١. لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ لِأَنَّ ٱلْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ: بقاء يسوع في الجليل لم يكن بسبب افتقاره للشجاعة، وإنما ادراكًا منه لتوقيت الآب الأمثل، فقد كان يعلم تمامًا أن وقته لم يَحنّ بعد ليُسلم لأيدي الأمم.
٢. عِيدُ ٱلْمَظَالِّ: كان هذا احتفالًا ممتعًا استمر أسبوعًا ويقع في سبتمبر/أيلول أو أكتوبر/تشرين الأول. وكانت العائلات تسكن في مظال أثناء فترة العيد لتتذكر أمانة الله لشعب إسرائيل في البرية على الطريق من مصر إلى كنعان تحت قيادة موسى.
• “سماه اليهود عيد المظال (السوكوت sukkoth) وكانوا يسكنون في تلك ٱلْمَظَالِّ لمدة أسبوع لأنها مصنوعة من أغصان وأوراق الأشجار التي لن تبقى أكثر من أسبوع (راجع سفر اللاويين ٤٠:٢٣-٤٣)، وكان سكان المدينة ينصبونها في ساحات منازلهم أو على الأسطح.” بروس (Bruce)
ب) الآيات (٣-٥): عدم إيمان إخوة يسوع ومقاومتهم له.
١. فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: يتفاجأ البعض حينما يقرأون في الإنجيل أن ليسوع إخوة، ولكن هذه مجرد إشارة بسيطة واحدة فقط. فقد سبق يوحنا وذكر إخوة يسوع في يوحنا ١٢:٢، كما كتب البشير متى عنهم في ٤٦:١٢-٤٧. كما يذكر البشير متى ٥٥:١٣-٥٦ أَخَوَات يسوع أيضًا.
• “صحيح أن ربنا المبارك هو ابنها البكر الذي حملت به وهي لا تزال عذراء، ولكن لا يمكن لأحد أن يثبت أنه كان الأخير. توجد مادة في قانون إيمان الكنيسة الكاثوليكية عن دوام بتولية العذراء، وبهذا الصدد، وبدون أي مبرر، يبدو أن العديد من البروتستانت من أنصار هذا الفكر أيضًا.” كلارك (Clarke)
٢. ٱنْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَٱذْهَبْ إِلَى ٱلْيَهُودِيَّةِ، لِكَيْ يَرَى تَلَامِيذُكَ أَيْضًا أَعْمَالَكَ ٱلَّتِي تَعْمَلُ… إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ ٱلْأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ: طلب إخوة يسوع منه أن يثبت أنه المسيح للعالم، وأفضل مكان لذلك هي أورشليم مركز اليهودية.
• غالبًا ما كان أهل أورشليم يحتقرون أهل الجليل. ولأن يسوع صنع الكثير من المعجزات هناك، قال القادة اليهود في أورشليم أنه ليس المسيح، لأنه لم يصنع معجزاته أمام يهود أورشليم.
• “اعتقد الكثيرين أن مجيء المسيح سيكون واضحًا للعيان وبطريقة مدهشة.” ويقدم كتاب الحياة للكتاب المقدس ترجمة جميلة لهذه الآية: «فَلاَ أَحَدَ يَعْمَلُ فِي الْخَفَاءِ إِذَا كَانَ يَبْتَغِي الشُّهْرَةَ. وَمَادُمْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ الأَعْمَالَ، فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ». بروس (Bruce)
• “تخيلوا أن مجده يقتصر على قوته المعجزية الخارقة، بينما في الواقع أن مجده سيظهر فوق الصليب.” تاسكر (Tasker)
• “فكر إخوته أن نجاحه يعتمد على موقف العالم إزاءه: وبكلمات أخرى، كانوا يؤمنون برأي العالم أكثر منه.” ترينش (Trench)
٣. لِأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ: من اللافت للنظر أن إخوة يسوع لم يدعموا خدمته قبل موته وقيامته أبدًا (انظر أيضًا إنجيل مرقس ٢١:٣)، ولكنهم حسبوا مع التلاميذ بعد قيامته (أعمال الرسل ١٤:١).
• “لا يعني هذا أنهم لم يصدقوا أنه صنع معجزات، ولكنهم لم يقتنعوا بأنه المسيح كما ادّعى.” دودز (Dods)
• “تعرض الكثيرين لاضطهاد الناس وما كان يحفظ إيمانهم وأمانتهم نحو الله هو دعم الأهل والأقارب. حتى هذه النوع من العزاء لم يتمتع به يسوع.” موريس (Morris)
• “التركيز على التعبير ’لِأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا‘ ما هو إلا تأييد قوي للرأي القائل بأنهم كانوا حقًا إخوته.” آلفورد (Alford)
ج) الآيات (٦-٩): رد يسوع: «نحن من عالمين مختلفين».
١. إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ، وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ: كان توقيت الله الآب مهمًا للغاية لأن يسوع كان خاضعًا بالكامل لمشيئته. أما إخوة يسوع فلم يخضعوا لمشيئة الله بنفس الطريقة، لذا لم يهتموا بالتوقيت، وأي وقت كان مناسبًا لهم.
• “كلمة ’وَقْتِي‘ المستخدمة هنا هي ’كيروس kairos‘ وتعني الفرصة المناسبة، أي أفضل موعد للقيام بشيء ما، وفي اللحظة التي تكون فيها الظروف أكثر ملائمة.” باركلي (Barclay)
• لأن يسوع كان خاضعًا بالكامل لأبيه السماوي، عاش حياته على حقيقة أن توقيت الله هو أهم تعبير عن إرادته. فقد يكون أمر ما حسب مشيئة الله ولكن ليس حسب توقيته بعد.
٢. لَا يَقْدِرُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا، لِأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ: لأن إخوة يسوع كانوا يتفقون مع الآراء السائدة حينها حول موضوع الخير والشر، لم يبغضهم العالم. أما يسوع فواجه خطايا عصره ولهذا كان موضع كراهيتهم.
• لَا يَقْدِرُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ: “لن تتعرض لكراهية العالم مهما قلت أو فعلت، لأن رغباتك وأفعالك منبعها روح العالم.” دودز (Dods)
• أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هَذَا ٱلْعِيدِ: قارن البعض بين هذه الآية والآية في يوحنا ١٠:٧ (حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى ٱلْعِيدِ، لَا ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي ٱلْخَفَاءِ)، وكأنهم أمسكوا يسوع يكذب. ولكن لاحظ المؤمنون عبر العصور أنه حتى لو قال يسوع أنه لن يذهب علانية، كي لا يثير الإنتباه (كما أراد إخوته)، فهذا لم يمنعه من الذهاب سرًا.
د ) الآيات (١٠-١٣): صعود يسوع إلى أورشليم بينما دار الجدل حوله سرًا
١. وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا، حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى ٱلْعِيدِ، لَا ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي ٱلْخَفَاءِ: لم يذهب يسوع مع إخوته في واحدة من القوافل الكبيرة المتجهة من الجليل إلى أورشليم في العيد، بل صعد هو أيضًا بمفرده بعدهم لَا ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي ٱلْخَفَاءِ.
• “’لَا ظَاهِرًا‘ تعني أنه لم يصعد مع القوافل المألوفة، ولم يصعد غالبًا بالطريقة المعتادة” آلفورد (Alford). “وتعني، أنه صعد، ولكن ليس بتحريض من إخوته ولا بهدف الشهرة كما قالوا.” دودز (Dods)
• “لم يكن صعوده في الخفاء إلى أورشليم بغرض الخداع، بل محاولة منه لتجنب الشهرة غير المرغوبة الآن. فقد كان أعداءه يراقبونه جيدًا بغرض اعتقاله.” تيني (Tenney)
٢. وَكَانَ فِي ٱلْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ: لقد اشتكوا لأنهم أرادوا أن يحقق يسوع رغباتهم من المسيح، وأن يحققها الآن.
٣. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ: «إِنَّهُ صَالِحٌ». وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: «لَا، بَلْ يُضِلُّ ٱلشَّعْبَ»: قَسَمَ يسوع الناس حينها كما يفعل اليوم تمامًا. فلم يتمكن مَنْ سَمِعَهُ وعَرَفَهُ أن يبقى محايدًا. وبطريقة أو بأخرى، كان عليهم أن يقرروا إن كان يسوع شخصًا صالحًا أو مخادعًا.
٤. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ جِهَارًا: لم يرغب القادة اليهود التكلم عن يسوع على الإطلاق. ولكن لم يجرؤ أحد أن يتكلم عنه علنًا خوفًا من العقاب من قادة اليهود.
• “لم يُعبر الناس عن آرائهم حول يسوع بصوت عالٍ أو علنًا سواء بالقبول أو بالرفض. فالسلطات الدينية رفضت مناقشة الأمر تمامًا، وأي شخص سيتجاهل رغباتهم سيتحمل نتائج عدم رضاهم.” بروس (Bruce)
ثانيًا. يسوع يرد على المعارضين ويعلم
أ ) الآيات (١٤-١٨): القادة اليهود يحتجون لأن يسوع ليس متعلمًا
١. صَعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْهَيْكَلِ، وَكَانَ يُعَلِّمُ: على الرغم من أن يسوع تجنب لفت الانتباه عندما صعد إلى أورشليم وفقًا لتوقيت الآب، لكنه استمر يُعلم بكل مجاهرة. فهو لم يتراجع أبدًا عن إعلان الحق.
٢. «كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ ٱلْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟»: عرف القادة اليهود أن يسوع لم يدرس أو يتتلمذ عند أي معلم بارز للناموس (كما تَعَلمَ بولس عند قدمي غَمَالاَئِيل، أعمال الرسل ٣:٢٢). فيسوع لم يتبع المسار الطبيعي أو المتوقع للتعليم.
• “إن ’ٱلْكُتُبَ‘ تشير بشكل خاص إلى الكتب اليهودية وتفاسير التوراة” آلفورد (Alford). “ما أشاروا إليه هنا هو مهارته في تفسير الكتب المقدسة ومعرفته بها.” دودز (Dods)
• إن كان بإمكانهم إدانة يسوع على بعض العقائد الخاطئة أو على فهم خاطئ للكتاب المقدس، لكانوا قد فعلوا. ولكنهم لم يمسكوا عليه شيئًا من هذا القبيل، فهاجموا مصداقيته. “قالوا هذه الكلمات بكل تعصب وتحيز.” آلفورد (Alford)
٣. تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي: لم يشر يسوع إلى شهاداته ومصداقيته، بل إلى عقيدته ’تَعْلِيمِي.‘ وكأنه يقول: “صحيح ليس لديّ شهادة في اللاهوت، ولكن أحكموا على ما أُعَلِّمُهُ.” فلو استمع القادة اليهود بعناية إلى تعليم يسوع، لعرفوا أنها متأصلة ومستمدة في العهد القديم، وأنها مِنَ ٱللهِ.
• “قد يقول ربنا المبارك: بصفتي المسيح فإن تعليمي ليس مني، وبصفتي سفيرًا عن الله فإني لا أتكلم بصفتي الشخصية بل أتكلم نيابة عن الذي أرسلني. وأراد يسوع بهذه الكلمات أن يوجه أنظار اليهود من تعليم الإنسان إلى تعليم الله.” كلارك (Clarke)
٤. تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي: كان يسوع معلمًا بليغًا وبارعًا، ولكنه لم يُعلم نفسه، بل كان مصدر كلامه وسلطانه من أبيه السماوي وليس البشر.
• لم يدعِ يسوع أنه علّم نفسه، بل ادعى أن الله فعل ذلك. ولهذا دعا مستمعيه لفحص تعاليمه وفقًا للكتاب المقدس.
• هناك مبدأ روحي عظيم وراء الكلمات: إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ ٱلتَّعْلِيمَ. “الفهم الروحي لا يأتي من تعلم الحقائق أو الأساليب فقط، بل يعتمد على طاعة الحق المعروف.” تيني (Tenney).
٥. وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ: قارن يسوع نفسه مع الذي يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ ويَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ. ولكن يسوع كان مختلفًا.
• طلب يسوع مَجْدَ الله.
• يسوع صَادِقٌ.
• ليس في يسوع ظُلْمٌ البتة.
• وبشكل من الأشكال، قدم يسوع لنا مقياسين للمعلم الحقيقي:
• – هل تعليمه من الله أم من ذاته؟ أي هل هو مطابق للوحي الكتابي؟
• – هل يطلب مجد الله؟
ب) الآيات (١٩-٢٤): يعترض الناس على فكرة أن يسوع كان مجنونًا وبه شيطان
١. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ ٱلنَّامُوسَ!: ذكر يسوع للتو أنه بلا خطية وأنه صادق ويطلب دائمًا مجد الله في السماء (يوحنا ١٨:٧). وعلى النقيض من يسوع، لم يطبق القادة اليهود الناموس. كان الناموس لديهم (أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ ٱلنَّامُوسَ؟) ولكنهم لم يعملوا به أو يحفظوه.
٢. لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟: وإن تتبعنا تسلسل أفكار يسوع، ربما يقول شيئًا كهذا: “لا توجد فيّ خطية، أما أنتم فلم تعملوا بالناموس. فلماذا إذًا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟ أنتم المذنبون حسب الناموس وليس أنا.”
٣. «بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ؟»: لم يعرف الناس أن قادة اليهود أرادوا قتل يسوع لأنه شفى رجلًا يوم السبت (يوحنا ١٦:٥). ظنوا يسوع مجنونًا أو شخصًا مضطرب العقل.
٤. فَإِنْ كَانَ ٱلْإِنْسَانُ يَقْبَلُ ٱلْخِتَانَ فِي ٱلسَّبْتِ، لِئَلَّا يُنْقَضَ نَامُوسُ مُوسَى: كان مقبولًا القيام بعمل سلبي في السبت، مثل الختان (سفر اللاويين ٣:١٢). ولكن ألم يكن شفاء إِنْسَانًا كُلَّهُ فِي ٱلسَّبْتِ كما فعل يسوع (يوحنا ٨:٥-٩) عمل أفضل بكثير؟
• “إن كنت ستجرح أحد يوم السبت، ألا يجوز لي أن أشفي أحد؟” تراب (Trapp)
٥. لَا تَحْكُمُوا حَسَبَ ٱلظَّاهِرِ بَلِ ٱحْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا: قرر هؤلاء أن يسوع يبدو حسب الظاهر كإنسان خاطئ، وأنهم أبرار حسب الظاهر. كانوا مخطئين في الحالتين، وكانوا بحاجة أن يحكموا حُكْمًا عَادِلًا بدلًا من الحكم حسب الظاهر فقط.
• “لا يمكن أن يكون هناك حكم عادل إن كانت المظاهر هي صاحبة القرار” دودز (Dods). لهذا السبب رمز العدالة الشهير هو عبارة عن سيدة معصوبة العينين.
• “يجب أن نضع في اعتبارنا دائمًا أن ’المظاهر‘ خادعة ومضللة، وبالتالي علينا أن نتحلى بالمحبة التي تصدق كل شيء، وأن نعتبر الشخص بريئًا حتى تثبت إدانته.” مورغان (Morgan)
ج) الآيات (٢٥-٢٩): يعترض أهل أورشليم على أن يسوع لا يمكن أن يكون هو المسيح لأنهم يعرفون من أين أتى.
١. أَلَيْسَ هَذَا هُوَ ٱلَّذِي يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ؟: عرف قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أُورُشَلِيمَ أن الرؤساء الدينيين أرادوا قتل يسوع، أما الجماهير التي جاءت إلى العيد فلم تعرف ذلك (يوحنا ٢٠:٧). ومع ذلك دهشت الجماهير لأن ٱلرُّؤَسَاءَ لم يتمكنوا من منعيسوع عن التعليم.
٢. وَهَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جِهَارًا وَلَا يَقُولُونَ لَهُ شَيْئًا!: لم يشعر يسوع أبدًا بالخوف من التهديدات الموجهة ضده. ولم يتمكن أحد من أيقافه عن التعليم لأنه كان يتكلم بكل مجاهرة.
٣. وَلَكِنَّ هَذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَمَتَى جَاءَ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ: اعتقد الكثيرون من اليهود في ذلك الوقت (وليس الكل) أن المسيح سيظهر فجأة من حيث لا ندري.
• تقول الآية في ملاخي ١:٣ «هَأَنَذَا أُرْسِلُ مَلَاكِي فَيُهَيِّئُ ٱلطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ ٱلسَّيِّدُ ٱلَّذِي تَطْلُبُونَهُ». جعلتهم مثل هذه الآيات يعتقدون أن المسيح سيأتي فجأة من العدم ويظهر نفسه لإسرائيل.
• “لقد كان المعتقد السائد بين اليهود أن المسيح سيظهر فجأة ويخرج للوجود بصورة سرية غامضة، ولا يعلم إنسان من أين أتى.” باركلي (Barclay)
• وَلَكِنَّ هَذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ: لا نعرف إن فكر الناس هكذا: ’جاء هذا الرجل من بيت لحم أو أتى هذا الرجل من الناصرة. ولكنهم على الأرجح ربطوا يسوع بالناصرة (يسوع الناصري).
٤. تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا: ربما قال يسوع الجزء الأول من إجابته بنوع من السخرية. ظنوا أنهم يعرفون من أين هو، ولكنهم كانوا غير مدركين لأصله السماوي.
• “لم يعترض يسوع على أنهم يعرفونه ويعرفون من أين أتى، ولكن جملته كانت ساخرة بكل تأكيد: “إذن أنتم تعرفني وتعرفون أصلي!” موريس (Morris)
٥. لِأَنِّي مِنْهُ، وَهُوَ أَرْسَلَنِي: ربما شعر الجمع بالحيرة حول المكان الذي سيأتي منه المسيح، لكن يسوع كان يعلم تمامًا من أين أتى. لم يكن يسوع رجلًا حائرًا، متسائلًا عما إذا كان حقًا ابن الله.
• “نرى أن اللغة هنا بسيطة للغاية ولا لبس فيها، ولكن الادعاء كان عظيمًا. فقد أكد يسوع مرة أخرى على علاقته الفريدة مع الآب السماوي، وكان من المستحيل أن يفوت المستمعين معنى كلامه البسيط.” بروس (Bruce)
د ) الآيات (٣٠-٣٦): محاولة القبض على يسوع بينما آمن به الكثيرون
١. وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَدًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ: حتى يحين الوقت المناسب، لن يتمكن أحد من إلقاء القبض على يسوع. ولكن سيأتي الوقت وسيقول يسوع أن ساعته قد حانت (يوحنا ٢٣:١٢). وإلى أن تأتي سَاعَتَهُ، كان يسوع محميًا.
• أراد الحُرّاس أن يمسكوه، ولكنهم لم يستطيعوا، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد. وعندما عاد الحُراس إلى القادة اليهود دون يسوع، أراد الرؤساء أن يعرفوا السبب، فأَجَابَ الحُراس: «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا ٱلْإِنْسَانِ!» (يوحنا ٤٦:٧).
٢. فَآمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ: آمن كثيرون عندما سمعوا تعاليم يسوع. فمقاومة البعض ورغبة الآخرين في قتله لم تكن شيئًا ذا أهمية. فأعمال يسوع كانت معلنة للجميع، وكانوا يتعجبون من الآيات الكثيرة التي صنعها.
• كان سؤالهم منطقيًا للغاية: «أَلَعَلَّ ٱلْمَسِيحَ مَتَى جَاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ ٱلَّتِي عَمِلَهَا هَذَا؟». من حقنا أن نسأل، من فعل أكثر من يسوع؟
• إن لم يكن يسوع هو المسيح المنتظر، فمتى جاء المسيح، فهل سيمكنه أن…
• يصنع معجزات أكثر من يسوع؟
• يُعلم بسلطان وفهم أعمق من يسوع؟
• يحب أكثر من يسوع؟
• يعاني بشجاعة أكثر من يسوع؟
• يكفر عن الخطاة أكثر من يسوع؟
• يقوم من الأموات بانتصار أكبر من يسوع؟
• يصعد إلى السماء بمجد أعظم من يسوع؟
• يقديم انجيلًا أعظم من بشارة يسوع؟
• يغير نفوسًا أكثر من يسوع؟
• يحرر من الإدمان أكثر من يسوع؟
• يعزي القلوب المملوءة بالحزن أكثر من يسوع؟
• يشفي القلوب المكسورة أكثر من يسوع؟
• يعيد بناء الأسر المدمرة أكثر من يسوع؟
• ينتصر على الطغاة أكثر من يسوع؟
• يربح تلاميذ أكثر من يسوع؟
• لا شيء من هذا ممكن. فلا أحد يستطيع أن يفعل أكثر مما فعله يسوع، فهو يستحق أن نكرس له كل حياتنا ونضع كل ثقتنا وإيماننا به.
٣. أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا يَسِيرًا بَعْدُ: عندما أرسل القادة اليهود خُدَّامًا لِيُمْسِكُوهُ، أكد لهم يسوع أنه سيمضي قريبًا، ولكن حينما تأتي ساعته، أي وقت صعوده (ثُمَّ أَمْضِي إِلَى ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي). وحتى ذلك الوقت لن يمسكوه الآن.
• “كان كلامه بالنسبة للخدام دليلًا على ثقته الكاملة بأن حقدهم لن يؤذيه وأن أيديهم عاجزة عن إلحاق الضرر به، وأنه سيذهب عندما يشاء ولن يسمح لأحد أن يجبره بالقوة.” ماكلارين (Maclaren)
٤. أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ ٱلْيُونَانِيِّينَ؟: تكلم يسوع عن صعوده إلى السماء، ولكنهم لم يفهموا ما قال. فسألوه، بجهل متعمد، إن كان سيذهب إلى اليهود في الشتات خارج أرض الموعد.
• “لم يفهم اليهود أنه كان يتكلم عن موته هنا، بل ظنوا أنه يتكلم عن رحلة ما سيقوم بها في حال رفضهم له.” آلفورد (Alford)
• “بينما لم يعرف المتكلمون حينها أنه رغم عدم ذهاب يسوع شخصيًا إلى اليونانيين، ولكن أتباعه سينتشرون بعشرات الآلاف في الأراضي اليونانية في غضون السنوات القليلة القادمة.” بروس (Bruce)
٥. سَتَطْلُبُونَنِي وَلَا تَجِدُونَنِي: من اللافت للنظر أنهم كرروا بالضبط ما قاله يسوع في السابق. فهذا الجملة أزعجتهم، وأرادوا أن يفهموا قصد يسوع. فالغاية من هذه الكلمات: أن الأعداء الذين يريدون اعتقاله وإسكاته وقتله لن يعثروا عليه أبدًا.
١. وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ ٱلْعَظِيمِ مِنَ ٱلْعِيدِ: استمر عيد المظال ثمانية أيام. ففي الأيام السبعة الأولى، كانوا ينقلون الماء في جرة ذهبية من بركة سلوام ويصبونه على المذبح لتذكير الشعب بالماء الذي قدمه الله بأعجوبة لإسرائيل في البرية. ويبدو أنه في اليوم الثامن لم يكن هناك سكب للماء، بل كانت تُرفع الصلوات فقط لتذكيرهم بأنهم وصلوا أخيرًا إلى أرض الموعد.
• “لم يكن اليوم الثامن يومًا من أيام العيد. فالشعب يتوقف عن المبيت تحت المظال في اليوم السابع. ويقول فيلو (Philo): ’كانت النهاية الرسمية، ليس لهذا العيد فحسب، بل لكل الأعياد في السنة أيضًا.‘” آلفورد (Alford).
• كان هذا آخر عيد يقضيه يسوع في أورشليم قبل عيد الفصح. وكانت تلك آخر مرة يُعلم فيها يسوع الكثيرين قبل صلبه، وكان هذا هو اليوم الأخير من العيد الأخير.
٢. وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى: كان كلام يسوع هنا غاية في الأهمية.
• كان هامًا بسبب المكان (كان يقف في الساحة الخارجية للهيكل).
• كان هامًا بسبب التوقيت (في اليوم الأخير من العيد، بعد الانتهاء من صب الماء على المذبح في الأيام السابقة).
• كان هامًا بسبب الطريقة التي تكلم بها (نادى أو صاح، وهذا يختلف تمامًا عن طريقته في الخدمة، كما نقرأ في إشعياء ٢:٤٢ “لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي ٱلشَّارِعِ صَوْتَهُ”).
٣. «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ»: ركز احتفال عيد المظال على تمجيد الله لأجل الماء الذي أعطاه لإسرائيل في البرية في طريقهم نحو كنعان. دعا يسوع الناس بكل مجاهرة لكي يقبلوا إليه ويشربوا ويشبعوا عطشهم الشديد، أي عطشهم الروحي.
• شملت الدعوة الجميع لأنها قالت: إِنْ … أَحَدٌ. فالذكاء أو العِرق أو الطبقة الإجتماعية أو القومية أو الحزب السياسي لا تُقيد هذه الدعوة. وكانت الدعوة ضيقة لأنها حددت المدعويين: إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ. فعلى المرء أن يدرك حاجته. فالعطش ليس شيئًا في حد ذاته، لكنه غياب شيء آخر. إنه ذلك الفراغ الداخلي والحاجة الملحة.
• ثمة خلاف بين المفسرين حول ما إذا قال يسوع هذا أثناء صب الماء على المذبح أو بعدما توقف صب الماء. ولكن يبدو أن يوحنا شدد على أن هذا حدث في ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ لأن يسوع أراد أن يقارن بين أمرين: “الماء الذي لم يعد موجودًا في الهيكل ولا في الطقوس التي نحبهاـ والماء الذي يقدمه يسوع والذي يبحثون عنه.” ولكن هذا الكلام ليس مؤكدًا.
• “لم يكن هناك سَكبٌ للماء في اليوم الثامن، وهذا ما جعل كلمات يسوع أكثر روعة.” موريس (Morris)
• “كان الاحتفال بدخولهم إلى أرض الينابيع ينتهي في اليوم الثامن. ولكن الأرواح التي كانت تنظر لكل هذه الطقوس لا زالت تشعر بالعطش الذي لا يخمده أي من هذه الرموز.” دودز (Dods)
٤. مَنْ آمَنَ بِي: شرح يسوع ما قصده بمثل الشرب. فكل من يُقْبِلْ إلى يسوع وَيَشْرَبْ يعني في الأساس: أن نضع إيماننا وثقتنا بيسوع وأن نعتمد عليه ونتمسك به الآن وإلى الأبد.
• “طلب منا أن نشرب، وهذا ليس عملًا صعبًا. أي شخص أحمق يمكنه أن يشرب. وفي الواقع يوجد العديد من الحمقى هناك يشربون الكثير من الكحول السامة. فالشرب هو العمل الطبيعي الذي يقوم به أي خاطئ.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ: قدم يسوع أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ للذين آمنوا به فعلًا. كان سكان المظال المؤقتة يتطلعون إلى تحقيق النبوات عن الماء الذي يتدفق من العرش ومن أورشليم حيث يتوج المسيح. وفي الأساس قال يسوع: “ضع ثقتك فيّ، واجلسني على عرش قلبك، وستجري من بطنك أنهار ماء حي.”
• “تعني كلمة ’من بطنه‘ في اليونانية من أعماقه.” موريس (Morris)
• لم يتكلم يسوع عن شيء يدخل الشخص فحسب، بل يتدفق منه أيضًا. فالمؤمن لا يأخذ البركة لنفسه فقط، بل يصبح مصدرًا لبركة الآخرين.
• “لا يملك يسوع القدرة على سد العطش فحسب، بل يجعل من الشخص المُرتوي قناة تجري من بطنه أنهار ماء حي.” مورغان (Morgan)
• كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ: “مع أنه لم يقتبس آية محددة من الكتاب المقدس، إلا أن ما قاله في الواقع كان تحقيقًا لنبوات مثل زكريا التي تقول أنه في ذلك اليوم يكون يَنْبُوعٌ مَفْتُوحًا لبيت داود، ومِيَاهًا حَيَّةً تخرج من أورشليم (زكريا ١:١٣، ٨:١٤)؛ ومن إشعياء أن الله سيسكب ماء على العطشان.” تاسكر (Tasker).
٦. قَالَ هَذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ: هذه الحياة الفياضة تأتي من سكنى ٱلرُّوح في المؤمن. ويتحدث هنا عن اختبار خاص يتمتع به ٱلْمُؤْمِنُونَ. وقد تختلف طبيعة هذا الاختبار من مؤمن لآخر، ولكن هناك جزءًا معينًا سيُعطى لكل من يقبله بالإيمان.
• “يربط تلمود أورشليم الروح القدس بالطقوس وٱلْكِتَاب ويقول: ’لماذا سميت ينابيع تتدفق؟ بسبب انسكاب الروح القدس. وكما قيل في إشعياء ٣:١٢ «فَتَسْتَقُونَ مِيَاهًا بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ ٱلْخَلَاصِ.»‘” موريس (Morris).
• “يا لها من بركة عظيمة حينما نكرز بعمل يسوع المسيح، ويا لها من لعنة حينما نلغي عمل الروح القدس. فعمل الرب يسوع على الصليب ليس بركة لمن لا يعرف عمل الروح القدس.” سبيرجن (Spurgeon)
٧. لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ: لم تكن هذه الحياة الفياضة موجودة بعد لِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ من خلال الصليب والقيامة. لا يمكن للروح القدس أن يُعطى لشعب الله إلى أن يكتمل عمل يسوع على الصليب ويصبح القبر فارغًا.
• أضاف المترجمون كلمة: أُعْطِيَ على الآية. ولكن المعنى الحرفي كان: لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ. يخبرنا يوحنا هنا أن يوم الخمسين لم يكن قد جاء بعد. “لا تعني الكلمة أُعْطِيَ بالضبط بل بالأحرى ’يعمل‘ أو أي كلمة شبيهة… فحلول الروح القدس لم يأتي بعد.” آلفورد (Alford)
• “تكررت هذه الفكرة في هذا الإنجيل: لا يمكن للروح أن يُعطى أثناء خدمة يسوع الأرضية، ولكنه سيُعطى عندما يكتمل العمل على الصليب.” موريس (Morris)
١. هَذَا بِٱلْحَقِيقَةِ هُوَ ٱلنَّبِيُّ… هَذَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ: اختلف الناس على تحديد هوية يسوع، وأبدى الجميع رأيه، قال البعض شيئًا وقال آخرون شيئًا آخر. فمن المستحيل أن يتواجه المرء مع يسوع ويبقى محايدًا، وإذا تظاهر بأنه محايد، فسيكون ضده على الأغلب.
• هَذَا بِٱلْحَقِيقَةِ هُوَ ٱلنَّبِيُّ: “لا شك أن البعض عرفوا أن النبي يعني المسيح، ولكن يبدو أن آخرين اعتقدوا أن النبي يشير إلى قيامة أحد الأنبياء القدامى قبيل ظهور المسيح.” كلارك (Clarke)
٢. أَلَعَلَّ ٱلْمَسِيحَ مِنَ ٱلْجَلِيلِ يَأْتِي؟: رفض البعض يسوع لأنهم يجهلون حقيقته ولا يعرفون شيئًا عنه. فهؤلاء مثلًا لم يعرفوا أن يسوع ولد في بيت لحم، رغم معرفتهم بالنبوة القائلة أن المسيح سيولد في بَيْتِ لَحْمٍ.
• “يشير حرف الجر ’من‘ إلى مكان الولادة والأصل وليس إلى مكان إقامته.” ترينش (Trench)
• “المقطع الكتابي الذي أقنع منتقديه بأنه لا يمكن أن يكون المسيح، كان أقوى مقطع كتابي يثبت حقيقته.” تيني (Tenney)
• “هل تمنعك المُجادَلاتِ الغَبِيَّةِ والمراوغة عن الإيمان بيسوع المسيح؟ هل ترفضه لأنك لا تفهم كيف حصل قايين على زوجته؟ أو كيف يمكن لله معاقبة الخطاة؟ أو لماذا نؤمن بالميلاد العذراوي أو بالقيامة؟” بويس (Boice)
٣. فَحَدَثَ ٱنْشِقَاقٌ فِي ٱلْجَمْعِ لِسَبَبِهِ: قسّم يسوع الناس أثناء خدمته الأرضية. فلا يمكن للشخص أن يملك رأيين حول يسوع، إما أن يكون معه أو ضده.
• “تشير كلمة ٱنْشِقَاقٌ هنا إلى اختلاف شديد في الرأي – فالبعض أيد كلامه، والبعض الآخر أراد أن يقبض عليه ويسجنه.” آلفورد (Alford)
• لم يحدث ٱنْشِقَاقٌ لأن يسوع تكلم بحماقة أو لأنه تحدث في مواضيع لاهوتية مثيرة للجدل. بل تكلم عن نفسه كالمسيح، وتحدث بكل وضوح ولم يستخدم كلمات غامضة أو غير مفهومة.
• كرر يسوع نفس هذه الفكرة في متى ٣٤:١٠-٣٦ «لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى ٱلْأَرْضِ. مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلَامًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لِأُفَرِّقَ ٱلْإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَٱلِٱبْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَٱلْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ ٱلْإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ».
• لا يجوز أن يحدث مثل هذا الانشقاق أبدًا بين المؤمنين. “يمكننا أحيانًا أن نتجادل دفاعًا عما نؤمن أنه الحق، وأن نوبح بعضنا البعض إذا اعتقدنا أن هناك خطية ما، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمسيح وبصليبه الغالي، فدعنا نتحد يا أخي. فأنت مغسول بالدم، وأنا كذلك. وراحتك في المسيح، وأنا أيضًا. وقد وضعت كل رجائك على يسوع، وهذا رجائي أيضًا، إذًا نحن واحد. وهكذا نستطيع القول أنه لا يوجد انشقاق حقيقي بين شعب الله المؤمنين بسبب المسيح.” سبيرجن (Spurgeon)
١. وَكَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ عَلَيْهِ ٱلْأَيَادِيَ: فشلت محاولة اعتقاله، ولكن لم يكن السبب لأن الخُدام كانوا غير أكفاء، بل لأن ساعته لم تأتي بعد. فقد كان من المستحيل أن يوقفوا يسوع الى أن يحين وقت الآب المناسب.
٢. «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا ٱلْإِنْسَانِ!»: سمع هؤلاء ٱلْخُدَّامُ الكثير من التعليم من المُعلمين اليهود، ولكنهم لم يسمعوا أحدًا يتكلم مثل يسوع قط. لقد أعجبوا كثيرًا برسالة يسوع لدرجة أنهم وجدوا صعوبة في أداء العمل المسند إليهم بتوقيفه وإسكاته.
• “’لم يتحدث أي إِنْسَان بهذه الطريقة من قبل.‘ تظهر كلمة ’ٱلْإِنْسَانِ (anthropos)‘ باللغة اليونانية في نهاية الجملة للتشديد، وتشير إلى أنه لم يكن مجرد إنسان عادي.” تيني (Tenney)
• “عبروا عن شهادتهم بكلمات قليلة وبسيطة، ومع ذلك صمدت ١٩ قرنًا.” بروس (Bruce)
٣. «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ ضَلَلْتُمْ؟ أَلَعَلَّ أَحَدًا مِنَ ٱلرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟ وَلَكِنَّ هَذَا ٱلشَّعْبَ ٱلَّذِي لَا يَفْهَمُ ٱلنَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ»: كان كبرياء القادة الدينيين واضحًا للغاية وكذلك إحتقارهم لعامة الشعب. وكانوا يأملون أن يسببوا الحرج للحراس ويخيفونهم لأنهم لم يعتقلوا يسوع، بقولهم بما معناه: لم يتبع كل الأذكياء والروحانيين يسوع، فعليكم ألا تتبعوه أنتم أيضًا.
• “أزيل القناع عن عجرفة الرؤساء حينما أهملوا بازدراء شهادة الحراس.” تيني (Tenney)
• “كان لدى الفريسيين قولٌ معروف يصفوا فيه الناس العاديين والبسطاء الذين لا يحفظون كل الوصايا والتقاليد الناموسية، فكانوا يلقبونهم ’شعب الأرض‘ لأنهم في نظرهم أقل من أن يكونوا موضع احتقار.” باركلي (Barclay)
• “حاول المعلم اليهودي المتحرر ’هليل‘ (عاش قبل المسيح) تلخيص موقف الفريسيين هذا عندما قال: “لا يوجد تقيٌ واحد بين عامة الشعب.” بروس (Bruce)
ج) الآيات (٥٠-٥٢): ردة الفعل على موقف نيقوديموس البسيط نحو يسوع.
١. أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلًا وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟»: حاول نيقوديموس أن يناقش القادة اليهود بعقلانية، محذرًا إياهم من إصدار حكم سريع على يسوع.
٢. أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ ٱلْجَلِيلِ؟: احتقر القادة اليهود الذين يعيشون في أورشليم واليهودية أهل ٱلْجَلِيلِ، وكثيرًا ما استهزأوا بهم. فبالنسبة لهؤلاء القادة من اليهودية، لا يمكن لأي شيء صالح أن يأتي من الجليل.
٣. فَتِّشْ وَٱنْظُرْ! إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ ٱلْجَلِيلِ: كانوا مخطئين طبعًا، فقد قام نبي من الجليل من قبل هو النبي يونان (الذي يمثل صورة عن يسوع المسيح) والذي كان من جَتَّ حافِرَ وهي قرية تبعد حوالي ثلاثة أميال شمال الناصرة في الجليل (ملوك الثاني ٢٥:١٤).
• “الطريقة التي طرح بها السؤال في النص الأصلي تكشف ذهولهم: ’بالتأكيد لن يأتي المسيح من الجليل.‘” تاسكر (Tasker)
• “لم تكن معلوماتهم صحيحة تاريخيًا، لأنه قد جاء من الجليل بعض الأنبياء مثل: يونان من جَتَّ حافِرَ، وإيليا أعظم الأنبياء الذي كان مِنْ بَلْدَةِ تِشْبِي فِي جِلْعادَ، وربما أيضًا ناحوم وهوشع. ولكن احتقارهم للجليل جعلهم يغفلون التاريخ.” آلفورد (Alford)
إنجيل يوحنا – الإصحاح ٧ – في عِيد ٱلْمَظَالّ
أولًا. يسوع يصعد إلى أورشليم سرًا
أ ) الآيات (١-٢): يسوع في الجليل باقتراب عِيدُ ٱلْمَظَالِّ.
١وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هَذَا فِي ٱلْجَلِيلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ لِأَنَّ ٱلْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. ٢وَكَانَ عِيدُ ٱلْيَهُودِ، عِيدُ ٱلْمَظَالِّ، قَرِيبًا.
١. لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ لِأَنَّ ٱلْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ: بقاء يسوع في الجليل لم يكن بسبب افتقاره للشجاعة، وإنما ادراكًا منه لتوقيت الآب الأمثل، فقد كان يعلم تمامًا أن وقته لم يَحنّ بعد ليُسلم لأيدي الأمم.
٢. عِيدُ ٱلْمَظَالِّ: كان هذا احتفالًا ممتعًا استمر أسبوعًا ويقع في سبتمبر/أيلول أو أكتوبر/تشرين الأول. وكانت العائلات تسكن في مظال أثناء فترة العيد لتتذكر أمانة الله لشعب إسرائيل في البرية على الطريق من مصر إلى كنعان تحت قيادة موسى.
• “سماه اليهود عيد المظال (السوكوت sukkoth) وكانوا يسكنون في تلك ٱلْمَظَالِّ لمدة أسبوع لأنها مصنوعة من أغصان وأوراق الأشجار التي لن تبقى أكثر من أسبوع (راجع سفر اللاويين ٤٠:٢٣-٤٣)، وكان سكان المدينة ينصبونها في ساحات منازلهم أو على الأسطح.” بروس (Bruce)
ب) الآيات (٣-٥): عدم إيمان إخوة يسوع ومقاومتهم له.
٣فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: «ٱنْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَٱذْهَبْ إِلَى ٱلْيَهُودِيَّةِ، لِكَيْ يَرَى تَلَامِيذُكَ أَيْضًا أَعْمَالَكَ ٱلَّتِي تَعْمَلُ، ٤لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي ٱلْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَانِيَةً. إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ ٱلْأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ». ٥لِأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
١. فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: يتفاجأ البعض حينما يقرأون في الإنجيل أن ليسوع إخوة، ولكن هذه مجرد إشارة بسيطة واحدة فقط. فقد سبق يوحنا وذكر إخوة يسوع في يوحنا ١٢:٢، كما كتب البشير متى عنهم في ٤٦:١٢-٤٧. كما يذكر البشير متى ٥٥:١٣-٥٦ أَخَوَات يسوع أيضًا.
• “صحيح أن ربنا المبارك هو ابنها البكر الذي حملت به وهي لا تزال عذراء، ولكن لا يمكن لأحد أن يثبت أنه كان الأخير. توجد مادة في قانون إيمان الكنيسة الكاثوليكية عن دوام بتولية العذراء، وبهذا الصدد، وبدون أي مبرر، يبدو أن العديد من البروتستانت من أنصار هذا الفكر أيضًا.” كلارك (Clarke)
٢. ٱنْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَٱذْهَبْ إِلَى ٱلْيَهُودِيَّةِ، لِكَيْ يَرَى تَلَامِيذُكَ أَيْضًا أَعْمَالَكَ ٱلَّتِي تَعْمَلُ… إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ ٱلْأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ: طلب إخوة يسوع منه أن يثبت أنه المسيح للعالم، وأفضل مكان لذلك هي أورشليم مركز اليهودية.
• غالبًا ما كان أهل أورشليم يحتقرون أهل الجليل. ولأن يسوع صنع الكثير من المعجزات هناك، قال القادة اليهود في أورشليم أنه ليس المسيح، لأنه لم يصنع معجزاته أمام يهود أورشليم.
• “اعتقد الكثيرين أن مجيء المسيح سيكون واضحًا للعيان وبطريقة مدهشة.” ويقدم كتاب الحياة للكتاب المقدس ترجمة جميلة لهذه الآية: «فَلاَ أَحَدَ يَعْمَلُ فِي الْخَفَاءِ إِذَا كَانَ يَبْتَغِي الشُّهْرَةَ. وَمَادُمْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ الأَعْمَالَ، فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ». بروس (Bruce)
• “تخيلوا أن مجده يقتصر على قوته المعجزية الخارقة، بينما في الواقع أن مجده سيظهر فوق الصليب.” تاسكر (Tasker)
• “فكر إخوته أن نجاحه يعتمد على موقف العالم إزاءه: وبكلمات أخرى، كانوا يؤمنون برأي العالم أكثر منه.” ترينش (Trench)
٣. لِأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ: من اللافت للنظر أن إخوة يسوع لم يدعموا خدمته قبل موته وقيامته أبدًا (انظر أيضًا إنجيل مرقس ٢١:٣)، ولكنهم حسبوا مع التلاميذ بعد قيامته (أعمال الرسل ١٤:١).
• “لا يعني هذا أنهم لم يصدقوا أنه صنع معجزات، ولكنهم لم يقتنعوا بأنه المسيح كما ادّعى.” دودز (Dods)
• “تعرض الكثيرين لاضطهاد الناس وما كان يحفظ إيمانهم وأمانتهم نحو الله هو دعم الأهل والأقارب. حتى هذه النوع من العزاء لم يتمتع به يسوع.” موريس (Morris)
• “التركيز على التعبير ’لِأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا‘ ما هو إلا تأييد قوي للرأي القائل بأنهم كانوا حقًا إخوته.” آلفورد (Alford)
ج) الآيات (٦-٩): رد يسوع: «نحن من عالمين مختلفين».
٦فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ، وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ. ٧لَا يَقْدِرُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا، لِأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ. ٨اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هَذَا ٱلْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هَذَا ٱلْعِيدِ، لِأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ». ٩قَالَ لَهُمْ هَذَا وَمَكَثَ فِي ٱلْجَلِيلِ.
١. إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ، وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ: كان توقيت الله الآب مهمًا للغاية لأن يسوع كان خاضعًا بالكامل لمشيئته. أما إخوة يسوع فلم يخضعوا لمشيئة الله بنفس الطريقة، لذا لم يهتموا بالتوقيت، وأي وقت كان مناسبًا لهم.
• “كلمة ’وَقْتِي‘ المستخدمة هنا هي ’كيروس kairos‘ وتعني الفرصة المناسبة، أي أفضل موعد للقيام بشيء ما، وفي اللحظة التي تكون فيها الظروف أكثر ملائمة.” باركلي (Barclay)
• لأن يسوع كان خاضعًا بالكامل لأبيه السماوي، عاش حياته على حقيقة أن توقيت الله هو أهم تعبير عن إرادته. فقد يكون أمر ما حسب مشيئة الله ولكن ليس حسب توقيته بعد.
٢. لَا يَقْدِرُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا، لِأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ: لأن إخوة يسوع كانوا يتفقون مع الآراء السائدة حينها حول موضوع الخير والشر، لم يبغضهم العالم. أما يسوع فواجه خطايا عصره ولهذا كان موضع كراهيتهم.
• لَا يَقْدِرُ ٱلْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ: “لن تتعرض لكراهية العالم مهما قلت أو فعلت، لأن رغباتك وأفعالك منبعها روح العالم.” دودز (Dods)
• أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هَذَا ٱلْعِيدِ: قارن البعض بين هذه الآية والآية في يوحنا ١٠:٧ (حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى ٱلْعِيدِ، لَا ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي ٱلْخَفَاءِ)، وكأنهم أمسكوا يسوع يكذب. ولكن لاحظ المؤمنون عبر العصور أنه حتى لو قال يسوع أنه لن يذهب علانية، كي لا يثير الإنتباه (كما أراد إخوته)، فهذا لم يمنعه من الذهاب سرًا.
د ) الآيات (١٠-١٣): صعود يسوع إلى أورشليم بينما دار الجدل حوله سرًا
١٠وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا، حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى ٱلْعِيدِ، لَا ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي ٱلْخَفَاءِ. ١١فَكَانَ ٱلْيَهُودُ يَطْلُبُونَهُ فِي ٱلْعِيدِ، وَيَقُولُونَ: «أَيْنَ ذَاكَ؟». ١٢وَكَانَ فِي ٱلْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ: «إِنَّهُ صَالِحٌ». وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: «لَا، بَلْ يُضِلُّ ٱلشَّعْبَ». ١٣وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ جِهَارًا لِسَبَبِ ٱلْخَوْفِ مِنَ ٱلْيَهُودِ.
١. وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا، حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى ٱلْعِيدِ، لَا ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي ٱلْخَفَاءِ: لم يذهب يسوع مع إخوته في واحدة من القوافل الكبيرة المتجهة من الجليل إلى أورشليم في العيد، بل صعد هو أيضًا بمفرده بعدهم لَا ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي ٱلْخَفَاءِ.
• “’لَا ظَاهِرًا‘ تعني أنه لم يصعد مع القوافل المألوفة، ولم يصعد غالبًا بالطريقة المعتادة” آلفورد (Alford). “وتعني، أنه صعد، ولكن ليس بتحريض من إخوته ولا بهدف الشهرة كما قالوا.” دودز (Dods)
• “لم يكن صعوده في الخفاء إلى أورشليم بغرض الخداع، بل محاولة منه لتجنب الشهرة غير المرغوبة الآن. فقد كان أعداءه يراقبونه جيدًا بغرض اعتقاله.” تيني (Tenney)
٢. وَكَانَ فِي ٱلْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ: لقد اشتكوا لأنهم أرادوا أن يحقق يسوع رغباتهم من المسيح، وأن يحققها الآن.
٣. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ: «إِنَّهُ صَالِحٌ». وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: «لَا، بَلْ يُضِلُّ ٱلشَّعْبَ»: قَسَمَ يسوع الناس حينها كما يفعل اليوم تمامًا. فلم يتمكن مَنْ سَمِعَهُ وعَرَفَهُ أن يبقى محايدًا. وبطريقة أو بأخرى، كان عليهم أن يقرروا إن كان يسوع شخصًا صالحًا أو مخادعًا.
٤. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ جِهَارًا: لم يرغب القادة اليهود التكلم عن يسوع على الإطلاق. ولكن لم يجرؤ أحد أن يتكلم عنه علنًا خوفًا من العقاب من قادة اليهود.
• “لم يُعبر الناس عن آرائهم حول يسوع بصوت عالٍ أو علنًا سواء بالقبول أو بالرفض. فالسلطات الدينية رفضت مناقشة الأمر تمامًا، وأي شخص سيتجاهل رغباتهم سيتحمل نتائج عدم رضاهم.” بروس (Bruce)
ثانيًا. يسوع يرد على المعارضين ويعلم
أ ) الآيات (١٤-١٨): القادة اليهود يحتجون لأن يسوع ليس متعلمًا
١٤وَلَمَّا كَانَ ٱلْعِيدُ قَدِ ٱنْتَصَفَ، صَعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْهَيْكَلِ، وَكَانَ يُعَلِّمُ. ١٥فَتَعَجَّبَ ٱلْيَهُودُ قَائِلِينَ: «كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ ٱلْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟». ١٦أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي. ١٧إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ ٱلتَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ ٱللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي. ١٨مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ يَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ».
١. صَعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْهَيْكَلِ، وَكَانَ يُعَلِّمُ: على الرغم من أن يسوع تجنب لفت الانتباه عندما صعد إلى أورشليم وفقًا لتوقيت الآب، لكنه استمر يُعلم بكل مجاهرة. فهو لم يتراجع أبدًا عن إعلان الحق.
٢. «كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ ٱلْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟»: عرف القادة اليهود أن يسوع لم يدرس أو يتتلمذ عند أي معلم بارز للناموس (كما تَعَلمَ بولس عند قدمي غَمَالاَئِيل، أعمال الرسل ٣:٢٢). فيسوع لم يتبع المسار الطبيعي أو المتوقع للتعليم.
• “إن ’ٱلْكُتُبَ‘ تشير بشكل خاص إلى الكتب اليهودية وتفاسير التوراة” آلفورد (Alford). “ما أشاروا إليه هنا هو مهارته في تفسير الكتب المقدسة ومعرفته بها.” دودز (Dods)
• إن كان بإمكانهم إدانة يسوع على بعض العقائد الخاطئة أو على فهم خاطئ للكتاب المقدس، لكانوا قد فعلوا. ولكنهم لم يمسكوا عليه شيئًا من هذا القبيل، فهاجموا مصداقيته. “قالوا هذه الكلمات بكل تعصب وتحيز.” آلفورد (Alford)
٣. تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي: لم يشر يسوع إلى شهاداته ومصداقيته، بل إلى عقيدته ’تَعْلِيمِي.‘ وكأنه يقول: “صحيح ليس لديّ شهادة في اللاهوت، ولكن أحكموا على ما أُعَلِّمُهُ.” فلو استمع القادة اليهود بعناية إلى تعليم يسوع، لعرفوا أنها متأصلة ومستمدة في العهد القديم، وأنها مِنَ ٱللهِ.
• “قد يقول ربنا المبارك: بصفتي المسيح فإن تعليمي ليس مني، وبصفتي سفيرًا عن الله فإني لا أتكلم بصفتي الشخصية بل أتكلم نيابة عن الذي أرسلني. وأراد يسوع بهذه الكلمات أن يوجه أنظار اليهود من تعليم الإنسان إلى تعليم الله.” كلارك (Clarke)
٤. تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي: كان يسوع معلمًا بليغًا وبارعًا، ولكنه لم يُعلم نفسه، بل كان مصدر كلامه وسلطانه من أبيه السماوي وليس البشر.
• لم يدعِ يسوع أنه علّم نفسه، بل ادعى أن الله فعل ذلك. ولهذا دعا مستمعيه لفحص تعاليمه وفقًا للكتاب المقدس.
• هناك مبدأ روحي عظيم وراء الكلمات: إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ ٱلتَّعْلِيمَ. “الفهم الروحي لا يأتي من تعلم الحقائق أو الأساليب فقط، بل يعتمد على طاعة الحق المعروف.” تيني (Tenney).
٥. وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ: قارن يسوع نفسه مع الذي يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ ويَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ. ولكن يسوع كان مختلفًا.
• طلب يسوع مَجْدَ الله.
• يسوع صَادِقٌ.
• ليس في يسوع ظُلْمٌ البتة.
• وبشكل من الأشكال، قدم يسوع لنا مقياسين للمعلم الحقيقي:
• – هل تعليمه من الله أم من ذاته؟ أي هل هو مطابق للوحي الكتابي؟
• – هل يطلب مجد الله؟
ب) الآيات (١٩-٢٤): يعترض الناس على فكرة أن يسوع كان مجنونًا وبه شيطان
١٩«أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ ٱلنَّامُوسَ؟ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ ٱلنَّامُوسَ! لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟». ٢٠أَجَابَ ٱلْجَمْعُ وَقَالُوا: «بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ؟». ٢١أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «عَمَلًا وَاحِدًا عَمِلْتُ فَتَتَعَجَّبُونَ جَمِيعًا. ٢٢لِهَذَا أَعْطَاكُمْ مُوسَى ٱلْخِتَانَ، لَيْسَ أَنَّهُ مِنْ مُوسَى، بَلْ مِنَ ٱلْآبَاءِ. فَفِي ٱلسَّبْتِ تَخْتِنُونَ ٱلْإِنْسَانَ. ٢٣فَإِنْ كَانَ ٱلْإِنْسَانُ يَقْبَلُ ٱلْخِتَانَ فِي ٱلسَّبْتِ، لِئَلَّا يُنْقَضَ نَامُوسُ مُوسَى، أَفَتَسْخَطُونَ عَلَيَّ لِأَنِّي شَفَيْتُ إِنْسَانًا كُلَّهُ فِي ٱلسَّبْتِ؟ ٢٤لَا تَحْكُمُوا حَسَبَ ٱلظَّاهِرِ بَلِ ٱحْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا».
١. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ ٱلنَّامُوسَ!: ذكر يسوع للتو أنه بلا خطية وأنه صادق ويطلب دائمًا مجد الله في السماء (يوحنا ١٨:٧). وعلى النقيض من يسوع، لم يطبق القادة اليهود الناموس. كان الناموس لديهم (أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ ٱلنَّامُوسَ؟) ولكنهم لم يعملوا به أو يحفظوه.
٢. لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟: وإن تتبعنا تسلسل أفكار يسوع، ربما يقول شيئًا كهذا: “لا توجد فيّ خطية، أما أنتم فلم تعملوا بالناموس. فلماذا إذًا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟ أنتم المذنبون حسب الناموس وليس أنا.”
٣. «بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ؟»: لم يعرف الناس أن قادة اليهود أرادوا قتل يسوع لأنه شفى رجلًا يوم السبت (يوحنا ١٦:٥). ظنوا يسوع مجنونًا أو شخصًا مضطرب العقل.
٤. فَإِنْ كَانَ ٱلْإِنْسَانُ يَقْبَلُ ٱلْخِتَانَ فِي ٱلسَّبْتِ، لِئَلَّا يُنْقَضَ نَامُوسُ مُوسَى: كان مقبولًا القيام بعمل سلبي في السبت، مثل الختان (سفر اللاويين ٣:١٢). ولكن ألم يكن شفاء إِنْسَانًا كُلَّهُ فِي ٱلسَّبْتِ كما فعل يسوع (يوحنا ٨:٥-٩) عمل أفضل بكثير؟
• “إن كنت ستجرح أحد يوم السبت، ألا يجوز لي أن أشفي أحد؟” تراب (Trapp)
٥. لَا تَحْكُمُوا حَسَبَ ٱلظَّاهِرِ بَلِ ٱحْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا: قرر هؤلاء أن يسوع يبدو حسب الظاهر كإنسان خاطئ، وأنهم أبرار حسب الظاهر. كانوا مخطئين في الحالتين، وكانوا بحاجة أن يحكموا حُكْمًا عَادِلًا بدلًا من الحكم حسب الظاهر فقط.
• “لا يمكن أن يكون هناك حكم عادل إن كانت المظاهر هي صاحبة القرار” دودز (Dods). لهذا السبب رمز العدالة الشهير هو عبارة عن سيدة معصوبة العينين.
• “يجب أن نضع في اعتبارنا دائمًا أن ’المظاهر‘ خادعة ومضللة، وبالتالي علينا أن نتحلى بالمحبة التي تصدق كل شيء، وأن نعتبر الشخص بريئًا حتى تثبت إدانته.” مورغان (Morgan)
ج) الآيات (٢٥-٢٩): يعترض أهل أورشليم على أن يسوع لا يمكن أن يكون هو المسيح لأنهم يعرفون من أين أتى.
٢٥فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أُورُشَلِيمَ: «أَلَيْسَ هَذَا هُوَ ٱلَّذِي يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ؟ ٢٦وَهَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جِهَارًا وَلَا يَقُولُونَ لَهُ شَيْئًا! أَلَعَلَّ ٱلرُّؤَسَاءَ عَرَفُوا يَقِينًا أَنَّ هَذَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ حَقًّا؟ ٢٧وَلَكِنَّ هَذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَمَتَى جَاءَ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ». ٢٨فَنَادَى يَسُوعُ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي ٱلْهَيْكَلِ قَائِلًا: «تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا، وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ، بَلِ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ، ٱلَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. ٢٩أَنَا أَعْرِفُهُ لِأَنِّي مِنْهُ، وَهُوَ أَرْسَلَنِي».
١. أَلَيْسَ هَذَا هُوَ ٱلَّذِي يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ؟: عرف قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أُورُشَلِيمَ أن الرؤساء الدينيين أرادوا قتل يسوع، أما الجماهير التي جاءت إلى العيد فلم تعرف ذلك (يوحنا ٢٠:٧). ومع ذلك دهشت الجماهير لأن ٱلرُّؤَسَاءَ لم يتمكنوا من منع يسوع عن التعليم.
٢. وَهَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جِهَارًا وَلَا يَقُولُونَ لَهُ شَيْئًا!: لم يشعر يسوع أبدًا بالخوف من التهديدات الموجهة ضده. ولم يتمكن أحد من أيقافه عن التعليم لأنه كان يتكلم بكل مجاهرة.
٣. وَلَكِنَّ هَذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَمَتَى جَاءَ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ: اعتقد الكثيرون من اليهود في ذلك الوقت (وليس الكل) أن المسيح سيظهر فجأة من حيث لا ندري.
• تقول الآية في ملاخي ١:٣ «هَأَنَذَا أُرْسِلُ مَلَاكِي فَيُهَيِّئُ ٱلطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ ٱلسَّيِّدُ ٱلَّذِي تَطْلُبُونَهُ». جعلتهم مثل هذه الآيات يعتقدون أن المسيح سيأتي فجأة من العدم ويظهر نفسه لإسرائيل.
• “لقد كان المعتقد السائد بين اليهود أن المسيح سيظهر فجأة ويخرج للوجود بصورة سرية غامضة، ولا يعلم إنسان من أين أتى.” باركلي (Barclay)
• وَلَكِنَّ هَذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ: لا نعرف إن فكر الناس هكذا: ’جاء هذا الرجل من بيت لحم أو أتى هذا الرجل من الناصرة. ولكنهم على الأرجح ربطوا يسوع بالناصرة (يسوع الناصري).
٤. تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا: ربما قال يسوع الجزء الأول من إجابته بنوع من السخرية. ظنوا أنهم يعرفون من أين هو، ولكنهم كانوا غير مدركين لأصله السماوي.
• “لم يعترض يسوع على أنهم يعرفونه ويعرفون من أين أتى، ولكن جملته كانت ساخرة بكل تأكيد: “إذن أنتم تعرفني وتعرفون أصلي!” موريس (Morris)
٥. لِأَنِّي مِنْهُ، وَهُوَ أَرْسَلَنِي: ربما شعر الجمع بالحيرة حول المكان الذي سيأتي منه المسيح، لكن يسوع كان يعلم تمامًا من أين أتى. لم يكن يسوع رجلًا حائرًا، متسائلًا عما إذا كان حقًا ابن الله.
• “نرى أن اللغة هنا بسيطة للغاية ولا لبس فيها، ولكن الادعاء كان عظيمًا. فقد أكد يسوع مرة أخرى على علاقته الفريدة مع الآب السماوي، وكان من المستحيل أن يفوت المستمعين معنى كلامه البسيط.” بروس (Bruce)
د ) الآيات (٣٠-٣٦): محاولة القبض على يسوع بينما آمن به الكثيرون
٣٠فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَدًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. ٣١فَآمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ ٱلْجَمْعِ، وَقَالُوا: «أَلَعَلَّ ٱلْمَسِيحَ مَتَى جَاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ ٱلَّتِي عَمِلَهَا هَذَا؟».٣٢سَمِعَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْجَمْعَ يَتَنَاجَوْنَ بِهَذَا مِنْ نَحْوِهِ، فَأَرْسَلَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ وَرُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ خُدَّامًا لِيُمْسِكُوهُ. ٣٣فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا يَسِيرًا بَعْدُ، ثُمَّ أَمْضِي إِلَى ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي. ٣٤سَتَطْلُبُونَنِي وَلَا تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لَا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا». ٣٥فَقَالَ ٱلْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «إِلَى أَيْنَ هَذَا مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى لَا نَجِدَهُ نَحْنُ؟ أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ ٱلْيُونَانِيِّينَ وَيُعَلِّمَ ٱلْيُونَانِيِّينَ؟ ٣٦مَا هَذَا ٱلْقَوْلُ ٱلَّذِي قَالَ: سَتَطْلُبُونَنِي وَلَا تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لَا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟».
١. وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَدًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ: حتى يحين الوقت المناسب، لن يتمكن أحد من إلقاء القبض على يسوع. ولكن سيأتي الوقت وسيقول يسوع أن ساعته قد حانت (يوحنا ٢٣:١٢). وإلى أن تأتي سَاعَتَهُ، كان يسوع محميًا.
• أراد الحُرّاس أن يمسكوه، ولكنهم لم يستطيعوا، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد. وعندما عاد الحُراس إلى القادة اليهود دون يسوع، أراد الرؤساء أن يعرفوا السبب، فأَجَابَ الحُراس: «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا ٱلْإِنْسَانِ!» (يوحنا ٤٦:٧).
٢. فَآمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ: آمن كثيرون عندما سمعوا تعاليم يسوع. فمقاومة البعض ورغبة الآخرين في قتله لم تكن شيئًا ذا أهمية. فأعمال يسوع كانت معلنة للجميع، وكانوا يتعجبون من الآيات الكثيرة التي صنعها.
• كان سؤالهم منطقيًا للغاية: «أَلَعَلَّ ٱلْمَسِيحَ مَتَى جَاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ ٱلَّتِي عَمِلَهَا هَذَا؟». من حقنا أن نسأل، من فعل أكثر من يسوع؟
• إن لم يكن يسوع هو المسيح المنتظر، فمتى جاء المسيح، فهل سيمكنه أن…
• يصنع معجزات أكثر من يسوع؟
• يُعلم بسلطان وفهم أعمق من يسوع؟
• يحب أكثر من يسوع؟
• يعاني بشجاعة أكثر من يسوع؟
• يكفر عن الخطاة أكثر من يسوع؟
• يقوم من الأموات بانتصار أكبر من يسوع؟
• يصعد إلى السماء بمجد أعظم من يسوع؟
• يقديم انجيلًا أعظم من بشارة يسوع؟
• يغير نفوسًا أكثر من يسوع؟
• يحرر من الإدمان أكثر من يسوع؟
• يعزي القلوب المملوءة بالحزن أكثر من يسوع؟
• يشفي القلوب المكسورة أكثر من يسوع؟
• يعيد بناء الأسر المدمرة أكثر من يسوع؟
• ينتصر على الطغاة أكثر من يسوع؟
• يربح تلاميذ أكثر من يسوع؟
• لا شيء من هذا ممكن. فلا أحد يستطيع أن يفعل أكثر مما فعله يسوع، فهو يستحق أن نكرس له كل حياتنا ونضع كل ثقتنا وإيماننا به.
٣. أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا يَسِيرًا بَعْدُ: عندما أرسل القادة اليهود خُدَّامًا لِيُمْسِكُوهُ، أكد لهم يسوع أنه سيمضي قريبًا، ولكن حينما تأتي ساعته، أي وقت صعوده (ثُمَّ أَمْضِي إِلَى ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي). وحتى ذلك الوقت لن يمسكوه الآن.
• “كان كلامه بالنسبة للخدام دليلًا على ثقته الكاملة بأن حقدهم لن يؤذيه وأن أيديهم عاجزة عن إلحاق الضرر به، وأنه سيذهب عندما يشاء ولن يسمح لأحد أن يجبره بالقوة.” ماكلارين (Maclaren)
٤. أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ ٱلْيُونَانِيِّينَ؟: تكلم يسوع عن صعوده إلى السماء، ولكنهم لم يفهموا ما قال. فسألوه، بجهل متعمد، إن كان سيذهب إلى اليهود في الشتات خارج أرض الموعد.
• “لم يفهم اليهود أنه كان يتكلم عن موته هنا، بل ظنوا أنه يتكلم عن رحلة ما سيقوم بها في حال رفضهم له.” آلفورد (Alford)
• “بينما لم يعرف المتكلمون حينها أنه رغم عدم ذهاب يسوع شخصيًا إلى اليونانيين، ولكن أتباعه سينتشرون بعشرات الآلاف في الأراضي اليونانية في غضون السنوات القليلة القادمة.” بروس (Bruce)
٥. سَتَطْلُبُونَنِي وَلَا تَجِدُونَنِي: من اللافت للنظر أنهم كرروا بالضبط ما قاله يسوع في السابق. فهذا الجملة أزعجتهم، وأرادوا أن يفهموا قصد يسوع. فالغاية من هذه الكلمات: أن الأعداء الذين يريدون اعتقاله وإسكاته وقتله لن يعثروا عليه أبدًا.
هـ) الآيات (٣٧-٣٩): أروع دعوة على الإطلاق «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ».
٣٧وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ ٱلْعَظِيمِ مِنَ ٱلْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قَائِلًا: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. ٣٨مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». ٣٩قَالَ هَذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ.
١. وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ ٱلْعَظِيمِ مِنَ ٱلْعِيدِ: استمر عيد المظال ثمانية أيام. ففي الأيام السبعة الأولى، كانوا ينقلون الماء في جرة ذهبية من بركة سلوام ويصبونه على المذبح لتذكير الشعب بالماء الذي قدمه الله بأعجوبة لإسرائيل في البرية. ويبدو أنه في اليوم الثامن لم يكن هناك سكب للماء، بل كانت تُرفع الصلوات فقط لتذكيرهم بأنهم وصلوا أخيرًا إلى أرض الموعد.
• “لم يكن اليوم الثامن يومًا من أيام العيد. فالشعب يتوقف عن المبيت تحت المظال في اليوم السابع. ويقول فيلو (Philo): ’كانت النهاية الرسمية، ليس لهذا العيد فحسب، بل لكل الأعياد في السنة أيضًا.‘” آلفورد (Alford).
• كان هذا آخر عيد يقضيه يسوع في أورشليم قبل عيد الفصح. وكانت تلك آخر مرة يُعلم فيها يسوع الكثيرين قبل صلبه، وكان هذا هو اليوم الأخير من العيد الأخير.
٢. وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى: كان كلام يسوع هنا غاية في الأهمية.
• كان هامًا بسبب المكان (كان يقف في الساحة الخارجية للهيكل).
• كان هامًا بسبب التوقيت (في اليوم الأخير من العيد، بعد الانتهاء من صب الماء على المذبح في الأيام السابقة).
• كان هامًا بسبب الطريقة التي تكلم بها (نادى أو صاح، وهذا يختلف تمامًا عن طريقته في الخدمة، كما نقرأ في إشعياء ٢:٤٢ “لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي ٱلشَّارِعِ صَوْتَهُ”).
٣. «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ»: ركز احتفال عيد المظال على تمجيد الله لأجل الماء الذي أعطاه لإسرائيل في البرية في طريقهم نحو كنعان. دعا يسوع الناس بكل مجاهرة لكي يقبلوا إليه ويشربوا ويشبعوا عطشهم الشديد، أي عطشهم الروحي.
• شملت الدعوة الجميع لأنها قالت: إِنْ … أَحَدٌ. فالذكاء أو العِرق أو الطبقة الإجتماعية أو القومية أو الحزب السياسي لا تُقيد هذه الدعوة. وكانت الدعوة ضيقة لأنها حددت المدعويين: إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ. فعلى المرء أن يدرك حاجته. فالعطش ليس شيئًا في حد ذاته، لكنه غياب شيء آخر. إنه ذلك الفراغ الداخلي والحاجة الملحة.
• ثمة خلاف بين المفسرين حول ما إذا قال يسوع هذا أثناء صب الماء على المذبح أو بعدما توقف صب الماء. ولكن يبدو أن يوحنا شدد على أن هذا حدث في ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ لأن يسوع أراد أن يقارن بين أمرين: “الماء الذي لم يعد موجودًا في الهيكل ولا في الطقوس التي نحبهاـ والماء الذي يقدمه يسوع والذي يبحثون عنه.” ولكن هذا الكلام ليس مؤكدًا.
• “لم يكن هناك سَكبٌ للماء في اليوم الثامن، وهذا ما جعل كلمات يسوع أكثر روعة.” موريس (Morris)
• “كان الاحتفال بدخولهم إلى أرض الينابيع ينتهي في اليوم الثامن. ولكن الأرواح التي كانت تنظر لكل هذه الطقوس لا زالت تشعر بالعطش الذي لا يخمده أي من هذه الرموز.” دودز (Dods)
٤. مَنْ آمَنَ بِي: شرح يسوع ما قصده بمثل الشرب. فكل من يُقْبِلْ إلى يسوع وَيَشْرَبْ يعني في الأساس: أن نضع إيماننا وثقتنا بيسوع وأن نعتمد عليه ونتمسك به الآن وإلى الأبد.
• “طلب منا أن نشرب، وهذا ليس عملًا صعبًا. أي شخص أحمق يمكنه أن يشرب. وفي الواقع يوجد العديد من الحمقى هناك يشربون الكثير من الكحول السامة. فالشرب هو العمل الطبيعي الذي يقوم به أي خاطئ.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ: قدم يسوع أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ للذين آمنوا به فعلًا. كان سكان المظال المؤقتة يتطلعون إلى تحقيق النبوات عن الماء الذي يتدفق من العرش ومن أورشليم حيث يتوج المسيح. وفي الأساس قال يسوع: “ضع ثقتك فيّ، واجلسني على عرش قلبك، وستجري من بطنك أنهار ماء حي.”
• “تعني كلمة ’من بطنه‘ في اليونانية من أعماقه.” موريس (Morris)
• لم يتكلم يسوع عن شيء يدخل الشخص فحسب، بل يتدفق منه أيضًا. فالمؤمن لا يأخذ البركة لنفسه فقط، بل يصبح مصدرًا لبركة الآخرين.
• “لا يملك يسوع القدرة على سد العطش فحسب، بل يجعل من الشخص المُرتوي قناة تجري من بطنه أنهار ماء حي.” مورغان (Morgan)
• كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ: “مع أنه لم يقتبس آية محددة من الكتاب المقدس، إلا أن ما قاله في الواقع كان تحقيقًا لنبوات مثل زكريا التي تقول أنه في ذلك اليوم يكون يَنْبُوعٌ مَفْتُوحًا لبيت داود، ومِيَاهًا حَيَّةً تخرج من أورشليم (زكريا ١:١٣، ٨:١٤)؛ ومن إشعياء أن الله سيسكب ماء على العطشان.” تاسكر (Tasker).
٦. قَالَ هَذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ: هذه الحياة الفياضة تأتي من سكنى ٱلرُّوح في المؤمن. ويتحدث هنا عن اختبار خاص يتمتع به ٱلْمُؤْمِنُونَ. وقد تختلف طبيعة هذا الاختبار من مؤمن لآخر، ولكن هناك جزءًا معينًا سيُعطى لكل من يقبله بالإيمان.
• “يربط تلمود أورشليم الروح القدس بالطقوس وٱلْكِتَاب ويقول: ’لماذا سميت ينابيع تتدفق؟ بسبب انسكاب الروح القدس. وكما قيل في إشعياء ٣:١٢ «فَتَسْتَقُونَ مِيَاهًا بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ ٱلْخَلَاصِ.»‘” موريس (Morris).
• “يا لها من بركة عظيمة حينما نكرز بعمل يسوع المسيح، ويا لها من لعنة حينما نلغي عمل الروح القدس. فعمل الرب يسوع على الصليب ليس بركة لمن لا يعرف عمل الروح القدس.” سبيرجن (Spurgeon)
٧. لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ: لم تكن هذه الحياة الفياضة موجودة بعد لِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ من خلال الصليب والقيامة. لا يمكن للروح القدس أن يُعطى لشعب الله إلى أن يكتمل عمل يسوع على الصليب ويصبح القبر فارغًا.
• أضاف المترجمون كلمة: أُعْطِيَ على الآية. ولكن المعنى الحرفي كان: لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ. يخبرنا يوحنا هنا أن يوم الخمسين لم يكن قد جاء بعد. “لا تعني الكلمة أُعْطِيَ بالضبط بل بالأحرى ’يعمل‘ أو أي كلمة شبيهة… فحلول الروح القدس لم يأتي بعد.” آلفورد (Alford)
• “تكررت هذه الفكرة في هذا الإنجيل: لا يمكن للروح أن يُعطى أثناء خدمة يسوع الأرضية، ولكنه سيُعطى عندما يكتمل العمل على الصليب.” موريس (Morris)
ثالثًا. اسئلة ٱلْجَمْع ورفض القادة اليهود
أ ) الآيات (٤٠-٤٣): حدث انشقاق في الجمع بسبب يسوع
٤٠فَكَثِيرُونَ مِنَ ٱلْجَمْعِ لَمَّا سَمِعُوا هَذَا ٱلْكَلَامَ قَالُوا: «هَذَا بِٱلْحَقِيقَةِ هُوَ ٱلنَّبِيُّ». ٤١آخَرُونَ قَالُوا: «هَذَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ!». وَآخَرُونَ قَالُوا: «أَلَعَلَّ ٱلْمَسِيحَ مِنَ ٱلْجَلِيلِ يَأْتِي؟ ٤٢أَلَمْ يَقُلِ ٱلْكِتَابُ إِنَّهُ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، وَمِنْ بَيْتِ لَحْمٍ، ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَ دَاوُدُ فِيهَا، يَأْتِي ٱلْمَسِيحُ؟». ٤٣فَحَدَثَ ٱنْشِقَاقٌ فِي ٱلْجَمْعِ لِسَبَبِهِ.
١. هَذَا بِٱلْحَقِيقَةِ هُوَ ٱلنَّبِيُّ… هَذَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ: اختلف الناس على تحديد هوية يسوع، وأبدى الجميع رأيه، قال البعض شيئًا وقال آخرون شيئًا آخر. فمن المستحيل أن يتواجه المرء مع يسوع ويبقى محايدًا، وإذا تظاهر بأنه محايد، فسيكون ضده على الأغلب.
• هَذَا بِٱلْحَقِيقَةِ هُوَ ٱلنَّبِيُّ: “لا شك أن البعض عرفوا أن النبي يعني المسيح، ولكن يبدو أن آخرين اعتقدوا أن النبي يشير إلى قيامة أحد الأنبياء القدامى قبيل ظهور المسيح.” كلارك (Clarke)
٢. أَلَعَلَّ ٱلْمَسِيحَ مِنَ ٱلْجَلِيلِ يَأْتِي؟: رفض البعض يسوع لأنهم يجهلون حقيقته ولا يعرفون شيئًا عنه. فهؤلاء مثلًا لم يعرفوا أن يسوع ولد في بيت لحم، رغم معرفتهم بالنبوة القائلة أن المسيح سيولد في بَيْتِ لَحْمٍ.
• “يشير حرف الجر ’من‘ إلى مكان الولادة والأصل وليس إلى مكان إقامته.” ترينش (Trench)
• “المقطع الكتابي الذي أقنع منتقديه بأنه لا يمكن أن يكون المسيح، كان أقوى مقطع كتابي يثبت حقيقته.” تيني (Tenney)
• “هل تمنعك المُجادَلاتِ الغَبِيَّةِ والمراوغة عن الإيمان بيسوع المسيح؟ هل ترفضه لأنك لا تفهم كيف حصل قايين على زوجته؟ أو كيف يمكن لله معاقبة الخطاة؟ أو لماذا نؤمن بالميلاد العذراوي أو بالقيامة؟” بويس (Boice)
٣. فَحَدَثَ ٱنْشِقَاقٌ فِي ٱلْجَمْعِ لِسَبَبِهِ: قسّم يسوع الناس أثناء خدمته الأرضية. فلا يمكن للشخص أن يملك رأيين حول يسوع، إما أن يكون معه أو ضده.
• “تشير كلمة ٱنْشِقَاقٌ هنا إلى اختلاف شديد في الرأي – فالبعض أيد كلامه، والبعض الآخر أراد أن يقبض عليه ويسجنه.” آلفورد (Alford)
• لم يحدث ٱنْشِقَاقٌ لأن يسوع تكلم بحماقة أو لأنه تحدث في مواضيع لاهوتية مثيرة للجدل. بل تكلم عن نفسه كالمسيح، وتحدث بكل وضوح ولم يستخدم كلمات غامضة أو غير مفهومة.
• كرر يسوع نفس هذه الفكرة في متى ٣٤:١٠-٣٦ «لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى ٱلْأَرْضِ. مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلَامًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لِأُفَرِّقَ ٱلْإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَٱلِٱبْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَٱلْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ ٱلْإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ».
• لا يجوز أن يحدث مثل هذا الانشقاق أبدًا بين المؤمنين. “يمكننا أحيانًا أن نتجادل دفاعًا عما نؤمن أنه الحق، وأن نوبح بعضنا البعض إذا اعتقدنا أن هناك خطية ما، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمسيح وبصليبه الغالي، فدعنا نتحد يا أخي. فأنت مغسول بالدم، وأنا كذلك. وراحتك في المسيح، وأنا أيضًا. وقد وضعت كل رجائك على يسوع، وهذا رجائي أيضًا، إذًا نحن واحد. وهكذا نستطيع القول أنه لا يوجد انشقاق حقيقي بين شعب الله المؤمنين بسبب المسيح.” سبيرجن (Spurgeon)
ب) الآيات (٤٤-٤٩): فشل محاولة القبض على يسوع
٤٤وَكَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ عَلَيْهِ ٱلْأَيَادِيَ. ٤٥فَجَاءَ ٱلْخُدَّامُ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ. فَقَالَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ: «لِمَاذَا لَمْ تَأْتُوا بِهِ؟». ٤٦أَجَابَ ٱلْخُدَّامُ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا ٱلْإِنْسَانِ!». ٤٧فَأَجَابَهُمُ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ ضَلَلْتُمْ؟ ٤٨أَلَعَلَّ أَحَدًا مِنَ ٱلرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟ ٤٩وَلَكِنَّ هَذَا ٱلشَّعْبَ ٱلَّذِي لَا يَفْهَمُ ٱلنَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ».
١. وَكَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ عَلَيْهِ ٱلْأَيَادِيَ: فشلت محاولة اعتقاله، ولكن لم يكن السبب لأن الخُدام كانوا غير أكفاء، بل لأن ساعته لم تأتي بعد. فقد كان من المستحيل أن يوقفوا يسوع الى أن يحين وقت الآب المناسب.
٢. «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا ٱلْإِنْسَانِ!»: سمع هؤلاء ٱلْخُدَّامُ الكثير من التعليم من المُعلمين اليهود، ولكنهم لم يسمعوا أحدًا يتكلم مثل يسوع قط. لقد أعجبوا كثيرًا برسالة يسوع لدرجة أنهم وجدوا صعوبة في أداء العمل المسند إليهم بتوقيفه وإسكاته.
• “’لم يتحدث أي إِنْسَان بهذه الطريقة من قبل.‘ تظهر كلمة ’ٱلْإِنْسَانِ (anthropos)‘ باللغة اليونانية في نهاية الجملة للتشديد، وتشير إلى أنه لم يكن مجرد إنسان عادي.” تيني (Tenney)
• “عبروا عن شهادتهم بكلمات قليلة وبسيطة، ومع ذلك صمدت ١٩ قرنًا.” بروس (Bruce)
٣. «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ ضَلَلْتُمْ؟ أَلَعَلَّ أَحَدًا مِنَ ٱلرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟ وَلَكِنَّ هَذَا ٱلشَّعْبَ ٱلَّذِي لَا يَفْهَمُ ٱلنَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ»: كان كبرياء القادة الدينيين واضحًا للغاية وكذلك إحتقارهم لعامة الشعب. وكانوا يأملون أن يسببوا الحرج للحراس ويخيفونهم لأنهم لم يعتقلوا يسوع، بقولهم بما معناه: لم يتبع كل الأذكياء والروحانيين يسوع، فعليكم ألا تتبعوه أنتم أيضًا.
• “أزيل القناع عن عجرفة الرؤساء حينما أهملوا بازدراء شهادة الحراس.” تيني (Tenney)
• “كان لدى الفريسيين قولٌ معروف يصفوا فيه الناس العاديين والبسطاء الذين لا يحفظون كل الوصايا والتقاليد الناموسية، فكانوا يلقبونهم ’شعب الأرض‘ لأنهم في نظرهم أقل من أن يكونوا موضع احتقار.” باركلي (Barclay)
• “حاول المعلم اليهودي المتحرر ’هليل‘ (عاش قبل المسيح) تلخيص موقف الفريسيين هذا عندما قال: “لا يوجد تقيٌ واحد بين عامة الشعب.” بروس (Bruce)
ج) الآيات (٥٠-٥٢): ردة الفعل على موقف نيقوديموس البسيط نحو يسوع.
٥٠قَالَ لَهُمْ نِيقُودِيمُوسُ، ٱلَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ لَيْلًا، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: ٥١«أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلًا وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟». ٥٢أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ ٱلْجَلِيلِ؟ فَتِّشْ وَٱنْظُرْ! إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ ٱلْجَلِيلِ».
١. أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلًا وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟»: حاول نيقوديموس أن يناقش القادة اليهود بعقلانية، محذرًا إياهم من إصدار حكم سريع على يسوع.
٢. أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ ٱلْجَلِيلِ؟: احتقر القادة اليهود الذين يعيشون في أورشليم واليهودية أهل ٱلْجَلِيلِ، وكثيرًا ما استهزأوا بهم. فبالنسبة لهؤلاء القادة من اليهودية، لا يمكن لأي شيء صالح أن يأتي من الجليل.
٣. فَتِّشْ وَٱنْظُرْ! إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ ٱلْجَلِيلِ: كانوا مخطئين طبعًا، فقد قام نبي من الجليل من قبل هو النبي يونان (الذي يمثل صورة عن يسوع المسيح) والذي كان من جَتَّ حافِرَ وهي قرية تبعد حوالي ثلاثة أميال شمال الناصرة في الجليل (ملوك الثاني ٢٥:١٤).
• “الطريقة التي طرح بها السؤال في النص الأصلي تكشف ذهولهم: ’بالتأكيد لن يأتي المسيح من الجليل.‘” تاسكر (Tasker)
• “لم تكن معلوماتهم صحيحة تاريخيًا، لأنه قد جاء من الجليل بعض الأنبياء مثل: يونان من جَتَّ حافِرَ، وإيليا أعظم الأنبياء الذي كان مِنْ بَلْدَةِ تِشْبِي فِي جِلْعادَ، وربما أيضًا ناحوم وهوشع. ولكن احتقارهم للجليل جعلهم يغفلون التاريخ.” آلفورد (Alford)