رسالة العبرانيين – الإصحاح ٧ – كهنوت أفضل، ورئيس كهنة أفضل
أولًا. موضوع رسالة العبرانيين الإصحاح السابع
أ ) يشرح كاتب العبرانيين الآن موضوعًا تطرق إليه في عبرانيين ١٧:٢ وهو: يسوع رئيس كهنتنا.
١. بدأ الكاتب بمناقشة المسألة في عبرانيين ١٠:٥، لكنه اضطر بعد ذلك إلى التطرق لتحذير المؤمنين المحبطين من خطر عدم الاستمرار والتقدم في حياتهم الروحية.
٢. كما يفعل كتّاب القصص البوليسية، يستحضر كاتب العبرانيين شخصية من العهد القديم يظنها كثيرون غير مهمة، ثم يسلط عليها الأضواء.
ب) كان هؤلاء المؤمنون اليهود يعلمون أن يسوع هو رئيس كهنتهم، لكن كان لديهم بعض الإشكال في هذه الفكرة لأن يسوع لم يأتِ من نسل سبط الكهنوت (سبط لاوي) أو من عائلة الكهنوت في ذلك السبط (عائلة هارون).
١. أراد كاتب العبرانيين التخلص من هذه العقبات الفكرية التي كان يواجهها هؤلاء اليهود في فهم رسالة الإنجيل والتي منعتهم من الاستمرار والنضج في حياتهم الروحية مع يسوع.
٢. هناك مؤمنون في زمننا هذا أيضًا تعوقهم بعض القضايا الفكرية التي يمكن حلها ليمكنهم التقدم في حياتهم الروحية مع يسوع. فإن كان البعض منشغلًا بقضايا مثل أصل الخلق أو نظرية التطور أو صحة المعجزات أو أشياء أخرى من هذا القبيل، فيجب عليهم حل هذه القضايا ليمكنهم التقدم في حياتهم الروحية مع يسوع.
ج) هذا الإصحاح مهم أيضًا لأنه يوضح لنا كيفية فهم الكهنوت والشريعة في العهد القديم.
١. الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعًا مِنْ كَسْرَةِ الْمُلُوكِ: بعد أن هزم إبراهيم تحالف الملوك الذين أسروا ابن أخيه لوط، تقابل مع كَاهِن غامض يدعى مَلْكِي صَادَقَ وهو أيضًا «مَلِكَ سَالِيمَ» (الاسم القديم لمدينة القدس).
• يعلمنا التاريخ خطورة الجمع بين السلطة الدينية والمدنية، لذلك لم يسمح الله لملوك إسرائيل بأن يكونوا كهنة أو للكهنة بأن يصبحوا ملوكًا. لكن مَلْكِي صَادِقَ الذي كان مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ كان استثناءً فريدًا.
٢. كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ: لم يكن ملكي صادق مجرد عابد للإله الحقيقي، لكنه كان يحمل لقب كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ. أي أن عظمة الله انعكست على كهنوت ملكي صادق.
• “تقاس رتبة الكهنوت بقيمة الإله الذي يخدمه الكاهن، مما يعني أن ملكي صادق كان كاهنًا من رتبة رفيعة.” غوثري (Guthrie)
٣. وَبَارَكَهُ: بارك مَلْكِي صَادِقإبراهيم وأعطاه إبراهيم عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (من غنائم المعركة المذكورة في سفر التكوين ٢٠:١٤).
٤. الْمُتَرْجَمَ أَوَّلًا «مَلِكَ الْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضًا «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ مَلِكَ السَّلاَم: اسم مَلْكِي صَادِق يعني «مَلِكَ الْبِرِّ» وهو أيضًا «مَلِكَ السَّلاَم» (لأن سَالِيمَ تعني “السَّلاَم“).
• الهدف من تراتب الأسماء قد يُخفى على البعض لكنه مهم. فالملك مَلْكِي صَادِقدُعي أولًا «مَلِكَ الْبِرِّ» ثم دُعي «مَلِكَ السَّلاَم.» وكما هو الحال دائمًا، يأتي الْبِرّ قبل السَّلاَم، لأن البر هو الطريق الحقيقي الوحيد للسلام. فالناس يبحثون عن السلام بالهرب من الواقع أو تجنبه أو تقبله، لكنهم لن يجدوا السلام إلا في البر. “السلام بعيدًا عن البر يشبه المياه الهادئة قبل أن يضربها الشلال المروع.” سبيرجن (Spurgeon)
• حقيقة أن هذه الأسماء لها معنى وأن الروح القدس يشرح لنا ذلك المعنى يدل على أن كل كلمة مهمة وموحى بها من الله. “فهناك تعليم أراد الروح القدس إظهاره من خلال الأسماء التي يوردها الرسول في المقطع الذي أمامنا. فأنا أؤمن بالوحي اللفظي للكتاب المقدس، وبالتالي هناك ما يمكن أن نتعلمه حتى في أسماء الأشخاص والأماكن. أولئك الذين يرفضون الوحي اللفظي يمكنهم أن يلوموا رسول الأمم الذي غالبًا ما اعتمد تعليمه على كلمة، إذ بإمكانه أن يستشف من الكلمات والأسماء أكثر جدًا مما يمكن أن يفكر فيه أي منا، ولأنه يسترشد بروح الله فلا بد أنه على حق. ومن جهتي فما أخشاه هو اختصار تفسير الكلمة حين يمكن أن تحمل معانٍ أكثر مما أرى.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ: لا يذكر لنا الكتاب أي شيء عن نسب أو نسل مَلْكِي صَادِقفي سفر التكوين ١٤ أو في أي مكان آخر. فبحسب الكتاب المقدس هو بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ… لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. “لا نرى إلا لمحة عنه لكن فيها الكثير الكثير.” سبيرجن (Spurgeon)
• رغم أن جميع المفسرين يختلفون تقريبًا حول هذه النقطة، يعتقد البعض أن بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ تعني أن مَلْكِي صَادِقكان كائنًا سماويًا أو ظهور مبكر ليسوع المتجسد نفسه.
٦. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ: كان مَلْكِي صَادِقيشبه ابْنِ اللهِ. وليس أن يسوع كان كهنوته من كهنوت مَلْكِي صَادِق، لكن كهنوت مَلْكِي صَادِق كان من كهنوت يسوع.
• كلمة مُشَبَّهٌ في العبرانيين ٣:٧ ترجمت من الكلمة اليونانية القديمة aphomoiomenos التي لم تستخدم في أي مكان آخر في العهد الجديد. “وهي تعبير يعني خلق شيء ما على صورة شيء آخر.” غوثري (Guthrie)
• “كان الأمر وكما لو أن الآب لم يستطع انتظار يوم دخول ابنه الكهنوتي إلى وراء الحجاب فاستبق هذا بتجسيد سماته ومعالمه في صورة مصغرة.” ماير (Meyer)
٧. هَذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ: إما أن يشير هذا إلى استمرار كهنوت مَلْكِي صَادِقأو أنه دليل على أن مَلْكِي صَادِقكان في الواقع ظهورًا ليسوع نفسه في العهد القديم، إذ أن كهنوت يسوع مستمر حتى يومنا هذا وإلى الأبد.
ب) الآيات (٤-١٠): مَلْكِي صَادِق أعظم من إِبْرَاهِيم لأن إِبْرَاهِيم قدم العُشور إلى مَلْكِي صَادِق ولأن مَلْكِي صَادِق هو من بارك إِبْرَاهِيم.
١. الَّذِي أَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ… عُشْرًا أَيْضًا مِنْ رَأْسِ الْغَنَائِمِ… الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي… فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ أَنْ يُعَشِّرُوا الشَّعْبَ بِمُقْتَضَى النَّامُوسِ: كان أبناء سبط لاوي يتلقون العشور من شعب إسرائيل طبقًا للوصية. أما إبراهيم فقدم العُشر طواعية إلى مَلْكِي صَادَق، وهذا يجعل عطاء إبراهيم لمَلْكِي صَادَق أعظم من عُشور شعب إسرائيل لكهنة ناموس موسى.
• عُشْرًا أَيْضًا مِنْ رَأْسِ الْغَنَائِمِ: كان العُشر من أفضل الغنائم المنتقاة.
٢. إِنَّ لاَوِي أَيْضًا الآخِذَ الأَعْشَارَ قَدْ عُشِّرَ بِإِبْرَاهِيمَ! لأَنَّهُ كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادِقَ: لأن سبط لاويين بأكمله كان من صُلْبِ إبراهيم عندما فعل هذا، نرى كهنوت العهد القديم يدفع العشور إلى كهنوت مَلْكِي صَادِق، وهذا يرينا أن مركز مَلْكِي صَادِق يسمو على مركز إبراهيم واللاويين من نسله.
• حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً: جملة ’حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً‘ هامة جدًا هنا. فكاتب العبرانيين يعلم أنه يثير نقطة مجازية، لذلك لا يريد أن يؤخذ كلامه حرفيًا.
٣. الأَكْبَرُ يُبَارِكُ الأَصْغَرَ: وهنا أيضًا نرى أن مَلْكِي صَادِق كان أعظم من إبراهيم لأنه هو بارك إبراهيم. وإبراهيم نفسه علم أن مَلْكِي صَادِق كان أعظم عندما تلقى البركة.
• “البركة التي يشار إليها هنا ليست مجرد تمنيات الخير للآخر والتي يمكن أن يتفوه بها من أهم أقل منزلة نحو من هم أعظم منهم، لكنها بركة يمنحها شخص مخول بإعلان إرادة الله بالخير نحو شخص آخر.” كلارك مقتبسًا من ماكنايت (Macknight, cited by Clarke)
١. فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ كَمَالٌ: هذا يرينا أن هناك حاجة لنوع مختلف من الكهنوت. فلو كان هناك كَمَالٌ في الْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ لما كان هناك حاجة لكهنوت آخر، وقد ذكر الله كهنوتًا آخر في مزمور ٤:١١٠.
• حقيقة أن الله قد أشار إلى كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ في مزمور ٤:١١٠ تدل على أن هناك ما ينقص الكهنوت الذي عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ، فالله لن يؤسس كهنوتًا لا ضرورة له.
• مصطلح الْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ يصف ببساطة الكهنوت اليهودي في العهد القديم، ويسمى بِالْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ لأن معظم شريعة كهنوت العهد القديم ذُكرت في سفر اللاويين.
٢. إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ: كهنوت العهد القديم هو الكهنوت القائم على شريعة موسى، أما كهنوت مَلْكِي صَادِق فيرتبط بإبراهيم وليس موسى.
ب) الآية (١٢): تغييرٌ بالكهنوت وتغييرٌ بشريعة موسى أيضًا.
١. لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ: وهذا يبنى منطقيًا على ما في مزمور ٤:١١٠. فالله لن يؤسس كهنوتًا جديدًا دون ضرورة، كما أنه لن يؤسس كهنوتًا ناقصًا أو أقل درجة. ومجرد ذكر رتبة مَلْكِي صَادِق (في مزمور ٤:١١٠ وعبرانيين ١١:٧) يدل على أن الله أراد تغيير الكهنوت.
٢. فَبِالضَّرُورَةِ: كان كهنوت هارون مرتبطًا بشريعة موسى. لذلك إن تم تغيير الكهنوت، فعلينا أن نتوقع أيضًا بعض التغيير في الشريعة.
ج ) الآيات (١٣-١٤): لا يمكن ليسوع أن يكون كاهنًا بحسب شريعة موسى لأنه من سبط آخر.
١. فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ الْمَذْبَحَ: بموجب شريعة موسى، كان أمر الله واضحًا بأن أفراد عائلة هارون وحدهم يمكنهم القيام بخدمة تقديم الذبائح على المذبح.
٢. لأَنَّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هَذَا كَانَ شَرِيكًا فِي سِبْطٍ آخَرَ: من الواضح أن يسوع لم يكن من عائلة هارون أو حتى من سبط لاوي، وسبط يهوذا (سبط يسوع) لم يكن له علاقة بكهنوت هارون المرتبط بشريعة موسى. لذلك وفقًا لكهنوت هارون وشريعة موسى لا يمكن أن يكون يسوع كاهنا. وكون يسوع رئيس كهنتنا لا بد أن يكون هذا تحت مبدأ آخر.
د ) الآيات (١٥-١٧): الإعلان الإلهي بأن المسيا ينتمي إلى رتبة أخرى من الكهنوت في مزمور ٤:١١٠.
١. لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ: كهنوت يسوع لا يقوم على الشريعة أو الوراثة (وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ)، بل على قُوَّةِ حَيَاةٍ الله التي لاَ تَزُولُ.
٢. كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ: يمكن أن نقول هذا عن المسيا الذي كان كاهنًا على رتبة مَلْكِي صَادَق، لكن لا يمكننا أن نقول هذا عن أي كاهن على رتبة هارون، إذ لم يكن لأي منهم قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ وكل منهم خدم ككاهن لفترة محدودة بحسب مدة حياته.
٣. بِحَسَبِ قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ: يقول الكتاب في متى ٢٧ “وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ”. وكان كهنة من رتبة هارون بين من تآمروا على قتل يسوع، لكن بِحَسَبِ قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ أظهر يسوع أن كهنوته أقوى من كهنوتهم بانتصاره على الموت.
هـ) الآيات (١٨-١٩): لماذا لا يمكننا استخدام الناموس كأساس لعلاقتنا بالله.
١. مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا: النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا – مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَ وَعَدَمِ نَفْعِهَ، لأن الناموس يتميز من ناحية إبراز المعيار المثالي الذي يطلبه الله لكنه لا يمنح الإنسان القوة للوصول إلى هذا المعيار.
• “ليتذكر كل أولئك الناموسيون الذي يطالبون بإقامة قوانين الناموس والشريعة على الجميع وكأساس للحياة أن النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا.” نويل (Newell)
٢. النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا: إذًا، الناموس رائع من ناحية إبراز المعيار المثالي الذي يطلبه الله، لكن لم يكن المقصود منه أبدًا أن يكون أساسًا لعلاقة الإنسان بالله، وذلك مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَ وَعَدَمِ نَفْعِهَ من ناحية خلاص نفسي أو منحني قوة على الخطية.
• يمثل الناموس وسيلة مثالية لتشخيص مشكلة الخطية، وهذا ضروري للغاية، لكن الناموس لا يقدم الحل لمشكلة الخطية، لأن يسوع وحده هو القادر أن يخلصنا من مشكلة الخطية.
٣. وَلَكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ: لأنه من الآن، في يسوع، صار لنا رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ، فمن الخطأ أن نبني إيماننا على الناموس. لذلك قد “بطُل” الناموس ولم يعد هو القانون الذي يحكم حياتنا، وبالأخص علاقتنا مع الله.
• “الكلمة اليونانية المترجمة (إِبْطَال) هي نفسها المستخدمة في عبرانيين ٢٦:٩ في “لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ،” لهذا كان إِبْطَالُ الناموس حتميًا كإبطال الخطية!” نويل (Newell)
• لا يقدم لنا الناموس رَجَاءٍ أَفْضَلَ. والناموس لا يجعلنا أقرب إلى الله كما تفعل نعمة الله المعطاة لنا في يسوع. ومع ذلك، لا زال معظم المؤمنون يعيشون علاقة ناموسية قانونية مع الله بدلًا من علاقة النعمة.
• “على الرغم من أهمية الناموس، إلا أن نقطة ضعفه الأساسية هي عدم قدرته على منح الحياة لمن يلتزمون به، فما بالك بمن كسروا وصاياه. وفي الواقع، لم يكن الغرض من الناموس هو منحنا القوة لكنه كان معيارًا يقيس به الإنسان مستواه الأخلاقي. لذلك لا يمكننا اعتبار بطلانه على أن لا قيمة له على الإطلاق، لكن لكونه وسيلة غير فعالة للاقتراب من الله بناءً على الذبيحة الكاملة.” غوثري (Guthrie)
٤. إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ… إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ: وصل الكاتب إلى ذات الاستنتاج الذي وصل إليه بولس في غلاطية ١٩:٣-٢٥ بشأن الناموس، لكنه وصل لتلك النتيجة بطريقة مختلفة تمامًا. ففي غلاطية رأى بولس الناموس كمؤدب يقودنا إلى يسوع، أما في العبرانيين فالناموس يرتبط بالكهنوت الذي أُبطِلَ بكهنوت أسمى.
• “توقفوا عن التفكير في التطهير وانظروا إلى الـمُطهر؛ وتوقفوا عن التكهن عن سُبل الخلاص وانظروا إلى الـمُخلص.” ماير (Meyer)
٥. رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ: بما أن لدينا كهنوتًا أفضل وكاهنًا أعظم، فلنا الآن رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ. لأن رجاؤنا صار في يسوع وليس في شريعة موسى أو قدرتنا على الالتزام بها.
• يجب أن يخفف هذا من حماسنا بشأن إعادة بناء الهيكل في القدس. فالأقلية الصغيرة من اليهود الملتزمين والمصممين على إعادة بناء الهيكل لهم مكان في خطة الله النبوية، لكن من يحاول أن يستعيد كهنوت هارون ليعود إلى الذبيحة اللاويّة للتكفير عن الخطية ينكر كهنوت يسوع المسيح وذبيحته الأسمى.
رابعًا. سمو مكانة رئيس كهنتنا
أ ) الآيات (٢٠-٢١): صار يسوع رئيس كهنتنا بقسم من الله ذاته.
١. وَعَلَى قَدْرِ مَا إِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ قَسَمٍ: صار يسوع رئيس كهنتنا بقسم من الله سجله لنا الكتاب في مزمور ٤:١١٠ “أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ.”
٢. لأَنَّ أُولَئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً: كان يتم تعيين رئيس الكهنة من رتبة هارون بالوراثة وليس بحسب مؤهلاته الشخصية أو بمقتضى قسمٍ من الله. لكن ليس الأمر هكذا في حالة جعل يسوع كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ بأمر ممهور بقسم.
١. صَارَ يَسُوعُ ضَامِنًا: الكلمة اليونانية القديمة التي ترجمت إلى ’ضَامِن‘ تشير إلى الشخص الذي يقدم ضمانًا أو قام بالتوقيع على صك قرض لضمان تسديده، أو من دفع كفالة سجين ما. وهنا يسوع نفسه هو الضمان لعهد أفضل.
٢. لِعَهْدٍ أَفْضَلَ: كان هناك وسيط للعهد القديم (موسى)، لكن لم يكن هناك من يضمن العهد من جانب الشعب. لذلك سقط الشعب وخان العهد مرة تلو المرة. أما العهد الجديد (عَهْدٍ أَفْضَلَ) فهناك من يضمنه بالنيابة عنا. ولهذا يعتمد العهد الجديد ويقوم على ما فعله يسوع وليس على ما نفعله نحن، فهو الضامن ولسنا نحن.
٣. لِعَهْدٍ: الكلمة اليونانية المستخدمة هنا (diatheke) ليست الكلمة المعتادة لـ ’عَهْدٍ‘ (syntheke). فالمعنى الحرفي لـهذه الكلمة أقرب إلى فكرة ’الوصية‘ التي تعني إرادة الشخص أو الوصية الأخيرة. وكأن الكاتب يريد أن يقول أن هذا ’الاتفاق‘ ليس نتيجة تفاوض بين طرفين متساويين، لكن الله لقد أملى الشروط ونحن لنا أن نقبل أو نرفض.
٤. عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ: وهذه العبارة تعني “أكثر من ذلك بكثير،” أي أن تفوق وسمو يسوع المسيح يثبت أنه يستحق وأنه قادر على أن يكون ضَامِنًا لِعَهْدٍ أَفْضَلَ.
ج ) الآيات (٢٣-٢٥): الكهنوت الذي لا يتغير يعني خلاصًا دائمًا أبديًا.
١. وَأُولَئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ: كان الكهنوت في ظل شريعة موسى يتغير باستمرار ليكون بحال أفضل أو أسوأ بحسب شخصية الكاهن. أما يسوع فله كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ ولسنا نخشى أن يحل محله كاهن سيء.
٢. يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ: تحمل الكلمة اليونانية المستخدمة هنا معنى ’بقائه كخادم.‘ أي أن يسوع سيستمر إلى الأبد وسيستمر في خدمته لنا حتى بعد أن صعد إلى السماء.
٣. يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ: الطبيعة غير المتغيرة لكهنوت يسوع تعني أيضًا أن الخلاص الذي يقدمه لنا غير متغير ودائم ومضمون. فهذه الآية تقول إن يسوع قادر على أن يخلص إلى أقصى حد (إِلَى التَّمَامِ) لأنه هو رئيس كهنتنا إِلَى الأَبَدِ.
• “يعني الفعل المستخدم هنا الخلاص المطلق، مما يعني أن المسيح يقدم خلاصًا كاملًا شاملًا من كل ما تحتاج البشرية للخلاص منه.” موريس (Morris)
٤. الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ: هؤلاء من يستطيع يسوع أن يخلصهم، من يتمسكون بالابن ولهم شركة مع الآب. والآية ترشدنا إلى من نلجأ لننال الخلاص. وتذكر أنك إن أتيت إلى الكنيسة فهذا لا يعني أنك تأتي إلى الله.
• تدلنا الآية على من يجب أن يلتجئ إليه المؤمن. فحين نتقدم إلى الله من خلاله سيخلصنا إلى إِلَى التَّمَام. ففي يسوع يكمن الضمان الأكيد للخلاص.
٥. إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ: من المشجع أن نعرف أن يسوع يصلي من أجلنا، وأنه حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ ليصلي من أجلنا، وفي هذا تشجيع عظيم لمن يشعر بالرغبة في الاستسلام.
• ترينا رسالة بولس إلى أهل رومية ٣٣:٨-٣٤ أهمية عمل يسوع الشفاعي من أجلنا، وفيها صوّر لنا بولس يسوع وهو يحمينا من خلال شفاعته من كل شكاية من إبليس.
• “يسوع هو شفيعنا، لكنه ليس يسترضي الله، فكل ما كانت تطلبه عدالة وقداسة الله قد أُكمل تمامًا وإلى الأبد على الصليب.” نويل (Newell)
• شفاعة يسوع لأجلنا ليست بمثابة استرضاء الآب الغاضب الذي يريد فناءنا، وليست الصلاة باستمرار بالنيابة عن شعبه، لكنها تعني أن يسوع يمثلنا باستمرار أمام الآب ليمكننا من الاقتراب إليه من خلاله، مدافعًا عنا ضد شكاوي الشيطان وهجوماته.
• يقدم لنا النص في لوقا ٣١:٢٢-٣٢ مثلًا عن شفاعة يسوع لأجل شعبه: “سمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ.” وهنا نرى يسوع يصلي ليكون لنا قوة عند التجارب وضد شكوى الشيطان.
د ) الآيات (٢٦-٢٨): يسوع هو المؤهل دون غيره ليكون رئيس كهنتنا بحسب شريعة موسى.
١. لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا: لا يمكن مقارنة شخصية الكهنة بمقتضى شريعة موسى بشخص ابن الله. فيسوع قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ (أي غير مشترك في خطيتهم). لهذا يسوع أسمى وأرفع من أي كاهن أرضي.
• يجب أن يهلل المؤمن ويرفع التمجيد عند قراءة هذا المقطع الذي يُظهر سمو يسوع ومجده. “فسمو ربنا يسوع المسيح ربما لا يثير اهتمام كثيرين وقد يبدو هذا الكلام مجرد نص تعبدي تسبيحي أو كلامًا قد عفا عليه الزمن، لكنه مع ذلك بحسب خلاص النعمة الذي صار لنا يستحق التأمل والترنم به بشكل لا يُعبَّر عنه.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ: هناك حقيقتان تثبتان كمال شخص يسوع. أولًا ارتفاعه إلى السموات، وثانيًا لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلًا عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ كما كان يجب على الكهنة الآخرين.
٣. إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ: وهذا حدث فريد، إذ كان الكاهن يقدم الذبيحة على المذبح، لكن يسوع هو الكاهن وهو الذبيحة، وهذه أفضل ذبيحة قدمت إلى الله الآب بواسطة أسمى كاهن.
• عندما قدم يسوع نفسه كان هذا بإرادته. “هذا يجعل ذبيحة المسيح ذبيحة مباركة مجيدة! فقد كانت الثيران والخراف تجرّ جرًّا إلى المذبح، أما مسيح الله فلم يرغمه أحد على الموت بل ضحى بحياته طواعية.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضُعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ: بحسب شريعة موسى كان الكهنة دائمًا رجالًا بِهِمْ ضُعْفٌ، أما يسوع فكان ابْنًا مُكَمَّلًا إِلَى الأَبَدِ. ولأنه رئيس كهنتنا الكامل كان يمكنه أن يقَدَّمَ نَفْسَهُ كذبيحة كاملة من أجل خطايانا. لهذا يسوع هو المؤهل تمامًا ليكون رئيس كهنة لنا مُكَمَّلًا إِلَى الأَبَدِ.
رسالة العبرانيين – الإصحاح ٧ – كهنوت أفضل، ورئيس كهنة أفضل
أولًا. موضوع رسالة العبرانيين الإصحاح السابع
أ ) يشرح كاتب العبرانيين الآن موضوعًا تطرق إليه في عبرانيين ١٧:٢ وهو: يسوع رئيس كهنتنا.
١. بدأ الكاتب بمناقشة المسألة في عبرانيين ١٠:٥، لكنه اضطر بعد ذلك إلى التطرق لتحذير المؤمنين المحبطين من خطر عدم الاستمرار والتقدم في حياتهم الروحية.
٢. كما يفعل كتّاب القصص البوليسية، يستحضر كاتب العبرانيين شخصية من العهد القديم يظنها كثيرون غير مهمة، ثم يسلط عليها الأضواء.
ب) كان هؤلاء المؤمنون اليهود يعلمون أن يسوع هو رئيس كهنتهم، لكن كان لديهم بعض الإشكال في هذه الفكرة لأن يسوع لم يأتِ من نسل سبط الكهنوت (سبط لاوي) أو من عائلة الكهنوت في ذلك السبط (عائلة هارون).
١. أراد كاتب العبرانيين التخلص من هذه العقبات الفكرية التي كان يواجهها هؤلاء اليهود في فهم رسالة الإنجيل والتي منعتهم من الاستمرار والنضج في حياتهم الروحية مع يسوع.
٢. هناك مؤمنون في زمننا هذا أيضًا تعوقهم بعض القضايا الفكرية التي يمكن حلها ليمكنهم التقدم في حياتهم الروحية مع يسوع. فإن كان البعض منشغلًا بقضايا مثل أصل الخلق أو نظرية التطور أو صحة المعجزات أو أشياء أخرى من هذا القبيل، فيجب عليهم حل هذه القضايا ليمكنهم التقدم في حياتهم الروحية مع يسوع.
ج) هذا الإصحاح مهم أيضًا لأنه يوضح لنا كيفية فهم الكهنوت والشريعة في العهد القديم.
ثانيًا. ملكي صادق وعلاقته بالكهنوت الهاروني (نسل هارون)
أ ) الآيات (١-٣): ما نعرفه عن ملكي صادق من سفر التكوين ١٨:١٤-٢٠.
١لأَنَّ مَلْكِي صَادَقَ هذَا، مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعًا مِنْ كَسْرَةِ الْمُلُوكِ وَبَارَكَهُ، ٢الَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. الْمُتَرْجَمَ أَوَّلًا «مَلِكَ الْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضًا «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ «مَلِكَ السَّلاَمِ» ٣بِلاَ أَبٍ، بِلاَ أُمٍّ، بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ. هذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ.
١. الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعًا مِنْ كَسْرَةِ الْمُلُوكِ: بعد أن هزم إبراهيم تحالف الملوك الذين أسروا ابن أخيه لوط، تقابل مع كَاهِن غامض يدعى مَلْكِي صَادَقَ وهو أيضًا «مَلِكَ سَالِيمَ» (الاسم القديم لمدينة القدس).
• يعلمنا التاريخ خطورة الجمع بين السلطة الدينية والمدنية، لذلك لم يسمح الله لملوك إسرائيل بأن يكونوا كهنة أو للكهنة بأن يصبحوا ملوكًا. لكن مَلْكِي صَادِقَ الذي كان مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ كان استثناءً فريدًا.
٢. كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ: لم يكن ملكي صادق مجرد عابد للإله الحقيقي، لكنه كان يحمل لقب كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ. أي أن عظمة الله انعكست على كهنوت ملكي صادق.
• “تقاس رتبة الكهنوت بقيمة الإله الذي يخدمه الكاهن، مما يعني أن ملكي صادق كان كاهنًا من رتبة رفيعة.” غوثري (Guthrie)
٣. وَبَارَكَهُ: بارك مَلْكِي صَادِق إبراهيم وأعطاه إبراهيم عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (من غنائم المعركة المذكورة في سفر التكوين ٢٠:١٤).
٤. الْمُتَرْجَمَ أَوَّلًا «مَلِكَ الْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضًا «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ مَلِكَ السَّلاَم: اسم مَلْكِي صَادِق يعني «مَلِكَ الْبِرِّ» وهو أيضًا «مَلِكَ السَّلاَم» (لأن سَالِيمَ تعني “السَّلاَم“).
• الهدف من تراتب الأسماء قد يُخفى على البعض لكنه مهم. فالملك مَلْكِي صَادِق دُعي أولًا «مَلِكَ الْبِرِّ» ثم دُعي «مَلِكَ السَّلاَم.» وكما هو الحال دائمًا، يأتي الْبِرّ قبل السَّلاَم، لأن البر هو الطريق الحقيقي الوحيد للسلام. فالناس يبحثون عن السلام بالهرب من الواقع أو تجنبه أو تقبله، لكنهم لن يجدوا السلام إلا في البر. “السلام بعيدًا عن البر يشبه المياه الهادئة قبل أن يضربها الشلال المروع.” سبيرجن (Spurgeon)
• حقيقة أن هذه الأسماء لها معنى وأن الروح القدس يشرح لنا ذلك المعنى يدل على أن كل كلمة مهمة وموحى بها من الله. “فهناك تعليم أراد الروح القدس إظهاره من خلال الأسماء التي يوردها الرسول في المقطع الذي أمامنا. فأنا أؤمن بالوحي اللفظي للكتاب المقدس، وبالتالي هناك ما يمكن أن نتعلمه حتى في أسماء الأشخاص والأماكن. أولئك الذين يرفضون الوحي اللفظي يمكنهم أن يلوموا رسول الأمم الذي غالبًا ما اعتمد تعليمه على كلمة، إذ بإمكانه أن يستشف من الكلمات والأسماء أكثر جدًا مما يمكن أن يفكر فيه أي منا، ولأنه يسترشد بروح الله فلا بد أنه على حق. ومن جهتي فما أخشاه هو اختصار تفسير الكلمة حين يمكن أن تحمل معانٍ أكثر مما أرى.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ: لا يذكر لنا الكتاب أي شيء عن نسب أو نسل مَلْكِي صَادِق في سفر التكوين ١٤ أو في أي مكان آخر. فبحسب الكتاب المقدس هو بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ… لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. “لا نرى إلا لمحة عنه لكن فيها الكثير الكثير.” سبيرجن (Spurgeon)
• رغم أن جميع المفسرين يختلفون تقريبًا حول هذه النقطة، يعتقد البعض أن بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ تعني أن مَلْكِي صَادِق كان كائنًا سماويًا أو ظهور مبكر ليسوع المتجسد نفسه.
٦. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ: كان مَلْكِي صَادِق يشبه ابْنِ اللهِ. وليس أن يسوع كان كهنوته من كهنوت مَلْكِي صَادِق، لكن كهنوت مَلْكِي صَادِق كان من كهنوت يسوع.
• كلمة مُشَبَّهٌ في العبرانيين ٣:٧ ترجمت من الكلمة اليونانية القديمة aphomoiomenos التي لم تستخدم في أي مكان آخر في العهد الجديد. “وهي تعبير يعني خلق شيء ما على صورة شيء آخر.” غوثري (Guthrie)
• “كان الأمر وكما لو أن الآب لم يستطع انتظار يوم دخول ابنه الكهنوتي إلى وراء الحجاب فاستبق هذا بتجسيد سماته ومعالمه في صورة مصغرة.” ماير (Meyer)
٧. هَذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ: إما أن يشير هذا إلى استمرار كهنوت مَلْكِي صَادِق أو أنه دليل على أن مَلْكِي صَادِق كان في الواقع ظهورًا ليسوع نفسه في العهد القديم، إذ أن كهنوت يسوع مستمر حتى يومنا هذا وإلى الأبد.
ب) الآيات (٤-١٠): مَلْكِي صَادِق أعظم من إِبْرَاهِيم لأن إِبْرَاهِيم قدم العُشور إلى مَلْكِي صَادِق ولأن مَلْكِي صَادِق هو من بارك إِبْرَاهِيم.
٤ثُمَّ انْظُرُوا مَا أَعْظَمَ هذَا الَّذِي أَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ رَئِيسُ الآبَاءِ، عُشْرًا أَيْضًا مِنْ رَأْسِ الْغَنَائِمِ! ٥وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي، الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْكَهَنُوتَ، فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ أَنْ يُعَشِّرُوا الشَّعْبَ بِمُقْتَضَى النَّامُوسِ، أَيْ إِخْوَتَهُمْ، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ. ٦وَلكِنَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مِنْهُمْ قَدْ عَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارَكَ الَّذِي لَهُ الْمَوَاعِيدُ! ٧وَبِدُونِ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ: الأَصْغَرُ يُبَارَكُ مِنَ الأَكْبَرِ ٨وَهُنَا أُنَاسٌ مَائِتُونَ يَأْخُذُونَ عُشْرًا، وَأَمَّا هُنَاكَ فَالْمَشْهُودُ لَهُ بِأَنَّهُ حَيٌّ. ٩حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً: إِنَّ لاَوِي أَيْضًا الآخِذَ الأَعْشَارَ قَدْ عُشِّرَ بِإِبْرَاهِيمَ. ١٠لأَنَّهُ كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادَقَ.
١. الَّذِي أَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ… عُشْرًا أَيْضًا مِنْ رَأْسِ الْغَنَائِمِ… الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي… فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ أَنْ يُعَشِّرُوا الشَّعْبَ بِمُقْتَضَى النَّامُوسِ: كان أبناء سبط لاوي يتلقون العشور من شعب إسرائيل طبقًا للوصية. أما إبراهيم فقدم العُشر طواعية إلى مَلْكِي صَادَق، وهذا يجعل عطاء إبراهيم لمَلْكِي صَادَق أعظم من عُشور شعب إسرائيل لكهنة ناموس موسى.
• عُشْرًا أَيْضًا مِنْ رَأْسِ الْغَنَائِمِ: كان العُشر من أفضل الغنائم المنتقاة.
٢. إِنَّ لاَوِي أَيْضًا الآخِذَ الأَعْشَارَ قَدْ عُشِّرَ بِإِبْرَاهِيمَ! لأَنَّهُ كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادِقَ: لأن سبط لاويين بأكمله كان من صُلْبِ إبراهيم عندما فعل هذا، نرى كهنوت العهد القديم يدفع العشور إلى كهنوت مَلْكِي صَادِق، وهذا يرينا أن مركز مَلْكِي صَادِق يسمو على مركز إبراهيم واللاويين من نسله.
• حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً: جملة ’حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً‘ هامة جدًا هنا. فكاتب العبرانيين يعلم أنه يثير نقطة مجازية، لذلك لا يريد أن يؤخذ كلامه حرفيًا.
٣. الأَكْبَرُ يُبَارِكُ الأَصْغَرَ: وهنا أيضًا نرى أن مَلْكِي صَادِق كان أعظم من إبراهيم لأنه هو بارك إبراهيم. وإبراهيم نفسه علم أن مَلْكِي صَادِق كان أعظم عندما تلقى البركة.
• “البركة التي يشار إليها هنا ليست مجرد تمنيات الخير للآخر والتي يمكن أن يتفوه بها من أهم أقل منزلة نحو من هم أعظم منهم، لكنها بركة يمنحها شخص مخول بإعلان إرادة الله بالخير نحو شخص آخر.” كلارك مقتبسًا من ماكنايت (Macknight, cited by Clarke)
ثالثًا. الحاجة إلى كهنوت جديد
أ ) الآية (١١): الكهنوت اللاوي لم يأتِ بالكمال.
١١فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ الّلاَوِيِّ كَمَالٌ إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ مَاذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ؟ وَلاَ يُقَالُ عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ.
١. فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ كَمَالٌ: هذا يرينا أن هناك حاجة لنوع مختلف من الكهنوت. فلو كان هناك كَمَالٌ في الْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ لما كان هناك حاجة لكهنوت آخر، وقد ذكر الله كهنوتًا آخر في مزمور ٤:١١٠.
• حقيقة أن الله قد أشار إلى كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ في مزمور ٤:١١٠ تدل على أن هناك ما ينقص الكهنوت الذي عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ، فالله لن يؤسس كهنوتًا لا ضرورة له.
• مصطلح الْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ يصف ببساطة الكهنوت اليهودي في العهد القديم، ويسمى بِالْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ لأن معظم شريعة كهنوت العهد القديم ذُكرت في سفر اللاويين.
٢. إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ: كهنوت العهد القديم هو الكهنوت القائم على شريعة موسى، أما كهنوت مَلْكِي صَادِق فيرتبط بإبراهيم وليس موسى.
ب) الآية (١٢): تغييرٌ بالكهنوت وتغييرٌ بشريعة موسى أيضًا.
١٢لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا.
١. لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ: وهذا يبنى منطقيًا على ما في مزمور ٤:١١٠. فالله لن يؤسس كهنوتًا جديدًا دون ضرورة، كما أنه لن يؤسس كهنوتًا ناقصًا أو أقل درجة. ومجرد ذكر رتبة مَلْكِي صَادِق (في مزمور ٤:١١٠ وعبرانيين ١١:٧) يدل على أن الله أراد تغيير الكهنوت.
٢. فَبِالضَّرُورَةِ: كان كهنوت هارون مرتبطًا بشريعة موسى. لذلك إن تم تغيير الكهنوت، فعلينا أن نتوقع أيضًا بعض التغيير في الشريعة.
ج ) الآيات (١٣-١٤): لا يمكن ليسوع أن يكون كاهنًا بحسب شريعة موسى لأنه من سبط آخر.
١٣لأَنَّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هذَا كَانَ شَرِيكًا فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ الْمَذْبَحَ. ١٤فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الْكَهَنُوتِ.
١. فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ الْمَذْبَحَ: بموجب شريعة موسى، كان أمر الله واضحًا بأن أفراد عائلة هارون وحدهم يمكنهم القيام بخدمة تقديم الذبائح على المذبح.
٢. لأَنَّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هَذَا كَانَ شَرِيكًا فِي سِبْطٍ آخَرَ: من الواضح أن يسوع لم يكن من عائلة هارون أو حتى من سبط لاوي، وسبط يهوذا (سبط يسوع) لم يكن له علاقة بكهنوت هارون المرتبط بشريعة موسى. لذلك وفقًا لكهنوت هارون وشريعة موسى لا يمكن أن يكون يسوع كاهنا. وكون يسوع رئيس كهنتنا لا بد أن يكون هذا تحت مبدأ آخر.
د ) الآيات (١٥-١٧): الإعلان الإلهي بأن المسيا ينتمي إلى رتبة أخرى من الكهنوت في مزمور ٤:١١٠.
١٥وَذلِكَ أَكْثَرُ وُضُوحًا أَيْضًا إِنْ كَانَ عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادَقَ يَقُومُ كَاهِنٌ آخَرُ، ١٦قَدْ صَارَ لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ بِحَسَبِ قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ. ١٧لأَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّكَ: «كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ».
١. لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ: كهنوت يسوع لا يقوم على الشريعة أو الوراثة (وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ)، بل على قُوَّةِ حَيَاةٍ الله التي لاَ تَزُولُ.
٢. كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ: يمكن أن نقول هذا عن المسيا الذي كان كاهنًا على رتبة مَلْكِي صَادَق، لكن لا يمكننا أن نقول هذا عن أي كاهن على رتبة هارون، إذ لم يكن لأي منهم قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ وكل منهم خدم ككاهن لفترة محدودة بحسب مدة حياته.
٣. بِحَسَبِ قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ: يقول الكتاب في متى ٢٧ “وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ”. وكان كهنة من رتبة هارون بين من تآمروا على قتل يسوع، لكن بِحَسَبِ قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ أظهر يسوع أن كهنوته أقوى من كهنوتهم بانتصاره على الموت.
هـ) الآيات (١٨-١٩): لماذا لا يمكننا استخدام الناموس كأساس لعلاقتنا بالله.
١٨فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَجْلِ ضَعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا، ١٩إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا. وَلكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ.
١. مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا: النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا – مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَ وَعَدَمِ نَفْعِهَ، لأن الناموس يتميز من ناحية إبراز المعيار المثالي الذي يطلبه الله لكنه لا يمنح الإنسان القوة للوصول إلى هذا المعيار.
• “ليتذكر كل أولئك الناموسيون الذي يطالبون بإقامة قوانين الناموس والشريعة على الجميع وكأساس للحياة أن النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا.” نويل (Newell)
٢. النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا: إذًا، الناموس رائع من ناحية إبراز المعيار المثالي الذي يطلبه الله، لكن لم يكن المقصود منه أبدًا أن يكون أساسًا لعلاقة الإنسان بالله، وذلك مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَ وَعَدَمِ نَفْعِهَ من ناحية خلاص نفسي أو منحني قوة على الخطية.
• يمثل الناموس وسيلة مثالية لتشخيص مشكلة الخطية، وهذا ضروري للغاية، لكن الناموس لا يقدم الحل لمشكلة الخطية، لأن يسوع وحده هو القادر أن يخلصنا من مشكلة الخطية.
٣. وَلَكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ: لأنه من الآن، في يسوع، صار لنا رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ، فمن الخطأ أن نبني إيماننا على الناموس. لذلك قد “بطُل” الناموس ولم يعد هو القانون الذي يحكم حياتنا، وبالأخص علاقتنا مع الله.
• “الكلمة اليونانية المترجمة (إِبْطَال) هي نفسها المستخدمة في عبرانيين ٢٦:٩ في “لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ،” لهذا كان إِبْطَالُ الناموس حتميًا كإبطال الخطية!” نويل (Newell)
• لا يقدم لنا الناموس رَجَاءٍ أَفْضَلَ. والناموس لا يجعلنا أقرب إلى الله كما تفعل نعمة الله المعطاة لنا في يسوع. ومع ذلك، لا زال معظم المؤمنون يعيشون علاقة ناموسية قانونية مع الله بدلًا من علاقة النعمة.
• “على الرغم من أهمية الناموس، إلا أن نقطة ضعفه الأساسية هي عدم قدرته على منح الحياة لمن يلتزمون به، فما بالك بمن كسروا وصاياه. وفي الواقع، لم يكن الغرض من الناموس هو منحنا القوة لكنه كان معيارًا يقيس به الإنسان مستواه الأخلاقي. لذلك لا يمكننا اعتبار بطلانه على أن لا قيمة له على الإطلاق، لكن لكونه وسيلة غير فعالة للاقتراب من الله بناءً على الذبيحة الكاملة.” غوثري (Guthrie)
٤. إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ… إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ: وصل الكاتب إلى ذات الاستنتاج الذي وصل إليه بولس في غلاطية ١٩:٣-٢٥ بشأن الناموس، لكنه وصل لتلك النتيجة بطريقة مختلفة تمامًا. ففي غلاطية رأى بولس الناموس كمؤدب يقودنا إلى يسوع، أما في العبرانيين فالناموس يرتبط بالكهنوت الذي أُبطِلَ بكهنوت أسمى.
• “توقفوا عن التفكير في التطهير وانظروا إلى الـمُطهر؛ وتوقفوا عن التكهن عن سُبل الخلاص وانظروا إلى الـمُخلص.” ماير (Meyer)
٥. رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ: بما أن لدينا كهنوتًا أفضل وكاهنًا أعظم، فلنا الآن رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ. لأن رجاؤنا صار في يسوع وليس في شريعة موسى أو قدرتنا على الالتزام بها.
• يجب أن يخفف هذا من حماسنا بشأن إعادة بناء الهيكل في القدس. فالأقلية الصغيرة من اليهود الملتزمين والمصممين على إعادة بناء الهيكل لهم مكان في خطة الله النبوية، لكن من يحاول أن يستعيد كهنوت هارون ليعود إلى الذبيحة اللاويّة للتكفير عن الخطية ينكر كهنوت يسوع المسيح وذبيحته الأسمى.
رابعًا. سمو مكانة رئيس كهنتنا
أ ) الآيات (٢٠-٢١): صار يسوع رئيس كهنتنا بقسم من الله ذاته.
٢٠وَعَلَى قَدْرِ مَا إِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ قَسَمٍ، ٢١لأَنَّ أُولئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هذَا فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: «أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ».
١. وَعَلَى قَدْرِ مَا إِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ قَسَمٍ: صار يسوع رئيس كهنتنا بقسم من الله سجله لنا الكتاب في مزمور ٤:١١٠ “أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ.”
٢. لأَنَّ أُولَئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً: كان يتم تعيين رئيس الكهنة من رتبة هارون بالوراثة وليس بحسب مؤهلاته الشخصية أو بمقتضى قسمٍ من الله. لكن ليس الأمر هكذا في حالة جعل يسوع كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ بأمر ممهور بقسم.
ب ) الآية (٢٢): يسوع: ضماننا لعهد أفضل.
٢٢عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِنًا لِعَهْدٍ أَفْضَلَ.
١. صَارَ يَسُوعُ ضَامِنًا: الكلمة اليونانية القديمة التي ترجمت إلى ’ضَامِن‘ تشير إلى الشخص الذي يقدم ضمانًا أو قام بالتوقيع على صك قرض لضمان تسديده، أو من دفع كفالة سجين ما. وهنا يسوع نفسه هو الضمان لعهد أفضل.
٢. لِعَهْدٍ أَفْضَلَ: كان هناك وسيط للعهد القديم (موسى)، لكن لم يكن هناك من يضمن العهد من جانب الشعب. لذلك سقط الشعب وخان العهد مرة تلو المرة. أما العهد الجديد (عَهْدٍ أَفْضَلَ) فهناك من يضمنه بالنيابة عنا. ولهذا يعتمد العهد الجديد ويقوم على ما فعله يسوع وليس على ما نفعله نحن، فهو الضامن ولسنا نحن.
٣. لِعَهْدٍ: الكلمة اليونانية المستخدمة هنا (diatheke) ليست الكلمة المعتادة لـ ’عَهْدٍ‘ (syntheke). فالمعنى الحرفي لـهذه الكلمة أقرب إلى فكرة ’الوصية‘ التي تعني إرادة الشخص أو الوصية الأخيرة. وكأن الكاتب يريد أن يقول أن هذا ’الاتفاق‘ ليس نتيجة تفاوض بين طرفين متساويين، لكن الله لقد أملى الشروط ونحن لنا أن نقبل أو نرفض.
٤. عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ: وهذه العبارة تعني “أكثر من ذلك بكثير،” أي أن تفوق وسمو يسوع المسيح يثبت أنه يستحق وأنه قادر على أن يكون ضَامِنًا لِعَهْدٍ أَفْضَلَ.
ج ) الآيات (٢٣-٢٥): الكهنوت الذي لا يتغير يعني خلاصًا دائمًا أبديًا.
٢٣وَأُولئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ من أَجلِ مَنْعِهِمْ بِالْمَوْتِ عَنِ الْبَقَاءِ، ٢٤وَأَمَّا هذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. ٢٥فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ.
١. وَأُولَئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ: كان الكهنوت في ظل شريعة موسى يتغير باستمرار ليكون بحال أفضل أو أسوأ بحسب شخصية الكاهن. أما يسوع فله كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ ولسنا نخشى أن يحل محله كاهن سيء.
٢. يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ: تحمل الكلمة اليونانية المستخدمة هنا معنى ’بقائه كخادم.‘ أي أن يسوع سيستمر إلى الأبد وسيستمر في خدمته لنا حتى بعد أن صعد إلى السماء.
٣. يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ: الطبيعة غير المتغيرة لكهنوت يسوع تعني أيضًا أن الخلاص الذي يقدمه لنا غير متغير ودائم ومضمون. فهذه الآية تقول إن يسوع قادر على أن يخلص إلى أقصى حد (إِلَى التَّمَامِ) لأنه هو رئيس كهنتنا إِلَى الأَبَدِ.
• “يعني الفعل المستخدم هنا الخلاص المطلق، مما يعني أن المسيح يقدم خلاصًا كاملًا شاملًا من كل ما تحتاج البشرية للخلاص منه.” موريس (Morris)
٤. الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ: هؤلاء من يستطيع يسوع أن يخلصهم، من يتمسكون بالابن ولهم شركة مع الآب. والآية ترشدنا إلى من نلجأ لننال الخلاص. وتذكر أنك إن أتيت إلى الكنيسة فهذا لا يعني أنك تأتي إلى الله.
• تدلنا الآية على من يجب أن يلتجئ إليه المؤمن. فحين نتقدم إلى الله من خلاله سيخلصنا إلى إِلَى التَّمَام. ففي يسوع يكمن الضمان الأكيد للخلاص.
٥. إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ: من المشجع أن نعرف أن يسوع يصلي من أجلنا، وأنه حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ ليصلي من أجلنا، وفي هذا تشجيع عظيم لمن يشعر بالرغبة في الاستسلام.
• ترينا رسالة بولس إلى أهل رومية ٣٣:٨-٣٤ أهمية عمل يسوع الشفاعي من أجلنا، وفيها صوّر لنا بولس يسوع وهو يحمينا من خلال شفاعته من كل شكاية من إبليس.
• “يسوع هو شفيعنا، لكنه ليس يسترضي الله، فكل ما كانت تطلبه عدالة وقداسة الله قد أُكمل تمامًا وإلى الأبد على الصليب.” نويل (Newell)
• شفاعة يسوع لأجلنا ليست بمثابة استرضاء الآب الغاضب الذي يريد فناءنا، وليست الصلاة باستمرار بالنيابة عن شعبه، لكنها تعني أن يسوع يمثلنا باستمرار أمام الآب ليمكننا من الاقتراب إليه من خلاله، مدافعًا عنا ضد شكاوي الشيطان وهجوماته.
• يقدم لنا النص في لوقا ٣١:٢٢-٣٢ مثلًا عن شفاعة يسوع لأجل شعبه: “سمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ.” وهنا نرى يسوع يصلي ليكون لنا قوة عند التجارب وضد شكوى الشيطان.
د ) الآيات (٢٦-٢٨): يسوع هو المؤهل دون غيره ليكون رئيس كهنتنا بحسب شريعة موسى.
٢٦لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ ٢٧الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلًا عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ. ٢٨فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلًا إِلَى الأَبَدِ.
١. لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا: لا يمكن مقارنة شخصية الكهنة بمقتضى شريعة موسى بشخص ابن الله. فيسوع قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ (أي غير مشترك في خطيتهم). لهذا يسوع أسمى وأرفع من أي كاهن أرضي.
• يجب أن يهلل المؤمن ويرفع التمجيد عند قراءة هذا المقطع الذي يُظهر سمو يسوع ومجده. “فسمو ربنا يسوع المسيح ربما لا يثير اهتمام كثيرين وقد يبدو هذا الكلام مجرد نص تعبدي تسبيحي أو كلامًا قد عفا عليه الزمن، لكنه مع ذلك بحسب خلاص النعمة الذي صار لنا يستحق التأمل والترنم به بشكل لا يُعبَّر عنه.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ: هناك حقيقتان تثبتان كمال شخص يسوع. أولًا ارتفاعه إلى السموات، وثانيًا لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلًا عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ كما كان يجب على الكهنة الآخرين.
٣. إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ: وهذا حدث فريد، إذ كان الكاهن يقدم الذبيحة على المذبح، لكن يسوع هو الكاهن وهو الذبيحة، وهذه أفضل ذبيحة قدمت إلى الله الآب بواسطة أسمى كاهن.
• عندما قدم يسوع نفسه كان هذا بإرادته. “هذا يجعل ذبيحة المسيح ذبيحة مباركة مجيدة! فقد كانت الثيران والخراف تجرّ جرًّا إلى المذبح، أما مسيح الله فلم يرغمه أحد على الموت بل ضحى بحياته طواعية.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضُعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ: بحسب شريعة موسى كان الكهنة دائمًا رجالًا بِهِمْ ضُعْفٌ، أما يسوع فكان ابْنًا مُكَمَّلًا إِلَى الأَبَدِ. ولأنه رئيس كهنتنا الكامل كان يمكنه أن يقَدَّمَ نَفْسَهُ كذبيحة كاملة من أجل خطايانا. لهذا يسوع هو المؤهل تمامًا ليكون رئيس كهنة لنا مُكَمَّلًا إِلَى الأَبَدِ.