١. لِذلِكَ: استخدام ’ لِذلِكَ‘ في رسالة العبرانيين يجعلنا ننتبه إلى تطبيق المبدأ الذي سبق وشرحه الكاتب. فالحقيقة الكتابية المتمثلة في تفوق وسمو يسوع على الملائكة لها تطبيق عملي مُغير للحياة علينا الآن أن نفكر فيه.
٢. يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ: فهذا ما علينا أن نفعله بما أن يسوع يسمو على الملائكة: علينا أن أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ لكلام يسوع. وقد يكون من السهل الاعتقاد بأن هذه النصيحة موجهة لغير المؤمنين، لكن هذه الرسالة في الواقع كتبت للمؤمنين.
• يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ: الحديث هنا ليس فقط عن الاستماع بعناية، لكنه أيضًا عن تطبيق ما نسمع – يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ. فهناك تركيز على أهمية وضرورة هذا الأمر.
٣. لِئَلاَّ نَفُوتَهُ: (أو بترجمة أخرى: لِئَلَّا نَنجَرِفَ بَعِيدًا). فإن لم نولِ الأمر كل اهتمامنا فسوف ننجرف بعيدًا. وكأن الكاتب كان يفكر بانجراف القارب. فالقارب ينجرف عادة عندما لا يربط بشيء صلب أو ثابت. وهذا ينطبق علينا أيضًا، فإن لم نكن راسخين في حقيقة سيادة وتفوق يسوع فسوف نكون في خطر الانجراف وراء تيارات العالم والجسد والشيطان.
• “التعبير اليوناني المستخدم هنا يعني أيضًا ’الانزلاق‘” دودز (Dodds). وكان يستخدم هذا التعبير لوصف انزلاق سهم من الجعبة أو انزلاق الثلج عن حافة منحدر أو حتى انزلاق الطعام أسفل القصبة الهوائية مسببًا الاختناق. وأمر كهذا يمكن أن يحدث بسهولة إذ لا يتعين على المرء فعل أي شيء لينزلق أو ينجرف. وهكذا يكون الابتعاد عن الإيمان عادة عن طريق الانزلاق البطيء وليس الابتعاد المفاجئ.
• عندما سأل سجّان فيلبي بولس: “مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟” (أعمال الرسل ٣٠:١٦) قدم بولس له الجواب. والسؤال الذي يقول: “ماذا ينبغي أن أفعل لكي أنزلق أو أنجرف عن الإيمان؟” فإجابته بسيطة: لا شيء، لا ينبغي عليك أن تفعل أي شيء. فعدم قيامك بأي شيء يكفي تمامًا لتصبح مدفوعًا ومسيّرًا بتيارات العالم والجسد والشيطان وهكذا تنزلق وتنجرف بعيدًا.
• “الطريقة الوحيدة لتحمي نفسك من الإنزلاق أو الانجراف هي أن يكون المسيح مرساة ودفة الحياة. فالمرساة ستربطنا بالحق، بينما ستقودنا الدفة من خلال الحق.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
١. الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ: يتحدث الكاتب هنا عن ناموس موسى الذي وصلنا بترتيب من الملائكة كما ورد في أعمال الرسل ٥٣:٧. والفكرة هنا أن الناموس تم تسليمه بطريقة ما إلى موسى عن طريق الملائكة.
• الفكرة التي تنص على أنه كان للملائكة دور في تسليم ألواح الشريعة إلى موسى نجدها في سفر التثنية ٢:٣٣ وفي أعمال الرسل ٥٣:٧ وفي غلاطية ١٩:٣. كما كرر يوسيفوس هذا الطرح أيضًا في تأريخه (الآثار، ١٥. ٥٣).
٢. قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً: كان ناموس موسى حاسمًا وصارمًا (وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً). إذ طالب الناموس الشعب بأن يتعاملوا معه بمنتهى الجد.
٣. فَكَيْفَ نَنْجُو: علينا أن نأخذ الناموس الذي أتى إلينا بأيدي الملائكة على محمل الجد، ولكن علينا أن نتعامل مع الكلمة التي جاءت إلينا بواسطة ابن الله بأكثر جدية. فقد ثبت لنا أن الابن أسمى من الملائكة، لذا فرسالته أسمى وأعظم أيضًا.
• الكلمة الأسمى والأعظم وصلتنا من شخص أسمى وأعظم وفيها وعود أسمى وأعظم وستأتي بدينونة أسمى وأعظم إن أهملناها.
٤. إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ: الكلمة اليونانية الأصلية التي ترجمت هنا ’أَهْمَلْنَا‘ استخدمت أيضًا في متى ٥:٢٢ في وصف من تجاهلوا واستخفوا بدعوة عشاء العرس. وهذا يعني إهمال الفرصة المتاحة وتجاهلها.
• هذه الكلمة موجهة للمؤمنين، وليس لمن هم خارج الإيمان. والخطر الموصوف هنا ليس رفض الخلاص (رغم أن المبدأ نفسه ينطبق هنا أيضًا)، لكن الخطر هنا يكمن في إهمال الخلاص.
• لا تنسى أن رسالة العبرانيين لم تكتب في المقام الأول بهدف الكرازة لكنها رسالة تشجيع وتحذير للمؤمنين المحبطين الذين تهاونوا في مسيرتهم مع يسوع.
٥. هذَا مِقْدَارُهُ: (بترجمة أخرى: ’إنْ أهمَلْنَا مِثْلَ هَذَا الخَلَاصِ العَظِيمِ‘): عندما نفكر في شيء عظيم، فإننا بطبيعة الحال سنهتم به ولن نهمله. أما حين نعتبر ذلك الشيء غير مهم فلن نلتزم بالاهتمام به.
• “تذكرنا قوة التعبير المستخدم هنا بما قدمه الله في المسيح. فكلمة ’هذا أو هكذا‘ تذكرنا بالمقطع المألوف: ’لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ‘ في يوحنا ١٦:٣، والكلمة تعبر أيضًا عن معان عميقة لا يمكننا سبر غورها.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
• لذلك ، فإن أهملنا شيئًا ما فنحن نستهين به ولا نعتبره عظيمًا. لكن مع ذلك خلاصنا عظيم جدًا لأن:
• خلاصنا كان بواسطة مخلص عظيم.
• ثمن خلاصنا كان غاليًا جدًا.
• خلاصنا كان من قصاص عظيم.
• كثيرون يهملون خلاصهم لأنهم لا يرون فيه خلاصًا لنفوسهم. فالخلاص بالنسبة لهم هو شيء يكتسبونه بدلًا من شيء يخلصهم وينقذهم من الهلاك.
٦. قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا: هذه الكلمة تكلم بها يسوع وأكدها لنا شهود عيان (مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا). ثم تم تأكيدها وتأييدها بآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ.
• حين يقول الكاتب إن هذا تَثَبَّتَ لَنَا من الذين سمعوا، يظهر الكاتب لنا أنه لم يكن من بين أول جيل من المؤمنين. فقد وصلته الرسالة من خلال رسل وشهود عيان لخدمة يسوع.
• في عبرانيين ٣:٢ نجد أحد الأسباب التي تجعل البعض يعتقدون أن الرسول بولس لم يكتب الرسالة إلى العبرانيين. ففي مقاطع أخرى رأى بولس نفسه نظيرًا للرسل وشهود العيان الآخرين الذين عاصروا يسوع (كورنثوس الأولى ١:٩ و٣:١٥-١١).
٧. شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ: يؤكد الله كلمته من خلال آيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، لكنه يفعل كل هذا حَسَبَ إِرَادَتِهِ وليس بحسب إرادة الإنسان.
• قال يسوع إن المعجزات والآيات ستتبع من يؤمنون (مرقس ١٧:١٦). إذ دون وجود المعجزات يمكن للبعض أن يشكّوا في إيمانهم بيسوع أو إن كان ما يكرز به هو كلمة الله حقًا. لذلك كانت تلك الآيات ضرورية للكارزين والمبشرين.
• من ناحية أخرى، يفعل الروح هذه المعجزات والآيات حَسَبَ إِرَادَتِهِ. فالمعجزات لا يمكن ’تلفيقها‘ وتزويرها بقوة البشر. وهناك ضرر كبير يحصل ممن يعتقدون أننا بحاجة لمزيد من المعجزات وبالتالي يحاولون أن يجعلوننا نرى معجزات أكثر من خلال عمل الجسد.
• يصعب علينا أن نحكم مَن ضرره أسوأ – إنكار المعجزات ومواهب الروح القدس، أو تلفيقها وتزويرها. فكلاهما أمر خطير.
١. فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ الْعَالَمَ الْعَتِيدَ: لم يمنح الله الملائكة أبدًا تلك السيادة التي كانت للإنسان على الأرض (سفر التكوين ٢٦:١-٣٠). فالملائكة ليس لها أي سيادة على هذا العالم أو العالم العتيد (القادم).
• “الله يريد أن يحكم الإنسان العالم العتيد وليس الملائكة.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
٢. مَا هُوَ الإِنْسَانُ: يبين لنا هذا الاقتباس من مزمور ٤:٨-٦ صِغر الإنسان بالنسبة إلى الإله الخالق والسلطان الذي منحه الله للإنسان بالرغم من أنه أقل مرتبة من الملائكة – وَضَعْتَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ.
٣. وَضَعْتَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ: في الإصحاح الأول أوضح لنا كاتب العبرانيين ببراعة من نصوص العهد القديم ألوهية يسوع وتفوقه على جميع الملائكة. والآن يحاول الكاتب أن يوضح لنا الطبيعة البشرية ليسوع (الناسوت) باستخدام نصوص العهد القديم ويناقش نتائج تلك الطبيعة البشرية.
• من الخطأ اعتبار أن يسوع مجرد إله أو مجرد إنسان. ومن الخطأ أيضًا النظر إليه وكأنه نصف إنسان ونصف إله (أو أي تقسيم آخر في النسبة). كذلك من الخطأ أيضًا اعتباره ’إنسانًا‘ في شكله الخارجي و’إلهًا‘ في طبيعته الداخلية. فالكتاب المقدس يعلمنا أن يسوع إله كامل وإنسان كامل، وأن الطبيعة البشرية أضيفت إلى طبيعته الإلهية، وأن كلتا الطبيعتين تسكنان شخص يسوع المسيح.
• من الجدير بالذكر أن أول التعاليم المضلة عن يسوع أيام الكنيسة الأولى لم تنكر ألوهيته لكنها أنكرت بشريته قائلة إنه كان يبدو على ’هيئة‘ إنسان. وكانت هذه البدعة تسمى ’الدوسيتية‘ (Docetism) وقد اشتق اسمها من الكلمة اليونانية التي تعني ’يظهر أو يتجلى.‘ وقام بتعليم هذه البدعة ’سيرنثوس‘ (Cerinthus) الذي قاوم الرسول يوحنا في أفسس، وهو على الأغلب من يشير الرسول يوحنا إلى تعاليمه في يوحنا الأولى ٢:٤ و٦:٥.
٤. لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ: يؤكد لنا الكاتب على أن الله أخضع كل الأشياء (وليس بعضها) لسلطان الإنسان. وبهذا فلا بد أن يكون يسوع إنسانًا لأن الله أعطى هذ السلطان للبشر وكان يسوع يمارس هذا السلطان.
١. عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَه: يبدو للوهلة الأولى أن الوعد في مزمور ٤:٨-٦ لم يتحقق إذ لسنا نرى بعد أن كل شيء خاضع للإنسان.
٢. يَسُوعَ، نَرَاهُ: الوعد تحقق في يسوع الذي هو رب وسيد على كل شيء. فمن خلال يسوع يمكن للإنسان أن يستعيد السيادة التي كانت لآدم (رؤيا يوحنا ٦:١، ١٠:٥ ومتى ٢١:٢٥).
• هناك أشياء كثيرة لن نفهمها إلى أن نرى يسوع. فالإجابات على الأسئلة التي طالما حيرت الإنسان لن تكون في الأسئلة التي تبدأ بـ: ’لماذا؟‘ لكن الإجابة الشاملة العظيمة ستكون في: ’مَن‘ – أي شخص يسوع المسيح.
• يتمنى البعض أن يروا يسوع بعيونهم الحقيقية بدلًا من عين الإيمان. “إن تعبير “الرؤية والنظر” هو أسلوب استعارة وتشبيه رمزي استخدم كثيرًا في الكتاب المقدس لوصف الإيمان. فالإيمان هو عين الروح. إنه فعل النظر إلى يسوع.” سبيرجن (Spurgeon)
• فكر في عدد الذين رأوا يسوع بعيونهم الطبيعية ثم قاوموه بعد ذلك وسخروا منه ورفضوه. فمن الأفضل إذًا أن نرى يسوع بعين الإيمان.
• لا تقول الآية: ’يمكننا أن نرى يسوع‘ رغم أن هذا صحيح.
• لا تقول الآية: ’لقد رأينا يسوع‘ على الرغم من أن هذا كان صحيحًا بالنسبة للبعض وقتها.
• لا تقول الآية: ’سنرى يسوع‘ رغم أن هذا صحيح بالتأكيد.
• لكنها تقول: ’يَسُوعَ، نَرَاهُ‘ فنحن نرى يسوع الآن وبشكل مستمر، فهو المركز وهو محور حياتنا الروحية.
• لذلك، دعونا ننظر إلى يسوع بعين الإيمان – ومهما كان نظر إيمانك مشوشًا، انظر إليه هو فهو الكامل.
• انظر إليه باعتباره الشخص الذي يحب الخطاة ومات من أجلهم.
• انظر إليه كمخلصك.
• انظر إليه كسيدك.
• انظر إليه كصديق لك.
• انظر إليه باعتباره قدوة لحياتك.
• انظر إليه باعتباره الشافي لك.
• انظر إليه في المنزل وفي العمل وفي كل مكان، وليس في أوقات العبادة فقط.
٣. الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ: وعد السيادة والسلطان هذا لا يمكن الوفاء به إلا من خلال تواضع يسوع وآلامه وموته. فقد هزم ابن الله الشر الذي جلبه آدم إلى العالم – وهو الموت (رومية ١٢:٥).
• لقد أعطى الله الإنسان السلطان على الأرض، لكن الإنسان خسر سلطانه هذا (لكنه لم يخسر حقه في هذا السلطان) بسبب الخطية والموت. ولما جاء يسوع، بتواضعه وآلامه هزم سلطان الموت وحقق وعد الله بأن الإنسان سوف يتسلط على الأرض في النهاية – وهذا سيتم عندما يحكم يسوع على الأرض مع المؤمنين. (رؤيا يوحنا ٤:٢٠).
٤. الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ … مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ: لو لم يجعل الله الابن الطبيعة البشرية جزءًا من صفاته، وما لم يصبح في بشريته ’أقل من الملائكة،‘ لما كان بإمكانه أن يختبر أَلَمِ الْمَوْتِ بدلًا عنا.
٥. نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِد: وهذا يخبرنا أن أَلَمِ الْمَوْتِ بالنسبة ليسوع لم يكن إلا مقدمة لإكليل الْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، ويخبرنا أيضًا أن هذا الموت كان لأَجْلِ كُلِّ وَاحِد.
ج ) الآيات (١٠-١٣): نحن نعلم أن يسوع إنسان لأنه يدعونا إِخْوَة.
١. لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ: آلام المسيح كانت أكثر من مجرد أمر ضروري – فالآلام كانت الطريقة المناسبة (اللائقة) لذاك الإله القادر على كل شيء – الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ لكي يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِنا ويأتي بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ.
• نظريًا يمكننا القول أنه كان بإمكان الله أن يصمم طريقة لخلاصنا لا تتطلب آلام ابن الله تلك. لكن ’لاَقَ‘ أن يخلصنا يسوع المسيح بآلامه.
• هذا تجسيد سام وفائق للمحبة الحقيقية التي تعبر عن نفسها عادة بالعطاء والتضحية. وكما قال داود: “لاَ، بَلْ أَشْتَرِي مِنْكَ بِثَمَنٍ، وَلاَ أُصْعِدُ لِلرَّبِّ إِلهِي مُحْرَقَاتٍ مَجَّانِيَّةً” (صموئيل الثاني ٢٤:٢٤). فقد أظهر الله محبته لنا مضحيًا بنفسه، ولا يمكن لله أن يضحي دون أن يضيف الطبيعة البشرية إلى ألوهيته وأن يتألم بالنيابة عنا.
٢. رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ: يسوع هو الرئيس والقائد ومبتدأ خلاصنا. وهذا الوصف ينطوي على أمور رائعة:
• القائد يضع ترتيبات سير وتقدم المسيرة. ويسوع هو من يرتب أمور نمونا وتقدمنا كمؤمنين.
• القائد يعطي الأوامر للقوات بالتقدم أو السكون أو تنفيذ أي أمر. ويسوع يأمرنا لأنه قائدنا.
• القائد يتقدم المسيرة ويكون مثالًا لرجاله، ويسوع يفعل هذا من أجلنا.
• القائد يشجع رجاله، ويسوع يشجعنا.
• القائد يكافئ قواته، ويسوع يكافئ أتباعه.
• “بما أن إرادة الله هي أن يقودنا إلى المجد بواسطة رئيس وقائد خلاصنا، فهو يريدنا أن نكون جديرين بذلك القائد. ألا تعتقد أننا في بعض الأحيان نتصرف وكأننا دون قائد؟ إذ نتخيل أننا يمكننا أن نشق طريقنا نحو السماء بقوتنا ومهاراتنا، لكن ليس الأمر كذلك. فإن ابتدأت بالتقدم دون أن يمنحك القائد أمر المسير فسيكون عليك العودة مرة أخرى؛ وإن حاولت التوجه للقتال دون أمر قائدك فستندم على ذلك.” سبيرجن (Spurgeon)
٣. يُكَمِّلَ … بِالآلاَمِ: ألوهية يسوع المسيح لم ينقصها شيء. ولكن تجسد يسوع وآلامه سمحت للذات الإلهية أن تختبر الألم.
• لا تعني كلمة ’يُكَمِّلَ‘ هنا أن يسوع كان فيه أي نقص، لكن الكاتب يشير إلى اكتمال تلك التجربة الإنسانية للحزن والألم التي كان عليه أن يجتاز فيها ليصبح رئيسًا لخلاص شعبه.” فينسنت (Vincent)
• ونحن نعلم أنه مع كونه الله، ما كان بإمكانه أن يكون المخلص الكامل دون أن يكون في هيئة إنسان. فالإنسان هو من أخطأ، والإنسان هو من يجب أن يعاقب ويتألم. فالإنسان بهزيمته من الخطية هو من أفشل قصد الله والآن يجب على الإنسان أن ينتصر على هذا العدو الكبير.” سبيرجن (Spurgeon)
• من المهم هنا أن نعلم أنه كان ملائمًا للآب أن يفعل هذا، كما قيل في إشعياء: ’الرَّبُّ َسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ‘ (إشعياء ١٠:٥٣)، وأنه فعل ذلك لكي يأتي بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ.
٢. لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ: لذلك نحن تقدسنا من قِبل مَن تقدَس. ونحن جميعًا من نفس العائلة التي لا يخجل يسوع من أن يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً (أي نحن). فلا يمكن أن يكون أخونا إلا إذا كان إنسانا مثلنا.
• الْمُقَدَّسِينَ: “أيها الأصدقاء الأعزاء، هل أنتم مقدسين؟ لقد سمعت أن البعض يستخدمون هذه الكلمة ليسخروا من البعض بوصفهم “قديسين.” لكن ليس هناك أي إهانة في صفة القديس، فهو واحد من أمجد الألقاب التي يمكن للشخص أن ينالها.” سبيرجن (Spurgeon)
• ليس من المدهش أني لست أخجل من علاقتي بيسوع، لكن المدهش أن يسوع لا يخجل من أن يَدْعُوَنا إِخْوَة.
٣. فَلِهذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً قائلًا: يشير الكاتب إلى ثلاثة أدلة على أن يسوع المسيح يدعو شعبه ’إخوة‘ من مزمور ٢٢:٢٢ وإشعياء ١٧:٨-١٨.
• يشير المسيح في كل واحد من هذه الأمثلة إلى علاقته بإخوته، سواء في العبادة الجماعية أو في إبداء الثقة في الآب أو في الإعلان عن ذلك الرابط العائلي المشترك.
٤. وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ: هذا الاقتباس الرائع من مزمور ٢٢:٢٢ يذكرنا بأن يسوع سبح الله الآب بين إخوته.
• “هل ترنم يسوع؟ نعم، حرفيًا. فبعد العشاء سَبَّحُوا. ولا بد أنه كان من الرائع أن نسمع صوت المسيح العابق بالعواطف والشجن وهو يترنم بالمزامير التي كانت في كتاب العبادة اليهودي.” سبيرجن (Spurgeon)
• “انظري أيتها الكنيسة، فهنا وقف إلهنا المجيد الذي تعبده الملائكة، الذي هو بهاء مجد الله في سماء السماوات، وقف ليعبد ويسبح الآب مع شعبه وليعلن اسم الآب ويرفع المجد للعليّ بين إخوته. ألا يجعله هذا قريبًا منك جدًا؟ ألا تحس كما لو أنه قد يأتي في أية لحظة ليجلس بجانبك؟ أنا أشعر كما لو أنه واقف بالفعل على المنبر بجانبي؛ ولما لا يفعل ذلك؟” سبيرجن (Spurgeon)
٥. هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ: هذا الاقتباس من إشعياء ١٨:٨ يرينا قيمة شعب الله بالنسبة للمسيح. “يحب المسيح أن يتأمل في هذا الحق. فشعب الله غالين على قلبه صحيح، ولكن قيمتهم لا تكمن في ذاتهم فقط بل في كونهم عطية الآب له. فبعض الأشياء يكون لها قيمة غالية بالنسبة لك لأنها تذكارات أو هدايا من شخص تحبه؛ وهكذا نحن غالين على قلب المسيح لأننا عطية الله أبيه له.” سبيرجن (Spurgeon)
١. اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا: لكي يأخذ يسوع فعلًا دور ’الأخ الأكبر‘ في عائلة المُخلصين، كان عليه أن يتخذ جسدًا من اللَّحْمِ وَالدَّمِ. فقد كان عليه أن يدخل السجن ليحرر الأسرى.
٢. لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ: يظن البعض أن هذا يعني أن يسوع قد أبطل ’حق‘ الشيطان في سلطانه على الإنسان الذي اكتسبه في جنة عدن عند عصيان آدم. ولكن المقصود هو أن يسوع أبطل ’حق‘ الشيطان في التسلط من خلال السماح له بأخذ حياة يسوع ’بشكل غير قانوني‘ على الصليب، فما فعله الشيطان بحق يسوع جعله يفقد سلطانه على الإنسان. ومن هذا المنطلق، كانت نتيجة ذلك هي إبطال تأثير الشيطان على أولئك الذين يأتون إلى الله من خلال عمل يسوع على الصليب.
• بما أن سلطان الموت يسود على الذين ولدوا في الخطية أو من أخطأوا بإرادتهم (رومية ١٢:٥)، فلم يكن للشيطان ’الحق‘ في أن يأخذ حياة يسوع الذي لم يخطئ أبدًا ولم يولد بالخطية، فبهذا الفعل ارتكب الشيطان جريمة قتل ’غير قانونية‘ تتفق وطبيعته (يوحنا ٤٤:٨). وقد سمح يسوع للشيطان بأن ’يسحق‘ عَقِبَهُ لكي ’يسحق‘ يسوع رَأْسَهُ، كما ورد في سفر التكوين ١٥:٣.
• المشكلة في هذا الطرح هو أننا نعلم أن الشيطان لم يأخذ حياة يسوع، لكن يسوع وضعها طوعًا، ولم يأخذها أحد منه (يوحنا ١٧:١٠-١٨).
• ومع ذلك، يمكننا القول أن الشيطان مذنب ’بالشروع في قتل‘ شخص بريء ليس له سلطان عليه، إذ لم يفعل يسوع أي خطية أبدًا. فالشيطان مذنب في كونه أراد وحاول قتل يسوع.
• نحن نعلم أن الشيطان يحب الموت والقتل. “اعتقد أن الموت هو صنعة الشيطان وحرفته. فباستثناء الجحيم، الموت هو بالتأكيد أكبر وأسوأ أذى شيطاني سببته الخطية. فلا شيء أسعد قلب الشيطان كما أسعده سماع أن هذا التحذير سوف يتحقق: ’أَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ.‘” سبيرجن (Spurgeon)
• حاول الشيطان مرارًا وتكرارًا قتل يسوع. فقد حاول قتله بواسطة هيرودس حين كان طفلًا، وحاول حمل الناس على قتله حين كان في الهيكل، كما حاول تجويع يسوع وحاول إغراقه. ولكن لم تنجح أي من هذه الخطط إلى أن وقف يسوع أمام بيلاطس ليصدر عليه ذلك الحكم بالموت – فعندها ابتهجت شياطين الجحيم! فقد اعتقدوا أنهم أخيرًا تمكنوا من يسوع، لكن موت يسوع كان فيه هزيمة الشيطان.
٣. وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ – خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ – كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ: يسيطر الخوف من الموت على معظم البشر بينما يحاول البعض تقبل فكرة الموت والتصالح معه. ولكن المؤمنين لا يخافون الموت (رغم خشيتهم من لحظة الموت)، ليس لأن الموت صديقهم ولكن لأنه عدو مهزوم يخدم غرض الله في حياة المؤمن.
٤. بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ: لم يكن عمل الآب في يسوع من أجل الملائكة في المقام الأول (رغم أنه من أجل الملائكة بشكل ثانوي بحسب أفسس ١٠:٣). لكن عمله كان من أجل المؤمنين (نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ).
• يستخدم تعبير نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ هنا ليشير إلى من انتسبوا لإبراهيم بالإيمان وليس بالتناسل (رومية ٢٨:٢-٢٩، غلاطية ٧:٣).
هـ) الآيات (١٧-١٨): لذلك: يسوع هو رئيس كهنتنا الأمين.
١. يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ: لو لم يكن يسوع مثلنا (يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ) لما كان بإمكانه أن يكون رئيس كهنتنا ليشفع فينا أمام الآب حَتَّى يُكَفِّرَ عن خطايانا.
• لا يمكن التفاوض بشأن ألوهية يسوع أو إنسانيته. فإن كان أي منهما ناقصًا فهذا يعني أنه لا يمكنه أن يكون مخلصنا.
• يُكَفِّرَ (أو يشفع): “الفكرة التي يطرحها النص هنا هي كالتالي: وكأن الله يقدم لنفسه ذبيحة المسيح ليكون هو من يشفع ومن يقبل الشفاعة في آن واحد.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
٢. لكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا: كان رئيس الكهنة يرتدي صدرة مرصعة بحجارة منقوش عليها كل أسماء أسباط إسرائيل على صدره وكتفيه، وبهذا كان رئيس الكهنة في حالة تشفع دائمة لأجل شعب الله وهو يحملهم على قلبه وعلى كتفيه.
• لم يرتدِ يسوع صدرة رئيس الكهنة لكن الجروح التي على صدره وآثار الصليب على كتفيه هي شهادة أكثر بلاغة على محبته وعمل خلاصه من أجلنا حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ.
٣. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا: يتساءل البعض عما إن كان يسوع قد جُرب حقًا. إذ يقولون إنه بما أنه الله فما كان بإمكانه أن يخطئ بأي حال، ولذلك لا يمكن أن تكون التجربة حقيقية. ولكن كاتب العبرانيين يؤكد هنا على أن تجربة يسوع لم تكن حقيقية فحسب لكنها كانت حقيقية لدرجة أنه تَأَلَّمَ في تجربته هذه.
• بل يمكننا القول أن تجربة يسوع كانت أكثر واقعية وشدة من أي تجربة يمكن أن نواجهها نحن. فحين تتزايد الإغراءات لا يجد بعضنا مفرًا من الاستسلام لها – لكن يسوع لم يستسلم أبدًا، وهكذا كانت ضغوط التجربة والإغراءات تتزايد عليه شيئًا فشيئًا.
• لقد تعرض يسوع لإغراء القوة والسلطان والألم. وجُرب بإغراءات الثروة وجُرب بالفقر. كما جُرب أيضًا بإغراء السعي وراء رضا الناس ومحبتهم وأيضًا رفضهم له. وقد تعرض يسوع أيضًا للتجارب والإغراءات التي يمر بها الصبي ويعاني منها الرجل. وجُرب من أصدقائه وجُرب من أعدائه، وجُرب من عائلته وجُرب من الغرباء.
• “كثيرون مجربون، لكنهم لا يعانون ألم التجربة. فحين يُجرب الخطاة بإغراء ما، يبتلعون الطُعم بشراهة. فالإغراء يسعدهم، والتجربة بالنسبة لهم هي إحدى المتع، حتى أنهم في بعض الأحيان يستفزون الشيطان لإغرائهم… أما المؤمنون فيعانون من وطأة التجربة، وكلما كانوا مؤمنين أفضل كلما عانوا أكثر.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ: بما أن يسوع كان إنسانًا بجانب كونه إلهًا، فقد اختبر آلام البشر وهو قادر أن يعيننا وقت التجربة لأنه يعرف طبيعة ما نمرّ به.
• هناك ميزتان في هذا: معرفتنا لتجربة يسوع، وعلمنا بوجود عونه السماوي الذي يوفر لنا القوة والمهرب من التجربة. ومع هاتين الميزتين يمكننا أن ننتصر على التجربة ونخرج منها دون أن نسقط. فتجربة يسوع لم تضرّه في شيء، بل إنه فاز بعدها بالمجد وبقدرته على التعاطف مع آلامنا وتجاربنا ليمكنه أن يعيننا. ونحن أيضًا كذلك يمكننا أن نخرج من التجربة دون خسائر.
• “هذا الأمل هو أفضل حل متوفر للمؤمنين في مواجهة الفشل والقنوط” بوول (Poole). “حتى وإن صمت كل الكتاب المقدس عن الحديث عن هذا الموضوع، فهذه الآية فيها ما يكفي من التشجيع لكل نفس تمر في تجربة.” كلارك (Clarke)
• “علاوة على ذلك، لا تتذمر من مرورك في تجربة ما. فإن كان الرب يسوع نفسه قد جرّب أيضًا، فهل يتفوق التلميذ على معلمه أو يعلو العبد على سيده؟ وإن كان يسوع الكامل قد جرّب، فلمَ لا تُجرب أنت أيضًا؟ إقبل إذًا بكل ما يأتيك، فليس هناك ما سيضرك أو يجلب لك العار، تمامًا كما كان الحال مع يسوع. إلهنا سيرسل مع التجربة المنفذ، وبتغلبك على التجربة ستنال البركة والمجد.” سبيرجن (Spurgeon)
رسالة العبرانيين – الإصحاح ٢ – يسوع، أخونا الأكبر
أولًا. لهذا، لأن يسوع يسمو على الملائكة، علينا أن نوجه أنظارنا إلى يسوع
أ ) الآية (١): تطبيق الدرس الذي تعلمناه في الإصحاح الأول: استمعوا بانتباه لئلاَّ يفوتكم.
١لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ.
١. لِذلِكَ: استخدام ’ لِذلِكَ‘ في رسالة العبرانيين يجعلنا ننتبه إلى تطبيق المبدأ الذي سبق وشرحه الكاتب. فالحقيقة الكتابية المتمثلة في تفوق وسمو يسوع على الملائكة لها تطبيق عملي مُغير للحياة علينا الآن أن نفكر فيه.
٢. يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ: فهذا ما علينا أن نفعله بما أن يسوع يسمو على الملائكة: علينا أن أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ لكلام يسوع. وقد يكون من السهل الاعتقاد بأن هذه النصيحة موجهة لغير المؤمنين، لكن هذه الرسالة في الواقع كتبت للمؤمنين.
• يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ: الحديث هنا ليس فقط عن الاستماع بعناية، لكنه أيضًا عن تطبيق ما نسمع – يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ. فهناك تركيز على أهمية وضرورة هذا الأمر.
٣. لِئَلاَّ نَفُوتَهُ: (أو بترجمة أخرى: لِئَلَّا نَنجَرِفَ بَعِيدًا). فإن لم نولِ الأمر كل اهتمامنا فسوف ننجرف بعيدًا. وكأن الكاتب كان يفكر بانجراف القارب. فالقارب ينجرف عادة عندما لا يربط بشيء صلب أو ثابت. وهذا ينطبق علينا أيضًا، فإن لم نكن راسخين في حقيقة سيادة وتفوق يسوع فسوف نكون في خطر الانجراف وراء تيارات العالم والجسد والشيطان.
• “التعبير اليوناني المستخدم هنا يعني أيضًا ’الانزلاق‘” دودز (Dodds). وكان يستخدم هذا التعبير لوصف انزلاق سهم من الجعبة أو انزلاق الثلج عن حافة منحدر أو حتى انزلاق الطعام أسفل القصبة الهوائية مسببًا الاختناق. وأمر كهذا يمكن أن يحدث بسهولة إذ لا يتعين على المرء فعل أي شيء لينزلق أو ينجرف. وهكذا يكون الابتعاد عن الإيمان عادة عن طريق الانزلاق البطيء وليس الابتعاد المفاجئ.
• عندما سأل سجّان فيلبي بولس: “مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟” (أعمال الرسل ٣٠:١٦) قدم بولس له الجواب. والسؤال الذي يقول: “ماذا ينبغي أن أفعل لكي أنزلق أو أنجرف عن الإيمان؟” فإجابته بسيطة: لا شيء، لا ينبغي عليك أن تفعل أي شيء. فعدم قيامك بأي شيء يكفي تمامًا لتصبح مدفوعًا ومسيّرًا بتيارات العالم والجسد والشيطان وهكذا تنزلق وتنجرف بعيدًا.
• “الطريقة الوحيدة لتحمي نفسك من الإنزلاق أو الانجراف هي أن يكون المسيح مرساة ودفة الحياة. فالمرساة ستربطنا بالحق، بينما ستقودنا الدفة من خلال الحق.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
ب) الآيات (٢-٤): الدرس المستفاد هنا: َكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟
٢لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، ٣فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، ٤شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ.
١. الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ: يتحدث الكاتب هنا عن ناموس موسى الذي وصلنا بترتيب من الملائكة كما ورد في أعمال الرسل ٥٣:٧. والفكرة هنا أن الناموس تم تسليمه بطريقة ما إلى موسى عن طريق الملائكة.
• الفكرة التي تنص على أنه كان للملائكة دور في تسليم ألواح الشريعة إلى موسى نجدها في سفر التثنية ٢:٣٣ وفي أعمال الرسل ٥٣:٧ وفي غلاطية ١٩:٣. كما كرر يوسيفوس هذا الطرح أيضًا في تأريخه (الآثار، ١٥. ٥٣).
٢. قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً: كان ناموس موسى حاسمًا وصارمًا (وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً). إذ طالب الناموس الشعب بأن يتعاملوا معه بمنتهى الجد.
٣. فَكَيْفَ نَنْجُو: علينا أن نأخذ الناموس الذي أتى إلينا بأيدي الملائكة على محمل الجد، ولكن علينا أن نتعامل مع الكلمة التي جاءت إلينا بواسطة ابن الله بأكثر جدية. فقد ثبت لنا أن الابن أسمى من الملائكة، لذا فرسالته أسمى وأعظم أيضًا.
• الكلمة الأسمى والأعظم وصلتنا من شخص أسمى وأعظم وفيها وعود أسمى وأعظم وستأتي بدينونة أسمى وأعظم إن أهملناها.
٤. إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ: الكلمة اليونانية الأصلية التي ترجمت هنا ’أَهْمَلْنَا‘ استخدمت أيضًا في متى ٥:٢٢ في وصف من تجاهلوا واستخفوا بدعوة عشاء العرس. وهذا يعني إهمال الفرصة المتاحة وتجاهلها.
• هذه الكلمة موجهة للمؤمنين، وليس لمن هم خارج الإيمان. والخطر الموصوف هنا ليس رفض الخلاص (رغم أن المبدأ نفسه ينطبق هنا أيضًا)، لكن الخطر هنا يكمن في إهمال الخلاص.
• لا تنسى أن رسالة العبرانيين لم تكتب في المقام الأول بهدف الكرازة لكنها رسالة تشجيع وتحذير للمؤمنين المحبطين الذين تهاونوا في مسيرتهم مع يسوع.
٥. هذَا مِقْدَارُهُ: (بترجمة أخرى: ’إنْ أهمَلْنَا مِثْلَ هَذَا الخَلَاصِ العَظِيمِ‘): عندما نفكر في شيء عظيم، فإننا بطبيعة الحال سنهتم به ولن نهمله. أما حين نعتبر ذلك الشيء غير مهم فلن نلتزم بالاهتمام به.
• “تذكرنا قوة التعبير المستخدم هنا بما قدمه الله في المسيح. فكلمة ’هذا أو هكذا‘ تذكرنا بالمقطع المألوف: ’لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ‘ في يوحنا ١٦:٣، والكلمة تعبر أيضًا عن معان عميقة لا يمكننا سبر غورها.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
• لذلك ، فإن أهملنا شيئًا ما فنحن نستهين به ولا نعتبره عظيمًا. لكن مع ذلك خلاصنا عظيم جدًا لأن:
• خلاصنا كان بواسطة مخلص عظيم.
• ثمن خلاصنا كان غاليًا جدًا.
• خلاصنا كان من قصاص عظيم.
• كثيرون يهملون خلاصهم لأنهم لا يرون فيه خلاصًا لنفوسهم. فالخلاص بالنسبة لهم هو شيء يكتسبونه بدلًا من شيء يخلصهم وينقذهم من الهلاك.
٦. قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا: هذه الكلمة تكلم بها يسوع وأكدها لنا شهود عيان (مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا). ثم تم تأكيدها وتأييدها بآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ.
• حين يقول الكاتب إن هذا تَثَبَّتَ لَنَا من الذين سمعوا، يظهر الكاتب لنا أنه لم يكن من بين أول جيل من المؤمنين. فقد وصلته الرسالة من خلال رسل وشهود عيان لخدمة يسوع.
• في عبرانيين ٣:٢ نجد أحد الأسباب التي تجعل البعض يعتقدون أن الرسول بولس لم يكتب الرسالة إلى العبرانيين. ففي مقاطع أخرى رأى بولس نفسه نظيرًا للرسل وشهود العيان الآخرين الذين عاصروا يسوع (كورنثوس الأولى ١:٩ و٣:١٥-١١).
٧. شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ: يؤكد الله كلمته من خلال آيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، لكنه يفعل كل هذا حَسَبَ إِرَادَتِهِ وليس بحسب إرادة الإنسان.
• قال يسوع إن المعجزات والآيات ستتبع من يؤمنون (مرقس ١٧:١٦). إذ دون وجود المعجزات يمكن للبعض أن يشكّوا في إيمانهم بيسوع أو إن كان ما يكرز به هو كلمة الله حقًا. لذلك كانت تلك الآيات ضرورية للكارزين والمبشرين.
• من ناحية أخرى، يفعل الروح هذه المعجزات والآيات حَسَبَ إِرَادَتِهِ. فالمعجزات لا يمكن ’تلفيقها‘ وتزويرها بقوة البشر. وهناك ضرر كبير يحصل ممن يعتقدون أننا بحاجة لمزيد من المعجزات وبالتالي يحاولون أن يجعلوننا نرى معجزات أكثر من خلال عمل الجسد.
• يصعب علينا أن نحكم مَن ضرره أسوأ – إنكار المعجزات ومواهب الروح القدس، أو تلفيقها وتزويرها. فكلاهما أمر خطير.
ثانيًا. الناسوت (الطبيعة البشرية) المجيد ليسوع المسيح.
أ ) الآيات (٥-٨ أ): فنحن نعلم أن يسوع له طبيعة بشرية، لأن الله أخضع العالم للإنسان وليس الملائكة (من مزمور ٤:٨-٦).
٥فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ الْعَالَمَ الْعَتِيدَ الَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنْهُ. ٦لكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ قَائِلًا: «مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟ أَوِ ابْنُ الإِنْسَانِ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ ٧وَضَعْتَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ. بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ، وَأَقَمْتَهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. ٨أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ…
١. فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ الْعَالَمَ الْعَتِيدَ: لم يمنح الله الملائكة أبدًا تلك السيادة التي كانت للإنسان على الأرض (سفر التكوين ٢٦:١-٣٠). فالملائكة ليس لها أي سيادة على هذا العالم أو العالم العتيد (القادم).
• “الله يريد أن يحكم الإنسان العالم العتيد وليس الملائكة.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
٢. مَا هُوَ الإِنْسَانُ: يبين لنا هذا الاقتباس من مزمور ٤:٨-٦ صِغر الإنسان بالنسبة إلى الإله الخالق والسلطان الذي منحه الله للإنسان بالرغم من أنه أقل مرتبة من الملائكة – وَضَعْتَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ.
٣. وَضَعْتَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ: في الإصحاح الأول أوضح لنا كاتب العبرانيين ببراعة من نصوص العهد القديم ألوهية يسوع وتفوقه على جميع الملائكة. والآن يحاول الكاتب أن يوضح لنا الطبيعة البشرية ليسوع (الناسوت) باستخدام نصوص العهد القديم ويناقش نتائج تلك الطبيعة البشرية.
• من الخطأ اعتبار أن يسوع مجرد إله أو مجرد إنسان. ومن الخطأ أيضًا النظر إليه وكأنه نصف إنسان ونصف إله (أو أي تقسيم آخر في النسبة). كذلك من الخطأ أيضًا اعتباره ’إنسانًا‘ في شكله الخارجي و’إلهًا‘ في طبيعته الداخلية. فالكتاب المقدس يعلمنا أن يسوع إله كامل وإنسان كامل، وأن الطبيعة البشرية أضيفت إلى طبيعته الإلهية، وأن كلتا الطبيعتين تسكنان شخص يسوع المسيح.
• من الجدير بالذكر أن أول التعاليم المضلة عن يسوع أيام الكنيسة الأولى لم تنكر ألوهيته لكنها أنكرت بشريته قائلة إنه كان يبدو على ’هيئة‘ إنسان. وكانت هذه البدعة تسمى ’الدوسيتية‘ (Docetism) وقد اشتق اسمها من الكلمة اليونانية التي تعني ’يظهر أو يتجلى.‘ وقام بتعليم هذه البدعة ’سيرنثوس‘ (Cerinthus) الذي قاوم الرسول يوحنا في أفسس، وهو على الأغلب من يشير الرسول يوحنا إلى تعاليمه في يوحنا الأولى ٢:٤ و٦:٥.
٤. لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ: يؤكد لنا الكاتب على أن الله أخضع كل الأشياء (وليس بعضها) لسلطان الإنسان. وبهذا فلا بد أن يكون يسوع إنسانًا لأن الله أعطى هذ السلطان للبشر وكان يسوع يمارس هذا السلطان.
ب) الآيات (٨ب-٩): المعضلة وحلها.
٨… عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ. ٩وَلكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ.
١. عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَه: يبدو للوهلة الأولى أن الوعد في مزمور ٤:٨-٦ لم يتحقق إذ لسنا نرى بعد أن كل شيء خاضع للإنسان.
٢. يَسُوعَ، نَرَاهُ: الوعد تحقق في يسوع الذي هو رب وسيد على كل شيء. فمن خلال يسوع يمكن للإنسان أن يستعيد السيادة التي كانت لآدم (رؤيا يوحنا ٦:١، ١٠:٥ ومتى ٢١:٢٥).
• هناك أشياء كثيرة لن نفهمها إلى أن نرى يسوع. فالإجابات على الأسئلة التي طالما حيرت الإنسان لن تكون في الأسئلة التي تبدأ بـ: ’لماذا؟‘ لكن الإجابة الشاملة العظيمة ستكون في: ’مَن‘ – أي شخص يسوع المسيح.
• يتمنى البعض أن يروا يسوع بعيونهم الحقيقية بدلًا من عين الإيمان. “إن تعبير “الرؤية والنظر” هو أسلوب استعارة وتشبيه رمزي استخدم كثيرًا في الكتاب المقدس لوصف الإيمان. فالإيمان هو عين الروح. إنه فعل النظر إلى يسوع.” سبيرجن (Spurgeon)
• فكر في عدد الذين رأوا يسوع بعيونهم الطبيعية ثم قاوموه بعد ذلك وسخروا منه ورفضوه. فمن الأفضل إذًا أن نرى يسوع بعين الإيمان.
• لا تقول الآية: ’يمكننا أن نرى يسوع‘ رغم أن هذا صحيح.
• لا تقول الآية: ’لقد رأينا يسوع‘ على الرغم من أن هذا كان صحيحًا بالنسبة للبعض وقتها.
• لا تقول الآية: ’سنرى يسوع‘ رغم أن هذا صحيح بالتأكيد.
• لكنها تقول: ’يَسُوعَ، نَرَاهُ‘ فنحن نرى يسوع الآن وبشكل مستمر، فهو المركز وهو محور حياتنا الروحية.
• لذلك، دعونا ننظر إلى يسوع بعين الإيمان – ومهما كان نظر إيمانك مشوشًا، انظر إليه هو فهو الكامل.
• انظر إليه باعتباره الشخص الذي يحب الخطاة ومات من أجلهم.
• انظر إليه كمخلصك.
• انظر إليه كسيدك.
• انظر إليه كصديق لك.
• انظر إليه باعتباره قدوة لحياتك.
• انظر إليه باعتباره الشافي لك.
• انظر إليه في المنزل وفي العمل وفي كل مكان، وليس في أوقات العبادة فقط.
٣. الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ: وعد السيادة والسلطان هذا لا يمكن الوفاء به إلا من خلال تواضع يسوع وآلامه وموته. فقد هزم ابن الله الشر الذي جلبه آدم إلى العالم – وهو الموت (رومية ١٢:٥).
• لقد أعطى الله الإنسان السلطان على الأرض، لكن الإنسان خسر سلطانه هذا (لكنه لم يخسر حقه في هذا السلطان) بسبب الخطية والموت. ولما جاء يسوع، بتواضعه وآلامه هزم سلطان الموت وحقق وعد الله بأن الإنسان سوف يتسلط على الأرض في النهاية – وهذا سيتم عندما يحكم يسوع على الأرض مع المؤمنين. (رؤيا يوحنا ٤:٢٠).
٤. الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ … مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ: لو لم يجعل الله الابن الطبيعة البشرية جزءًا من صفاته، وما لم يصبح في بشريته ’أقل من الملائكة،‘ لما كان بإمكانه أن يختبر أَلَمِ الْمَوْتِ بدلًا عنا.
٥. نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِد: وهذا يخبرنا أن أَلَمِ الْمَوْتِ بالنسبة ليسوع لم يكن إلا مقدمة لإكليل الْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، ويخبرنا أيضًا أن هذا الموت كان لأَجْلِ كُلِّ وَاحِد.
ج ) الآيات (١٠-١٣): نحن نعلم أن يسوع إنسان لأنه يدعونا إِخْوَة.
١٠لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ. ١١لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً، ١٢قَائِلًا: «أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ». ١٣وَأَيْضًا: «أَنَا أَكُونُ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ». وَأَيْضًا: «هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ».
١. لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ: آلام المسيح كانت أكثر من مجرد أمر ضروري – فالآلام كانت الطريقة المناسبة (اللائقة) لذاك الإله القادر على كل شيء – الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ لكي يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِنا ويأتي بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ.
• نظريًا يمكننا القول أنه كان بإمكان الله أن يصمم طريقة لخلاصنا لا تتطلب آلام ابن الله تلك. لكن ’لاَقَ‘ أن يخلصنا يسوع المسيح بآلامه.
• هذا تجسيد سام وفائق للمحبة الحقيقية التي تعبر عن نفسها عادة بالعطاء والتضحية. وكما قال داود: “لاَ، بَلْ أَشْتَرِي مِنْكَ بِثَمَنٍ، وَلاَ أُصْعِدُ لِلرَّبِّ إِلهِي مُحْرَقَاتٍ مَجَّانِيَّةً” (صموئيل الثاني ٢٤:٢٤). فقد أظهر الله محبته لنا مضحيًا بنفسه، ولا يمكن لله أن يضحي دون أن يضيف الطبيعة البشرية إلى ألوهيته وأن يتألم بالنيابة عنا.
٢. رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ: يسوع هو الرئيس والقائد ومبتدأ خلاصنا. وهذا الوصف ينطوي على أمور رائعة:
• القائد يضع ترتيبات سير وتقدم المسيرة. ويسوع هو من يرتب أمور نمونا وتقدمنا كمؤمنين.
• القائد يعطي الأوامر للقوات بالتقدم أو السكون أو تنفيذ أي أمر. ويسوع يأمرنا لأنه قائدنا.
• القائد يتقدم المسيرة ويكون مثالًا لرجاله، ويسوع يفعل هذا من أجلنا.
• القائد يشجع رجاله، ويسوع يشجعنا.
• القائد يكافئ قواته، ويسوع يكافئ أتباعه.
• “بما أن إرادة الله هي أن يقودنا إلى المجد بواسطة رئيس وقائد خلاصنا، فهو يريدنا أن نكون جديرين بذلك القائد. ألا تعتقد أننا في بعض الأحيان نتصرف وكأننا دون قائد؟ إذ نتخيل أننا يمكننا أن نشق طريقنا نحو السماء بقوتنا ومهاراتنا، لكن ليس الأمر كذلك. فإن ابتدأت بالتقدم دون أن يمنحك القائد أمر المسير فسيكون عليك العودة مرة أخرى؛ وإن حاولت التوجه للقتال دون أمر قائدك فستندم على ذلك.” سبيرجن (Spurgeon)
٣. يُكَمِّلَ … بِالآلاَمِ: ألوهية يسوع المسيح لم ينقصها شيء. ولكن تجسد يسوع وآلامه سمحت للذات الإلهية أن تختبر الألم.
• لا تعني كلمة ’يُكَمِّلَ‘ هنا أن يسوع كان فيه أي نقص، لكن الكاتب يشير إلى اكتمال تلك التجربة الإنسانية للحزن والألم التي كان عليه أن يجتاز فيها ليصبح رئيسًا لخلاص شعبه.” فينسنت (Vincent)
• ونحن نعلم أنه مع كونه الله، ما كان بإمكانه أن يكون المخلص الكامل دون أن يكون في هيئة إنسان. فالإنسان هو من أخطأ، والإنسان هو من يجب أن يعاقب ويتألم. فالإنسان بهزيمته من الخطية هو من أفشل قصد الله والآن يجب على الإنسان أن ينتصر على هذا العدو الكبير.” سبيرجن (Spurgeon)
• من المهم هنا أن نعلم أنه كان ملائمًا للآب أن يفعل هذا، كما قيل في إشعياء: ’الرَّبُّ َسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ‘ (إشعياء ١٠:٥٣)، وأنه فعل ذلك لكي يأتي بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ.
٢. لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ: لذلك نحن تقدسنا من قِبل مَن تقدَس. ونحن جميعًا من نفس العائلة التي لا يخجل يسوع من أن يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً (أي نحن). فلا يمكن أن يكون أخونا إلا إذا كان إنسانا مثلنا.
• الْمُقَدَّسِينَ: “أيها الأصدقاء الأعزاء، هل أنتم مقدسين؟ لقد سمعت أن البعض يستخدمون هذه الكلمة ليسخروا من البعض بوصفهم “قديسين.” لكن ليس هناك أي إهانة في صفة القديس، فهو واحد من أمجد الألقاب التي يمكن للشخص أن ينالها.” سبيرجن (Spurgeon)
• ليس من المدهش أني لست أخجل من علاقتي بيسوع، لكن المدهش أن يسوع لا يخجل من أن يَدْعُوَنا إِخْوَة.
٣. فَلِهذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً قائلًا: يشير الكاتب إلى ثلاثة أدلة على أن يسوع المسيح يدعو شعبه ’إخوة‘ من مزمور ٢٢:٢٢ وإشعياء ١٧:٨-١٨.
• يشير المسيح في كل واحد من هذه الأمثلة إلى علاقته بإخوته، سواء في العبادة الجماعية أو في إبداء الثقة في الآب أو في الإعلان عن ذلك الرابط العائلي المشترك.
٤. وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ: هذا الاقتباس الرائع من مزمور ٢٢:٢٢ يذكرنا بأن يسوع سبح الله الآب بين إخوته.
• “هل ترنم يسوع؟ نعم، حرفيًا. فبعد العشاء سَبَّحُوا. ولا بد أنه كان من الرائع أن نسمع صوت المسيح العابق بالعواطف والشجن وهو يترنم بالمزامير التي كانت في كتاب العبادة اليهودي.” سبيرجن (Spurgeon)
• “انظري أيتها الكنيسة، فهنا وقف إلهنا المجيد الذي تعبده الملائكة، الذي هو بهاء مجد الله في سماء السماوات، وقف ليعبد ويسبح الآب مع شعبه وليعلن اسم الآب ويرفع المجد للعليّ بين إخوته. ألا يجعله هذا قريبًا منك جدًا؟ ألا تحس كما لو أنه قد يأتي في أية لحظة ليجلس بجانبك؟ أنا أشعر كما لو أنه واقف بالفعل على المنبر بجانبي؛ ولما لا يفعل ذلك؟” سبيرجن (Spurgeon)
٥. هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ: هذا الاقتباس من إشعياء ١٨:٨ يرينا قيمة شعب الله بالنسبة للمسيح. “يحب المسيح أن يتأمل في هذا الحق. فشعب الله غالين على قلبه صحيح، ولكن قيمتهم لا تكمن في ذاتهم فقط بل في كونهم عطية الآب له. فبعض الأشياء يكون لها قيمة غالية بالنسبة لك لأنها تذكارات أو هدايا من شخص تحبه؛ وهكذا نحن غالين على قلب المسيح لأننا عطية الله أبيه له.” سبيرجن (Spurgeon)
د ) الآيات (١٤-١٦): ما فعله يسوع كأخ لنا.
١٤فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، ١٥وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ. ١٦لأَنَّهُ حَقًّا لَيْسَ يُمْسِكُ الْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ.
١. اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا: لكي يأخذ يسوع فعلًا دور ’الأخ الأكبر‘ في عائلة المُخلصين، كان عليه أن يتخذ جسدًا من اللَّحْمِ وَالدَّمِ. فقد كان عليه أن يدخل السجن ليحرر الأسرى.
٢. لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ: يظن البعض أن هذا يعني أن يسوع قد أبطل ’حق‘ الشيطان في سلطانه على الإنسان الذي اكتسبه في جنة عدن عند عصيان آدم. ولكن المقصود هو أن يسوع أبطل ’حق‘ الشيطان في التسلط من خلال السماح له بأخذ حياة يسوع ’بشكل غير قانوني‘ على الصليب، فما فعله الشيطان بحق يسوع جعله يفقد سلطانه على الإنسان. ومن هذا المنطلق، كانت نتيجة ذلك هي إبطال تأثير الشيطان على أولئك الذين يأتون إلى الله من خلال عمل يسوع على الصليب.
• بما أن سلطان الموت يسود على الذين ولدوا في الخطية أو من أخطأوا بإرادتهم (رومية ١٢:٥)، فلم يكن للشيطان ’الحق‘ في أن يأخذ حياة يسوع الذي لم يخطئ أبدًا ولم يولد بالخطية، فبهذا الفعل ارتكب الشيطان جريمة قتل ’غير قانونية‘ تتفق وطبيعته (يوحنا ٤٤:٨). وقد سمح يسوع للشيطان بأن ’يسحق‘ عَقِبَهُ لكي ’يسحق‘ يسوع رَأْسَهُ، كما ورد في سفر التكوين ١٥:٣.
• المشكلة في هذا الطرح هو أننا نعلم أن الشيطان لم يأخذ حياة يسوع، لكن يسوع وضعها طوعًا، ولم يأخذها أحد منه (يوحنا ١٧:١٠-١٨).
• ومع ذلك، يمكننا القول أن الشيطان مذنب ’بالشروع في قتل‘ شخص بريء ليس له سلطان عليه، إذ لم يفعل يسوع أي خطية أبدًا. فالشيطان مذنب في كونه أراد وحاول قتل يسوع.
• نحن نعلم أن الشيطان يحب الموت والقتل. “اعتقد أن الموت هو صنعة الشيطان وحرفته. فباستثناء الجحيم، الموت هو بالتأكيد أكبر وأسوأ أذى شيطاني سببته الخطية. فلا شيء أسعد قلب الشيطان كما أسعده سماع أن هذا التحذير سوف يتحقق: ’أَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ.‘” سبيرجن (Spurgeon)
• حاول الشيطان مرارًا وتكرارًا قتل يسوع. فقد حاول قتله بواسطة هيرودس حين كان طفلًا، وحاول حمل الناس على قتله حين كان في الهيكل، كما حاول تجويع يسوع وحاول إغراقه. ولكن لم تنجح أي من هذه الخطط إلى أن وقف يسوع أمام بيلاطس ليصدر عليه ذلك الحكم بالموت – فعندها ابتهجت شياطين الجحيم! فقد اعتقدوا أنهم أخيرًا تمكنوا من يسوع، لكن موت يسوع كان فيه هزيمة الشيطان.
٣. وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ – خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ – كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ: يسيطر الخوف من الموت على معظم البشر بينما يحاول البعض تقبل فكرة الموت والتصالح معه. ولكن المؤمنين لا يخافون الموت (رغم خشيتهم من لحظة الموت)، ليس لأن الموت صديقهم ولكن لأنه عدو مهزوم يخدم غرض الله في حياة المؤمن.
٤. بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ: لم يكن عمل الآب في يسوع من أجل الملائكة في المقام الأول (رغم أنه من أجل الملائكة بشكل ثانوي بحسب أفسس ١٠:٣). لكن عمله كان من أجل المؤمنين (نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ).
• يستخدم تعبير نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ هنا ليشير إلى من انتسبوا لإبراهيم بالإيمان وليس بالتناسل (رومية ٢٨:٢-٢٩، غلاطية ٧:٣).
هـ) الآيات (١٧-١٨): لذلك: يسوع هو رئيس كهنتنا الأمين.
١٧مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. ١٨لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ.
١. يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ: لو لم يكن يسوع مثلنا (يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ) لما كان بإمكانه أن يكون رئيس كهنتنا ليشفع فينا أمام الآب حَتَّى يُكَفِّرَ عن خطايانا.
• لا يمكن التفاوض بشأن ألوهية يسوع أو إنسانيته. فإن كان أي منهما ناقصًا فهذا يعني أنه لا يمكنه أن يكون مخلصنا.
• يُكَفِّرَ (أو يشفع): “الفكرة التي يطرحها النص هنا هي كالتالي: وكأن الله يقدم لنفسه ذبيحة المسيح ليكون هو من يشفع ومن يقبل الشفاعة في آن واحد.” غريفيث توماس (Griffith Thomas)
٢. لكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا: كان رئيس الكهنة يرتدي صدرة مرصعة بحجارة منقوش عليها كل أسماء أسباط إسرائيل على صدره وكتفيه، وبهذا كان رئيس الكهنة في حالة تشفع دائمة لأجل شعب الله وهو يحملهم على قلبه وعلى كتفيه.
• لم يرتدِ يسوع صدرة رئيس الكهنة لكن الجروح التي على صدره وآثار الصليب على كتفيه هي شهادة أكثر بلاغة على محبته وعمل خلاصه من أجلنا حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ.
٣. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا: يتساءل البعض عما إن كان يسوع قد جُرب حقًا. إذ يقولون إنه بما أنه الله فما كان بإمكانه أن يخطئ بأي حال، ولذلك لا يمكن أن تكون التجربة حقيقية. ولكن كاتب العبرانيين يؤكد هنا على أن تجربة يسوع لم تكن حقيقية فحسب لكنها كانت حقيقية لدرجة أنه تَأَلَّمَ في تجربته هذه.
• بل يمكننا القول أن تجربة يسوع كانت أكثر واقعية وشدة من أي تجربة يمكن أن نواجهها نحن. فحين تتزايد الإغراءات لا يجد بعضنا مفرًا من الاستسلام لها – لكن يسوع لم يستسلم أبدًا، وهكذا كانت ضغوط التجربة والإغراءات تتزايد عليه شيئًا فشيئًا.
• لقد تعرض يسوع لإغراء القوة والسلطان والألم. وجُرب بإغراءات الثروة وجُرب بالفقر. كما جُرب أيضًا بإغراء السعي وراء رضا الناس ومحبتهم وأيضًا رفضهم له. وقد تعرض يسوع أيضًا للتجارب والإغراءات التي يمر بها الصبي ويعاني منها الرجل. وجُرب من أصدقائه وجُرب من أعدائه، وجُرب من عائلته وجُرب من الغرباء.
• “كثيرون مجربون، لكنهم لا يعانون ألم التجربة. فحين يُجرب الخطاة بإغراء ما، يبتلعون الطُعم بشراهة. فالإغراء يسعدهم، والتجربة بالنسبة لهم هي إحدى المتع، حتى أنهم في بعض الأحيان يستفزون الشيطان لإغرائهم… أما المؤمنون فيعانون من وطأة التجربة، وكلما كانوا مؤمنين أفضل كلما عانوا أكثر.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ: بما أن يسوع كان إنسانًا بجانب كونه إلهًا، فقد اختبر آلام البشر وهو قادر أن يعيننا وقت التجربة لأنه يعرف طبيعة ما نمرّ به.
• هناك ميزتان في هذا: معرفتنا لتجربة يسوع، وعلمنا بوجود عونه السماوي الذي يوفر لنا القوة والمهرب من التجربة. ومع هاتين الميزتين يمكننا أن ننتصر على التجربة ونخرج منها دون أن نسقط. فتجربة يسوع لم تضرّه في شيء، بل إنه فاز بعدها بالمجد وبقدرته على التعاطف مع آلامنا وتجاربنا ليمكنه أن يعيننا. ونحن أيضًا كذلك يمكننا أن نخرج من التجربة دون خسائر.
• “هذا الأمل هو أفضل حل متوفر للمؤمنين في مواجهة الفشل والقنوط” بوول (Poole). “حتى وإن صمت كل الكتاب المقدس عن الحديث عن هذا الموضوع، فهذه الآية فيها ما يكفي من التشجيع لكل نفس تمر في تجربة.” كلارك (Clarke)
• “علاوة على ذلك، لا تتذمر من مرورك في تجربة ما. فإن كان الرب يسوع نفسه قد جرّب أيضًا، فهل يتفوق التلميذ على معلمه أو يعلو العبد على سيده؟ وإن كان يسوع الكامل قد جرّب، فلمَ لا تُجرب أنت أيضًا؟ إقبل إذًا بكل ما يأتيك، فليس هناك ما سيضرك أو يجلب لك العار، تمامًا كما كان الحال مع يسوع. إلهنا سيرسل مع التجربة المنفذ، وبتغلبك على التجربة ستنال البركة والمجد.” سبيرجن (Spurgeon)