١. وَقَالَ أَيْضًا لِتَلَامِيذِهِ: يبدو أنها حادثة مختلفة عن سابقتها في الإصحاح السابق. نرى هنا أن يسوع كان يُعلم تَلَامِيذِهِ وليس الجُمُوع الكَثِيرَة التي رأيناها في لوقا ١٤. على أية حال، بينما كان يسوع يُعلم تَلَامِيذِهِ، كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ يَسْمَعُونَ هَذَا كُلَّهُ (لوقا ١٤:١٦).
٢. كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ لَهُ وَكِيلٌ: الوكيل هو المدير الذي يهتم بالأمور المالية والممتلكات. في القصة التي رواها يسوع، سمع رئيس الوكيل (الإنْسَانٌ الغَنِيٌّ) بأن وكيله قد خدعه (يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ)، وناداه ليقدم حسابًا عن وكالته.
• ويُعلّق باركلي (Barclay): “يبدو أن هذا الرجل اختار مهنة الاختلاس.”
• “أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” سيسمع الجميع هذه الكلمات يومًا، الأبرار والأشرار على حد سواء. على الجميع أن يعطي حِسَابَ وكالته لله بطريقة ما. وأشار سبيرجن أن على كلٌ منا سيعطي حساب وكالته عن الوقت والمواهب والممتلكات وبتأثيره على الآخرين.
• يومًا ما ستنتهي وكالتنا. فالوعظ وقدراتنا العقلية ومقاومتنا لن تدوم إلى الأبد. ولن تستمر ثروات هذا العالم إلى الأبد أيضًا. حتى وكالة الأم على أولادها ستتغير أو تقل. وإذا لم يأتِ يسوع أولًا، فسنموت جميعًا وسننتقل من هذه الحياة إلى الأخرى.
٣. مَاذَا أَفْعَلُ؟ لِأَنَّ سَيِّدِي يَأْخُذُ مِنِّي الْوَكَالَةَ: عندما عَلِمَ الوكيل بأنه سيقدم حسابًا عن وكالته، أدرك أيضًا أن إدارته الفاسدة ستنكشف، وأن خيارته الأخرى سيئة للغاية (أنا لَستُ قَوِيًّا لِأقُومَ بِأعمالِ الفِلاحَةِ، وَأستَحِي أنْ أتَسَوَّلَ).
٤. فَدَعَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْيُونِي سَيِّدِهِ: أقام الوكيل صداقات مع المديونين عن طريق تسوية حساباتهم بدفع مبالغ أقل من الدين الفعلي. فعندما علم الوكيل أنه سيعطي حساب وكالته، استغل منصبه الحالي للاستعداد للمرحلة التالية من حياته.
٥. فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ: في حين لم يوافق السيد على سلوك وكيله، إلا أنه أُعجب بدهائه وحكمته. وأضاف يسوع بأن رجال الأعمال في جيله (أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ) كانوا أكثر حكمة وجراءة وتقدمًا في إدارة وكالتهم (أَحْكَمُ) من شعب الله في إدارة وكالتهم (أَبْنَاءِ النُّورِ).
• اعتبر البعض أن هذا المثل كان من أصعب الأمثال التي قالها يسوع، لأنه استخدم وَكِيلَ الظُّلْمِ كمثل ليعلم التلاميذ. فقد يستخدم الله أحيانًا ما هو شرير ومألوف لدينا ليوضح نقطة معينة، ولكن دون مدح الشر نفسه. استخدم بولس نفس المبدأ عندما استعان بأشياء مثل الحرب والعبودية ليوضح أمور معينة عن الحياة المسيحية.
• ومع ذلك، كان وكيل الظالم مثالًا جيدًا من عدة نواحي. أولًا، كان يعلم أنه سيعطي حساب عن حياته لذلك أخذ الموضوع على محمل الجد. على المؤمنين أيضًا أن يأخذوا فكرة تقديم حِسَابَ عن وِكَالَتِهم على محمل الجد، ويجب أن يفرحوا بهذا لأنهم خدموا السيد بأمانة. ثانيًا، استغل منصبه الحالي لترتيب مستقبل مريح.
• تقييم يسوع لا يزال صحيحًا حتى يومنا هذا: فأَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ. إذا سعينا كمؤمنين وراء ملكوت الله بنفس القوة والحماس الذي يسعى اليه أبناء هذا العالم لتحقيق الربح والمتعة، فحتمًا سنعيش في عالم مختلف تمامًا. ويمكننا القول أنه من العار على الكنيسة أن تكون شركة الكوكاكولا أكثر انتشارًا من إنجيل يسوع المسيح. وهذه كله ببساطة لأن أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ.
• ويُعلّق ماكلارن (Maclaren): “اذهبوا إلى العالم يا مؤمنين، ولا تسمحوا أن يقال أن طلاب الشيطان أكثر جدية ومواظبة من تلاميذ المسيح.”
ب) الآية (٩): استخدموا المال الآن ولكن بنظرة أبدية
١. اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ (اِكْسِبُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ هَذِهِ الدُّنْيَا): ذكرنا يسوع من خلال هذا المثل بحاجتنا إلى استخدام مواردنا الحالية للتخطيط لمستقبلٍ أبدي.
• كتب بايت (Pate): “مَالِ الظُّلْمِ: حرفيًا ’مامون mammon‘ وهي كلمة آرامية تعني “ثروة” ولكن بمعناها السلبي.
• وعلّقَ كلارك (Clarke) أن يسوع وصفه بِمَالِ الظُّلْمِ لأن: “الثروات تعّد بالكثير، ولكنها لا تفعل شيئًا. تبعث الأمل والثقة، ولكنها تخدع النفس. وتجعل المرء يعتمد عليها للحصول على السعادة، ولكنها تسرق منه خلاص الله والمجد الأبدي.”
٢. حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الْأَبَدِيَّةِ (حَتَّى إِذَا ذَهَبَ عَنْكُمْ، تُقْبَلُونَ فِي دَارِ الْخُلُودِ): إن العالم مليء بالمخططين الماليين والمستشارين؛ ومن الجيد أن يتعلم المؤمن كيف يستخدم أمواله بحكمة. ولكن عندما يتحدث معظم المؤمنين عن الإدارة الحكيمة للمال، فإنهم ينسون ممارسة أهم نوع من الاستثمار طويل المدى: الاستثمار بعيون نحو الأبدية … الْمَظَالِّ الْأَبَدِيَّةِ.
• أهم استثمار في حياتك هو أن تقديم كل مواردك لله الآن؛ ينتظر معظمنا إلى أن يأتي اليوم ونحصل على كفايتنا من المال.
• أقيم منذ فترة طويلة (١٩٩٢م) بحثًا سئل به الناس عن المبلغ المطلوب للحصول على حياة مريحة. أجاب الذين يكسبون ٠٠٠ر٢٥ دولار أو أقل في السنة أنهم يحتاجون إلى حوالي ٠٠٠ر٥٤ دولار ليستمتعوا بحياة مريحة. وقال من دخلهم السنوي ٠٠٠ر١٠٠ دولار أنهم يستطيعون العيش بطريقة أفضل بمتوسط وقدره ٠٠٠ر١٩٢ دولار سنويًا. فتشير هذه الأرقام إلى أننا نعتقد أنه بمضاعفة دخلنا سنتمكن من التمتع بحياة أفضل بدلًا من التمتع بها الآن.
١. اَلْأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ: اعتبر يسوع من خلال هذه الكلمات أن المال هو من أقل الأمور. فإذا كان الشخص غير أمين في إدارة الأشياء الأقل، فكيف نثق به ليكون أمينًا في إدارة الأشياء الأكثر!
• فالغير أمين والزائف في حياته اليومية، سيكون غير أمين وزائف في حياته الروحية أيضًا، فمهما حاول أن يُظهر بمظهر المؤمن – فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ (الثروات الروحية).
٢. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟: على القادة الروحيين أن يديروا أموالهم الخاصة جيدًا. فإن كان الشخص غير أمين في المال الذي أعطاه الله إياه، فكيف يمكن أن يكون أمينًا في رعايته للناس؟
• لا يعني هذا مطلقًا أن على القادة في الكنائس أن يكونوا أغنياء أو يجنون الكثير من المال. ولكن الأمر يتعلق في كيفية إدارة الموارد التي أعطاها الله لهم، وليس في حجمها.
• لكن لسوء الحظ، وعندما يتعلق الأمر بالسؤال: فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، نجد أن عدد كبير جدًا من المؤمنين مستعدين أن يضعوا أمورهم الروحية تحت رعاية شخص غير قادر على الاهتمام فِي مَالِ الظُّلْمِ (بِمَالِ هَذِهِ الدُّنْيَا).
٣. وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ: يبدو أن يسوع يشير هنا إلى حقيقة أن كل ممتلكاتنا هي لله، وعلينا أن نحرص على إدارة موارده بالشكل الجيد. سننال البركة إن كنا أمناء (فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ).
• كتب ماير (Meyer): “يختبر الله الإنسان بمنحه المال، ليعرف إن كان يستطيع الوثوق به في سوق أورشليم الجديدة.”
د ) الآية (١٣): لا يمكن لأحد أن يكون أمينًا لسيدين
١. لَا يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ: خدمة سَيِّدَيْنِ ليس كالعمل في وظيفتين. يشير يسوع هنا إلى العلاقة التي تنشأ بين السيد والعبد. فلا يمكن للعبد أن ينتمي إلى سَيِّدَيْنِ في نفس الوقت.
• قال يسوع أن خدمة سيدين أمر مستحيل. وإذا كنت تعتقد أنك ستنجح في ذلك، فأنت تخدع نفسك. يمكن للمرء أن يملك كل من الله والمال؛ ولكنه لن يستطيع أن يخدم الله والمال.
• يتكلم يسوع عن القلب هنا. فكثيرين يقولون أنهم يحبون الله، ولكن خدمتهم للمال تدل على أنهم في الواقع لا يحبونه. كيف يمكننا أن نعرف من نخدم وماذا نخدم؟ نجد الإجابة في هذا المبدأ: هل ستضحي من أجل إلهك؟ فإن كنت مستعدًا للتضحية من أجل المال وليس من أجل يسوع، فالمال هو إلهك، فلا تخدع نفسك.
• سقط رجل الأعمال، بعد ظهر أحد أيام الجمعة في العام ١٩٩٠م، عند درج مكتبه في لوس انجيلوس جراء طلقات نارية في صدره. مات بعيدًا عن أولاده الثلاثة ولكنه كان متمسكًا بساعته الرولكس الباهظة الثمن. كان ضحية من ضحايا سارقي ساعات الرولكس – قدم نفسه ذبيحة لإلهه.
• وأشارت معلمة مدرسة: “لا يفهم الرجال أن التسوق هو دواءنا المفضل.” رغم اعترفها بأنها تنفق كل مرتبها لتسديد رصيد بطاقات الائتمان، إلا أنها أضافت مازحة: “الدخول إلى مكان التسوق يشبه الدخول عبر بوابات السماء. وأن الله صنع صندوق السيارة لتضع النساء أكياس التسوق فيها.”
• وأوضحت سيدة أعمال تدعى ماري: “التسوق هو وسيلتي الوحيدة للاستجمام. إنها الطريقة الوحيدة لتدليل نفسي. فعندما تدخل المركز التجاري وترى كل تلك المحلات، كأن شيئًا رائعًا يمتلكها ويسيطر عليك.”
٢. لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ: يعتقد البعض لأنهم لا يملكون المال فهم ليسوا عبيدًا له. ولكن لا يجب أن تكون غنيًا لكي تخدم المال؛ فالفقراء مؤهلين للجشع والطمع تمامًا كالأغنياء.
• علّقَ مورغان (Morgan): “عندما نخدم الله، نستخدم المال لإِعْطَاء الحَسَنَة وَفعْل الخير. ولكن عندما نخدم المال، نتجاهل مطالب الله.”
• ويُعلّق تراب (Trapp): “الحكمة الأرضية تجعلك متفوقًا على الآخرين؛ ولكنها لا تساعدك البتة في الدخول إلى السماء.”
• وأضاف مورغان (Morgan): “يصبح المال لعنة لمن إلهه المال، لأن قلبه يتقسى وعطاءه ينشل. أما الإنسان التقي فالمال هو بركة، لأنه الوسيلة الذي يعبر فيه عن تعاطفه مع الآخرين حوله.”
١. فَاسْتَهْزَأُوا بِهِ: كان استهزاء الفريسيين متمحورًا حول مصلحتهم الشخصية. فهُمْ مُحِبُّونَ لِلْمَالِ. في كثير من الأحيان نرفض رسالة يسوع لأنها ستؤثر على ما هو عزيز على قلوبنا.
• فَاسْتَهْزَأُوا بِهِ: كتب باركلي (Barclay): “تعني الكلمة حرفيًا أنهم لم يرفضوه بالكلام فحسب، بل عبروا عن رفضهم باِستخدام لغة الجسد أيضًا.”
٢. أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ! وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ: يمكننا أن نبرر أنفسنا أمام الناس ويمكننا أيضًا خداعهم بالكلام المعسول وبالابتسامة. وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ – فعندما نخدم سيد آخر، من المستحيل أن نتبرر أمام الله، مهما قال الإنسان.
• فكرة أن الله يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ أمر مُريح للبعض، ولكنه لعنة لآخرين.
٣. إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ: يحكم الله قلوبنا بقيم تختلف تمامًا عن قيمنا. فالإنسان قد يكرم شخص بسبب ثروته أو روحانياته؛ ولكن الله يعرف حقيقته.
١. كَانَ النَّامُوسُ وَالْأَنْبِيَاءُ إِلَى يُوحَنَّا: أشار يسوع إلى أن خدمة يوحنا المعمدان كانت نهاية جزء كبير من خطة الله. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (وقت انتهاء خدمة يوحنا المعمدان) قُدم الخبر السار للعهد الجديد بنظام مختلف عن الناموس ولكن يُكمله.
٢. يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ (يُجاهِدُ لِلدُّخُولِ إِلَيْهِ): كان هناك مئات من الثوريين في زمن يسوع يريدون استخدام العنف ليأتي ملكوت الله. في حين لا نشبههم في العنف ولا التفاني ولا الاستعداد للتضحية أو حتى الشغف لرؤية ملكوت المسيا، إلا أننا نحن في حالة حرب أيضًا.
• اِقتَرَحَ بايت (Pate) أن جملة يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ لا تصف الجهد والحماس اللازمين للسعي وراء ملكوت الله. بل تصف المحاولات الشيطانية (وعملاءهم البشر) للدخول عنوة إلى ملكوت الله لتعطيل أو تدمير العمل فيه، وتصف المقاومة التي كانت ضد خدمة يسوع. ومما لا شك فيه أن هذين الوصفين صحيحين.
٣. وَلَكِنَّ زَوَالَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ: عندما تكلم يسوع عن الجانب الجديد من عمل الله الذي بدء بعد خدمة يوحنا المعمدان، لم يرغب أن يفكر أحدًا أن الجانب الجديد كان تجاهل أو إِهمال الناموس.
• النظام الجديد الذي علينا أن نجتهد فيه ليس نظامًا يدعونا للتمرد؛ بل نظامًا جديدًا لطاعة الله والخضوع له؛ فنظامه الجديد يُكمل الناموس.
٤. كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي: على سبيل المثال، موضوع الزواج، لا يزال الناموس ملزمًا مهما حاول بعض معلمي اليهود تفسيره. فقد عَلَمَ بعض المعلمين اليهود أنه إذا أحرقت امرأة فطور زوجها، كان هذا سببًا كافيًا للطلاق، وإن وجد الزوج إمرأة أجمل فيجوز له الطلاق أيضًا.
• قدم يسوع المفهوم المثالي للزواج والطلاق. ولكن الخطورة أن نبني عقيدة على تصريح منفرد قاله يسوع دون الأخذ بعين الاعتبار مجمل النص.
• عَلَمَ يسوع أن الزنى كان سببًا مقبولًا للطلاق (متى ٣١:٥-٣٢، ٧:١٩-٩)، وأضاف بولس لاحقًا أنه يُسمح بالطلاق في حال طلب الطرف غير المؤمن الانفصال (كورنثوس الأولى ١٥:٧). وبسبب هاتين الحالتين الواضحتين فقط، أشار يسوع إلى أن من يطَلِّقُ امْرَأَتَهُ بدون أي سبب كتابي وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى … يَزْنِي.
• ويؤكد يسوع مرة أخرى على فكرة أن الله لا يزال مهتمًا بناموسه وبطاعتنا في العهد الجديد (منذ خدمة يوحنا المعمدان).
١. كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ: لم يقدم يسوع هذه القصة كمثل، كما ولم يَذْكر أية أسماء في الأمثال الأخرى من قبل (كما فعل هنا مع الرجل الفقير). لهذا نستطيع القول أن يسوع أشار إلى قصة واقعية، قصة عَرَفَهَا بِعِلمِهِ السابق.
٢. يَلْبَسُ الأُرْجُوانُ وَالْبَزَّ (وَالكِتّانِ الفاخِرِ) وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا: كان ثراء الرجل واضحًا من خلال ملابسه (الكِتّانِ الفاخِرةِ والثمينة)، ومن خلال وفرة الطعام الذي كان يستمتع به كل يوم (كان معظم الناس في تلك الثقافة يتنعمون بالطعام بضع مرات في السنة فقط).
• يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا: علّقَ باركلي (Barclay): “إشارة الى نوعية الطعام. ويبدو أنه كان يأكل طعام غالي الثمن وغريب كل يوم.”
• لا نعرف اسم الرجل الغني، ولكن جرت العادة أن يُدعى “ديفس Dives“ وهي الكلمة اللاتينية لكلمة “غني.”
٣. وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ، وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ: في مكان ليس ببعيد عن الرجل الغني – عِنْدَ بَابِهِ كان يجلس رجل فقير ومريض. لم يفعل الغني أي شيء ضد لعازر سوى إهماله وتجاهله.
• علّقَ موريسون (Morrison): “رغم أن المسافة بين هذين الرجلين لم تكن بعيدة، إلا أنهما كانا في الواقع يبعدان عن بعض مسافة هائلة.”
• كما ويُعلّق باركلي (Barclay): “أُخِذَ اسم لعازر من الكلمة اللاتينية Eleazar والتي تعني “الله معيني.”
• وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ: علّق باركلي على هذه الآية: “كان الطعام في ذلك الوقت يؤكل بالأيدي، وكان الأغنياء يمسحون أيديهم بقطع من الخبز ثم يطرحونها بعيدًا… وشخص مثل لعازر المسكين كان ينتظر وقوع هذه القطع.”
• بَلْ كَانَتِ الْكِلَابُ تَأْتِي وَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ: يصف يسوع في هذه التفاصيل المُعبرة والمثيرة للغثيان بؤس حالة المتسول.
١. فَمَاتَ الْمِسْكِينُ … وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ: كليهما مات في نهاية المطاف. لم ينال لعازر دفن محترم في هذه الحياة، ولكن السماء كرمته وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. أما الغني فدفن بكرامة، ولكن لم ترافقه الملائكة ولم يذهب إلى وجهة ممتعة.
• من الواضح أن الملائكة حملت روحه؛ أي الجانب غير المادي والأبدي من كيانه. باستثناء عمل الملاك، هذا ما حدث مع الرجل الغني. دفنت جثته وبقي على الأرض، ولكن روحه كانت فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ.
• ويُعلّق بايت (Pate): يمكن تفسير فكرة حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ بواحدة من الأفكار التالية:
• فكرة أنه في الموت يَمْضِي الأبرار إِلَى آبَائِهم في الإيمان (تكوين ١٥:١٥، ٨:٢٥).
• فكرة حب الوالدين ورعايتهم، كما هو مذكور في يوحنا ١٨:١ (اَلِابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الْآبِ…).
• فكرة الجلوس في مَكَانِ الصَّدَارَةِ على المأدبة، كما في يوحنا ٢٣:١٣.
• لا ينبغي أن نعتقد بأن لعازر نال الخلاص بسبب فقره، ولا أن الرجل الغني هلك بسبب ثروته. لا بد وأن لعازر كان يتمتع بعلاقة حقيقية مع الله الحي، وأن الرجل الغني لم تكن له علاقة بالله. ظروف حياتهم ربما جعلت الإيمان أسهل أو أصعب، ولكن الظروف لم تولد الإيمان.
٢. فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ: يبدو أن الرجل الغني لم يكن بعيدًا عن لعازر؛ رغم أن بينهما عالمٌ كامل. كان الغني في مكان مليءٍ بالعذاب والألم، بينما كان لعازر يتمتع بعناية وتعزية إبراهيم.
• ويُعلّق تراب (Trapp): “عقاب بلا شفقة وبؤس بلا رحمة وحزن بلا عزاء وبكاء بلا تعاطف وأذى دون حدود، وعذاب يصعب تصوره.”
٣. فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ: يصف يسوع هنا مكان يدعى الجَحِيمِ (الْهَاوِيَةِ)، ويبدو أنه المسكن المشترك للموتى. لم يكن الرجل الغني ولعازر في نفس المكان، ولكنهما لم يكونا بعيدين عن بعضهما البعض. ربما من الأفضل أن نقول أنهما كانا في منطقتين مختلفتين من نفس المكان الذي يُدعى (الجَحِيمِ أو الهاوية)، كان الأول منطقة العذاب والثاني منطقة الراحة (حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ).
• نجد في قصة يسوع بعض التلميحات حول الآخرة (الحياة بعد الموت)، كما كانت تعرف في الماضي وتعرف الآن. ونستطيع أن نقول وحسب وصف يسوع أنه في ذلك الوقت – وقبل أن ينهي يسوع عمله على الصليب – كانت الأرواح الميتة تصعد إلى مكان يدعى الجحيم. البعض يرتاح فيه؛ والآخر يتعذب.
• الجَحِيمِ «هادِس» هي كلمة يونانية، وتحمل نفس معنى الكلمة العبرية الْهَاوِيَةِ «شيول»، أي “مكان الموتى.” ولكن ليس هناك أية إشارة مباشرة على أن الْهَاوِيَةِ «شيول» هي مكان للعذاب الأبدي أو للراحة الأبدية، وغالبًا ما كانت تعني ببساطة “القبر.” فقد كان مفهوم الحياة الآخرة في العهد القديم أقل وضوحًا مما كان عليه في العهد الجديد.
• الجَحِيمِ من الناحية الفنية هو ليس بحيرة النار. يدعى ذلك المكان جَهَنَّمَ (Gehenna) وهي كلمة يونانية أخذت من اللغة العبرية. وتكلم يسوع عن جَهَنَّمَ في إنجيل مرقس ٤٣:٩-٤٤، وهي الترجمة اليونانية للكلمة العبرية التي تشير إلى “وادي هنّوم.” ويقع هذا الوادي خارج أسوار أورشليم وتم تدنيسه بعبادة الإلَهِ مُولَكَ وبتقديم التضحيات البشرية كقرابين (أخبار الأيام الثاني ١:٢٨-٣، إرميا ٣٥:٣٢)، كما وكان مكبًا لحرق النفايات. تعكس الحرائق المشتعلة والديدان المتقيحة في وادي هنوم صورة حية وفعالة لمصير الهالك. وكما سبق وقلنا، يسمى هذا المكان أيضًا “بحيرة النار” كما في رؤيا يوحنا ١٣:٢٠-١٥، وهو المكان المُعد للشيطان ولملائكته (متى ٤١:٢٥).
• الجَحِيمِ هو مكان الانتظار إلى أن يحين يوم الدينونة العظيم (رؤيا يوحنا ١١:٢٠-١٣). ولكن منذ أن أَنهَى يسوع عمله على الصليب، لم يعد المؤمنين الموتى ينتظرون هناك؛ بل يذهبون مباشرة إلى السماء، إلى محضر الله (كورنثوس الثانية ٦:٥-٧). ومن المعقول أن نفكر أنه عندما زار يسوع الهاوية كجزء من عمله الفدائي (أعمال الرسل ٢: ٢٤-٢٧، ٣١)، وكرز فيها (بطرس الأولى ١٨:٣-١٩)، حرر الأسرى الذين كانوا هناك (أفسس ٨:٤-٩، إشعياء ١:٦١). قدم يسوع في عمله وكرازته رسالة الخلاص لأشخاصٍ مثل لعازر الذي انتظر بالإيمان (عبرانيين ٣٩:١١-٤٠)، وبنفس الوقت ختم حُكم الدينونة على الأشرار وغير المؤمنين.
١. يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْنِي: كان الغني من نسل إبراهيم بكل تأكيد، ولم يتبرأ إبراهيم منه حتمًا. ومع ذلك كونه ابن إبراهيم لم يكن كافيًا للخلاص من عذابه في الحياة الآخرة. أصبح الرجل الغني الآن هو المتسول الذي يترجى إبراهيم.
• نكرر ونقول مرة أخرى أن الرجل الغني لم يكن في العذاب لأنه كان غنيًا؛ ولكن لأنه عاش حياة بعيدة عن محبة الله ولم يضع ثقته به، وهذا ما تجلى في حياته بوضوح. بالمناسبة، كان إبراهيم أكثر ثراءً من الرجل في هذه القصة.
٢. أَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي: حتى في الحياة الآخرة تصرف الرجل الغني بتفوق، واستمر في معاملة لعازر كالخادم. وهذا يدل على أن الموت لم يأخذ منه إحساسه بالاستحقاق وبمكانته الاجتماعية في الحياة.
• كتب موريسون (Morrison): “لم يستطع أن ينكر معرفته بلعازر، فقد ميزه في الحال وهو في حضن إبراهيم. فالمعرفة إذًا لم تكن سر مأساته بل الأفكار.”
• لم ينزع الموت شهوة الرجل الغني، بل نزع القدرة على تحقيق تلك الشهوة. هذا هو العذاب الحقيقي، وكان يتوق لقطرة واحدة فقط ليرتاح.
٣. يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ: تمتع الغني بكل الخيرات على الأرض؛ ولكنه لم يشاركها مع الآخرين ولم يستخدمها للتحضير لحياته الأبدية.
• نرى هنا التناقض الواضح بين الغني ووكيل الظلم في المثل السابق (لوقا ١:١٦-١٢). فقد استخدم وكيل الظلم منصبه الحالي للتحضير لمنصبه التالي؛ أما الرجل الغني فلم يفعل ذلك.
٤. بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ هَهُنَا إِلَيْكُمْ لَا يَقْدِرُونَ: على الرغم من أن الغني كان بإمكانه رؤية إبراهيم والتحدث معه، إلا أنه لم يكن على مقربة منه على الإطلاق. كانت هناك هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ بينهما، كما تثبتت مصائرهم إلى الأبد.
• دعونا ألا ننسى أن كل هذا يحدث مع روح الرجل الغني، أي الجزء غير المادي من كِيانه. فلم يتوقف وجوده أو إدراكه رغم أن جثته لا تزال مدفونة في التراب.
• نحن لا نرى أي فكرة تشير إلى رقود أو زوال الروح. علّقَ بايت (Pate) على ذلك: “لا يوجد تلميح هنا عن مكان اسمه المَطْهر purgatory أو مكان للتطهير. فالهُوَّةٌ العَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، ويفترض أن من ثبتها هو الله.”
١. أَسْأَلُكَ إِذًا يَا أَبَتِ: نرى التشديد ثانية هنا على أن الرجل الغني أصبح هو المتسول الآن وليس لعازر.
٢. أَسْأَلُكَ إِذًا، يَا أَبَتِ، أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى بَيْتِ أَبِي، لِأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ: وكما قلنا سابقًا، ما زال الرجل الغني يعامل لعازر على أنه خادمه. ويطلب من إبراهيم أن يرسل لعازر في مهمة أخرى (ربما في حلم أو رؤية)، وهذه المرة ليساعد أشقائه الخمسة.
• تذكر الرجل الغني أقاربه وأراد رعايتهم حتى بعد أن ترك الحياة. وهذا دليل على أن ذاكرته لم تُمسح تمامًا، ولم يعطى حسٌ جديد.
٣. لِكَيْلَا يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هَذَا: اِهتمام الرجل الغني الآن فقط بعدم ذهاب الآخرين إلى الْعَذَابِ. فقد عاش حياته غير مكترثًا بهذا الأمر، ولم يسعى لخلاص نفسه أو الآخرين. وإن كان بإستطاعته الذهاب بنفسه إلى إخوته، لفعل؛ ولكنه بدأ يدرك أنه أمر مستحيل، لهذا لم يطلب ذلك.
• تفكير الغني بإخوته الخمسة كان المؤشر الأول على أنه فكر بأي شخص ما عدا نفسه. ولكن لسوء الحظ، اهتمامه بالآخرين جاء بعد فوات الأوان، فهو غير قادر الآن صنع الخير لأحد.
٤. عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ: أشار إبراهيم أن لدى إخوته كل المعلومات اللازمة لتجنب عذاب الجحيم. وسيكون كافيًا إن سمعوا مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ وأطاعوا وصاياهم.
• كتب بايت (Pate): “استخدم لوقا فعل الماضي المستمر في رد إبراهيم: قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ.”
• وكتب سبيرجن (Spurgeon): “عندما يشهد العِلْم عن حقيقة الوحي، رغم هيمنته على كل خليقة الله، عندما يشهد تاريخ المدن المدفونة والأمم المندثرة عن صحة الكتاب المقدس، عندما تشهد كل قطعة على وجه الأرض وتؤكد نبوءات الكتاب المقدس؛ ومع ذلك لا يقتنع الإنسان، فهل من الممكن أن يقنعه شخص قام من الأموات؟”
• وأضاف سبيرجن (Spurgeon): “إن لم يكن الكتاب المقدس كافيًا بالنسبة لك لتؤمن في المسيح، فلن تكون راضيًا أبدًا حتى لو نزل ملاك من السماء أو ظهر أحد القديسين أو حتى جاء الله بنفسه وبشرك شخصيًا.”
٥. لَا، يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ: اعترض الرجل الغني على الفور، عالمًا أن عائلته لم تأخذ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ على محمل الجد. وكان يأمل أنهم سيقتنعون أكثر إن مضى إليهم واحد من الأموات من مجرد قراءة كلمة الله. ولكن هذا لن يحدث بالطبع، لأنهم إن لم يؤمنوا بسبب كلمة الله، فلن يؤمنوا حتى وإن قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ.
• عرف الرجل الغني ما يجب على إخوته أن يفعلوه: أن يَتُوبُونَ، رغم أنه لم يفعل ذلك أيضًا. وأعرب عن أمله أن قيامة أحدهم من الأموات من شأنها إقناعهم؛ ولكن إبراهيم عرف أن هذا لن ينجح. ففي نهاية المطاف، يعتقد غير المؤمن أن الكتاب المقدس مليء بالحديث عن الدينونة والجحيم؛ ولا يريد أن يسمع المزيد، حتى لو جاء ملاك من السماء.
• قام يسوع من الأموات؛ ومع ذلك لم يؤمن به الكثيرين. وقام شخص آخر اسمه لعازر من الأموات (يوحنا ٣٨:١١-٤٤) ولكن القادة الدينيين لم يصدقوا أيضًا، بل على العكس تمامًا، حاولوا قتله (يوحنا ٩:١٢-١٠).
• أظهر يسوع في هذه القصة أهمية عدم الاعتماد على العلامات والمعجزات لأنها لا تأتي بالناس إلى الإيمان. فمن السهل أن نفكر أنه إذا رأى الناس علامة أو معجزة مذهلة، فسوف يؤمنون. ولكن ما يخلق الإيمان ويؤدي إلى الخلاص هو سماع كلمة الله (رومية ١٧:١٠)؛ قد يكون للعلامة دور أو ربما لا يكون. فالله الذي يعمل من خلال كلمته يملك السلطان ليمنحنا الخلاص. علّقَ مورغان (Morgan): “يعلن الله أن الكتابات المقدسة في حد ذاتها قوية ولها نفس تأثير الرسالة التي سيأتي بها شخص قام من بين الأموات.”
• وعلّقَ سبيرجن (Spurgeon): “على مقبرة الكنيسة أن تكون كافية لتقنع الكافر الذي ينكر حقيقة المسيحية؛ إلا أنني لا أعتقد أنه سيكون هناك ما يكفي من أدلة في كنائس العالم لإقناعه. فغير المؤمن سيستمر في طلب المزيد من الأدلة.”
• وأضاف سبيرجن: “لم يكن لعازر الذي في حضن إبراهيم واعظًا ماهرًا إن قارناه مع واعظ حي، ولكن مُست شفتاه بجمرة من على المذبح.”
• لم يضل الرجل الغني بسبب غِناه. بل ضل لأنه لم يسمع للناموس وللأنبياء. وكثيرون سيكون لهم نفس المصير ولنفس السبب.
• بطريقة ما، كان الرجل الغني مختلفًا تمامًا عن الكتبة والفريسيين. فقد عاش حياة الرفاهية المتناهية، أما الفريسيين فقد عاشوا حياة متزمتة ومنضبطة للغاية، أي عكسه تمامًا. ومع ذلك كان هناك عامل مشترك بينهما: لم يهتموا بالمحتاجين من حولهم، واحتقروهم بالإهمال. ولهذا شعروا بالإساءة الشديدة عندما عَلَمَ يسوع واهتمَّ بالخطاة والعشارين (لوقا ١:١٥-٢). كتب موريسون (Morrison): “مئة ميل قد تفصل بين نهرين، وبالرغم من ذلك، يتدفق كليهما من نفس البحيرة.”
إنجيل لوقا – الإصحاح ١٦ – المال والبر
أولًا. مَثَل وكيل الظلم
أ ) الآيات (١-٨): ماذا فعل وكيل الظلم
١وَقَالَ أَيْضًا لِتَلَامِيذِهِ: «كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ لَهُ وَكِيلٌ، فَوُشِيَ بِهِ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ. ٢فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عَنْكَ؟ أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ لِأَنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ وَكِيلًا بَعْدُ. ٣فَقَالَ الْوَكِيلُ فِي نَفْسِهِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟ لِأَنَّ سَيِّدِي يَأْخُذُ مِنِّي الْوَكَالَةَ. لَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُبَ، وَأَسْتَحِي أَنْ أَسْتَعْطِيَ. ٤قَدْ عَلِمْتُ مَاذَا أَفْعَلُ، حَتَّى إِذَا عُزِلْتُ عَنِ الْوَكَالَةِ يَقْبَلُونِي فِي بُيُوتِهِمْ. ٥فَدَعَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْيُونِي سَيِّدِهِ، وَقَالَ لِلْأَوَّلِ: كَمْ عَلَيْكَ لِسَيِّدِي؟ ٦فَقَالَ: مِئَةُ بَثِّ زَيْتٍ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ وَاجْلِسْ عَاجِلًا وَاكْتُبْ خَمْسِينَ. ٧ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ: وَأَنْتَ كَمْ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: مِئَةُ كُرِّ قَمْحٍ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ صَكَّكَ وَاكْتُبْ ثَمَانِينَ. ٨فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ، لِأَنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ.
١. وَقَالَ أَيْضًا لِتَلَامِيذِهِ: يبدو أنها حادثة مختلفة عن سابقتها في الإصحاح السابق. نرى هنا أن يسوع كان يُعلم تَلَامِيذِهِ وليس الجُمُوع الكَثِيرَة التي رأيناها في لوقا ١٤. على أية حال، بينما كان يسوع يُعلم تَلَامِيذِهِ، كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ يَسْمَعُونَ هَذَا كُلَّهُ (لوقا ١٤:١٦).
٢. كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ لَهُ وَكِيلٌ: الوكيل هو المدير الذي يهتم بالأمور المالية والممتلكات. في القصة التي رواها يسوع، سمع رئيس الوكيل (الإنْسَانٌ الغَنِيٌّ) بأن وكيله قد خدعه (يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ)، وناداه ليقدم حسابًا عن وكالته.
• ويُعلّق باركلي (Barclay): “يبدو أن هذا الرجل اختار مهنة الاختلاس.”
• “أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” سيسمع الجميع هذه الكلمات يومًا، الأبرار والأشرار على حد سواء. على الجميع أن يعطي حِسَابَ وكالته لله بطريقة ما. وأشار سبيرجن أن على كلٌ منا سيعطي حساب وكالته عن الوقت والمواهب والممتلكات وبتأثيره على الآخرين.
• يومًا ما ستنتهي وكالتنا. فالوعظ وقدراتنا العقلية ومقاومتنا لن تدوم إلى الأبد. ولن تستمر ثروات هذا العالم إلى الأبد أيضًا. حتى وكالة الأم على أولادها ستتغير أو تقل. وإذا لم يأتِ يسوع أولًا، فسنموت جميعًا وسننتقل من هذه الحياة إلى الأخرى.
٣. مَاذَا أَفْعَلُ؟ لِأَنَّ سَيِّدِي يَأْخُذُ مِنِّي الْوَكَالَةَ: عندما عَلِمَ الوكيل بأنه سيقدم حسابًا عن وكالته، أدرك أيضًا أن إدارته الفاسدة ستنكشف، وأن خيارته الأخرى سيئة للغاية (أنا لَستُ قَوِيًّا لِأقُومَ بِأعمالِ الفِلاحَةِ، وَأستَحِي أنْ أتَسَوَّلَ).
٤. فَدَعَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْيُونِي سَيِّدِهِ: أقام الوكيل صداقات مع المديونين عن طريق تسوية حساباتهم بدفع مبالغ أقل من الدين الفعلي. فعندما علم الوكيل أنه سيعطي حساب وكالته، استغل منصبه الحالي للاستعداد للمرحلة التالية من حياته.
٥. فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ: في حين لم يوافق السيد على سلوك وكيله، إلا أنه أُعجب بدهائه وحكمته. وأضاف يسوع بأن رجال الأعمال في جيله (أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ) كانوا أكثر حكمة وجراءة وتقدمًا في إدارة وكالتهم (أَحْكَمُ) من شعب الله في إدارة وكالتهم (أَبْنَاءِ النُّورِ).
• اعتبر البعض أن هذا المثل كان من أصعب الأمثال التي قالها يسوع، لأنه استخدم وَكِيلَ الظُّلْمِ كمثل ليعلم التلاميذ. فقد يستخدم الله أحيانًا ما هو شرير ومألوف لدينا ليوضح نقطة معينة، ولكن دون مدح الشر نفسه. استخدم بولس نفس المبدأ عندما استعان بأشياء مثل الحرب والعبودية ليوضح أمور معينة عن الحياة المسيحية.
• ومع ذلك، كان وكيل الظالم مثالًا جيدًا من عدة نواحي. أولًا، كان يعلم أنه سيعطي حساب عن حياته لذلك أخذ الموضوع على محمل الجد. على المؤمنين أيضًا أن يأخذوا فكرة تقديم حِسَابَ عن وِكَالَتِهم على محمل الجد، ويجب أن يفرحوا بهذا لأنهم خدموا السيد بأمانة. ثانيًا، استغل منصبه الحالي لترتيب مستقبل مريح.
• تقييم يسوع لا يزال صحيحًا حتى يومنا هذا: فأَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ. إذا سعينا كمؤمنين وراء ملكوت الله بنفس القوة والحماس الذي يسعى اليه أبناء هذا العالم لتحقيق الربح والمتعة، فحتمًا سنعيش في عالم مختلف تمامًا. ويمكننا القول أنه من العار على الكنيسة أن تكون شركة الكوكاكولا أكثر انتشارًا من إنجيل يسوع المسيح. وهذه كله ببساطة لأن أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ.
• ويُعلّق ماكلارن (Maclaren): “اذهبوا إلى العالم يا مؤمنين، ولا تسمحوا أن يقال أن طلاب الشيطان أكثر جدية ومواظبة من تلاميذ المسيح.”
ب) الآية (٩): استخدموا المال الآن ولكن بنظرة أبدية
٩وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ، حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الْأَبَدِيَّةِ.
١. اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ (اِكْسِبُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ هَذِهِ الدُّنْيَا): ذكرنا يسوع من خلال هذا المثل بحاجتنا إلى استخدام مواردنا الحالية للتخطيط لمستقبلٍ أبدي.
• كتب بايت (Pate): “مَالِ الظُّلْمِ: حرفيًا ’مامون mammon‘ وهي كلمة آرامية تعني “ثروة” ولكن بمعناها السلبي.
• وعلّقَ كلارك (Clarke) أن يسوع وصفه بِمَالِ الظُّلْمِ لأن: “الثروات تعّد بالكثير، ولكنها لا تفعل شيئًا. تبعث الأمل والثقة، ولكنها تخدع النفس. وتجعل المرء يعتمد عليها للحصول على السعادة، ولكنها تسرق منه خلاص الله والمجد الأبدي.”
٢. حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الْأَبَدِيَّةِ (حَتَّى إِذَا ذَهَبَ عَنْكُمْ، تُقْبَلُونَ فِي دَارِ الْخُلُودِ): إن العالم مليء بالمخططين الماليين والمستشارين؛ ومن الجيد أن يتعلم المؤمن كيف يستخدم أمواله بحكمة. ولكن عندما يتحدث معظم المؤمنين عن الإدارة الحكيمة للمال، فإنهم ينسون ممارسة أهم نوع من الاستثمار طويل المدى: الاستثمار بعيون نحو الأبدية … الْمَظَالِّ الْأَبَدِيَّةِ.
• أهم استثمار في حياتك هو أن تقديم كل مواردك لله الآن؛ ينتظر معظمنا إلى أن يأتي اليوم ونحصل على كفايتنا من المال.
• أقيم منذ فترة طويلة (١٩٩٢م) بحثًا سئل به الناس عن المبلغ المطلوب للحصول على حياة مريحة. أجاب الذين يكسبون ٠٠٠ر٢٥ دولار أو أقل في السنة أنهم يحتاجون إلى حوالي ٠٠٠ر٥٤ دولار ليستمتعوا بحياة مريحة. وقال من دخلهم السنوي ٠٠٠ر١٠٠ دولار أنهم يستطيعون العيش بطريقة أفضل بمتوسط وقدره ٠٠٠ر١٩٢ دولار سنويًا. فتشير هذه الأرقام إلى أننا نعتقد أنه بمضاعفة دخلنا سنتمكن من التمتع بحياة أفضل بدلًا من التمتع بها الآن.
ج ) الآيات (١٠-١٢): الْأَمِينُ فِي الْأُمُورِ الْبَسِيطَةِ، هُوَ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْأُمُورِ الْكَبِيرَةِ
١٠اَلْأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ. ١١فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ ١٢وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ، فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ؟
١. اَلْأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ: اعتبر يسوع من خلال هذه الكلمات أن المال هو من أقل الأمور. فإذا كان الشخص غير أمين في إدارة الأشياء الأقل، فكيف نثق به ليكون أمينًا في إدارة الأشياء الأكثر!
• فالغير أمين والزائف في حياته اليومية، سيكون غير أمين وزائف في حياته الروحية أيضًا، فمهما حاول أن يُظهر بمظهر المؤمن – فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ (الثروات الروحية).
٢. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟: على القادة الروحيين أن يديروا أموالهم الخاصة جيدًا. فإن كان الشخص غير أمين في المال الذي أعطاه الله إياه، فكيف يمكن أن يكون أمينًا في رعايته للناس؟
• لا يعني هذا مطلقًا أن على القادة في الكنائس أن يكونوا أغنياء أو يجنون الكثير من المال. ولكن الأمر يتعلق في كيفية إدارة الموارد التي أعطاها الله لهم، وليس في حجمها.
• لكن لسوء الحظ، وعندما يتعلق الأمر بالسؤال: فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، نجد أن عدد كبير جدًا من المؤمنين مستعدين أن يضعوا أمورهم الروحية تحت رعاية شخص غير قادر على الاهتمام فِي مَالِ الظُّلْمِ (بِمَالِ هَذِهِ الدُّنْيَا).
٣. وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَا هُوَ لِلْغَيْرِ: يبدو أن يسوع يشير هنا إلى حقيقة أن كل ممتلكاتنا هي لله، وعلينا أن نحرص على إدارة موارده بالشكل الجيد. سننال البركة إن كنا أمناء (فَمَنْ يُعْطِيكُمْ مَا هُوَ لَكُمْ).
• كتب ماير (Meyer): “يختبر الله الإنسان بمنحه المال، ليعرف إن كان يستطيع الوثوق به في سوق أورشليم الجديدة.”
د ) الآية (١٣): لا يمكن لأحد أن يكون أمينًا لسيدين
١٣لَا يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الْآخَرَ، أَوْ يُلَازِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الْآخَرَ. لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ».
١. لَا يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ: خدمة سَيِّدَيْنِ ليس كالعمل في وظيفتين. يشير يسوع هنا إلى العلاقة التي تنشأ بين السيد والعبد. فلا يمكن للعبد أن ينتمي إلى سَيِّدَيْنِ في نفس الوقت.
• قال يسوع أن خدمة سيدين أمر مستحيل. وإذا كنت تعتقد أنك ستنجح في ذلك، فأنت تخدع نفسك. يمكن للمرء أن يملك كل من الله والمال؛ ولكنه لن يستطيع أن يخدم الله والمال.
• يتكلم يسوع عن القلب هنا. فكثيرين يقولون أنهم يحبون الله، ولكن خدمتهم للمال تدل على أنهم في الواقع لا يحبونه. كيف يمكننا أن نعرف من نخدم وماذا نخدم؟ نجد الإجابة في هذا المبدأ: هل ستضحي من أجل إلهك؟ فإن كنت مستعدًا للتضحية من أجل المال وليس من أجل يسوع، فالمال هو إلهك، فلا تخدع نفسك.
• سقط رجل الأعمال، بعد ظهر أحد أيام الجمعة في العام ١٩٩٠م، عند درج مكتبه في لوس انجيلوس جراء طلقات نارية في صدره. مات بعيدًا عن أولاده الثلاثة ولكنه كان متمسكًا بساعته الرولكس الباهظة الثمن. كان ضحية من ضحايا سارقي ساعات الرولكس – قدم نفسه ذبيحة لإلهه.
• وأشارت معلمة مدرسة: “لا يفهم الرجال أن التسوق هو دواءنا المفضل.” رغم اعترفها بأنها تنفق كل مرتبها لتسديد رصيد بطاقات الائتمان، إلا أنها أضافت مازحة: “الدخول إلى مكان التسوق يشبه الدخول عبر بوابات السماء. وأن الله صنع صندوق السيارة لتضع النساء أكياس التسوق فيها.”
• وأوضحت سيدة أعمال تدعى ماري: “التسوق هو وسيلتي الوحيدة للاستجمام. إنها الطريقة الوحيدة لتدليل نفسي. فعندما تدخل المركز التجاري وترى كل تلك المحلات، كأن شيئًا رائعًا يمتلكها ويسيطر عليك.”
٢. لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ: يعتقد البعض لأنهم لا يملكون المال فهم ليسوا عبيدًا له. ولكن لا يجب أن تكون غنيًا لكي تخدم المال؛ فالفقراء مؤهلين للجشع والطمع تمامًا كالأغنياء.
• علّقَ مورغان (Morgan): “عندما نخدم الله، نستخدم المال لإِعْطَاء الحَسَنَة وَفعْل الخير. ولكن عندما نخدم المال، نتجاهل مطالب الله.”
• ويُعلّق تراب (Trapp): “الحكمة الأرضية تجعلك متفوقًا على الآخرين؛ ولكنها لا تساعدك البتة في الدخول إلى السماء.”
• وأضاف مورغان (Morgan): “يصبح المال لعنة لمن إلهه المال، لأن قلبه يتقسى وعطاءه ينشل. أما الإنسان التقي فالمال هو بركة، لأنه الوسيلة الذي يعبر فيه عن تعاطفه مع الآخرين حوله.”
هـ) الآيات (١٤-١٥): رد يسوع على استهزاء الفريسيون
١٤وَكَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضًا يَسْمَعُونَ هَذَا كُلَّهُ، وَهُمْ مُحِبُّونَ لِلْمَالِ، فَاسْتَهْزَأُوا بِهِ. ١٥فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ! وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ. إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ.
١. فَاسْتَهْزَأُوا بِهِ: كان استهزاء الفريسيين متمحورًا حول مصلحتهم الشخصية. فهُمْ مُحِبُّونَ لِلْمَالِ. في كثير من الأحيان نرفض رسالة يسوع لأنها ستؤثر على ما هو عزيز على قلوبنا.
• فَاسْتَهْزَأُوا بِهِ: كتب باركلي (Barclay): “تعني الكلمة حرفيًا أنهم لم يرفضوه بالكلام فحسب، بل عبروا عن رفضهم باِستخدام لغة الجسد أيضًا.”
٢. أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ! وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ: يمكننا أن نبرر أنفسنا أمام الناس ويمكننا أيضًا خداعهم بالكلام المعسول وبالابتسامة. وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ – فعندما نخدم سيد آخر، من المستحيل أن نتبرر أمام الله، مهما قال الإنسان.
• فكرة أن الله يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ أمر مُريح للبعض، ولكنه لعنة لآخرين.
٣. إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ: يحكم الله قلوبنا بقيم تختلف تمامًا عن قيمنا. فالإنسان قد يكرم شخص بسبب ثروته أو روحانياته؛ ولكن الله يعرف حقيقته.
و ) الآيات (١٦-١٨): ناموس الله الثابت
١٦«كَانَ النَّامُوسُ وَالْأَنْبِيَاءُ إِلَى يُوحَنَّا. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ. ١٧وَلَكِنَّ زَوَالَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ. ١٨كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُلٍ يَزْنِي.
١. كَانَ النَّامُوسُ وَالْأَنْبِيَاءُ إِلَى يُوحَنَّا: أشار يسوع إلى أن خدمة يوحنا المعمدان كانت نهاية جزء كبير من خطة الله. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (وقت انتهاء خدمة يوحنا المعمدان) قُدم الخبر السار للعهد الجديد بنظام مختلف عن الناموس ولكن يُكمله.
٢. يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ (يُجاهِدُ لِلدُّخُولِ إِلَيْهِ): كان هناك مئات من الثوريين في زمن يسوع يريدون استخدام العنف ليأتي ملكوت الله. في حين لا نشبههم في العنف ولا التفاني ولا الاستعداد للتضحية أو حتى الشغف لرؤية ملكوت المسيا، إلا أننا نحن في حالة حرب أيضًا.
• اِقتَرَحَ بايت (Pate) أن جملة يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ لا تصف الجهد والحماس اللازمين للسعي وراء ملكوت الله. بل تصف المحاولات الشيطانية (وعملاءهم البشر) للدخول عنوة إلى ملكوت الله لتعطيل أو تدمير العمل فيه، وتصف المقاومة التي كانت ضد خدمة يسوع. ومما لا شك فيه أن هذين الوصفين صحيحين.
٣. وَلَكِنَّ زَوَالَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ: عندما تكلم يسوع عن الجانب الجديد من عمل الله الذي بدء بعد خدمة يوحنا المعمدان، لم يرغب أن يفكر أحدًا أن الجانب الجديد كان تجاهل أو إِهمال الناموس.
• النظام الجديد الذي علينا أن نجتهد فيه ليس نظامًا يدعونا للتمرد؛ بل نظامًا جديدًا لطاعة الله والخضوع له؛ فنظامه الجديد يُكمل الناموس.
٤. كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي: على سبيل المثال، موضوع الزواج، لا يزال الناموس ملزمًا مهما حاول بعض معلمي اليهود تفسيره. فقد عَلَمَ بعض المعلمين اليهود أنه إذا أحرقت امرأة فطور زوجها، كان هذا سببًا كافيًا للطلاق، وإن وجد الزوج إمرأة أجمل فيجوز له الطلاق أيضًا.
• قدم يسوع المفهوم المثالي للزواج والطلاق. ولكن الخطورة أن نبني عقيدة على تصريح منفرد قاله يسوع دون الأخذ بعين الاعتبار مجمل النص.
• عَلَمَ يسوع أن الزنى كان سببًا مقبولًا للطلاق (متى ٣١:٥-٣٢، ٧:١٩-٩)، وأضاف بولس لاحقًا أنه يُسمح بالطلاق في حال طلب الطرف غير المؤمن الانفصال (كورنثوس الأولى ١٥:٧). وبسبب هاتين الحالتين الواضحتين فقط، أشار يسوع إلى أن من يطَلِّقُ امْرَأَتَهُ بدون أي سبب كتابي وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى … يَزْنِي.
• ويؤكد يسوع مرة أخرى على فكرة أن الله لا يزال مهتمًا بناموسه وبطاعتنا في العهد الجديد (منذ خدمة يوحنا المعمدان).
ثانيًا. قصة لعازر والغني
أ ) الآيات (١٩-٢١): لعازر والرجل الغني على الأرض
١٩«كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ وَكَانَ يَلْبَسُ الأُرْجُوانُ وَالْبَزَّ وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا. ٢٠وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ، ٢١وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ، بَلْ كَانَتِ الْكِلَابُ تَأْتِي وَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ.
١. كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ: لم يقدم يسوع هذه القصة كمثل، كما ولم يَذْكر أية أسماء في الأمثال الأخرى من قبل (كما فعل هنا مع الرجل الفقير). لهذا نستطيع القول أن يسوع أشار إلى قصة واقعية، قصة عَرَفَهَا بِعِلمِهِ السابق.
٢. يَلْبَسُ الأُرْجُوانُ وَالْبَزَّ (وَالكِتّانِ الفاخِرِ) وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا: كان ثراء الرجل واضحًا من خلال ملابسه (الكِتّانِ الفاخِرةِ والثمينة)، ومن خلال وفرة الطعام الذي كان يستمتع به كل يوم (كان معظم الناس في تلك الثقافة يتنعمون بالطعام بضع مرات في السنة فقط).
• يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا: علّقَ باركلي (Barclay): “إشارة الى نوعية الطعام. ويبدو أنه كان يأكل طعام غالي الثمن وغريب كل يوم.”
• لا نعرف اسم الرجل الغني، ولكن جرت العادة أن يُدعى “ديفس Dives“ وهي الكلمة اللاتينية لكلمة “غني.”
٣. وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ، وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ: في مكان ليس ببعيد عن الرجل الغني – عِنْدَ بَابِهِ كان يجلس رجل فقير ومريض. لم يفعل الغني أي شيء ضد لعازر سوى إهماله وتجاهله.
• علّقَ موريسون (Morrison): “رغم أن المسافة بين هذين الرجلين لم تكن بعيدة، إلا أنهما كانا في الواقع يبعدان عن بعض مسافة هائلة.”
• كما ويُعلّق باركلي (Barclay): “أُخِذَ اسم لعازر من الكلمة اللاتينية Eleazar والتي تعني “الله معيني.”
• وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ: علّق باركلي على هذه الآية: “كان الطعام في ذلك الوقت يؤكل بالأيدي، وكان الأغنياء يمسحون أيديهم بقطع من الخبز ثم يطرحونها بعيدًا… وشخص مثل لعازر المسكين كان ينتظر وقوع هذه القطع.”
• بَلْ كَانَتِ الْكِلَابُ تَأْتِي وَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ: يصف يسوع في هذه التفاصيل المُعبرة والمثيرة للغثيان بؤس حالة المتسول.
ب) الآيات (٢٢-٢٣): لعازر والرجل الغني في الهاوية
٢٢فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ، ٢٣فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ…
١. فَمَاتَ الْمِسْكِينُ … وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ: كليهما مات في نهاية المطاف. لم ينال لعازر دفن محترم في هذه الحياة، ولكن السماء كرمته وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. أما الغني فدفن بكرامة، ولكن لم ترافقه الملائكة ولم يذهب إلى وجهة ممتعة.
• من الواضح أن الملائكة حملت روحه؛ أي الجانب غير المادي والأبدي من كيانه. باستثناء عمل الملاك، هذا ما حدث مع الرجل الغني. دفنت جثته وبقي على الأرض، ولكن روحه كانت فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ.
• ويُعلّق بايت (Pate): يمكن تفسير فكرة حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ بواحدة من الأفكار التالية:
• فكرة أنه في الموت يَمْضِي الأبرار إِلَى آبَائِهم في الإيمان (تكوين ١٥:١٥، ٨:٢٥).
• فكرة حب الوالدين ورعايتهم، كما هو مذكور في يوحنا ١٨:١ (اَلِابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الْآبِ…).
• فكرة الجلوس في مَكَانِ الصَّدَارَةِ على المأدبة، كما في يوحنا ٢٣:١٣.
• لا ينبغي أن نعتقد بأن لعازر نال الخلاص بسبب فقره، ولا أن الرجل الغني هلك بسبب ثروته. لا بد وأن لعازر كان يتمتع بعلاقة حقيقية مع الله الحي، وأن الرجل الغني لم تكن له علاقة بالله. ظروف حياتهم ربما جعلت الإيمان أسهل أو أصعب، ولكن الظروف لم تولد الإيمان.
٢. فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ: يبدو أن الرجل الغني لم يكن بعيدًا عن لعازر؛ رغم أن بينهما عالمٌ كامل. كان الغني في مكان مليءٍ بالعذاب والألم، بينما كان لعازر يتمتع بعناية وتعزية إبراهيم.
• ويُعلّق تراب (Trapp): “عقاب بلا شفقة وبؤس بلا رحمة وحزن بلا عزاء وبكاء بلا تعاطف وأذى دون حدود، وعذاب يصعب تصوره.”
٣. فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ: يصف يسوع هنا مكان يدعى الجَحِيمِ (الْهَاوِيَةِ)، ويبدو أنه المسكن المشترك للموتى. لم يكن الرجل الغني ولعازر في نفس المكان، ولكنهما لم يكونا بعيدين عن بعضهما البعض. ربما من الأفضل أن نقول أنهما كانا في منطقتين مختلفتين من نفس المكان الذي يُدعى (الجَحِيمِ أو الهاوية)، كان الأول منطقة العذاب والثاني منطقة الراحة (حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ).
• نجد في قصة يسوع بعض التلميحات حول الآخرة (الحياة بعد الموت)، كما كانت تعرف في الماضي وتعرف الآن. ونستطيع أن نقول وحسب وصف يسوع أنه في ذلك الوقت – وقبل أن ينهي يسوع عمله على الصليب – كانت الأرواح الميتة تصعد إلى مكان يدعى الجحيم. البعض يرتاح فيه؛ والآخر يتعذب.
• الجَحِيمِ «هادِس» هي كلمة يونانية، وتحمل نفس معنى الكلمة العبرية الْهَاوِيَةِ «شيول»، أي “مكان الموتى.” ولكن ليس هناك أية إشارة مباشرة على أن الْهَاوِيَةِ «شيول» هي مكان للعذاب الأبدي أو للراحة الأبدية، وغالبًا ما كانت تعني ببساطة “القبر.” فقد كان مفهوم الحياة الآخرة في العهد القديم أقل وضوحًا مما كان عليه في العهد الجديد.
• الجَحِيمِ من الناحية الفنية هو ليس بحيرة النار. يدعى ذلك المكان جَهَنَّمَ (Gehenna) وهي كلمة يونانية أخذت من اللغة العبرية. وتكلم يسوع عن جَهَنَّمَ في إنجيل مرقس ٤٣:٩-٤٤، وهي الترجمة اليونانية للكلمة العبرية التي تشير إلى “وادي هنّوم.” ويقع هذا الوادي خارج أسوار أورشليم وتم تدنيسه بعبادة الإلَهِ مُولَكَ وبتقديم التضحيات البشرية كقرابين (أخبار الأيام الثاني ١:٢٨-٣، إرميا ٣٥:٣٢)، كما وكان مكبًا لحرق النفايات. تعكس الحرائق المشتعلة والديدان المتقيحة في وادي هنوم صورة حية وفعالة لمصير الهالك. وكما سبق وقلنا، يسمى هذا المكان أيضًا “بحيرة النار” كما في رؤيا يوحنا ١٣:٢٠-١٥، وهو المكان المُعد للشيطان ولملائكته (متى ٤١:٢٥).
• الجَحِيمِ هو مكان الانتظار إلى أن يحين يوم الدينونة العظيم (رؤيا يوحنا ١١:٢٠-١٣). ولكن منذ أن أَنهَى يسوع عمله على الصليب، لم يعد المؤمنين الموتى ينتظرون هناك؛ بل يذهبون مباشرة إلى السماء، إلى محضر الله (كورنثوس الثانية ٦:٥-٧). ومن المعقول أن نفكر أنه عندما زار يسوع الهاوية كجزء من عمله الفدائي (أعمال الرسل ٢: ٢٤-٢٧، ٣١)، وكرز فيها (بطرس الأولى ١٨:٣-١٩)، حرر الأسرى الذين كانوا هناك (أفسس ٨:٤-٩، إشعياء ١:٦١). قدم يسوع في عمله وكرازته رسالة الخلاص لأشخاصٍ مثل لعازر الذي انتظر بالإيمان (عبرانيين ٣٩:١١-٤٠)، وبنفس الوقت ختم حُكم الدينونة على الأشرار وغير المؤمنين.
ج ) الآيات (٢٤-٢٦): التماس الرجل الغني
٢٤فَنَادَى وَقَالَ: يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْنِي، وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي، لِأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هَذَا اللَّهِيبِ. ٢٥فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذَلِكَ لِعَازَرُ الْبَلَايَا. وَالْآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ. ٢٦وَفَوْقَ هَذَا كُلِّهِ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ هَهُنَا إِلَيْكُمْ لَا يَقْدِرُونَ، وَلَا الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا.
١. يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْنِي: كان الغني من نسل إبراهيم بكل تأكيد، ولم يتبرأ إبراهيم منه حتمًا. ومع ذلك كونه ابن إبراهيم لم يكن كافيًا للخلاص من عذابه في الحياة الآخرة. أصبح الرجل الغني الآن هو المتسول الذي يترجى إبراهيم.
• نكرر ونقول مرة أخرى أن الرجل الغني لم يكن في العذاب لأنه كان غنيًا؛ ولكن لأنه عاش حياة بعيدة عن محبة الله ولم يضع ثقته به، وهذا ما تجلى في حياته بوضوح. بالمناسبة، كان إبراهيم أكثر ثراءً من الرجل في هذه القصة.
٢. أَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي: حتى في الحياة الآخرة تصرف الرجل الغني بتفوق، واستمر في معاملة لعازر كالخادم. وهذا يدل على أن الموت لم يأخذ منه إحساسه بالاستحقاق وبمكانته الاجتماعية في الحياة.
• كتب موريسون (Morrison): “لم يستطع أن ينكر معرفته بلعازر، فقد ميزه في الحال وهو في حضن إبراهيم. فالمعرفة إذًا لم تكن سر مأساته بل الأفكار.”
• لم ينزع الموت شهوة الرجل الغني، بل نزع القدرة على تحقيق تلك الشهوة. هذا هو العذاب الحقيقي، وكان يتوق لقطرة واحدة فقط ليرتاح.
٣. يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ: تمتع الغني بكل الخيرات على الأرض؛ ولكنه لم يشاركها مع الآخرين ولم يستخدمها للتحضير لحياته الأبدية.
• نرى هنا التناقض الواضح بين الغني ووكيل الظلم في المثل السابق (لوقا ١:١٦-١٢). فقد استخدم وكيل الظلم منصبه الحالي للتحضير لمنصبه التالي؛ أما الرجل الغني فلم يفعل ذلك.
٤. بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ هَهُنَا إِلَيْكُمْ لَا يَقْدِرُونَ: على الرغم من أن الغني كان بإمكانه رؤية إبراهيم والتحدث معه، إلا أنه لم يكن على مقربة منه على الإطلاق. كانت هناك هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ بينهما، كما تثبتت مصائرهم إلى الأبد.
• دعونا ألا ننسى أن كل هذا يحدث مع روح الرجل الغني، أي الجزء غير المادي من كِيانه. فلم يتوقف وجوده أو إدراكه رغم أن جثته لا تزال مدفونة في التراب.
• نحن لا نرى أي فكرة تشير إلى رقود أو زوال الروح. علّقَ بايت (Pate) على ذلك: “لا يوجد تلميح هنا عن مكان اسمه المَطْهر purgatory أو مكان للتطهير. فالهُوَّةٌ العَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، ويفترض أن من ثبتها هو الله.”
د ) الآيات (٢٧-٣١): يفكر الغني بإخوته
٢٧فَقَالَ: أَسْأَلُكَ إِذًا، يَا أَبَتِ، أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى بَيْتِ أَبِي، ٢٨لِأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ لِكَيْلَا يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هَذَا. ٢٩قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ. ٣٠فَقَالَ: لَا، يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ. ٣١فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءِ، وَلَا إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ».
١. أَسْأَلُكَ إِذًا يَا أَبَتِ: نرى التشديد ثانية هنا على أن الرجل الغني أصبح هو المتسول الآن وليس لعازر.
٢. أَسْأَلُكَ إِذًا، يَا أَبَتِ، أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى بَيْتِ أَبِي، لِأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ: وكما قلنا سابقًا، ما زال الرجل الغني يعامل لعازر على أنه خادمه. ويطلب من إبراهيم أن يرسل لعازر في مهمة أخرى (ربما في حلم أو رؤية)، وهذه المرة ليساعد أشقائه الخمسة.
• تذكر الرجل الغني أقاربه وأراد رعايتهم حتى بعد أن ترك الحياة. وهذا دليل على أن ذاكرته لم تُمسح تمامًا، ولم يعطى حسٌ جديد.
٣. لِكَيْلَا يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هَذَا: اِهتمام الرجل الغني الآن فقط بعدم ذهاب الآخرين إلى الْعَذَابِ. فقد عاش حياته غير مكترثًا بهذا الأمر، ولم يسعى لخلاص نفسه أو الآخرين. وإن كان بإستطاعته الذهاب بنفسه إلى إخوته، لفعل؛ ولكنه بدأ يدرك أنه أمر مستحيل، لهذا لم يطلب ذلك.
• تفكير الغني بإخوته الخمسة كان المؤشر الأول على أنه فكر بأي شخص ما عدا نفسه. ولكن لسوء الحظ، اهتمامه بالآخرين جاء بعد فوات الأوان، فهو غير قادر الآن صنع الخير لأحد.
٤. عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ: أشار إبراهيم أن لدى إخوته كل المعلومات اللازمة لتجنب عذاب الجحيم. وسيكون كافيًا إن سمعوا مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ وأطاعوا وصاياهم.
• كتب بايت (Pate): “استخدم لوقا فعل الماضي المستمر في رد إبراهيم: قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ.”
• وكتب سبيرجن (Spurgeon): “عندما يشهد العِلْم عن حقيقة الوحي، رغم هيمنته على كل خليقة الله، عندما يشهد تاريخ المدن المدفونة والأمم المندثرة عن صحة الكتاب المقدس، عندما تشهد كل قطعة على وجه الأرض وتؤكد نبوءات الكتاب المقدس؛ ومع ذلك لا يقتنع الإنسان، فهل من الممكن أن يقنعه شخص قام من الأموات؟”
• وأضاف سبيرجن (Spurgeon): “إن لم يكن الكتاب المقدس كافيًا بالنسبة لك لتؤمن في المسيح، فلن تكون راضيًا أبدًا حتى لو نزل ملاك من السماء أو ظهر أحد القديسين أو حتى جاء الله بنفسه وبشرك شخصيًا.”
٥. لَا، يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ: اعترض الرجل الغني على الفور، عالمًا أن عائلته لم تأخذ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ على محمل الجد. وكان يأمل أنهم سيقتنعون أكثر إن مضى إليهم واحد من الأموات من مجرد قراءة كلمة الله. ولكن هذا لن يحدث بالطبع، لأنهم إن لم يؤمنوا بسبب كلمة الله، فلن يؤمنوا حتى وإن قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْوَاتِ.
• عرف الرجل الغني ما يجب على إخوته أن يفعلوه: أن يَتُوبُونَ، رغم أنه لم يفعل ذلك أيضًا. وأعرب عن أمله أن قيامة أحدهم من الأموات من شأنها إقناعهم؛ ولكن إبراهيم عرف أن هذا لن ينجح. ففي نهاية المطاف، يعتقد غير المؤمن أن الكتاب المقدس مليء بالحديث عن الدينونة والجحيم؛ ولا يريد أن يسمع المزيد، حتى لو جاء ملاك من السماء.
• قام يسوع من الأموات؛ ومع ذلك لم يؤمن به الكثيرين. وقام شخص آخر اسمه لعازر من الأموات (يوحنا ٣٨:١١-٤٤) ولكن القادة الدينيين لم يصدقوا أيضًا، بل على العكس تمامًا، حاولوا قتله (يوحنا ٩:١٢-١٠).
• أظهر يسوع في هذه القصة أهمية عدم الاعتماد على العلامات والمعجزات لأنها لا تأتي بالناس إلى الإيمان. فمن السهل أن نفكر أنه إذا رأى الناس علامة أو معجزة مذهلة، فسوف يؤمنون. ولكن ما يخلق الإيمان ويؤدي إلى الخلاص هو سماع كلمة الله (رومية ١٧:١٠)؛ قد يكون للعلامة دور أو ربما لا يكون. فالله الذي يعمل من خلال كلمته يملك السلطان ليمنحنا الخلاص. علّقَ مورغان (Morgan): “يعلن الله أن الكتابات المقدسة في حد ذاتها قوية ولها نفس تأثير الرسالة التي سيأتي بها شخص قام من بين الأموات.”
• وعلّقَ سبيرجن (Spurgeon): “على مقبرة الكنيسة أن تكون كافية لتقنع الكافر الذي ينكر حقيقة المسيحية؛ إلا أنني لا أعتقد أنه سيكون هناك ما يكفي من أدلة في كنائس العالم لإقناعه. فغير المؤمن سيستمر في طلب المزيد من الأدلة.”
• وأضاف سبيرجن: “لم يكن لعازر الذي في حضن إبراهيم واعظًا ماهرًا إن قارناه مع واعظ حي، ولكن مُست شفتاه بجمرة من على المذبح.”
• لم يضل الرجل الغني بسبب غِناه. بل ضل لأنه لم يسمع للناموس وللأنبياء. وكثيرون سيكون لهم نفس المصير ولنفس السبب.
• بطريقة ما، كان الرجل الغني مختلفًا تمامًا عن الكتبة والفريسيين. فقد عاش حياة الرفاهية المتناهية، أما الفريسيين فقد عاشوا حياة متزمتة ومنضبطة للغاية، أي عكسه تمامًا. ومع ذلك كان هناك عامل مشترك بينهما: لم يهتموا بالمحتاجين من حولهم، واحتقروهم بالإهمال. ولهذا شعروا بالإساءة الشديدة عندما عَلَمَ يسوع واهتمَّ بالخطاة والعشارين (لوقا ١:١٥-٢). كتب موريسون (Morrison): “مئة ميل قد تفصل بين نهرين، وبالرغم من ذلك، يتدفق كليهما من نفس البحيرة.”