ سبيرجن (Spurgeon) على الآية: “ماذا فعلنا له بالمقارنة مع ما فعله هو لنا؟ إن قارنا خدمتنا بخدمة المسيح فهي تشبه حبة غبار واحدة بالمقارنة مع الفلك العظيم.”

• ولكن الغريب في الأمر أنه سيشكرنا ويكافئنا، على الرغم من أننا لا نستحق ذلك. سينظر على عمل كل من خدامه وسيقول للأمناء: “نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالْأَمِينُ” (متى ٢١:٢٥، ٢٣).

٤. إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ (غَيْرُ نَافِعِينَ/ غَيرُ مُستَحِقِّينَ): لا يتحدث يسوع هنا عن الموقف القلبي الذي يُظهر التواضع الزائف أو الذي يقول: “أنا غير نافع لشيء.” وهو ليس الاعتراف بأننا غير قادرين على فعل ما يرضي الله. بل يتحدث عن القلب الذي يدرك ببساطة أن الله قدم لنا أكثر بكثير مما نقدمه له.

٥. لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا (لِأنَّنا لَمْ نَفعَلْ غَيْرَ وَاجِبِنا): يتحدث هنا عن الموقف القلبي الذي يفهم أن السيد فعل معنا أمور عظيمة جدًا لا نستطيع ردها. فما فعله لأجلنا كان بدافع المحبة الكاملة؛ وما نفعله لأجله هو بدافع الامتنان والواجب.

• ولهذا السبب من الضروري أن يؤكد معلمي الكلمة ما يؤكده الكتاب المقدس نفسه: ما فعله الله معنا. عندما ندرك كل ما فعله الله معنا في يسوع، فسنرغب في خدمته بدافع الامتنان. فكر بالمغفرة العظيمة التي منحنا إياها يسوع؛ فكر بالجبال العظيمة التي نقلها بالإيمان. لذلك خدمتنا وغفراننا للآخرين ما هو سوى تعبير بسيط عن واجبنا نحوه.

• عندما نملك قلوب مستقيمة نحوه، نستطيع أن نعيش ونتصرف بفرح لأن الله أعطانا هذا الامتياز وسمح لنا بخدمته.

• لا يوجد الكثير من المؤمنين اليوم والذين يملكون مثل هذا الموقف القلبي. بل على العكس تمامًا، نرى الكثيرين يريدون الظهور بصورة المؤمن الخارق (سوبرمان) لا بصورة العَبِيدٌ البَطَّالُونَ. فعندما ننظر إلى الناس ولا ننظر إلى يسوع نعتقد أننا أفضل من الآخرين.

• كتب سبيرجن (Spurgeon): “يعتقد القديسون أنفسَهم لا شيء؛ بينما يعتقد القديسون الناضجون أنفسهم أقل من لا شيء.”

• اِقتَبَسَ بايت (Pate) من (m. Abot ٢:٨): “هناك قول يهودي مأثور يحمل فكرة مشابهة: “إن تعلمت الكثير من التورة، فلا تمدح نفسك، لأنك خُلقت لهذا.”

ثانيًا. شفاء عَشَرَةُ رِجَالٍ بُرْصٍ

أ ) الآيات (١١-١٤): شفاء البُرص

١١وَفِي ذَهَابِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ اجْتَازَ فِي وَسْطِ السَّامِرَةِ وَالْجَلِيلِ. ١٢وَفِيمَا هُوَ دَاخِلٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْتَقْبَلَهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ بُرْصٍ، فَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ ١٣وَرَفَعوُا صَوْتًا قَائِلِينَ: «يَا يَسُوعُ، يَا مُعَلِّمُ، ارْحَمْنَا!». ١٤فَنَظَرَ وَقَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْكَهَنَةِ». وَفِيمَا هُمْ مُنْطَلِقُونَ طَهَرُوا.

١. وَفِيمَا هُوَ دَاخِلٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْتَقْبَلَهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ بُرْصٍ: لم يكن من غير المألوف أن يتجمع هؤلاء البرص معًا. كانوا منبوذين من المجتمع ككل، ولم يكن لديهم أي علاقات مع الآخرين سوى مع برص مثلهم – لذلك، وَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ.

• وَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ: علّقَ كلارك (Clarke) على هذه الآية: “كانوا يقفون على بُعدِ مِسافة من الآخرين، لأن الناموس والتقاليد منعهم من الاقتراب من الأصحاء خوفًا من العدوى.” (أنظر سفر اللاويين ٤٦:١٣، سفر العدد ٢:٥، سفر ملوك الثاني ٥:١٥).

• اجْتَازَ فِي وَسْطِ السَّامِرَةِ وَالْجَلِيلِ: كتب بايت (Pate): “هناك ترجمة أدق لهذه الآية “وَمَرَّ بِمِنطَقَةٍ مُحاذِيَةٍ لِلسّامِرَةِ وَالجَلِيلِ” مشيرًا إلى أن يسوع كان على الحدود ما بين السامرة والجليل.”

٢. وَرَفَعوُا صَوْتًا قَائِلِينَ: «يَا يَسُوعُ، يَا مُعَلِّمُ، ارْحَمْنَا!»: جاءوا إلى يسوع معًا وصلوا معًا، على الرغم من أنهم كانوا مجموعة مختلطة من اليهود والسامريين (لوقا ١٥:١٧-١٦)، إلا أن بؤسهم جمعهم. وعندما صلوا معًا، اختفى كل تعصب كان موجودًا.

• كتب باركلي (Barclay): “مآسي الحياة ومحن الدهر تعيد للناس التصاقهم ببعض وتكسر الحواجز العرقية والقومية. في مأساتهم المشتركة نسي هؤلاء البُرص أنهم كانوا خليط من اليهود والسامريين وتذكروا فقط أن لديهم احتياج.”

٣. اذْهَبُوا وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْكَهَنَةِ: كان من الرائع أن يطلب يسوع منهم الذهاب إلى الكهنة في حين أنهم لم يشفوا بعد. كانت هذه خطوة إيمان حقيقية، كما هو الحال عندما نلبس الإنسان الجديد رغم أننا ما زلنا نشعر كالإنسان القديم.

• علّق موريسون (Morrison) على هذا: “كان الشرط الوحيد للشفاء: الطاعة. فقد أعطاهم أمر، وكان عليهم تنفيذ الأمر وطاعته. إذا كان هو المُعَلِّمُ حقًا، كما صرخوا، إذًا ليبرهنوا إيمانَهم بطاعتهم.”

• وعلّق كلارك (Clarke): “يكرم الله هذا النوع من الإيمان، ويستخدمه لصنع المعجزات. فالذي لا يؤمن إلى أن ينال الاستجابة، فعلى الأرجح لن يخلص أبدًا. أهم وأعظم سبب للإيمان هو أن الله نَفَسهُ أمر بذلك.”

٤. وَفِيمَا هُمْ مُنْطَلِقُونَ طَهَرُوا: كما أن الله بارك إيمان البرص لأنهم أخذوا خطوة كإنسان جديد رغم شعورهم بأنهم لا زالوا في الإنسان القديم، هكذا سيبارك الله إيماننا.

• ويُعلّق موريسون (Morrison) على الآية: “عندما نسير في درب الطاعة سنختبر البركة. دع الكنيسة تطيع أمر الرب يسوع وبحماس تكرز الأمم، وبينما تفعل، ستُشفى.”

ب) الآيات (١٥-١٩): رجوع أبرص واحد ليقدم الشكر

١٥فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، ١٦وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شَاكِرًا لَهُ، وَكَانَ سَامِرِيًّا. ١٧فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟ ١٨أَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَرْجِعُ لِيُعْطِيَ مَجْدًا لِلهِ غَيْرُ هَذَا الْغَرِيبِ الْجِنْسِ؟». ١٩ثُمَّ قَالَ لَهُ: «قُمْ وَامْضِ، إِيمَانُكَ خَلَّصَكَ».

١. فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: رجع واحد فقط ليقدم الشكر، وعلى الأرجح كَان سَامِرِيًّا. وعلى الرغم من أنه كان بمفرده، إلا أنه مجد اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ.

• كان العشرة على استعدادٍ تام للقيام بالطقوس الدينية، أي الذهاب إلى الكاهن. واحد فقط كان مليئًا بالثناء الحقيقي والشكر. كتب سبيرجن (Spurgeon): “إن ممارسة الطقوس الدينية كمجرد واجب، أمر سهل للغاية وشائع جدًا، ولكن الشكر الحقيقي الذي ينبع من القلب، أمر نادر جدًا. أطاع التسعة الطقوس، واحد فقط شكر ومجد الله.”

٢. أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟: لاحظ يسوع غياب التسعة الذين لم يعودوا لتقديم الشكر، وتساءل عن مكانهم. كما ويلاحظ يسوع أيضًا عدم امتناننا.

• كتب مورغان (Morgan): “نرى في سؤاله أهمية الشكر والتمجيد بالنسبة له … ونتساءل إن كان الرب يسأل هذا السؤال بِاسْتِمْرار.”

• هناك دائمًا ما يدعونا لتقديم الشكر والامتنان لله. كتب مفسر الكتاب المقدس الشهير ماثيو هنري في مذكراته عندما سرقت محفظته تلك الليلة، كل الأشياء التي يشكر الرب عليها:

• أولًا، لأنه لم يتعرض للسرقة من قبل.

• ثانيًا، لأنهم أخذوا محفظته، ولم يأخذوا حياته.

• ثالثًا، لأنهم أخذوا كل شيء، وأنه لم يكن في المحفظة الكثير.

• وأخيرًا، لأنه تعرض للسرقة ولم يقم هو بفعل السرقة.

• كتب سبيرجن (Spurgeon): “وفي الختام أقول: إن خدمنا يسوع، وآمن البعض ولكنهم لم يصبحوا كما توقعنا، فلا داعي للِانزعاج. عليكم أن تحزنوا طبعًا عندما لا يشكر الآخرون الله، ولكن لا تشعروا بخيبة الأمل. سأل المُخلص: “أين التسعة؟” … شُفيَّ العشرة، ولكن واحد منهم فقط قدم الشكر لله. هناك الكثيرين من المؤمنين الجدد الذين لا ينضمون إلى الكنيسة ولا يتعمدون أو حتى يشاركون في العشاء الرباني. أعداد كبيرة تنال البركة، ولكنها لا تشعر بالإمتنان.”

٣. إِيمَانُكَ خَلَّصَكَ (إيمانُكَ قَدْ طَهَّرَكَ): كان هناك شفاء إضافي لهذا الأبرص. فعلى الأرجح وعندما قال يسوع هذا، كان يشير إلى عمل الله في قلبه. حصل باقي البُرص على أجساد كامل، ولكن قلوبهم بقيت مريضة.

ثالثًا. مجيء الملكوت

أ ) الآيات (٢٠-٢١): إذا أردت أن تعرف عن ملكوت يسوع، تعرف عليه كالملك

٢٠وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: «مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟». أَجَابَهُمْ وَقَالَ: «لَا يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، ٢١وَلَا يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لِأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ».

١. وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: «مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟»: يمكننا أن نتخيل من هذه الكلمات فريسي عدائي متوجه نحو يسوع ومطالبًا إما أن يأتي يسوع بملكوته الآن أو أن يتوقف عن الادعاء بأنه المسيا.

• كان الناس في زمن يسوع يتوقون لمجيء المسيا. وكانوا يعرفون النبوءات القديم التي تتحدث عن مجد المسيا القادم، وأردوا هذه الحياة الآن.

• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “لم يُقَدّر الناس ابْن الإنسان بينما كان على الأرض. وكان الفريسيون يستهزئون ويسخرون منه، ويطالبون بمعرفة موعد مجيء ملكوته. وكأنهم يقولون: “أهذا هو ملكوتك الموعود؟ أهؤلاء الصيادين والفلاحين حاشيتك؟ هل هذه هي الأيام التي اِنتَظَرَها الأنبياء والملوك بشوق؟”

٢. لَا يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ: أوضح يسوع للفريسي الذي طرح السؤال بأن ملكوت الله لن يأتي من الاِسْتِجْوَاب العدائي. وأضاف أنه وبسبب عِدائهم وشكوكهم لن يروا أو ينالوا ملكوت الله.

• وفقًا لجيلدنهويس (Geldenhuys)، الفعل الذي تأتي منه كلمة مُرَاقَبَةٍ استخدم كثيرًا في العهد الجديد وفي الترجمة السبعينية، ويعني “المراقبة العدائية.”

٣. لِأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ: قال لهم يسوع إن الملكوت كان في وسطهم. ويمكن ترجمة كلمة دَاخِلَكُمْ: في وسطكم أو بينكم. كان ملكوت الله بينهم لأن الملك كان بينهم.

• وكالكثيرين اليوم، طالب الفريسيون بمجيء ملكوت الله؛ ولكنك لا تستطيع طلب الملكوت وبنفس الوقت ترفض الملك. كتب مورغان (Morgan): “سأله الفريسيون عن موعد ظهور ملكوت الله، في حين كان الملكوت في وسطهم لأن الملك نفسه كان بينهم.”

ب) الآيات (٢٢-٢٤): لن يأتِ ملكوت الله في زمن التلاميذ

٢٢وَقَالَ لِلتَّلَامِيذِ: «سَتَأْتِي أَيَّامٌ فِيهَا تَشْتَهُونَ أَنْ تَرَوْا يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الْإِنْسَانِ وَلَا تَرَوْنَ. ٢٣وَيَقُولُونَ لَكُمْ: هُوَذَا هَهُنَا! أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لَا تَذْهَبُوا وَلَا تَتْبَعُوا، ٢٤لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ مِنْ نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ يُضِيءُ إِلَى نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ، كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا ابْنُ الْإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ.

١. سَتَأْتِي أَيَّامٌ فِيهَا تَشْتَهُونَ أَنْ تَرَوْا يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الْإِنْسَانِ وَلَا تَرَوْنَ: يتحدث يسوع هنا مع التلاميذ، ويخبرهم أنه عندما يترك هذه الأرض، ستأتي أيام فيها يشتهي التلاميذ، سواء الحاليين أو البعيدين، مجيء المسيا الثاني.

٢. وَيَقُولُونَ لَكُمْ: هُوَذَا هَهُنَا! أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ!: سيعرف الشيطان كيف يستغل هذا الشوق؛ وسيدّعي الكثيرون أنهم المسيا قبل مجيء المسيح الحقيقي. فمن الضروري ألا يخدعكم هؤلاء الكذبة.

٣. لَا تَذْهَبُوا وَلَا تَتْبَعُوا: في القرون منذ أن تكلم يسوع بهذه الكلمات، ادّعى كثيرون أنهم المسيا، وصار للبعض منهم أتباع. ولكن حذرنا يسوع قائلًا: لَا تَذْهَبُوا وَلَا تَتْبَعُوا؛ بل علينا تجاهلهم تمامًا.

• قال الدكتور تشارلز فاينبرغ (Charles Feinberg)، وهو عالمٌ يهودي مؤمن، أنه في تاريخ شعب إسرائيل منذ زمن يسوع، ادّعى أكثر من أربعة وستون شخصًا مختلفًا أنهم المسيا.

• ادّعى كثيرون في الماضي مثل ديفيد كوريش وجيم جونز وصن ميونغ مون وآخرون أنهم المسيا. كما اعتقد البعض من اليهود المتعصبين (ولا يزال البعض منهم يفكر بنفس الطريقة) أن مُعلم يهودي من بروكلين، ويدعى مندل شنيرسون، كان هو المسيا. واعتقد البعض بأن أشخاص خارج الإطار اليهودي المسيح كانوا المسيا (مثل ستالين أو ماو).

٤. لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ: فِي يَوْمِهِ، سيرى الجميع يوم انتصار المسيا، كما الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ في السماء. الذين يدّعون أن يسوع قد أتى أو سيعود فِي يَوْمِهِ بطريقة سرية، هم مخطئون.

ج ) الآية (٢٥): لن يأتي الملكوت حتى ينتهي يسوع من عمله على الأرض

٢٥وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَوَّلًا أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْفَضَ مِنْ هَذَا الْجِيلِ.

١. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَوَّلًا أَنْ يَتَأَلَّمَ: هناك ميل لدى الكثيرين من أتباع يسوع لتخطي الصليب والذهاب مباشرة إلى ملكوت الله. ولكن ملكوت الله لا يمكن أن يأتي إلى أن يذهب الملك إلى الصليب.

• لماذا ينبغي أن يكون يسوع هو الذي يحكم ويسود على مملكة الله؟ لأنه حقق كلامه، ونحن مدعوون أن نتبعه بنفس الطريقة. قال يسوع: «إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ» (مرقس ٣٥:٩). وقال أيضًا: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا» (متى ٢٦:٢٠).

• نستطيع القول أن مجيء يسوع الثاني سيكون ممجد لأن في مجيئه الأول وضع نفسه وأطاع حتى الموت.

٢. يَنْبَغِي أَوَّلًا أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْفَضَ: العزيمة واليقين والقوة التي نراها في هذا البيان لافتة للنظر.

• ينبغي أن يتألم ويُرفض.

• ينبغي أن يتألم ويُرفض.

• ينبغي أن يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، لا قليلًا.

٣. مِنْ هَذَا الْجِيلِ: على الرغم من تأني اِنتصار يسوع الكامل سيتأنى، إلا أن معاناته من هَذَا الْجِيلِ ستأتي قريبًا.

د ) الآيات (٢٦-٣٠): سيكون مجيء الملك مفاجأة كبرى

٢٦وَكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا فِي أَيَّامِ ابْنِ الْإِنْسَانِ: ٢٧كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيُزَوِّجُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ نُوحٌ الْفُلْكَ، وَجَاءَ الطُّوفَانُ وَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. ٢٨كَذَلِكَ أَيْضًا كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ لُوطٍ: كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ، وَيَغْرِسُونَ وَيَبْنُونَ. ٢٩وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجَ لُوطٌ مِنْ سَدُومَ، أَمْطَرَ نَارًا وَكِبْرِيتًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. ٣٠هَكَذَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الْإِنْسَانِ.

١. وَكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ: استخدم يسوع قصة نوح ليظهر التشابه بين تلك الأيام وبين عالمنا اليوم الغارق في روتين الحياة. فالناس يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيُزَوِّجُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ بشكل طبيعي.

• كتب بايت (Pate): “استمرت الحياة بشكل طبيعي إلى أن دخل نوح وعائلته الفلك، ثم جاء الطوفان ودمر كل الناس (انظر سفر التكوين ٧:٧، ١٠، ٢١؛ وبطرس الأولى ٢٠:٣).

٢. كَذَلِكَ أَيْضًا كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ لُوطٍ: الدمار الذي جاء على أهل سدوم وعمورة في أيام لوط حدث في الصباح، عندما أَشْرَقَتِ الشَّمْس (تكوين ١٥:١٩-٢٥). بدأ اليوم السابق للطوفان مثل أي يوم عادي آخر في حياة أهل سدوم.

٣. هَكَذَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الْإِنْسَانِ: وكما استمر العالم في الروتين الطبيعي قبل الطوفان وقبل الدينونة على سدوم وعمورة، هكذا سيكون حال العالم عندما يظهر ابن الإنسان.

• لم يقل يسوع أنه سيكون هناك سلام في العالم، أو أنه لن تكون هناك أزمات. فالظروف قبل الطوفان وقبل دينونة سدوم وعمورة كانت فظيعة، ولكن الناس تأقلمت مع الشر وصار أمرًا عاديًا وروتينيًا.

• نجد بشكل ملحوظ أن هناك مقاطع أخرى من الكتاب المقدس تُظهر بأن يسوع سيأتي إلى عالم يعيش حياته بشكل طبيعي. وتشمل:

• لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الْآنَ وَلَنْ يَكُونَ (متى ٢١:٢٤).

• وَمُلُوكُ الْأَرْضِ وَالْعُظَمَاءُ وَالْأَغْنِيَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَقْوِيَاءُ وَكُلُّ عَبْدٍ وَكُلُّ حُرٍّ، أَخْفَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَغَايِرِ وَفِي صُخُورِ الْجِبَالِ، وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْخَرُوفِ! (رؤيا يوحنا ١٥:٦-١٦).

• لأن ظروف العالم قبل ظهور يسوع وصفت بمصطلحات مختلفة، نستطيع أن نقول أنه سيكون هناك مرحلتين أو جانبين واضحين لعودة يسوع، يفصلهما فترة من الزمن.

• عند ظُهُور يسوع، كما حدث في أيام نوح ولوط، سيأخذ البعض (سيهربون من الدينونة) وسيترك البعض للدينونة.

• ترجمة الكلمة يُظْهَرُ هي أبوكاليبتيتاي apokalyptetai – ومنها أخذنا الكلمة apocalypse (نهاية العالم) في الإنجليزية، ولكن الكلمة اليونانية القديمة تأتي بمعنى الظهور أو كشف النقاب أو إزاحة الستارة.

هـ) الآيات (٣١-٣٣): استعد لمجيء الملك بعدم التمسك بأمور العالم

٣١فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ وَأَمْتِعَتُهُ فِي الْبَيْتِ فَلَا يَنْزِلْ لِيَأْخُذَهَا، وَالَّذِي فِي الْحَقْلِ كَذَلِكَ لَا يَرْجِعْ إِلَى الْوَرَاءِ. ٣٢اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ! ٣٣مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا.

١. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ وَأَمْتِعَتُهُ فِي الْبَيْتِ فَلَا يَنْزِلْ لِيَأْخُذَهَا: عندما جاء الطوفان أيام نوح، يمكننا أن نتخيل كيف حاول الناس الحفاظ على ممتلكاتهم آمنة رغم أنهم كانوا سيهلكون. ولكن إن كان المرء مستعدًا لمجيء يسوع، فلن يهتم بالأشياء المادية التي سيتركها وراءه. على قلوبنا ألا تتعلق بما فِي الْبَيْتِ، ولكن بما في السماء.

٢. لَا يَرْجِعْ إِلَى الْوَرَاءِ. اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ. لأنها عصت الله ونظرت وراءها إلى سدوم – ومن المحتمل أنها كانت نظرة ندم وربما حنين – تحولت زوجة لوط إلى عمود من ملح أثناء هروبها مع أهل بيتها من الدينونة. يحذر يسوع أتباعه هنا من عدم النظر إلى الوراء إلى العالم الهالك والمستعد للدينونة، بل عليهم أن يركزوا أنظارهم على خلاص الله الموضوع أمامهم.

• اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ: كتب بايت (Pate): “كلمة ’اُذْكُرُوا‘ التي استخدمها يسوع هنا تأتي بمعنى انتبهوا، أو تعلموا الدرس.” نرى خطية زوجة لوط في ثلاث طرق على الأقل:

• تباطأت زوجة لوط وراءهم. وقد أوضح موسى أن زوجة لوط نَظَرَتِ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ (سفر التكوين ٢٦:١٩). ولكن قبل أن تلتفت إلى الوراء، كانت تمشي ببطء وراء لوط وبناته الذين كانوا يبحثون عن النجاة من دينونة سدوم.

• لم تثق زوجة لوط بالكلمة الإلهية ولم تطيعها. أخبرهم الملاك تحديدًا أن يهربوا بسرعة دون توانٍ – وأن لا يلتَفِتْوا إلى الوراء (سفر التكوين ١٧:١٩).

• نظرت زوجة لوط إلى ما قيل لها أن تبتعد عنه. وبعد كل المماطلة والشك، نظرت ورائها. كتب سبيرجن (Spurgeon): “عندما نظرت إلى الوراء، أظهرت رفضها وتحديها التام لوصية الله، وخاطرت بالكل كي تلقي نظرة حب أخيرة على العالم الهالك والمدان. هذه النظرة كانت السبب في هلاكها.”

• اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ: ويُعلّق تراب (Trapp): “أدارت ظهرها إما بدافع الفضول أو الطمع، والنتيجة كانت أنها تحولت. من الصعب علينا أن نترك العالم، كصعوبة أن يترك كلب لقمة مليئة بالدهون.”

و ) الآيات (٣٤-٣٦): في مجيئه الثاني، سيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ

٣٤أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ اثْنَانِ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ، فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ. ٣٥تَكُونُ اثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ مَعًا، فَتُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الْأُخْرَى. ٣٦يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ، فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ». ٣٧فَأَجَابوا وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ يَا رَبُّ؟». فَقَالَ لَهُمْ: «حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ».

١. إِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ اثْنَانِ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ، فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ: غالبًا ما تُستخدم هذه الآية للحديث عن الاختطاف، وهو مصطلح يشير إلى مجيء يسوع الثاني لأخذ شعبه في الوقت الذي يبدو فيه أن العالم مشغول بروتين الحياة (لوقا ٢٦:١٧-٣٠).

• المقطع الكتابي الذي يصف بوضوح هذا الحدث ويعطيه اسم (الاختطاف)، موجود في تسالونيكي الأولى ١٦:٤-١٨”لِأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلَائِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الْأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلَاقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذَلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهَذَا الْكَلَامِ.”

• يبدو أن كلمات يسوع (فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ) تصف ظاهرة الاختطاف التي تحدث عنها بولس في تسالونيكي الأولى ١٦:٤-١٨ “سَنُخْطَفُ… فِي السُّحُبِ لِمُلَاقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ.”

٢. فَيُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ: سيحدث هذا أثناء سير الحياة بصورة طبيعية (عَلَى فِرَاشٍ .. تَطْحَنَانِ .. فِي الْحَقْلِ)، فالتركيز كان على الاستعداد. سيأتي يسوع فجأة وفي لحظة غير متوقعة.

• يرتبط هذا مع التوضيح السابق المأخوذ من قصة نوح ولوط. كتب بايت (Pate): “أخذ الله كلٍ من نوح ولوط وتم إنقاذهم من الدينونة، في حين تُرِكَّ الباقي للهلاك.”

٣. يَكُونُ اثْنَانِ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ … تَكُونُ اثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ مَعًا: قد تشير كلمات يسوع هذه إلى أنه ربما يكون الوقت نهارًا في جزء من العالم بينما يكون ليلًا في جزء آخر؛ البعض نيام، والبعض يعمل في الحقل. في نفس اللحظة سيأتي يسوع لأخذ شعبه من كل أرجاء الأرض.

• كتب بايت (Pate): “الآية ٣٦ ليست موجودة في المخطوطات اليونانية الأصلية، وأضيفت لاحقًا على النص الكتابي. ربما أضافها أحد الكتبة بسبب الآية في إنجيل متى ٤٠:٢٤.”

ز ) الآية (٣٧): سيحدث كل هذا عندما تكتمل الدينونة

٣٧فَأَجَابوا وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ يَا رَبُّ؟». فَقَالَ لَهُمْ: «حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ».

١. أَيْنَ يَا رَبُّ؟: أراد التلاميذ أن يعرفوا المزيد عن هذا الوحي من يسوع، وأَيْنَ يفترض أن يحدث كل هذا. وربما مع اقترابهم من أورشليم، تساءلوا إن كانت هذه الأحداث ستتحقق قريبًا عند وصولهم إلى مدينة صهيون.

٢. حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ: هذه جملة صعبة. وربما كانت مجازية، لكنها تحمل فكرة أن الدينونة ستأتي حتمًا عندما تنضج (تصل إلى قمتها).

• علّقَ باركلي (Barclay): “ويعني هذا ببساطة أن الأمر سيحدث عندما يتم الوفاء بالشروط اللازمة.”

• يتساءل البعض عما إذا كانت الظروف جاهزة الآن لتحقيق هذا الكلام، سواء فيما يتعلق بخلاص شعبه وبدينونة العالم الذي رفضه. ولكننا نستطيع أن نقول بثقة: أن الكتاب المقدس يصف بعض الخصائص التي ستكون في العالم من الناحية السياسية والاقتصادية والروحية والاجتماعية والعسكرية قبل عودته. ومن المنصف القول بإن الظروف مهيئة اليوم، والمسرح مُعد.