إنجيل يوحنا – الإصحاح ١٣ – يسوع الخادم المُحب كتب ألكسندر ماكلارين (Alexander Maclaren) عن هذا الجزء الرائع في يوحنا ١٣-١٧ وقال: “لا نرى في أي مكان آخر خطابًا كهذا ليسوع يتسم بالبساطة والعمق معًا، ولا نرى في أي مكان آخر قلب الله يُكشف أمامنا هكذا… إن الكلمات الخالدة التي تكلم بها المسيح في تلك العُلِّيّة هي من أعظم الإعلانات التي تفوه بها عن نفسه، كما فعل الصليب الذي أعلن عن محبته العملية.”
أولًا. يَسُوعُ يَغسِلُ أقدامَ التَّلامِيذ
أ ) الآية (١): يسوع مع التلاميذ في لقائهم الأخير قبل الصلب.
١. قَبْلَ عِيدِ ٱلْفِصْحِ: يعطينا هذا مرجعًا زمنيًا. فقد كان يسوع على وشك أن يتناول وجبة أخيرة مع تلاميذه، واختلف العلماء إن كانوا تناولوها في عيد الفصح أو أن كانت هذه الوجبة الرئيسية لعيد الفصح ولكنهم تناولوها ليلة قبل العيد.
• التسلسل الزمني يثير مشكلة هنا لأن بعض المقاطع تشير إلى أن يسوع صُلب يوم الفصح، ومقاطع أخرى تشير إلى أنه صُلب في اليوم التالي للفصح. وهناك العديد من الحلول المحتملة لهذه المعضلة، ولكن من الصعب تحديد أي منها يمثل الجواب النهائي.
• على الرغم من أن الفعل ’مُتَّكِئًا‘ في (يوحنا ٢٣:١٣) يقترح أنهم تناولوا الوجبة قبل عيد الفصح الرسمي (الآية ١)، غير أنهم عاملوها كوجبة عيد الفصح الرئيسية.” بروس (Bruce)
• “لقد أسهم هذا النقاش في حدوث اختلاف ملموس واحد بين المسيحيين. “فمنذ عهود غابرة، استخدمت المسيحية الغربية ’خُبز غَيرِ مُخْتَمِر‘ في فريضة العشاء الرباني، وأصرت المسيحية الشرقية على استخدام خُبز مُختَمِر. وقد أكدت الكنيسة الشرقية، على نحو صائب، أنهم تناولوا العشاء الأخير قبل ليلة من عيد الفصح الرسمي، وهكذا استنتجت أنه كان خبزًا مختمرًا عاديًا. كما أكدت الكنيسة الغربية، وكانت محقة أيضًا، أن عشاء عيد الفصح الذي تناوله ربنا مع تلاميذه كان ليلة عيد الفصح، كما سماه يسوع في (لوقا ١٥:٢٢) كما اتفق كل الأناجيل الإزائية (السينوبتيّة) في تسميته وتوصلوا إلى نفس النتيجة، وبالتالي كان الخبز غير مختمر لأنهم حتمًا أكلوا وفقًا للطقوس المنصوص عليها في شريعة موسى.” ترينش (Trench)
٢. وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ: عاش يسوع حياته الأرضية متوقعًا سَاعَتَهُ، وكان يعلم موعدها تمامًا (يوحنا ٤:٢). وقد تمتع يسوع حتى الآن بحماية فريدة لأن ساعته لَمْ تكُنْ قَدْ حانَت بَعْد (يوحنا ٣٠:٧، ٢٠:٨). أما الآن، فقد عَلِمَ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ. وتكلم يسوع عن معرفته لهذا الأمر في يوحنا ٢٣:١٢-٢٧ حتى أنه قال: جِئْتُ مِنْ أجلِ هَذِهِ السّاعَةِ.
• لقد جاءت ساعته بالفعل. فقد انتهت خدمة يسوع العلنية، وفي ٢٤ ساعة كان سيُعلق على الصليب. كانت تلك بداية النهاية، واستخدم يسوع هذه الساعات الثمينة الأخيرة لخدمة تلاميذه وإعدادهم لما سيأتي.
٣. لِيَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ إِلَى ٱلْآبِ: لا يذكر يوحنا في ١:١٣ الصليب بشكل محدد، ولكن الصليب يلقي بظلاله على كل كلمة تقريبًا. فنرى ظل الصليب على سَاعَتَهُ التي قد قربت، ونرى ظل الصليب على خَاصَّتَه الذين أَحَبَّهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى. ولكننا نرى أيضًا ظل الصليب على حقيقة أن يسوع سيغادر هَذَا ٱلْعَالَمِ. صحيح أن الكلمات صيغت بكل هدوء، ولكن ثمة حقيقة صعبة تحت هذا الغطاء الناعم. فيسوع سوف يَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ عبر الصليب.
• “عندما يحين وقت مغادرة شخص ما للانتقال لمكان آخر بعيد، يُنهي كل أعماله الضرورية هناك، ويصرف ساعاته القليلة القادمة مستمتعًا بصحبة الأعزاء على قلبه.” موريسون (Morrison)
٤. قَدْ أَحَبَّ: من المؤكد أن يسوع أَحَبَّ تلاميذه. فقد قادهم وعلمهم واهتم بهم وحماهم. فما قدمه يسوع لهم يفوق ما قد يفعله أو يقدمه أي معلم أو قائد آخر.
٥. قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ: يسوع يحب كل الناس، ولكن محبته لخَاصَّتَه مميزة بعض الشيء، لا يعني هذا أن محبة يسوع متفاوتة، ولكنها تختلف من حيث الشكل والنوع مع خاصته. فمحبة يسوع لخَاصَّتَه أكبر لأن هناك تفاعل في العلاقة ومحبة متبادلة بين الأطراف.
• لقد فعل يسوع بعض الأشياء لكل الناس. ولكنه فعل أيضًا كل الأشياء لبعض الناس – خَاصَّتَهُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْعَالَمِ.
• “محبة الله الأوسع لكل ’العالم‘ (يوحنا ١٦:٣) لن تتأثر أو تتغير عن محبة يسوع الخاصة لأصدقائه، وهؤلاء سوف يختبرون كامل محبته.” بروس (Bruce)
• كان هؤلاء التلاميذ وكل التلاميذ فيما بعد خَاصَّتَه فعلًا وينتمون إليه.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنه اختارهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنه بذل نفسه لأجلهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأن الآب أعطاه إياهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنّه سَيَشتْريهم قريبًا.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنه سكن فيهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنهم خضعوا واستسلموا له.
٦. أَحَبَّهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: أَحَبَّ يسوع خَاصَّتَهُ، ولم يتوقف يومًا عن محبتهم، بل سيحبهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى. والقصد من عبارة ’إِلَى ٱلْمُنْتَهَى‘ هو: ’إلى أقصى حد.‘
• “استخدمت بعض الترجمات الإنجليزية ’حتى النهاية‘ بدلًا من ’إلى المنتهى‘ ولكن الأخيرة أفضل لأنها أقرب إلى كلمة (eis telos) في اللغة الأصلية. فلا تعني هذه العبارة أن يسوع أحب تلاميذه حتى نهاية خدمته فقط، ولكنه أحبهم بلا حدود، إلى المنتهى.” تيني (Tenney)
• إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: تعني حتى نهاية حياة يسوع الأرضية. فعلى الرغم من أن التلاميذ تخلوا عنه، لكنه لم يتخلَ عنهم، وعلى الرغم من أنهم توقفوا عن التفكير فيه وركزوا على أنفسهم فقط، لكنه لم يتوقف عن التفكير بهم. فمن كانت مشاكله أسوأ – يسوع أم التلاميذ؟ ومن كان يهتم أكثر؟ لقد أحبهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى.
• إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: تعني محبة لا تنتهي. فيسوع لن يتوقف عن محبته لأولاده، خَاصَّتَه، فهي محبة غير متغيرة بل ثابتة إلى الأبد.
• إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: تعني محبة بلا حدود. استخدمت بعض الترجمات تعبير “أَقْصَى الْمَحَبَّةِ.” سكب يسوع كأس محبته بالكامل علينا.
١. فَحِينَ كَانَ ٱلْعَشَاءُ: ترجمت هذه الجملة في بعض المخطوطات القديمة وفي اللغة العربية بمعنى ’أثناء العشاء‘ بدلًا من ’بعد العشاء‘ في اللغة الإنجليزية. وربما كان هذا أكثر منطقية، والفرق بينهما هو حرف واحد في المخطوطات اليونانية القديمة.
• “’وبينما كانُوا يَتَعَشَّوْن‘ هي الترجمة الأفضل من ’بعد العشاء‘ والسبب في المقام الأول هو تسلسل الأحداث (٣٠:١٢) الذي يوضح أن العشاء لم ينتهِ بعد. فالعشاء كان قد بدأ بالفعل عندما قام يسوع وبدأ يغسل أرجل التلاميذ.” بروس (Bruce)
• “تقول بعض مخطوطات الكتاب المقدس القديمة: ’العشاء انتهى‘ (genomenou)، وأخرى: ’أثناء العشاء‘ (ginomenou). وكلتا القراءتين موثقتين بشكل جيد.” تاسكر (Tasker)
٢. وَقَدْ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا: قد تكون الترجمة الأفضل ’وقد قرر الشيطان أن على يهوذا الإسخريوطي، ابن سمعان، أن يخونه.‘ فقد بحث الشيطان عن رجل لخيانة يسوع، وربما كان الشيطان يزرع الفكرة في يهوذا لفترة طويلة. والآن اتخذ قراره وكان يهوذا رجله.
• يؤيد بروس (Bruce) فكرة أن الدافع وراء الشر الموجه ضد يسوع كان قَلْبِ الشيطان، وأن ٱلشَّيْطَانُ أثر بدوره على قلب يهوذا.
٣. يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ: لم يكن هذا أمرًا عرفه يسوع في تلك الساعة. فقد قال قبل سنوات أثناء خدمته: الآبُ يُحِبُّ الابْنَ، وَقَدْ وَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ (يوحنا ٣٥:٣). مما يعني أنه كان من المهم أن يعرف يسوع، في هذا الوقت بالذات، وفي هذا الظرف بالذات، أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ.
• كان هذا مهمًا بسبب الساعة. كان يسوع على وشك أن يواجه آلام الصليب ورعب الوقوف أمام غضب الله الآب بدلًا عن المذنبين الخطاة. وفي ذات الوقت، دخل يسوع في هذا الوضع كمنتصر وليس كضحية. وكان بإمكانه أن يتراجع في أي وقت يشاء، لأن ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ.
• كان هذا مهمًا بسبب الظرف. كان يسوع على وشك أن يُخلي نفسه ويتنازل في اتضاع ليخدم تلاميذه، ولم يفعل ذلك عن ضعف، بل بكل سلطان لأن ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ.
• لا تخبرنا الأناجيل عادة عن الدافع أو الأفكار وراء تصرفات يسوع. لكن الأمر مختلف هذه المرة. إذ يخبرنا يوحنا بالتفصيل لماذا غسل يسوع أرجلهم وتحدث معهم بكل محبة في الفصول التالية. وربما عرف هذا مِنْ يسوع عندما سأله.
• “يشاركنا يوحنا بالحديث عن مشاعر يسوع أكثر من باقي الأناجيل، إما لأنه كان أكثر ملاحظة أو لأن يسوع وثق به.” تيني (Tenney)
٤. وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ، وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي: لم يعرف يسوع سلطانه فحسب، بل عرف علاقته بالله أيضًا. وعرف هويته، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ، وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي. كما كان يعلم أن ماضيه ومستقبله مع الله الآب، وكان مصممًا على تمجيده في الحاضر.
• عندما يطالب الناس بمعاملة أفضل من الآخرين نسمعهم يفكرون أو يقولون أحيانًا: “هل تعرف من أكون؟” عرف يسوع عظمته أكثر من أي شخص آخر، ولكن هذا جعله يعامل الآخرين بطريقة أفضل بدلًا من توقعها لنفسه.
• “قام يسوع عن العشاء واتخذ منشفة ووضعية الخادم لأنه كان يعرف جيدًا حقيقته وأصله الإلهي ووجهته. لقد كان بالفعل الخادم المثالي الموصوف في نبوة إشعياء.” تاسكر (Tasker)
١. قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ: بتصريحات قصيرة وحيوية وصف يوحنا العمل الرائع الذي فعله يسوع في تلك الليلة التي لا تُنسى. ومن طريقة كتابة يوحنا، يتملكنا شعور أنه ما زال يتذكر كل التفاصيل حتى بعد مرور عدة سنوات عليها.
• “تشبه رواية البشير يوحنا قصة يرويها شاهد عيان راقب أحداثها المثيرة بإعجاب وتعجب – جمل قصيرة متقطعة.” ترينش (Trench)
• “كل خطوة في هذا المشهد المدهش كانت محفورة في عقل يوحنا… ’ثُمَّ سَكَبَ ماءً فِي وِعاءٍ لِلاغتِسالِ…‘ وعاء الاغتسال الذي جهزه صاحب المكان كجزء من الترتيبات اللازمة.” دودز (Dods)
٢. وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذِ: في هذه اللحظة المليئة بالمعاني، تصرف يسوع بطريقة تبدو غريبة نوعًا ما. وبدأ يزاول مهنة أدنى خادم في البيت. وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذِ.
• في تلك اللحظة الحرجة، وفي الليلة قبل عذاب الصليب، لم يفكر يسوع بنفسه، بل فكر في تلاميذه. وكان هذا حقًا تعبير عن محبته لهم التي كانت إلى المنتهى. ومع أن تلاميذ يسوع عاملوه بصورة سيئة وكانوا سيتصرفون بصورة أسوأ ويتخلوا عنه، إلا أنه أحبهم إلى المنتهى.
• “وهب يسوع نفسه بالكامل لغسل أرجلهم، وكان شاملًا في عمله. أولًا، قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ، ثم خَلَعَ ثِيَابَهُ، وربما ذكره هذا بالذي كان ينتظره بعد بضع ساعات فقط، إذ سينزعون ثِيَابَهُ ويصلبوه، ثم أخذ يسوع مِنْشَفَةً وَٱتَّزَرَ بِهَا. وأخيرًا، صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ. أما إذا أراد يسوع أن يعرض صورة الخادم فقط، لطلب من أحد الُخدام أو التلاميذ أن يجهز كل هذا له، ثم يأخذ قطعة مبللة من القماش وبسرعة يمسح بعض الأرجل القذرة ويعتبر أن مهمته قد انتهت. وهذا سيكون حتمًا كافيًا ليعكس صورة القائد الخادم المحب، ولكن يسوع لم يفعل ذلك، بل وهب نفسه بالكامل ليتمم هذا الأمر.”
• كان هذا تصرفًا يعبر عن أقصى درجات الاتضاع. فوفقًا للقوانين والتقاليد اليهودية المتعلقة بالعلاقة بين المعلم وتلاميذه، لا يحق للمعلم أن يطلب أو يتوقع من تلاميذه أن يغسلوا قدميه. وكان من غير المتوقع إطلاقًا أن يقوم المعلم بغسل أرجل تلاميذه.
٣. وَيَمْسَحُهَا بِٱلْمِنْشَفَةِ ٱلَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا: كان منظر يسوع وهو يغسل أرجل تلاميذه ويمسحها مؤثرًا جدًا. يخبرنا البشير لوقا ٣٢:٢٢ أن التلاميذ دخلوا الغرفة وهم يتجادلون فيما بينهم من كان الأعظم. ولكن الأمر الذي فعله يسوع أظهر لهم العظمة الحقيقية.
• كان من المعتاد أن يقوم أقل الخدام شأنًا في المنزل بغسل أرجل الضيوف عند دخولهم البيت، وخاصة لتناول وجبة رسمية كهذه. ولسبب ما، لم يحدث هذا عندما جاء يسوع والتلاميذ إلى الغرفة. وأكلوا طعامهم وأقدامهم لم تزل قذرة.
• ما حدث كان أكثر غرابة مما نظن. أولًا، كانت أقدامهم قذرة للغاية بسبب النعال التي كانوا يستخدمونها والطرق التي يسيرون عليها. ثانيًا، تناول التلاميذ وجبة رسمية كهذه على طاولة تُعرف باسم ’تريكلنيوم‘ كانت منخفضة الارتفاع قريبة من الأرض وعلى شكل حرف U. وكلما كان الضيف أقرب إلى المضيف، كلما كانت مكانته أعلى. ولأن الطاولة كانت منخفضة، لم يجلسوا على الكراسي بل كانوا يستندون على الوسائد وأقدامهم وراءهم. ولهذا كان من السهل رؤية أقدامهم المتسخة وربما شم رائحتها.
• لم يكن أي من التلاميذ مهتمًا بغسل قدمي الآخر، بل كانوا على استعداد لغسل قدمي يسوع بكل سرور. ولكنهم لن يتمكنوا من غسل قدمي يسوع قبل أن يكونوا مستعدين لغسل أرجل بعضهم البعض، فقد كان هذا بمثابة اعتراف غير مقبول بالدونية بين الزملاء المتنافسين على المراكز العليا في التسلسل الهرمي للتلاميذ. لذلك لم تغسل أرجل أي منهم.
٤. وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذ: كان هدف يسوع من كل هذا أن يضع أمام التلاميذ مثالًا يحتذوه. فقد عرف يسوع أن الأفعال أبلغ من الأقوال. لهذا وعندما أراد أن يُعلم التلاميذ المتكبرين المتخاصمين عن التواضع الحقيقي، لم يعلمهم عن التواضع بل أظهره لهم. ووضح أيضًا عمله الكامل الذي كان بالنيابة عن خاصته.
• قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ (ترك مائدة العشاء)… مكان الراحة والتعزية
• ترك يسوع عرشه في السماء… مكان الراحة والتعزية
• خَلَعَ ثِيَابَهُ ووضعها جانبًا… تخلى عن غطائه
• خَلَعَ يسوع مجده… تخلى عن غطائه السماوي
• أَخَذَ مِنْشَفَةً وَٱتَّزَرَ بِهَا… وكان مستعدًا للعمل
• أخذ يسوع هيئة عبد… وجاء مستعدًا للعمل
• صَبَّ (سكب) مَاءً فِي مِغْسَلٍ… وكان جاهزًا للتنظيف
• سكب يسوع دمه ليطهرنا من ذنب وعقاب الخطية
• جلس يسوع مرة أخرى (يوحنا ١٢:١٣) بعد أن غسل أرجلهم
• جلس يسوع عن يمين الله الآب بعد تطهيرنا
• “يا له من مثل عملي حدد أعظم مبدأ للخدمة المتواضعة التي تجسدت في الصليب.” موريس (Morris)
• “ماذا فعل يسوع رغم معرفته ’أنه مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي،‘ و’أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ‘ حتى عندما كان راكعًا هناك أمام هؤلاء الرجال؟ هل انتصر؟ أم أظهر مجده؟ أم عرض سلطانه؟ أم أمر بأن يُخدم؟ كلا… بل ٱتَّزَر بمنشفة وغسل أرجل تلاميذه.” ماكلارين (Maclaren)
• “لم يستبدل الله شكله بشكل خادم، بل كان هو نفسه الخادم. فعندما كان يغسل أرجلهم، رأى التلاميذ، رغم عدم فهمهم لهذا حينها، ظهورًا نادرًا لسلطان ومجد الكلمة المتجسد، وإعلانًا نادرًا عن شخصية الآب نفسه.” بروس (Bruce)
• بعد عدة قرون، كتب بطرس للمؤمنين وصفًا عن التواضع على هذا النحو: كُونُوا جَمِيعًا خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، وَتَسَرْبَلُوا بِٱلتَّوَاضُعِ (بطرس الأولى ٥:٥). وكأن بطرس يقول حرفيًا: ’تسربل بمِنشَفَة التواضع.‘ فما فعله يسوع هنا حُفر في عقله وفي قلبه.
١. لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!: من المحتمل أن بطرس فكر بهذه الطريقة: “كل هؤلاء التلاميذ قد فاتهم المغزى من تصرف يسوع هذا. فهو يريدنا أن نحتج، وأن نُعلن أنه أعظم من أن يفعل ذلك معنا، وأننا غير مستحقين أن يغسل أرجلنا.” ولهذا أدلى بطرس بهذا التصريح الدرامي.
• “كان هذا تواضعًا مفرطًا لكن يشوبه التباهي.” تراب (Trapp)
• وفي الوقت ذاته، يبدو أن بطرس شعر بعدم الارتياح عندما ابتدأ يسوع يخدمه بهذه الطريقة الوضيعة. فهذا المثل الرائع لقلب يسوع الخادم أظهر كبرياء كل من بطرس والآخرين بالمقارنة.
• “الجملة لا تتضمن اشارة صريحة لضمير الذات. فلم يرَّ بطرس أية مشكلة في عملية غسل الأرجل نفسها لأنها كانت أمرًا طبيعيًا، ولكنه واجه مشكلة مع الشخص الذي كان على وشك أن يفعل ذلك.” آلفورد (Alford)
٢. إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ: كان على بطرس أن يقبل هذا العمل من يسوع. فبطرس صار نموذجًا لنا، لأنه إن لم نقبل تطهير يسوع لنا من خلال عمله المتواضع، فلن يكون لنا معه نَصِيبٌ.
• كرز بطرس بالأخبار السارة عن الملكوت وأخرج الشياطين باسم يسوع – ومع ذلك كان بحاجة إلى أن تُغسل رجلاه.
• رأى بطرس يسوع في مجده مع موسى وإيليا، وكان اختبارًا روحيًا رائعًا بالفعل – ومع ذلك كان بحاجة إلى أن تُغسل رجلاه.
• مشى بطرس على الماء في برهان عن إيمان راسخ – ومع ذلك كان بحاجة إلى أن تُغسل رجلاه.
• صحيح أن غسل الأرجل كان درسًا قويًا في التواضع، ولكنه كان أكثر من ذلك بكثير. فقد أظهر هذا العمل أن يسوع لا يملك أي علاقة شخصية مع الذين لم يطهرهم.
• “هذا التواضع الذي يتسم بحسن النية ولكنه كان مزيفًا، من شأنه أن يمنعه (ويمنع الكثيرين) من الانحناء لقبول عمل التطهير الروحي من الله الذي يعتبر ضروريًا للغاية ليكون له نَصِيبٌ معه.” آلفورد (Alford)
• نحن ممتنون أن يسوع لم يقل: ’إن لم تكن بارًا، فَليس لك معي نصيب!‘ ونحن سعداء أنه لم يقل: ’إن لم تكن خبيرًا في الكتاب المقدس، فَليس لك معي نصيب!‘ فبكل بساطة، يصبح لنا نصيب مع يسوع عندما نقبل منه شيئًا، لا عندما نحقق شيئًا من ذواتنا.
• ويبين تصريح يسوع أيضًا أن غسل الأرجل الحرفي لم يكن هو المهم. فقد غسل يسوع رجلي يهوذا، ولكن يهوذا لم يكن له نَصِيبٌ مع يسوع لأنه رفض أن يُغتسل بالمعنى الذي قصده يسوع هنا.
• “فالموضوع لا يتعلق بمنطقة الجلد التي غُسلت، بل بقبول عمل يسوع المتواضع.” موريس (Morris)
هـ) الآيات (٩-١١): بطرس يطلب من يسوع أن يغسله بالكامل
١. «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي»: عندما طلب بطرس من يسوع أن يغسله بالكامل، كان لا يزال مترددًا في أن يسمح ليسوع أن يفعل ما يشاء. أراد بطرس أن يُملي على يسوع ما ينبغي أن يفعل. فيسوع – أعظم خادم – كان ولا يزال القائد المُعين من الرب، ولن يسمح لبطرس بالسيطرة على هذا الوضع ووضع الأمور على مسار خاطئ.
• “حياء بطرس جعله يرى غرابة أن يغسل يسوع قدميه: ولكنه لم يكن بالعمق الكافي ليرى أنه كان يعارض السيد ويملي عليه الأوامر.” دودز (Dods)
• “أخبر سيده قبل لحظات أنه كان يفعل الكثير: والآن يقول له إنه يفعل القليل جدًا.” دودز (Dods)
• نُظهر قلب الخادم عندما نقبل المساعدة من الآخرين. فإذا كنا نخدم ولكننا نرفض أن نُخدم، قد يكون هذا علامة على وجود كبرياء متأصل يختبئ داخلنا. “فتواضع الإنسان الحقيقي لا يبدأ عند تقديم الخدمة، بل على استعداده التام لقبولها. فقد يكون هناك الكثير من الكبرياء والتعالي أثناء تقديم الخدمة.” تيمبل (Temple)
٢. ٱلَّذِي قَدِ ٱغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ: متكلمًا عن التقاليد الكتابية القديمة للاغتسال الجسدي كتوضيح للتطهير الروحي، عَلَّمَ يسوع أن هناك الٱغْتَسَالالأول الذي يختلف تمامًا عن الاغتسال المستمر. فعلينا في الٱغْتَسَالالأول أن نغمر أنفسنا في يسوع وبما فعله من أجلنا على الصليب؛ وهذا الاغتسال يحدث مرة واحدة فقط. ولكن بعد ذلك علينا أن نغسل أرجلنا باستمرار من ينبوع علاقتنا مع يسوع.
• “كان على الكاهن، بعد تكريسه، أن يغتسل من الرأس إلى أخمص القدم، وهكذا يغمر نفسه بالكامل لخدمة الْمَقْدِسِ؛ ولكن في كل مرة يدخل فيها لتقديم الذبيحة، كان عليه أن يغسل قدميه ويديه في المرحضة النحاسية.” سبيرجن (Spurgeon)
و ) الآيات (١٢-١٤): يسوع يشرح ما فعله للتلاميذ ويدعوهم ليتبعوا مثاله.
١. أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟: كانت حياة يسوع بأكملها درسًا ومثالًا للتلاميذ. ولكنه رأى هنا أهمية أن يثير الانتباه إلى الدرس الذي أرادهم أن يتعلموه مما فعله للتو. فغسل أرجلهم كان له معنى، ويسوع ما كان ليسمح بأن يترك فهمهم لما حدث للصدفة.
٢. أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لِأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ: شجع يسوع وقدر ولاء التلاميذ له. فقد كان لهم مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وبهذا المعنى لم يكن لديهم معلم وسيد آخر.
٣. فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ: أمرهم يسوع، المعلم والسيد، أن يظهروا نفس المحبة المتواضعة والمضحية لبعضهم البعض. فما فعله يسوع من شأنه أن يشكل مواقفهم وتصرفاتهم. وهذا ينطبق على كل أتباع يسوع المسيح (كل من يدعوه مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا)، ولكن ينطبق بالذات على كل من يرغب أن يكون قائدًا بين شعب الله.
• “إن كان هناك أي عمل يتسم بالرحمة وبالمحبة يمكننا تقديمه لأكثر المؤمنين إزعاجًا من شعب الله فعلينا أن نكون مستعدين للقيام به – ينبغي أن نكون خدامًا لخدام الله.” سبيرجن (Spurgeon)
• فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ: يحاول البعض تطبيق هذا الأمر من خلال مراسم غسل الأرجل. ويمكن لهذا بلا شك أن يكون سبب بركة للبعض وخاصة إن كان بدافع صحيح، ولكن يسوع لم يشر إلى الطقوس هنا. “فهم يقومون في كل عام بعرض مسرحي لغسل الأرجل، وعند الانتهاء من هذا الاحتفال الفارغ، يظنون أنهم قد قاموا بواجبهم بشكل رائع ويمكنهم الآن أن يحتقروا إخوتهم بحرية. والأكثر من ذلك، وعندما ينتهون من غسل أرجل اثني عشر رجلًا، يقومون بتعذيب كل تابع للمسيح بوحشية، وبالتالي يبصقون وجه يسوع نفسه. فهذه الطقوس المضحكة ما هي إلا إهانة للمسيح. وعلى أي حال، لا يأمر المسيح هنا بأن يكون هناك احتفال سنوي، بل يطلب منا أن نكون مستعدين دائمًا أن نغسل أرجل اخوتنا.” (موريس عن كالفن)
• “طقس غسل الأرجل التقليدي الذي يحدث في خميس العهد، عندما يقوم الأساقفة ورؤساء الأديرة والُحكام بغسل أرجل الفقراء المُعدمين، قد يكون لإحياء ذكرى عمل ربنا تلك الليلة، ولكن في طبيعته بالكاد يحقق المغزى الروحي المطلوب.” بروس (Bruce)
٢. أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ: ونحن، كالتلاميذ، لن نمانع أبدًا أن نغسل أَرْجُلَ يسوع. ولكنه طلب منا أن نغسل أَرْجُلَ بَعْضٍ. فأي عمل نقوم به لبعضنا بعضًا ليزيل وسخ العالم وغبار الهزيمة والإحباط، هو غسل الأرجل.
• من السهل علينا أن ننتقد من أقدامهم قذرة بدلًا من غسلها. “العالم حولنا ينتقد باستمرار: وهذا ما تتخصص به وتفعله الصحف العامة والدوائر الخاصة. وإليكم كيف تعمل الإشاعات: ’أترى هذه البقعة؟ يبدو أنه سلك طريق قذر هذا الصباح: انظر إلى قدميه! من المؤكد أنه كان في مكان قذر، إذ تظهر الآثار عليه بوضوح.‘ هذه طريقة العالم. أما طريقة المسيح فمختلفة تمامًا، إنه لا يقول شيئًا، بل يأخذ وِعاء الاغتِسال ويبدأ بتنظيف وغسل الأوساخ. لا يدين ولا يحكم على أحد، بل يسعى إلى شفاء الضال.” سبيرجن (Spurgeon)
• إن كنا سنغسل أرجل بعضنا بعضًا، فعلينا أن نحذر من درجة حرارة الماء. فقد نحاول أن نغسل أرجل شخص ما وتكون مياهنا أحيانًا حارة جدًا – تملأنا الحماسة الشديدة والغيرة. وأحيانًا أخرى تكون مياهنا باردة جدًا – فنكون باردين ومبتعدين قلبيًا عنهم. ولكن على درجة الحرارة أن تكون معتدلة. وعلينا أن نتذكر أيضًا أننا لا نستطيع تطهير وتنظيف قدمي شخص آخر بالكامل. وبما أن يسوع طهرنا بِغَسْلِ ٱلْمَاءِ بِٱلْكَلِمَةِ (أفسس ٢٦:٥)، إذًا علينا أن نستخدم نفس ’ٱلْمَاءِ‘ عندما نخدم الآخرين.
ز ) الآيات (١٥-١٧): أهمية اتباع مثال يسوع في خدمته الاتضاعية.
١. لِأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا: كان يسوع أكثر من مجرد مثال للتلاميذ، إذ كانوا بحاجة إلى أكثر من مثال. ومع ذلك كان يسوع بالفعل مثالًا رائعًا لهؤلاء التلاميذ ولكل الذين سيتبعونه لاحقًا. وكان ينبغي أن يأخذوا يسوع مِثَالًا لهم في مواقفهم القلبية وتصرفاتهم.
• “هناك الكثير منا الذين اعترفوا أنهم على استعداد تام أن يثقوا بقدرة يسوع المسيح على تطهير أرواحنا، ولكننا غير مستعدين أن نتخذ يسوع قدوة لحياتنا.” ماكلارين (Maclaren)
٢. إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَا رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ: إن قام يسوع نفسه، سَيِّدِنا ومُرْسِلِنا، بعمل وضيع كهذا، فقد بات أكثر قبولًا لخدامه والمرسلين أن يحذو حذوه.
• مِنْ مُرْسِلِهِ: “هذا الظهور للاسم المترجم ’مِنْ مُرْسِلِهِ‘ (في اليونانية apostolos) كان الوحيد في هذا الإنجيل، كما أنه لم يستخدم بالمعنى الرسمي.” بروس (Bruce)
• “يعطينا الضمان بأن أولئك الذين يرسلهم كرسل سيتم تحديدهم به وبالله.” دودز (Dods)
• “إن كان هناك مركز في الكنيسة حيث يتعين على الشخص أن يعمل بجهد دون أي تقدير من أحد، فعليه أن يقبل بالمهمة ويرضى. وإذا قمت بخدمة، لا يرغب أحد القيام بها، أو لا تُقدر عندما يفعلها الآخرين، فقم بها بفرح. واشتهِ أن تقوم بخدمة وضيعة، وعندما تحصل عليها، كن راضيًا واستمر فيها. فلا توجد منافسة شديدة على الخدمات المتواضعة، ولن تُحرم أحدًا إن سعيت وراءها.” سبيرجن (Spurgeon)
ثانيًا. يسوع يرسل يهوذا بعيدًا بعدما كشف حقيقته
أ ) الآيات (١٨-٢٠): يسوع يكشف بأن أحدهم سَيَخُونُه
١. أَنَا أَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ٱخْتَرْتُهُمْ: يختار يسوع الأشخاص الذين يعرفهم جيدًا، ولن يختار بمعزل عن معرفته بهم وبما سيفعلوه. وقد كان من المهم بالنسبة ليسوع أن يخبر التلاميذ أنه لم يُفاجأ بالخيانة التي ستحدث قريبًا.
٢. رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ: كان في ذهن يسوع مزمور ٩:٤١ عندما قال هذا. وتحمل هذه الجملة معنى الهجوم الغادر وغير المتوقع أو استغلال شخص ما بقسوة. فهذه الكلمات: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي ٱلْخُبْزَ ومن ثم رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ تتحدث عما كان يعتبر خيانة عظمى في زمن الكتاب المقدس لأن حسن الضيافة وتناول وجبة معًا كانا دليل الاخلاص والصداقة.
٣. أَقُولُ لَكُمُ ٱلْآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ: لم يخبر يسوع التلاميذ أن أحدهم سيخونه لأنه علم بالأمر الآن، فقد عرف ذلك منذ البداية. بل أخبرهم ليحافظ على إيمان وثقة التلاميذ المخلصين.
٤. ٱلَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي، وَٱلَّذِي يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي: ذّكر يسوع كل التلاميذ – الُمخلصين ويهوذا – بأن عمله لم ينتهِ بعد. فيهوذا لن ينتصر؛ وعمل يسوع سيستمر وسيرسلهم كسفراء عنه. وأراد ليهوذا أن يعرف أيضًا أن رفضه ليسوع يعني رفض لله الذي أرسل يسوع.
ب) الآيات (٢١-٢٦): يسوع يُعرِّف يهوذا بأنه خائن، ويظهر محبته له لآخر مرة
١. ٱضْطَرَبَ بِٱلرُّوحِ: انزعج يسوع من خيانة يهوذا له. فيسوع لم يكن منفصلًا عاطفيًا عن الأحداث المحيطة بآلامه. فقد أحب يهوذا بالفعل، وكان مضطربًا بالروح من أجله، أكثر بكثير من قلقه على نفسه.
• “على الرغم من أن يوحنا صور يسوع كسيد الموقف، لكنه لا يريدنا أن نعتقد أنه كان غير متأثر بالأحداث التي يمر بها.” موريس (Morris)
٢. ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي: من خلال الكشف عن الخائن، أظهر يسوع أنه المسيطر على هذه الأحداث؛ وأنه لم يُؤخذ على حين غرة.
٣. مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ: لم يكن واضحًا بالنسبة للتلاميذ أن يهوذا كان المقصود، فلم يكن هناك أي شكوك بشأنه. وتساءلوا عما إذا كان يسوع يعني خيانة غير مقصودة، قد يرتكبها أي منهم (متى ٢٢:٢٦).
٤. فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ ٱلَّذِي قَالَ عَنْهُ: قد يكون سؤال بطرس ليوحنا (التلميذ الذي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ) مدفوعًا بالرغبة في اتخاذ إجراءات وقائية. لم يستطع بطرس أن يسأل يسوع بطريقة متكتمة، لهذا سأل يوحنا.
• “حقيقة أن بطرس أومأ إلى التلميذ الذي كان يسوع يحبه في محاولة للحصول على معلومات حول هوية الخائن، توحي بأنه كان يجلس بعيدًا عن يسوع؛ ولولا ذلك لتكلم معه مباشرة.” تاسكر (Tasker)
• كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ: استخدم يوحنا هذه العبارة أربع مرات في إنجيله للإشارة إلى نفسه، وكل منها متصل بالصليب بطريقة ما.
• هنا في العُلِّيّة (يوحنا ٢٣:١٣).
• عند الصليب (يوحنا ٢٦:١٩).
• عند القبر الفارغ (يوحنا ٢:٢٠).
• مع يسوع المُقام عند بحر الجليل (يوحنا ٢٠:٢١).
• “نعلم أن المقصود هو يوحنا هنا لأسباب عديدة؛ ولكنه لا يقول ذلك مباشرة. إنه يخفي يوحنا وراء محبة يسوع، مما يثبت أن يوحنا كان له مكانة خاصة بسبب محبة المسيح له، ولكنه لم يفتخر بهذا.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. فَٱتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: في وجبة خاصة أو احتفالية كهذه، كان الضيوف ينبطحون حول مائدة على شكل حرف U، وكانوا يتكئون على كوعهم الأيسر، أما الأيمن فيتناولون به الطعام. ويبدو أن يوحنا كان يجلس بالقرب من يسوع، وكان بإمكانه الميل للوراء والتكلم مع يسوع بصوت هادئ ولكن مسموع.
• جلس يسوع وبجواره من كل ناحية تلميذ. “من جهة يوحنا التقي، ومن الجهة الأخرى يهوذا الشيطان. أحدهم تنبأ عن نهاية العالم، والآخر كان ٱبْنُ ٱلْهَلَاكِ.” سبيرجن (Spurgeon)
• “يسار المضيف كان لصاحب المكانة الأشرف ومن يليه كان على يمينه، وذلك الضيف كان يضع رأسه على صدر المُضيف، وهو المكان الذي جلس فيه التلميذ الحبيب.” موريس (Morris)
• “توضح المصادر التي تناقلها معلمو اليهود أن الوضع الطبيعي كان الجلوس حول المائدة؛ وكان الاتكاء هو الوضع المخصص لتناول الوجبات الخاصة، مثل الحفلات والأعراس وما شابه.” بروس (Bruce)
• “تشير الكلمات المستخدمة إلى أنهم تعاملوا مع هذه الوجبة وكأنها وجبة العيد الرسمية رغم أنهم احتفلوا بها قبل ليلة من عيد الفصح الرسمي (يوحنا ١:١٣).” بروس (Bruce)
٦. هُوَ ذَاكَ ٱلَّذِي أَغْمِسُ أَنَا ٱللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!: إعطاء اللقمة المغمسة لأحدهم كان يعتبر شرفًا خاصًا، مثل الذي يقدم نخبًا في مأدبة. وكانت علامة على التقدير والاحترام.
• “يبدو أن يهوذا كان يجلس في المرتبة الأعلى. ووفقًا لرواية البشير متى، يبدو أنه كان قادرًا على التكلم مع يسوع بسهولة دون أن يتحرك الآخرون ليتسنى لهم الكلام (متى ٢٥:٢٦). موريس (Morris)
• “عندما قدم يسوع اللقمة المغموسة من الطبق الرئيسي، كما جرت العادة أن يفعل المضيف مع ضيف الشرف، كانت تلك علامة على المحبة الإلهية التي تسعى باستمرار للتغلب على الشر بالخير.” تاسكر (Tasker)
• نتخيل أحيانًا أن الكل ضدنا، وهم في الواقع ليسوا كذلك، وهذا الشعور يجعلنا مرتابين ومنزعجين وخائفين. فقد عرف يسوع أن يهوذا كان ضده، ومع ذلك بدا أن حبه وصلاحه أصبحا أعظم وليس أقل. حتى أن يسوع قدم إلى يهوذا فرصة للتوبة دون أن يكشف للجميع بأنه الخائن.
• أظهر غسل الأرجل في بداية العشاء، جزءًا من المحبة المضحية والخدمة لم تظهر قبل الصليب. والآن، أظهرت اللقمة المغموسة التي قدمت ليهوذا ذروة المحبة للأعداء قبل الصليب.
• كشف يسوع عن هوية الخائن ليوحنا فقط، لم يدرك التلاميذ الآخرين شيئًا. لم يردع يوحنا يهوذا أو يعارضه ولم يستفسر عن السبب. وربما لم يستوعب على الفور ما قاله يسوع أو ارتبك مؤقتًا من الصدمة.
١. فَبَعْدَ ٱللُّقْمَةِ دَخَلَهُ ٱلشَّيْطَانُ: كان قرار الخيانة منتهيًا بالنسبة ليهوذا (يوحنا ٢:١٣). وعندما رفض يهوذا محبة يسوع وتكريمه له، كُسر حاجز ما بداخله ودَخَلَهُ ٱلشَّيْطَانُ.
• “بعد قبول يهوذا اللقمة أظهر أنه مُحصن تمامًا ضد أي نداء للمحبة؛ ومن تلك اللحظة أصبح أداة في يد الشيطان.” تاسكر (Tasker)
• “لم يكن من الممكن أن يدخله الشيطان لو لم يسمح له بالدخول. فكل صلوات سيده الشفاعية كانت متاحة له في الحال لتشجيعه لو كان مستعدًا أن يقول ’لا‘ للخصم.” بروس (Bruce)
٢. مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَٱعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ: عرف يسوع أن يهوذا قد تجاوز مرحلة تأنيب الضمير. ولأنه كان قد عقد العزم، فكان من الأفضل أن يعمل ما يريده بأكثر سرعة. اعتقد يهوذا أنه كان السيد الآن؛ وأن على يسوع أن يتعامل مع ما فعله يهوذا. وكلما انتهى هذا الوهم بسرعة، كلما كان أفضل.
• تخبرنا الآية في متى ٢٥:٢٦ أن يسوع قال شيئًا آخر ليهوذا. فعندما قال أن أحدهم سيخونه (يوحنا ٢١:١٣)، ٱبْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟» (متى ٢٢:٢٦). وعندما سأل يهوذا – الجالس بجوار يسوع – هذا السؤال، أجابه يسوع سرًا: «أَنْتَ قُلْتَ» (متى ٢٥:٢٦). والنقطة هنا أن يهوذا كان يعلم أن يسوع عرف أن هذا التلميذ سيخون سيده.
• “قُدم له نداءين حتى الآن: النداء الأول، تأنيب الضمير لأن أمره قد كشف؛ والنداء الثاني، التأكيد الرائع بأنه لا يزال محبوبًا، لأن عطية اللقمة كانت رمزًا للمودة. ولكنه قسّى قلبه ضد كليهما؛ وبينما أغلق قلبه ضد المسيح فتحه للشيطان.” ماكلارين (Maclaren)
٣. فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ ٱلْمُتَّكِئِينَ: لو عرفوا (خصوصًا بطرس) لردعوا يهوذا. واعتقدوا أن يهوذا لديه عمل يقوم به نيابة عن المجموعة، إما لدفع مصاريف العشاء أو أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ.
• أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ: “من المعروف أن ربنا وتلاميذه عاشوا على تبرعات الآخرين، ومع ذلك أعطوا الصدقات مما يقدم لهم. ومن هذا نتعلم أنه حتى أولئك الذين يعيشون على تبرعات الآخرين من المتوقع أن يشاركوا بما معهم مع الذين هم في محنة واحتياج.” كلارك (Clarke)
٤. خَرَجَ لِلْوَقْتِ: مع طعم ٱللُّقْمَةِ التي أظهرت محبة وصلاح يسوع ما زالت في فمه، ترك يهوذا زملائه التلاميذ، وترك سيده وخرج، وكان لَيْلًا. ولعل ما حدث في العشاء جعل يهوذا يقرر أنه لا يريد أي علاقة بغسل الأرجل الذي كان المسيا على وشك أن يفعله.
• “على أية حال، تصرفه تجاوز الخيانة العرضية؛ لقد باع نفسه لقوى الشر.” تيني (Tenney)
• يبين لنا يهوذا أن الإنسان الساقط يحتاج إلى أكثر من مثال أو تعليم جيد. فقد كان لدى يهوذا أفضل مثال وأعظم معلم، ومع ذلك بقي ضالًا.
ثالثًا. وصية جديدة
أ ) الآيات (٣١-٣٢): يسوع يعلن أن الصليب هو أسمى تمجيد، وليس أكبر عار.
١. ٱلْآنَ تَمَجَّدَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ: عندما ترك يهوذا يسوع كان يعلم أن كل شيء سيبدأ سريعًا، من القبض عليه إلى المحاكمات والذل والإدانة والضرب والصلب والدفن. وتكلم عن الموت القادم وكأنه تمجيد (يوحنا ٢٣:١٢). والآن سيتحقق كل هذا.
• “لم يكن وجود يهوذا، كما ظن البعض، سيعرقل تحقيق المجد الأعظم، ولكن العمل الذي سيعمله، كان في الواقع هو البداية لتحقيق ذلك المجد.” آلفورد (Alford)
٢. تَمَجَّدَ… وَتَمَجَّدَ… تَمَجَّدَ… سَيُمَجِّدُهُ… وَيُمَجِّدُهُ: أشار يسوع إلى المجد خمس مرات في الآيتين، وكان هذا لسبب وجيه، فكل ما يراه العالم في الصليب هو الذل والعار واللعنة. أما يسوع فنظر إلى الصليب وعرف ما سينجزه من خلاله وأنه في الواقع سَيُمَجِّدُهُ.
• كشف الصليب عما في قلب يسوع، إذ كان يعلم أن الله سَيُمَجِّدُهُ. وقريبًا ستظهر محبة يسوع بشكل جديد. “فإن كان موته هو ما سيمجده، فلابد أن هذا الموت سيحقق أمرًا لم يتحقق بالكامل في حياته، على الرغم روعتها؛ ولا بالكلمات، على الرغم من حكمتها ورقتها؛ ولا بالمعجزات، على الرغم من عملها الشافي.” ماكلارين (Maclaren)
• “يسوع ينظر إلى الصليب وهو يتكلم عن المجد. يستخدم أوريجانوس العبارة المدهشة ’المجد المتواضع‘ ليعبر عن هذا المجد.” موريس (Morris)
• “يدعو موته… مجده، ويُقَدِّر تاج الشوك أكثر من تاج سليمان، وينظر إلى َالقُرُوح وكأنها نجوم تتلألأ، والضربات على وجهه كأنها سبيكة ذهب، وجراحه كأنها جواهر، والبصق وكأنه مرهم حلو، وصليبه وكأنه عرشه.” تراب (Trapp)
١. يَا أَوْلَادِي: أنه المكان الوحيد في الأناجيل حيث خاطب يسوع تلاميذه بهذه الطريقة. ولم يقصد بذلك أي إساءة، بل قالها بمشاعر مليئة بالحنان والاهتمام بهم، عالمًا ضعفهم وافتقارهم للنضج.
٢. أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْدُ… حَيْثُ أَذْهَبُ أَنَا لَا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا: لا بد أن هذا الخبر وقع على التلاميذ كالصاعقة. فقد تركوا كل شيء وراءهم ليتبعوا يسوع، وتوقعوا أن يكونوا مسؤولين رفيعي المستوى في مملكته عندما يسيطر سياسيًا على إسرائيل بصفته المسيا. وبعد ثلاث سنوات ها هو يقول لهم أنه سيتركهم.
ج) الآيات (٣٤-٣٥): يسوع يتكلم عن وَصِيَّةً جَدِيدَةً
١. وَصِيَّةً جَدِيدَةً: الكلمة اليونانية القديمة ’جَدِيدَة‘ المستخدمة هنا تأتي بمعنى النضارة أو عكس شيء قديم رث، أكثر من شيء حديث أو مختلف. ولا يعني هذا أن هذه الوصية تم استحداثها للتو، بل أنها ستُقدم بطريقة جديدة وحديثة.
• تعني كلمة ’جَدِيدَة‘ (kainen) الانتعاش أو ما هو عكس الشيء الرثّ القديم، أكثر من ’الحديث‘ أو ’المختلف.‘” تيني (Tenney)
• “استخدم التعبير ’وَصِيَّةً جَدِيدَةً‘ (mandatum novum في النسخه اللاتينية للإنجيل) لإحياء ذكرى العشاء الأخير: ’خميس العهد.‘” بروس (Bruce)
٢. أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا: ربما اعتقدنا أن الوصية الجديدة هي أن نُحب يسوع بطريقة غير عادية، بدلًا من ذلك، يأمرهم يسوع ويأمرنا: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وشدد على ضرورة وجود محبة مميزة بين أتباع يسوع المسيح.
٣. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ: وصية المحبة لم تكن جديدة، ولكن مقدار المحبة التي سيظهرها يسوع على الصليب كانت جديدًا. فمعنى المحبة قد تغير بسبب ما فعل.
• “علينا أن نُحب قريبنا كأنفسنا، ولكن علينا أن نحن أخوتنا المؤمنين كما أحبنا المسيح، وهذا أعمق من حبنا لأنفسنا.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. بِهَذَا يَعْرِفُ ٱلْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: قال يسوع أن المحبة ستكون العلامة المميزة لتلاميذه. لا يعني هذا أن محبتنا للعالم غير مهمة أو غير مناسبة، ولكنها ليست الأولوية. هناك مقاييس أخرى للتلمذة، لكنها تأتي بعد هذه العلامة.
• يعرف يسوع أننا تلاميذه عندما نحب بعضنا بعضًا.
• نعرف أننا تلاميذ يسوع عندما نحب بعضنا بعضًا.
• يعرف العالم أننا تلاميذ يسوع عندما نحب بعضنا بعضًا.
• “يخبرنا العلامة ترتليان (Tertullian) (بعد قرن من كتابة هذا الإنجيل) أن الوثنيون يقولون عن المسيحيين: ’انظروا كيف يحب بعضهم بعضًا!‘” بروس (Bruce)
١. «يَا سَيِّدُ، إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟»: لم يفهم بطرس (وباقي التلاميذ) يسوع حتى الآن. ربما اعتقد بطرس أن يسوع سيذهب في رحلة طويلة دونهم. وأعرب بطرس عن رغبته في الحصول على تفسير أكثر.
٢. «حَيْثُ أَذْهَبُ لَا تَقْدِرُ ٱلْآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي، وَلَكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا»: لم يفهم بطرس شيئًا، أما يسوع ففهم كل شيء. فهم يسوع أن بطرس لن يقدر الآن أن يتبعه حتى الموت، ولكنه سيفعل أَخِيرًا.
٣. «يَا سَيِّدُ، لِمَاذَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَتْبَعَكَ ٱلْآنَ؟»: عرف بطرس أنه تلميذ يسوع، وكان من واجب التلميذ أن يتبع معلمه. وقد شعر بطرس بالتزامه الكامل كتلميذ ليسوع وكان مستعدًا ليس أن يتبعه فحسب بل أن يضحي بحياته من أجله أيضًا.
• نحن نصدق بطرس طبعًا، ونصدق استعداده للموت من أجل يسوع في تلك اللحظة، ولكنه فشل فيما بعد لأن تفانيه كان قائمًا على العاطفة، وفي الأزمة القادمة العاطفة سوف تخذله.
• نستطيع القول إن إنكار يهوذا ليسوع كان متعمدًا ومخططًا؛ وإنكار بطرس ليسوع كان عارضًا وعفويًا. كان إنكار بطرس فظيعًا، ولكنه كان يختلف تمامًا عما فعله يهوذا.
• نرى اختلافًا واضحًا في بطرس عندما أصبح إيمانه مبنيًا على عمل يسوع على الصليب وقوة الروح القدس وليس على العاطفة. “ينبغي على المسيح أن يموت أولًا من أجل بطرس قبل أن يموت بطرس من أجله.” كلارك (Clarke)
٤. حَتَّى تُنْكِرَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قال بطرس بكل ثقة أنه سيتبع يسوع وسيموت حتى من أجله. ولكن عندما جاء وقت الاختبار لم يحتمل أن يسخر أحد منه لاتباعه يسوع. فكان لسان الخادمة بالنسبة له، أكثر حدة من سيف الجلاد. وقبل فجر اليوم التالي، كان سينكر حتى معرفته بيسوع ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
• “عندما احتج بطرس، أظهر له ربنا أنه يعرف كل الضعف الكامن في داخله أفضل من نفسه.” مورغان (Morgan)
• “كان الفجر هو ثالث فترة من أربع فترات الحراسة الليلية الرومانية، وهي من نصف الليل إلى الفجر.” بروس (Bruce)
• إنكار بطرس حُفر في ذاكرته، فعندما وعظ في سفر أعمال الرسل ٣، اتهمهم بإنكارهم ليسوع (أعمال الرسل ١٤:٣). وفي نهاية حياته وصف المعلمون الكذبة بأنهم ينكرون الرب (بطرس الثانية ١:٢).
إنجيل يوحنا – الإصحاح ١٣ – يسوع الخادم المُحب كتب ألكسندر ماكلارين (Alexander Maclaren) عن هذا الجزء الرائع في يوحنا ١٣-١٧ وقال: “لا نرى في أي مكان آخر خطابًا كهذا ليسوع يتسم بالبساطة والعمق معًا، ولا نرى في أي مكان آخر قلب الله يُكشف أمامنا هكذا… إن الكلمات الخالدة التي تكلم بها المسيح في تلك العُلِّيّة هي من أعظم الإعلانات التي تفوه بها عن نفسه، كما فعل الصليب الذي أعلن عن محبته العملية.”
أولًا. يَسُوعُ يَغسِلُ أقدامَ التَّلامِيذ
أ ) الآية (١): يسوع مع التلاميذ في لقائهم الأخير قبل الصلب.
١أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ ٱلْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ إِلَى ٱلْآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى ٱلْمُنْتَهَى.
١. قَبْلَ عِيدِ ٱلْفِصْحِ: يعطينا هذا مرجعًا زمنيًا. فقد كان يسوع على وشك أن يتناول وجبة أخيرة مع تلاميذه، واختلف العلماء إن كانوا تناولوها في عيد الفصح أو أن كانت هذه الوجبة الرئيسية لعيد الفصح ولكنهم تناولوها ليلة قبل العيد.
• التسلسل الزمني يثير مشكلة هنا لأن بعض المقاطع تشير إلى أن يسوع صُلب يوم الفصح، ومقاطع أخرى تشير إلى أنه صُلب في اليوم التالي للفصح. وهناك العديد من الحلول المحتملة لهذه المعضلة، ولكن من الصعب تحديد أي منها يمثل الجواب النهائي.
• على الرغم من أن الفعل ’مُتَّكِئًا‘ في (يوحنا ٢٣:١٣) يقترح أنهم تناولوا الوجبة قبل عيد الفصح الرسمي (الآية ١)، غير أنهم عاملوها كوجبة عيد الفصح الرئيسية.” بروس (Bruce)
• “لقد أسهم هذا النقاش في حدوث اختلاف ملموس واحد بين المسيحيين. “فمنذ عهود غابرة، استخدمت المسيحية الغربية ’خُبز غَيرِ مُخْتَمِر‘ في فريضة العشاء الرباني، وأصرت المسيحية الشرقية على استخدام خُبز مُختَمِر. وقد أكدت الكنيسة الشرقية، على نحو صائب، أنهم تناولوا العشاء الأخير قبل ليلة من عيد الفصح الرسمي، وهكذا استنتجت أنه كان خبزًا مختمرًا عاديًا. كما أكدت الكنيسة الغربية، وكانت محقة أيضًا، أن عشاء عيد الفصح الذي تناوله ربنا مع تلاميذه كان ليلة عيد الفصح، كما سماه يسوع في (لوقا ١٥:٢٢) كما اتفق كل الأناجيل الإزائية (السينوبتيّة) في تسميته وتوصلوا إلى نفس النتيجة، وبالتالي كان الخبز غير مختمر لأنهم حتمًا أكلوا وفقًا للطقوس المنصوص عليها في شريعة موسى.” ترينش (Trench)
٢. وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ: عاش يسوع حياته الأرضية متوقعًا سَاعَتَهُ، وكان يعلم موعدها تمامًا (يوحنا ٤:٢). وقد تمتع يسوع حتى الآن بحماية فريدة لأن ساعته لَمْ تكُنْ قَدْ حانَت بَعْد (يوحنا ٣٠:٧، ٢٠:٨). أما الآن، فقد عَلِمَ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ. وتكلم يسوع عن معرفته لهذا الأمر في يوحنا ٢٣:١٢-٢٧ حتى أنه قال: جِئْتُ مِنْ أجلِ هَذِهِ السّاعَةِ.
• لقد جاءت ساعته بالفعل. فقد انتهت خدمة يسوع العلنية، وفي ٢٤ ساعة كان سيُعلق على الصليب. كانت تلك بداية النهاية، واستخدم يسوع هذه الساعات الثمينة الأخيرة لخدمة تلاميذه وإعدادهم لما سيأتي.
٣. لِيَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ إِلَى ٱلْآبِ: لا يذكر يوحنا في ١:١٣ الصليب بشكل محدد، ولكن الصليب يلقي بظلاله على كل كلمة تقريبًا. فنرى ظل الصليب على سَاعَتَهُ التي قد قربت، ونرى ظل الصليب على خَاصَّتَه الذين أَحَبَّهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى. ولكننا نرى أيضًا ظل الصليب على حقيقة أن يسوع سيغادر هَذَا ٱلْعَالَمِ. صحيح أن الكلمات صيغت بكل هدوء، ولكن ثمة حقيقة صعبة تحت هذا الغطاء الناعم. فيسوع سوف يَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ عبر الصليب.
• “عندما يحين وقت مغادرة شخص ما للانتقال لمكان آخر بعيد، يُنهي كل أعماله الضرورية هناك، ويصرف ساعاته القليلة القادمة مستمتعًا بصحبة الأعزاء على قلبه.” موريسون (Morrison)
٤. قَدْ أَحَبَّ: من المؤكد أن يسوع أَحَبَّ تلاميذه. فقد قادهم وعلمهم واهتم بهم وحماهم. فما قدمه يسوع لهم يفوق ما قد يفعله أو يقدمه أي معلم أو قائد آخر.
٥. قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ: يسوع يحب كل الناس، ولكن محبته لخَاصَّتَه مميزة بعض الشيء، لا يعني هذا أن محبة يسوع متفاوتة، ولكنها تختلف من حيث الشكل والنوع مع خاصته. فمحبة يسوع لخَاصَّتَه أكبر لأن هناك تفاعل في العلاقة ومحبة متبادلة بين الأطراف.
• لقد فعل يسوع بعض الأشياء لكل الناس. ولكنه فعل أيضًا كل الأشياء لبعض الناس – خَاصَّتَهُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْعَالَمِ.
• “محبة الله الأوسع لكل ’العالم‘ (يوحنا ١٦:٣) لن تتأثر أو تتغير عن محبة يسوع الخاصة لأصدقائه، وهؤلاء سوف يختبرون كامل محبته.” بروس (Bruce)
• كان هؤلاء التلاميذ وكل التلاميذ فيما بعد خَاصَّتَه فعلًا وينتمون إليه.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنه اختارهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنه بذل نفسه لأجلهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأن الآب أعطاه إياهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنّه سَيَشتْريهم قريبًا.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنه سكن فيهم.
• كانوا خَاصَّتَهُ لأنهم خضعوا واستسلموا له.
٦. أَحَبَّهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: أَحَبَّ يسوع خَاصَّتَهُ، ولم يتوقف يومًا عن محبتهم، بل سيحبهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى. والقصد من عبارة ’إِلَى ٱلْمُنْتَهَى‘ هو: ’إلى أقصى حد.‘
• “استخدمت بعض الترجمات الإنجليزية ’حتى النهاية‘ بدلًا من ’إلى المنتهى‘ ولكن الأخيرة أفضل لأنها أقرب إلى كلمة (eis telos) في اللغة الأصلية. فلا تعني هذه العبارة أن يسوع أحب تلاميذه حتى نهاية خدمته فقط، ولكنه أحبهم بلا حدود، إلى المنتهى.” تيني (Tenney)
• إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: تعني حتى نهاية حياة يسوع الأرضية. فعلى الرغم من أن التلاميذ تخلوا عنه، لكنه لم يتخلَ عنهم، وعلى الرغم من أنهم توقفوا عن التفكير فيه وركزوا على أنفسهم فقط، لكنه لم يتوقف عن التفكير بهم. فمن كانت مشاكله أسوأ – يسوع أم التلاميذ؟ ومن كان يهتم أكثر؟ لقد أحبهم إِلَى ٱلْمُنْتَهَى.
• إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: تعني محبة لا تنتهي. فيسوع لن يتوقف عن محبته لأولاده، خَاصَّتَه، فهي محبة غير متغيرة بل ثابتة إلى الأبد.
• إِلَى ٱلْمُنْتَهَى: تعني محبة بلا حدود. استخدمت بعض الترجمات تعبير “أَقْصَى الْمَحَبَّةِ.” سكب يسوع كأس محبته بالكامل علينا.
ب) الآيات (٢-٣): قلب يهوذا وقلب يسوع
٢فَحِينَ كَانَ ٱلْعَشَاءُ، وَقَدْ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ ٱلْإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ، ٣يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ، وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي.
١. فَحِينَ كَانَ ٱلْعَشَاءُ: ترجمت هذه الجملة في بعض المخطوطات القديمة وفي اللغة العربية بمعنى ’أثناء العشاء‘ بدلًا من ’بعد العشاء‘ في اللغة الإنجليزية. وربما كان هذا أكثر منطقية، والفرق بينهما هو حرف واحد في المخطوطات اليونانية القديمة.
• “’وبينما كانُوا يَتَعَشَّوْن‘ هي الترجمة الأفضل من ’بعد العشاء‘ والسبب في المقام الأول هو تسلسل الأحداث (٣٠:١٢) الذي يوضح أن العشاء لم ينتهِ بعد. فالعشاء كان قد بدأ بالفعل عندما قام يسوع وبدأ يغسل أرجل التلاميذ.” بروس (Bruce)
• “تقول بعض مخطوطات الكتاب المقدس القديمة: ’العشاء انتهى‘ (genomenou)، وأخرى: ’أثناء العشاء‘ (ginomenou). وكلتا القراءتين موثقتين بشكل جيد.” تاسكر (Tasker)
٢. وَقَدْ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا: قد تكون الترجمة الأفضل ’وقد قرر الشيطان أن على يهوذا الإسخريوطي، ابن سمعان، أن يخونه.‘ فقد بحث الشيطان عن رجل لخيانة يسوع، وربما كان الشيطان يزرع الفكرة في يهوذا لفترة طويلة. والآن اتخذ قراره وكان يهوذا رجله.
• يؤيد بروس (Bruce) فكرة أن الدافع وراء الشر الموجه ضد يسوع كان قَلْبِ الشيطان، وأن ٱلشَّيْطَانُ أثر بدوره على قلب يهوذا.
٣. يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ: لم يكن هذا أمرًا عرفه يسوع في تلك الساعة. فقد قال قبل سنوات أثناء خدمته: الآبُ يُحِبُّ الابْنَ، وَقَدْ وَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ (يوحنا ٣٥:٣). مما يعني أنه كان من المهم أن يعرف يسوع، في هذا الوقت بالذات، وفي هذا الظرف بالذات، أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ.
• كان هذا مهمًا بسبب الساعة. كان يسوع على وشك أن يواجه آلام الصليب ورعب الوقوف أمام غضب الله الآب بدلًا عن المذنبين الخطاة. وفي ذات الوقت، دخل يسوع في هذا الوضع كمنتصر وليس كضحية. وكان بإمكانه أن يتراجع في أي وقت يشاء، لأن ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ.
• كان هذا مهمًا بسبب الظرف. كان يسوع على وشك أن يُخلي نفسه ويتنازل في اتضاع ليخدم تلاميذه، ولم يفعل ذلك عن ضعف، بل بكل سلطان لأن ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ.
• لا تخبرنا الأناجيل عادة عن الدافع أو الأفكار وراء تصرفات يسوع. لكن الأمر مختلف هذه المرة. إذ يخبرنا يوحنا بالتفصيل لماذا غسل يسوع أرجلهم وتحدث معهم بكل محبة في الفصول التالية. وربما عرف هذا مِنْ يسوع عندما سأله.
• “يشاركنا يوحنا بالحديث عن مشاعر يسوع أكثر من باقي الأناجيل، إما لأنه كان أكثر ملاحظة أو لأن يسوع وثق به.” تيني (Tenney)
٤. وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ، وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي: لم يعرف يسوع سلطانه فحسب، بل عرف علاقته بالله أيضًا. وعرف هويته، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ، وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي. كما كان يعلم أن ماضيه ومستقبله مع الله الآب، وكان مصممًا على تمجيده في الحاضر.
• عندما يطالب الناس بمعاملة أفضل من الآخرين نسمعهم يفكرون أو يقولون أحيانًا: “هل تعرف من أكون؟” عرف يسوع عظمته أكثر من أي شخص آخر، ولكن هذا جعله يعامل الآخرين بطريقة أفضل بدلًا من توقعها لنفسه.
• “قام يسوع عن العشاء واتخذ منشفة ووضعية الخادم لأنه كان يعرف جيدًا حقيقته وأصله الإلهي ووجهته. لقد كان بالفعل الخادم المثالي الموصوف في نبوة إشعياء.” تاسكر (Tasker)
ج) الآيات (٤-٥): يسوع يغسل أرجل تلاميذه
٤قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَٱتَّزَرَ بِهَا، ٥ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ، وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِٱلْمِنْشَفَةِ ٱلَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا.
١. قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ: بتصريحات قصيرة وحيوية وصف يوحنا العمل الرائع الذي فعله يسوع في تلك الليلة التي لا تُنسى. ومن طريقة كتابة يوحنا، يتملكنا شعور أنه ما زال يتذكر كل التفاصيل حتى بعد مرور عدة سنوات عليها.
• “تشبه رواية البشير يوحنا قصة يرويها شاهد عيان راقب أحداثها المثيرة بإعجاب وتعجب – جمل قصيرة متقطعة.” ترينش (Trench)
• “كل خطوة في هذا المشهد المدهش كانت محفورة في عقل يوحنا… ’ثُمَّ سَكَبَ ماءً فِي وِعاءٍ لِلاغتِسالِ…‘ وعاء الاغتسال الذي جهزه صاحب المكان كجزء من الترتيبات اللازمة.” دودز (Dods)
٢. وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذِ: في هذه اللحظة المليئة بالمعاني، تصرف يسوع بطريقة تبدو غريبة نوعًا ما. وبدأ يزاول مهنة أدنى خادم في البيت. وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذِ.
• في تلك اللحظة الحرجة، وفي الليلة قبل عذاب الصليب، لم يفكر يسوع بنفسه، بل فكر في تلاميذه. وكان هذا حقًا تعبير عن محبته لهم التي كانت إلى المنتهى. ومع أن تلاميذ يسوع عاملوه بصورة سيئة وكانوا سيتصرفون بصورة أسوأ ويتخلوا عنه، إلا أنه أحبهم إلى المنتهى.
• “وهب يسوع نفسه بالكامل لغسل أرجلهم، وكان شاملًا في عمله. أولًا، قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ، ثم خَلَعَ ثِيَابَهُ، وربما ذكره هذا بالذي كان ينتظره بعد بضع ساعات فقط، إذ سينزعون ثِيَابَهُ ويصلبوه، ثم أخذ يسوع مِنْشَفَةً وَٱتَّزَرَ بِهَا. وأخيرًا، صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ. أما إذا أراد يسوع أن يعرض صورة الخادم فقط، لطلب من أحد الُخدام أو التلاميذ أن يجهز كل هذا له، ثم يأخذ قطعة مبللة من القماش وبسرعة يمسح بعض الأرجل القذرة ويعتبر أن مهمته قد انتهت. وهذا سيكون حتمًا كافيًا ليعكس صورة القائد الخادم المحب، ولكن يسوع لم يفعل ذلك، بل وهب نفسه بالكامل ليتمم هذا الأمر.”
• كان هذا تصرفًا يعبر عن أقصى درجات الاتضاع. فوفقًا للقوانين والتقاليد اليهودية المتعلقة بالعلاقة بين المعلم وتلاميذه، لا يحق للمعلم أن يطلب أو يتوقع من تلاميذه أن يغسلوا قدميه. وكان من غير المتوقع إطلاقًا أن يقوم المعلم بغسل أرجل تلاميذه.
٣. وَيَمْسَحُهَا بِٱلْمِنْشَفَةِ ٱلَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا: كان منظر يسوع وهو يغسل أرجل تلاميذه ويمسحها مؤثرًا جدًا. يخبرنا البشير لوقا ٣٢:٢٢ أن التلاميذ دخلوا الغرفة وهم يتجادلون فيما بينهم من كان الأعظم. ولكن الأمر الذي فعله يسوع أظهر لهم العظمة الحقيقية.
• كان من المعتاد أن يقوم أقل الخدام شأنًا في المنزل بغسل أرجل الضيوف عند دخولهم البيت، وخاصة لتناول وجبة رسمية كهذه. ولسبب ما، لم يحدث هذا عندما جاء يسوع والتلاميذ إلى الغرفة. وأكلوا طعامهم وأقدامهم لم تزل قذرة.
• ما حدث كان أكثر غرابة مما نظن. أولًا، كانت أقدامهم قذرة للغاية بسبب النعال التي كانوا يستخدمونها والطرق التي يسيرون عليها. ثانيًا، تناول التلاميذ وجبة رسمية كهذه على طاولة تُعرف باسم ’تريكلنيوم‘ كانت منخفضة الارتفاع قريبة من الأرض وعلى شكل حرف U. وكلما كان الضيف أقرب إلى المضيف، كلما كانت مكانته أعلى. ولأن الطاولة كانت منخفضة، لم يجلسوا على الكراسي بل كانوا يستندون على الوسائد وأقدامهم وراءهم. ولهذا كان من السهل رؤية أقدامهم المتسخة وربما شم رائحتها.
• لم يكن أي من التلاميذ مهتمًا بغسل قدمي الآخر، بل كانوا على استعداد لغسل قدمي يسوع بكل سرور. ولكنهم لن يتمكنوا من غسل قدمي يسوع قبل أن يكونوا مستعدين لغسل أرجل بعضهم البعض، فقد كان هذا بمثابة اعتراف غير مقبول بالدونية بين الزملاء المتنافسين على المراكز العليا في التسلسل الهرمي للتلاميذ. لذلك لم تغسل أرجل أي منهم.
٤. وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذ: كان هدف يسوع من كل هذا أن يضع أمام التلاميذ مثالًا يحتذوه. فقد عرف يسوع أن الأفعال أبلغ من الأقوال. لهذا وعندما أراد أن يُعلم التلاميذ المتكبرين المتخاصمين عن التواضع الحقيقي، لم يعلمهم عن التواضع بل أظهره لهم. ووضح أيضًا عمله الكامل الذي كان بالنيابة عن خاصته.
• قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ (ترك مائدة العشاء)… مكان الراحة والتعزية
• ترك يسوع عرشه في السماء… مكان الراحة والتعزية
• خَلَعَ ثِيَابَهُ ووضعها جانبًا… تخلى عن غطائه
• خَلَعَ يسوع مجده… تخلى عن غطائه السماوي
• أَخَذَ مِنْشَفَةً وَٱتَّزَرَ بِهَا… وكان مستعدًا للعمل
• أخذ يسوع هيئة عبد… وجاء مستعدًا للعمل
• صَبَّ (سكب) مَاءً فِي مِغْسَلٍ… وكان جاهزًا للتنظيف
• سكب يسوع دمه ليطهرنا من ذنب وعقاب الخطية
• جلس يسوع مرة أخرى (يوحنا ١٢:١٣) بعد أن غسل أرجلهم
• جلس يسوع عن يمين الله الآب بعد تطهيرنا
• “يا له من مثل عملي حدد أعظم مبدأ للخدمة المتواضعة التي تجسدت في الصليب.” موريس (Morris)
• “ماذا فعل يسوع رغم معرفته ’أنه مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي،‘ و’أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ‘ حتى عندما كان راكعًا هناك أمام هؤلاء الرجال؟ هل انتصر؟ أم أظهر مجده؟ أم عرض سلطانه؟ أم أمر بأن يُخدم؟ كلا… بل ٱتَّزَر بمنشفة وغسل أرجل تلاميذه.” ماكلارين (Maclaren)
• “لم يستبدل الله شكله بشكل خادم، بل كان هو نفسه الخادم. فعندما كان يغسل أرجلهم، رأى التلاميذ، رغم عدم فهمهم لهذا حينها، ظهورًا نادرًا لسلطان ومجد الكلمة المتجسد، وإعلانًا نادرًا عن شخصية الآب نفسه.” بروس (Bruce)
• بعد عدة قرون، كتب بطرس للمؤمنين وصفًا عن التواضع على هذا النحو: كُونُوا جَمِيعًا خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، وَتَسَرْبَلُوا بِٱلتَّوَاضُعِ (بطرس الأولى ٥:٥). وكأن بطرس يقول حرفيًا: ’تسربل بمِنشَفَة التواضع.‘ فما فعله يسوع هنا حُفر في عقله وفي قلبه.
د ) الآيات (٦-٨): يسوع يتغلب على اعتراضات بطرس ويغسل قدميه.
٦فَجَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ. فَقَالَ لَهُ ذَاكَ: «يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!». ٧أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ ٱلْآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلَكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ». ٨قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!». أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ».
١. لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!: من المحتمل أن بطرس فكر بهذه الطريقة: “كل هؤلاء التلاميذ قد فاتهم المغزى من تصرف يسوع هذا. فهو يريدنا أن نحتج، وأن نُعلن أنه أعظم من أن يفعل ذلك معنا، وأننا غير مستحقين أن يغسل أرجلنا.” ولهذا أدلى بطرس بهذا التصريح الدرامي.
• “كان هذا تواضعًا مفرطًا لكن يشوبه التباهي.” تراب (Trapp)
• وفي الوقت ذاته، يبدو أن بطرس شعر بعدم الارتياح عندما ابتدأ يسوع يخدمه بهذه الطريقة الوضيعة. فهذا المثل الرائع لقلب يسوع الخادم أظهر كبرياء كل من بطرس والآخرين بالمقارنة.
• “الجملة لا تتضمن اشارة صريحة لضمير الذات. فلم يرَّ بطرس أية مشكلة في عملية غسل الأرجل نفسها لأنها كانت أمرًا طبيعيًا، ولكنه واجه مشكلة مع الشخص الذي كان على وشك أن يفعل ذلك.” آلفورد (Alford)
٢. إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ: كان على بطرس أن يقبل هذا العمل من يسوع. فبطرس صار نموذجًا لنا، لأنه إن لم نقبل تطهير يسوع لنا من خلال عمله المتواضع، فلن يكون لنا معه نَصِيبٌ.
• كرز بطرس بالأخبار السارة عن الملكوت وأخرج الشياطين باسم يسوع – ومع ذلك كان بحاجة إلى أن تُغسل رجلاه.
• رأى بطرس يسوع في مجده مع موسى وإيليا، وكان اختبارًا روحيًا رائعًا بالفعل – ومع ذلك كان بحاجة إلى أن تُغسل رجلاه.
• مشى بطرس على الماء في برهان عن إيمان راسخ – ومع ذلك كان بحاجة إلى أن تُغسل رجلاه.
• صحيح أن غسل الأرجل كان درسًا قويًا في التواضع، ولكنه كان أكثر من ذلك بكثير. فقد أظهر هذا العمل أن يسوع لا يملك أي علاقة شخصية مع الذين لم يطهرهم.
• “هذا التواضع الذي يتسم بحسن النية ولكنه كان مزيفًا، من شأنه أن يمنعه (ويمنع الكثيرين) من الانحناء لقبول عمل التطهير الروحي من الله الذي يعتبر ضروريًا للغاية ليكون له نَصِيبٌ معه.” آلفورد (Alford)
• نحن ممتنون أن يسوع لم يقل: ’إن لم تكن بارًا، فَليس لك معي نصيب!‘ ونحن سعداء أنه لم يقل: ’إن لم تكن خبيرًا في الكتاب المقدس، فَليس لك معي نصيب!‘ فبكل بساطة، يصبح لنا نصيب مع يسوع عندما نقبل منه شيئًا، لا عندما نحقق شيئًا من ذواتنا.
• ويبين تصريح يسوع أيضًا أن غسل الأرجل الحرفي لم يكن هو المهم. فقد غسل يسوع رجلي يهوذا، ولكن يهوذا لم يكن له نَصِيبٌ مع يسوع لأنه رفض أن يُغتسل بالمعنى الذي قصده يسوع هنا.
• “فالموضوع لا يتعلق بمنطقة الجلد التي غُسلت، بل بقبول عمل يسوع المتواضع.” موريس (Morris)
هـ) الآيات (٩-١١): بطرس يطلب من يسوع أن يغسله بالكامل
٩قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي». ١٠قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «ٱلَّذِي قَدِ ٱغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ». ١١لِأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذَلِكَ قَالَ: «لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ».
١. «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي»: عندما طلب بطرس من يسوع أن يغسله بالكامل، كان لا يزال مترددًا في أن يسمح ليسوع أن يفعل ما يشاء. أراد بطرس أن يُملي على يسوع ما ينبغي أن يفعل. فيسوع – أعظم خادم – كان ولا يزال القائد المُعين من الرب، ولن يسمح لبطرس بالسيطرة على هذا الوضع ووضع الأمور على مسار خاطئ.
• “حياء بطرس جعله يرى غرابة أن يغسل يسوع قدميه: ولكنه لم يكن بالعمق الكافي ليرى أنه كان يعارض السيد ويملي عليه الأوامر.” دودز (Dods)
• “أخبر سيده قبل لحظات أنه كان يفعل الكثير: والآن يقول له إنه يفعل القليل جدًا.” دودز (Dods)
• نُظهر قلب الخادم عندما نقبل المساعدة من الآخرين. فإذا كنا نخدم ولكننا نرفض أن نُخدم، قد يكون هذا علامة على وجود كبرياء متأصل يختبئ داخلنا. “فتواضع الإنسان الحقيقي لا يبدأ عند تقديم الخدمة، بل على استعداده التام لقبولها. فقد يكون هناك الكثير من الكبرياء والتعالي أثناء تقديم الخدمة.” تيمبل (Temple)
٢. ٱلَّذِي قَدِ ٱغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ: متكلمًا عن التقاليد الكتابية القديمة للاغتسال الجسدي كتوضيح للتطهير الروحي، عَلَّمَ يسوع أن هناك الٱغْتَسَال الأول الذي يختلف تمامًا عن الاغتسال المستمر. فعلينا في الٱغْتَسَال الأول أن نغمر أنفسنا في يسوع وبما فعله من أجلنا على الصليب؛ وهذا الاغتسال يحدث مرة واحدة فقط. ولكن بعد ذلك علينا أن نغسل أرجلنا باستمرار من ينبوع علاقتنا مع يسوع.
• “كان على الكاهن، بعد تكريسه، أن يغتسل من الرأس إلى أخمص القدم، وهكذا يغمر نفسه بالكامل لخدمة الْمَقْدِسِ؛ ولكن في كل مرة يدخل فيها لتقديم الذبيحة، كان عليه أن يغسل قدميه ويديه في المرحضة النحاسية.” سبيرجن (Spurgeon)
و ) الآيات (١٢-١٤): يسوع يشرح ما فعله للتلاميذ ويدعوهم ليتبعوا مثاله.
١٢فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَٱتَّكَأَ أَيْضًا، قَالَ لَهُمْ: «أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟ ١٣أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لِأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ. ١٤فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا ٱلسَّيِّدُ وَٱلْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ».
١. أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟: كانت حياة يسوع بأكملها درسًا ومثالًا للتلاميذ. ولكنه رأى هنا أهمية أن يثير الانتباه إلى الدرس الذي أرادهم أن يتعلموه مما فعله للتو. فغسل أرجلهم كان له معنى، ويسوع ما كان ليسمح بأن يترك فهمهم لما حدث للصدفة.
٢. أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لِأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ: شجع يسوع وقدر ولاء التلاميذ له. فقد كان لهم مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وبهذا المعنى لم يكن لديهم معلم وسيد آخر.
٣. فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ: أمرهم يسوع، المعلم والسيد، أن يظهروا نفس المحبة المتواضعة والمضحية لبعضهم البعض. فما فعله يسوع من شأنه أن يشكل مواقفهم وتصرفاتهم. وهذا ينطبق على كل أتباع يسوع المسيح (كل من يدعوه مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا)، ولكن ينطبق بالذات على كل من يرغب أن يكون قائدًا بين شعب الله.
• “إن كان هناك أي عمل يتسم بالرحمة وبالمحبة يمكننا تقديمه لأكثر المؤمنين إزعاجًا من شعب الله فعلينا أن نكون مستعدين للقيام به – ينبغي أن نكون خدامًا لخدام الله.” سبيرجن (Spurgeon)
• فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ: يحاول البعض تطبيق هذا الأمر من خلال مراسم غسل الأرجل. ويمكن لهذا بلا شك أن يكون سبب بركة للبعض وخاصة إن كان بدافع صحيح، ولكن يسوع لم يشر إلى الطقوس هنا. “فهم يقومون في كل عام بعرض مسرحي لغسل الأرجل، وعند الانتهاء من هذا الاحتفال الفارغ، يظنون أنهم قد قاموا بواجبهم بشكل رائع ويمكنهم الآن أن يحتقروا إخوتهم بحرية. والأكثر من ذلك، وعندما ينتهون من غسل أرجل اثني عشر رجلًا، يقومون بتعذيب كل تابع للمسيح بوحشية، وبالتالي يبصقون وجه يسوع نفسه. فهذه الطقوس المضحكة ما هي إلا إهانة للمسيح. وعلى أي حال، لا يأمر المسيح هنا بأن يكون هناك احتفال سنوي، بل يطلب منا أن نكون مستعدين دائمًا أن نغسل أرجل اخوتنا.” (موريس عن كالفن)
• “طقس غسل الأرجل التقليدي الذي يحدث في خميس العهد، عندما يقوم الأساقفة ورؤساء الأديرة والُحكام بغسل أرجل الفقراء المُعدمين، قد يكون لإحياء ذكرى عمل ربنا تلك الليلة، ولكن في طبيعته بالكاد يحقق المغزى الروحي المطلوب.” بروس (Bruce)
٢. أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ: ونحن، كالتلاميذ، لن نمانع أبدًا أن نغسل أَرْجُلَ يسوع. ولكنه طلب منا أن نغسل أَرْجُلَ بَعْضٍ. فأي عمل نقوم به لبعضنا بعضًا ليزيل وسخ العالم وغبار الهزيمة والإحباط، هو غسل الأرجل.
• من السهل علينا أن ننتقد من أقدامهم قذرة بدلًا من غسلها. “العالم حولنا ينتقد باستمرار: وهذا ما تتخصص به وتفعله الصحف العامة والدوائر الخاصة. وإليكم كيف تعمل الإشاعات: ’أترى هذه البقعة؟ يبدو أنه سلك طريق قذر هذا الصباح: انظر إلى قدميه! من المؤكد أنه كان في مكان قذر، إذ تظهر الآثار عليه بوضوح.‘ هذه طريقة العالم. أما طريقة المسيح فمختلفة تمامًا، إنه لا يقول شيئًا، بل يأخذ وِعاء الاغتِسال ويبدأ بتنظيف وغسل الأوساخ. لا يدين ولا يحكم على أحد، بل يسعى إلى شفاء الضال.” سبيرجن (Spurgeon)
• إن كنا سنغسل أرجل بعضنا بعضًا، فعلينا أن نحذر من درجة حرارة الماء. فقد نحاول أن نغسل أرجل شخص ما وتكون مياهنا أحيانًا حارة جدًا – تملأنا الحماسة الشديدة والغيرة. وأحيانًا أخرى تكون مياهنا باردة جدًا – فنكون باردين ومبتعدين قلبيًا عنهم. ولكن على درجة الحرارة أن تكون معتدلة. وعلينا أن نتذكر أيضًا أننا لا نستطيع تطهير وتنظيف قدمي شخص آخر بالكامل. وبما أن يسوع طهرنا بِغَسْلِ ٱلْمَاءِ بِٱلْكَلِمَةِ (أفسس ٢٦:٥)، إذًا علينا أن نستخدم نفس ’ٱلْمَاءِ‘ عندما نخدم الآخرين.
ز ) الآيات (١٥-١٧): أهمية اتباع مثال يسوع في خدمته الاتضاعية.
١٥لِأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. ١٦اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَا رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. ١٧إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ.
١. لِأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا: كان يسوع أكثر من مجرد مثال للتلاميذ، إذ كانوا بحاجة إلى أكثر من مثال. ومع ذلك كان يسوع بالفعل مثالًا رائعًا لهؤلاء التلاميذ ولكل الذين سيتبعونه لاحقًا. وكان ينبغي أن يأخذوا يسوع مِثَالًا لهم في مواقفهم القلبية وتصرفاتهم.
• “هناك الكثير منا الذين اعترفوا أنهم على استعداد تام أن يثقوا بقدرة يسوع المسيح على تطهير أرواحنا، ولكننا غير مستعدين أن نتخذ يسوع قدوة لحياتنا.” ماكلارين (Maclaren)
٢. إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَا رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ: إن قام يسوع نفسه، سَيِّدِنا ومُرْسِلِنا، بعمل وضيع كهذا، فقد بات أكثر قبولًا لخدامه والمرسلين أن يحذو حذوه.
• مِنْ مُرْسِلِهِ: “هذا الظهور للاسم المترجم ’مِنْ مُرْسِلِهِ‘ (في اليونانية apostolos) كان الوحيد في هذا الإنجيل، كما أنه لم يستخدم بالمعنى الرسمي.” بروس (Bruce)
• “يعطينا الضمان بأن أولئك الذين يرسلهم كرسل سيتم تحديدهم به وبالله.” دودز (Dods)
• “إن كان هناك مركز في الكنيسة حيث يتعين على الشخص أن يعمل بجهد دون أي تقدير من أحد، فعليه أن يقبل بالمهمة ويرضى. وإذا قمت بخدمة، لا يرغب أحد القيام بها، أو لا تُقدر عندما يفعلها الآخرين، فقم بها بفرح. واشتهِ أن تقوم بخدمة وضيعة، وعندما تحصل عليها، كن راضيًا واستمر فيها. فلا توجد منافسة شديدة على الخدمات المتواضعة، ولن تُحرم أحدًا إن سعيت وراءها.” سبيرجن (Spurgeon)
ثانيًا. يسوع يرسل يهوذا بعيدًا بعدما كشف حقيقته
أ ) الآيات (١٨-٢٠): يسوع يكشف بأن أحدهم سَيَخُونُه
١٨«لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ٱخْتَرْتُهُمْ. لَكِنْ لِيَتِمَّ ٱلْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي ٱلْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ. ١٩أَقُولُ لَكُمُ ٱلْآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ. ٢٠اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمُ: ٱلَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي، وَٱلَّذِي يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي».
١. أَنَا أَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ٱخْتَرْتُهُمْ: يختار يسوع الأشخاص الذين يعرفهم جيدًا، ولن يختار بمعزل عن معرفته بهم وبما سيفعلوه. وقد كان من المهم بالنسبة ليسوع أن يخبر التلاميذ أنه لم يُفاجأ بالخيانة التي ستحدث قريبًا.
٢. رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ: كان في ذهن يسوع مزمور ٩:٤١ عندما قال هذا. وتحمل هذه الجملة معنى الهجوم الغادر وغير المتوقع أو استغلال شخص ما بقسوة. فهذه الكلمات: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي ٱلْخُبْزَ ومن ثم رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ تتحدث عما كان يعتبر خيانة عظمى في زمن الكتاب المقدس لأن حسن الضيافة وتناول وجبة معًا كانا دليل الاخلاص والصداقة.
٣. أَقُولُ لَكُمُ ٱلْآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ: لم يخبر يسوع التلاميذ أن أحدهم سيخونه لأنه علم بالأمر الآن، فقد عرف ذلك منذ البداية. بل أخبرهم ليحافظ على إيمان وثقة التلاميذ المخلصين.
٤. ٱلَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي، وَٱلَّذِي يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي: ذّكر يسوع كل التلاميذ – الُمخلصين ويهوذا – بأن عمله لم ينتهِ بعد. فيهوذا لن ينتصر؛ وعمل يسوع سيستمر وسيرسلهم كسفراء عنه. وأراد ليهوذا أن يعرف أيضًا أن رفضه ليسوع يعني رفض لله الذي أرسل يسوع.
ب) الآيات (٢١-٢٦): يسوع يُعرِّف يهوذا بأنه خائن، ويظهر محبته له لآخر مرة
٢١لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هَذَا ٱضْطَرَبَ بِٱلرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!». ٢٢فَكَانَ ٱلتَّلَامِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ. ٢٣وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. ٢٤فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ ٱلَّذِي قَالَ عَنْهُ. ٢٥فَٱتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: «يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟». ٢٦أَجَابَ يَسُوعُ: «هُوَ ذَاكَ ٱلَّذِي أَغْمِسُ أَنَا ٱللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!». فَغَمَسَ ٱللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ ٱلْإِسْخَرْيُوطِيِّ.
١. ٱضْطَرَبَ بِٱلرُّوحِ: انزعج يسوع من خيانة يهوذا له. فيسوع لم يكن منفصلًا عاطفيًا عن الأحداث المحيطة بآلامه. فقد أحب يهوذا بالفعل، وكان مضطربًا بالروح من أجله، أكثر بكثير من قلقه على نفسه.
• “على الرغم من أن يوحنا صور يسوع كسيد الموقف، لكنه لا يريدنا أن نعتقد أنه كان غير متأثر بالأحداث التي يمر بها.” موريس (Morris)
٢. ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي: من خلال الكشف عن الخائن، أظهر يسوع أنه المسيطر على هذه الأحداث؛ وأنه لم يُؤخذ على حين غرة.
٣. مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ: لم يكن واضحًا بالنسبة للتلاميذ أن يهوذا كان المقصود، فلم يكن هناك أي شكوك بشأنه. وتساءلوا عما إذا كان يسوع يعني خيانة غير مقصودة، قد يرتكبها أي منهم (متى ٢٢:٢٦).
٤. فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ ٱلَّذِي قَالَ عَنْهُ: قد يكون سؤال بطرس ليوحنا (التلميذ الذي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ) مدفوعًا بالرغبة في اتخاذ إجراءات وقائية. لم يستطع بطرس أن يسأل يسوع بطريقة متكتمة، لهذا سأل يوحنا.
• “حقيقة أن بطرس أومأ إلى التلميذ الذي كان يسوع يحبه في محاولة للحصول على معلومات حول هوية الخائن، توحي بأنه كان يجلس بعيدًا عن يسوع؛ ولولا ذلك لتكلم معه مباشرة.” تاسكر (Tasker)
• كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ: استخدم يوحنا هذه العبارة أربع مرات في إنجيله للإشارة إلى نفسه، وكل منها متصل بالصليب بطريقة ما.
• هنا في العُلِّيّة (يوحنا ٢٣:١٣).
• عند الصليب (يوحنا ٢٦:١٩).
• عند القبر الفارغ (يوحنا ٢:٢٠).
• مع يسوع المُقام عند بحر الجليل (يوحنا ٢٠:٢١).
• “نعلم أن المقصود هو يوحنا هنا لأسباب عديدة؛ ولكنه لا يقول ذلك مباشرة. إنه يخفي يوحنا وراء محبة يسوع، مما يثبت أن يوحنا كان له مكانة خاصة بسبب محبة المسيح له، ولكنه لم يفتخر بهذا.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. فَٱتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: في وجبة خاصة أو احتفالية كهذه، كان الضيوف ينبطحون حول مائدة على شكل حرف U، وكانوا يتكئون على كوعهم الأيسر، أما الأيمن فيتناولون به الطعام. ويبدو أن يوحنا كان يجلس بالقرب من يسوع، وكان بإمكانه الميل للوراء والتكلم مع يسوع بصوت هادئ ولكن مسموع.
• جلس يسوع وبجواره من كل ناحية تلميذ. “من جهة يوحنا التقي، ومن الجهة الأخرى يهوذا الشيطان. أحدهم تنبأ عن نهاية العالم، والآخر كان ٱبْنُ ٱلْهَلَاكِ.” سبيرجن (Spurgeon)
• “يسار المضيف كان لصاحب المكانة الأشرف ومن يليه كان على يمينه، وذلك الضيف كان يضع رأسه على صدر المُضيف، وهو المكان الذي جلس فيه التلميذ الحبيب.” موريس (Morris)
• “توضح المصادر التي تناقلها معلمو اليهود أن الوضع الطبيعي كان الجلوس حول المائدة؛ وكان الاتكاء هو الوضع المخصص لتناول الوجبات الخاصة، مثل الحفلات والأعراس وما شابه.” بروس (Bruce)
• “تشير الكلمات المستخدمة إلى أنهم تعاملوا مع هذه الوجبة وكأنها وجبة العيد الرسمية رغم أنهم احتفلوا بها قبل ليلة من عيد الفصح الرسمي (يوحنا ١:١٣).” بروس (Bruce)
٦. هُوَ ذَاكَ ٱلَّذِي أَغْمِسُ أَنَا ٱللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!: إعطاء اللقمة المغمسة لأحدهم كان يعتبر شرفًا خاصًا، مثل الذي يقدم نخبًا في مأدبة. وكانت علامة على التقدير والاحترام.
• “يبدو أن يهوذا كان يجلس في المرتبة الأعلى. ووفقًا لرواية البشير متى، يبدو أنه كان قادرًا على التكلم مع يسوع بسهولة دون أن يتحرك الآخرون ليتسنى لهم الكلام (متى ٢٥:٢٦). موريس (Morris)
• “عندما قدم يسوع اللقمة المغموسة من الطبق الرئيسي، كما جرت العادة أن يفعل المضيف مع ضيف الشرف، كانت تلك علامة على المحبة الإلهية التي تسعى باستمرار للتغلب على الشر بالخير.” تاسكر (Tasker)
• نتخيل أحيانًا أن الكل ضدنا، وهم في الواقع ليسوا كذلك، وهذا الشعور يجعلنا مرتابين ومنزعجين وخائفين. فقد عرف يسوع أن يهوذا كان ضده، ومع ذلك بدا أن حبه وصلاحه أصبحا أعظم وليس أقل. حتى أن يسوع قدم إلى يهوذا فرصة للتوبة دون أن يكشف للجميع بأنه الخائن.
• أظهر غسل الأرجل في بداية العشاء، جزءًا من المحبة المضحية والخدمة لم تظهر قبل الصليب. والآن، أظهرت اللقمة المغموسة التي قدمت ليهوذا ذروة المحبة للأعداء قبل الصليب.
• كشف يسوع عن هوية الخائن ليوحنا فقط، لم يدرك التلاميذ الآخرين شيئًا. لم يردع يوحنا يهوذا أو يعارضه ولم يستفسر عن السبب. وربما لم يستوعب على الفور ما قاله يسوع أو ارتبك مؤقتًا من الصدمة.
ج) الآيات (٢٧-٣٠): انصراف يهوذا
٢٧فَبَعْدَ ٱللُّقْمَةِ دَخَلَهُ ٱلشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَٱعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ». ٢٨وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ ٱلْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِهِ، ٢٩لِأَنَّ قَوْمًا، إِذْ كَانَ ٱلصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا، ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: ٱشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ. ٣٠فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ ٱللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلًا.
١. فَبَعْدَ ٱللُّقْمَةِ دَخَلَهُ ٱلشَّيْطَانُ: كان قرار الخيانة منتهيًا بالنسبة ليهوذا (يوحنا ٢:١٣). وعندما رفض يهوذا محبة يسوع وتكريمه له، كُسر حاجز ما بداخله ودَخَلَهُ ٱلشَّيْطَانُ.
• “بعد قبول يهوذا اللقمة أظهر أنه مُحصن تمامًا ضد أي نداء للمحبة؛ ومن تلك اللحظة أصبح أداة في يد الشيطان.” تاسكر (Tasker)
• “لم يكن من الممكن أن يدخله الشيطان لو لم يسمح له بالدخول. فكل صلوات سيده الشفاعية كانت متاحة له في الحال لتشجيعه لو كان مستعدًا أن يقول ’لا‘ للخصم.” بروس (Bruce)
٢. مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَٱعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ: عرف يسوع أن يهوذا قد تجاوز مرحلة تأنيب الضمير. ولأنه كان قد عقد العزم، فكان من الأفضل أن يعمل ما يريده بأكثر سرعة. اعتقد يهوذا أنه كان السيد الآن؛ وأن على يسوع أن يتعامل مع ما فعله يهوذا. وكلما انتهى هذا الوهم بسرعة، كلما كان أفضل.
• تخبرنا الآية في متى ٢٥:٢٦ أن يسوع قال شيئًا آخر ليهوذا. فعندما قال أن أحدهم سيخونه (يوحنا ٢١:١٣)، ٱبْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟» (متى ٢٢:٢٦). وعندما سأل يهوذا – الجالس بجوار يسوع – هذا السؤال، أجابه يسوع سرًا: «أَنْتَ قُلْتَ» (متى ٢٥:٢٦). والنقطة هنا أن يهوذا كان يعلم أن يسوع عرف أن هذا التلميذ سيخون سيده.
• “قُدم له نداءين حتى الآن: النداء الأول، تأنيب الضمير لأن أمره قد كشف؛ والنداء الثاني، التأكيد الرائع بأنه لا يزال محبوبًا، لأن عطية اللقمة كانت رمزًا للمودة. ولكنه قسّى قلبه ضد كليهما؛ وبينما أغلق قلبه ضد المسيح فتحه للشيطان.” ماكلارين (Maclaren)
٣. فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ ٱلْمُتَّكِئِينَ: لو عرفوا (خصوصًا بطرس) لردعوا يهوذا. واعتقدوا أن يهوذا لديه عمل يقوم به نيابة عن المجموعة، إما لدفع مصاريف العشاء أو أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ.
• أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ: “من المعروف أن ربنا وتلاميذه عاشوا على تبرعات الآخرين، ومع ذلك أعطوا الصدقات مما يقدم لهم. ومن هذا نتعلم أنه حتى أولئك الذين يعيشون على تبرعات الآخرين من المتوقع أن يشاركوا بما معهم مع الذين هم في محنة واحتياج.” كلارك (Clarke)
٤. خَرَجَ لِلْوَقْتِ: مع طعم ٱللُّقْمَةِ التي أظهرت محبة وصلاح يسوع ما زالت في فمه، ترك يهوذا زملائه التلاميذ، وترك سيده وخرج، وكان لَيْلًا. ولعل ما حدث في العشاء جعل يهوذا يقرر أنه لا يريد أي علاقة بغسل الأرجل الذي كان المسيا على وشك أن يفعله.
• “على أية حال، تصرفه تجاوز الخيانة العرضية؛ لقد باع نفسه لقوى الشر.” تيني (Tenney)
• يبين لنا يهوذا أن الإنسان الساقط يحتاج إلى أكثر من مثال أو تعليم جيد. فقد كان لدى يهوذا أفضل مثال وأعظم معلم، ومع ذلك بقي ضالًا.
ثالثًا. وصية جديدة
أ ) الآيات (٣١-٣٢): يسوع يعلن أن الصليب هو أسمى تمجيد، وليس أكبر عار.
٣١فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَسُوعُ: «ٱلْآنَ تَمَجَّدَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ ٱللهُ فِيهِ. ٣٢إِنْ كَانَ ٱللهُ قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ، فَإِنَّ ٱللهَ سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ، وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعًا».
١. ٱلْآنَ تَمَجَّدَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ: عندما ترك يهوذا يسوع كان يعلم أن كل شيء سيبدأ سريعًا، من القبض عليه إلى المحاكمات والذل والإدانة والضرب والصلب والدفن. وتكلم عن الموت القادم وكأنه تمجيد (يوحنا ٢٣:١٢). والآن سيتحقق كل هذا.
• “لم يكن وجود يهوذا، كما ظن البعض، سيعرقل تحقيق المجد الأعظم، ولكن العمل الذي سيعمله، كان في الواقع هو البداية لتحقيق ذلك المجد.” آلفورد (Alford)
٢. تَمَجَّدَ… وَتَمَجَّدَ… تَمَجَّدَ… سَيُمَجِّدُهُ… وَيُمَجِّدُهُ: أشار يسوع إلى المجد خمس مرات في الآيتين، وكان هذا لسبب وجيه، فكل ما يراه العالم في الصليب هو الذل والعار واللعنة. أما يسوع فنظر إلى الصليب وعرف ما سينجزه من خلاله وأنه في الواقع سَيُمَجِّدُهُ.
• كشف الصليب عما في قلب يسوع، إذ كان يعلم أن الله سَيُمَجِّدُهُ. وقريبًا ستظهر محبة يسوع بشكل جديد. “فإن كان موته هو ما سيمجده، فلابد أن هذا الموت سيحقق أمرًا لم يتحقق بالكامل في حياته، على الرغم روعتها؛ ولا بالكلمات، على الرغم من حكمتها ورقتها؛ ولا بالمعجزات، على الرغم من عملها الشافي.” ماكلارين (Maclaren)
• “يسوع ينظر إلى الصليب وهو يتكلم عن المجد. يستخدم أوريجانوس العبارة المدهشة ’المجد المتواضع‘ ليعبر عن هذا المجد.” موريس (Morris)
• “يدعو موته… مجده، ويُقَدِّر تاج الشوك أكثر من تاج سليمان، وينظر إلى َالقُرُوح وكأنها نجوم تتلألأ، والضربات على وجهه كأنها سبيكة ذهب، وجراحه كأنها جواهر، والبصق وكأنه مرهم حلو، وصليبه وكأنه عرشه.” تراب (Trapp)
ب) الآية (٣٣): أعلن يسوع عن رحيله القريب
٣٣يَا أَوْلَادِي، أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْدُ. سَتَطْلُبُونَنِي، وَكَمَا قُلْتُ لِلْيَهُودِ: حَيْثُ أَذْهَبُ أَنَا لَا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا، أَقُولُ لَكُمْ أَنْتُمُ ٱلْآنَ.
١. يَا أَوْلَادِي: أنه المكان الوحيد في الأناجيل حيث خاطب يسوع تلاميذه بهذه الطريقة. ولم يقصد بذلك أي إساءة، بل قالها بمشاعر مليئة بالحنان والاهتمام بهم، عالمًا ضعفهم وافتقارهم للنضج.
٢. أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْدُ… حَيْثُ أَذْهَبُ أَنَا لَا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا: لا بد أن هذا الخبر وقع على التلاميذ كالصاعقة. فقد تركوا كل شيء وراءهم ليتبعوا يسوع، وتوقعوا أن يكونوا مسؤولين رفيعي المستوى في مملكته عندما يسيطر سياسيًا على إسرائيل بصفته المسيا. وبعد ثلاث سنوات ها هو يقول لهم أنه سيتركهم.
ج) الآيات (٣٤-٣٥): يسوع يتكلم عن وَصِيَّةً جَدِيدَةً
• «٣٤وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. ٣٥بِهَذَا يَعْرِفُ ٱلْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ».
١. وَصِيَّةً جَدِيدَةً: الكلمة اليونانية القديمة ’جَدِيدَة‘ المستخدمة هنا تأتي بمعنى النضارة أو عكس شيء قديم رث، أكثر من شيء حديث أو مختلف. ولا يعني هذا أن هذه الوصية تم استحداثها للتو، بل أنها ستُقدم بطريقة جديدة وحديثة.
• تعني كلمة ’جَدِيدَة‘ (kainen) الانتعاش أو ما هو عكس الشيء الرثّ القديم، أكثر من ’الحديث‘ أو ’المختلف.‘” تيني (Tenney)
• “استخدم التعبير ’وَصِيَّةً جَدِيدَةً‘ (mandatum novum في النسخه اللاتينية للإنجيل) لإحياء ذكرى العشاء الأخير: ’خميس العهد.‘” بروس (Bruce)
٢. أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا: ربما اعتقدنا أن الوصية الجديدة هي أن نُحب يسوع بطريقة غير عادية، بدلًا من ذلك، يأمرهم يسوع ويأمرنا: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وشدد على ضرورة وجود محبة مميزة بين أتباع يسوع المسيح.
٣. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ: وصية المحبة لم تكن جديدة، ولكن مقدار المحبة التي سيظهرها يسوع على الصليب كانت جديدًا. فمعنى المحبة قد تغير بسبب ما فعل.
• “علينا أن نُحب قريبنا كأنفسنا، ولكن علينا أن نحن أخوتنا المؤمنين كما أحبنا المسيح، وهذا أعمق من حبنا لأنفسنا.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. بِهَذَا يَعْرِفُ ٱلْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: قال يسوع أن المحبة ستكون العلامة المميزة لتلاميذه. لا يعني هذا أن محبتنا للعالم غير مهمة أو غير مناسبة، ولكنها ليست الأولوية. هناك مقاييس أخرى للتلمذة، لكنها تأتي بعد هذه العلامة.
• يعرف يسوع أننا تلاميذه عندما نحب بعضنا بعضًا.
• نعرف أننا تلاميذ يسوع عندما نحب بعضنا بعضًا.
• يعرف العالم أننا تلاميذ يسوع عندما نحب بعضنا بعضًا.
• “يخبرنا العلامة ترتليان (Tertullian) (بعد قرن من كتابة هذا الإنجيل) أن الوثنيون يقولون عن المسيحيين: ’انظروا كيف يحب بعضهم بعضًا!‘” بروس (Bruce)
د ) الآيات(٣٦-٣٧): يسوع يُنبئ بإنكار بطرس له
٣٦قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟». أَجَابَهُ يَسُوعُ: «حَيْثُ أَذْهَبُ لَا تَقْدِرُ ٱلْآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي، وَلَكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا». ٣٧قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لِمَاذَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَتْبَعَكَ ٱلْآنَ؟ إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ!». ٣٨أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَتَضَعُ نَفْسَكَ عَنِّي؟ اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَا يَصِيحُ ٱلدِّيكُ حَتَّى تُنْكِرَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».
١. «يَا سَيِّدُ، إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟»: لم يفهم بطرس (وباقي التلاميذ) يسوع حتى الآن. ربما اعتقد بطرس أن يسوع سيذهب في رحلة طويلة دونهم. وأعرب بطرس عن رغبته في الحصول على تفسير أكثر.
٢. «حَيْثُ أَذْهَبُ لَا تَقْدِرُ ٱلْآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي، وَلَكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا»: لم يفهم بطرس شيئًا، أما يسوع ففهم كل شيء. فهم يسوع أن بطرس لن يقدر الآن أن يتبعه حتى الموت، ولكنه سيفعل أَخِيرًا.
٣. «يَا سَيِّدُ، لِمَاذَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَتْبَعَكَ ٱلْآنَ؟»: عرف بطرس أنه تلميذ يسوع، وكان من واجب التلميذ أن يتبع معلمه. وقد شعر بطرس بالتزامه الكامل كتلميذ ليسوع وكان مستعدًا ليس أن يتبعه فحسب بل أن يضحي بحياته من أجله أيضًا.
• نحن نصدق بطرس طبعًا، ونصدق استعداده للموت من أجل يسوع في تلك اللحظة، ولكنه فشل فيما بعد لأن تفانيه كان قائمًا على العاطفة، وفي الأزمة القادمة العاطفة سوف تخذله.
• نستطيع القول إن إنكار يهوذا ليسوع كان متعمدًا ومخططًا؛ وإنكار بطرس ليسوع كان عارضًا وعفويًا. كان إنكار بطرس فظيعًا، ولكنه كان يختلف تمامًا عما فعله يهوذا.
• نرى اختلافًا واضحًا في بطرس عندما أصبح إيمانه مبنيًا على عمل يسوع على الصليب وقوة الروح القدس وليس على العاطفة. “ينبغي على المسيح أن يموت أولًا من أجل بطرس قبل أن يموت بطرس من أجله.” كلارك (Clarke)
٤. حَتَّى تُنْكِرَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قال بطرس بكل ثقة أنه سيتبع يسوع وسيموت حتى من أجله. ولكن عندما جاء وقت الاختبار لم يحتمل أن يسخر أحد منه لاتباعه يسوع. فكان لسان الخادمة بالنسبة له، أكثر حدة من سيف الجلاد. وقبل فجر اليوم التالي، كان سينكر حتى معرفته بيسوع ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
• “عندما احتج بطرس، أظهر له ربنا أنه يعرف كل الضعف الكامن في داخله أفضل من نفسه.” مورغان (Morgan)
• “كان الفجر هو ثالث فترة من أربع فترات الحراسة الليلية الرومانية، وهي من نصف الليل إلى الفجر.” بروس (Bruce)
• إنكار بطرس حُفر في ذاكرته، فعندما وعظ في سفر أعمال الرسل ٣، اتهمهم بإنكارهم ليسوع (أعمال الرسل ١٤:٣). وفي نهاية حياته وصف المعلمون الكذبة بأنهم ينكرون الرب (بطرس الثانية ١:٢).