سِفر حجّي – الإصحاح ١ – تَرتيب الأَوْلَوِيّات

أولًا. الله يوبّخ البقيّة العائدة بسبب أولويّاتهم الخاطئة

أ ) الآية (١): مقدّمة النبوّة.

١فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ الْمَلِكِ، فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّي النَّبِيِّ إِلَى زَرُبَّابِلَ بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ وَالِي يَهُوذَا، وَإِلَى يَهُوشَعَ بْنِ يَهُوصَادَاقَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ قَائِلًا.

١. فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ الْمَلِكِ: تُقدّم لنا نبوّة حجّي عدة إشارات زمنية محددة (حجّي ١: ١، ١: ١٥، ٢: ١، ٢: ١٠، ٢: ٢٠). فمن هذه الآية نعلم أن النبوّة بدأت في شهر أيلول/سبتمبر من عام ٥٢٠ قبل الميلاد.

• وهذا يضع حجّي في طليعة الأَنبِيَاء الصِّغَار في فترة ما بعد السبي. تكلّم تسعة من بين الأَنبِيَاء الصِّغَار الاثني عشر قبل سبي يهوذا إلى بابل. أما آخر ثلاثة من الأَنبِيَاء الصِّغَار (حجّي، زكريا، وملاخي)، فقد وجّهوا رسالتهم إلى البقيّة التي عادت من السبي الذي دام سبعين سنة.

• “لقد زال مجد المملكة والهيكل السابقين، وزال ذلك الشعب الكبير، ولم يتبقَّ سوى أنقاض أورشليم، وبقيّة من الشعب، ومهمّة الإعمار والاسترداد.” بويز (Boice)

• في سنة ٥٣٨ ق.م، سمح كُورَش مَلِك فَارِس لليهود المسبيّين بالعودة إلى أُورُشَلِيم بعد سبعين سنة من السبي. وبعد عامين (٥٣٦ ق.م) بدأ العمل في بناء الهيكل بقيادة زَرُبَّابِل. لكن العمل توقف بعد سنتين (٥٣٤ ق.م). وبعد أربعة عشر عامًا من الإهمال، استُؤنِف بناء الهيكل في سنة ٥٢٠ ق.م، واكتمل بعد أربع سنوات، في سنة ٥١٦ ق.م (عزرا ٦: ١٥).

• نلاحظ أن التواريخ تُؤَرَخ هنا بحسب مَلِك وثني، لأنّه في ذلك الوقت لم يكن هناك ملك لإسرائيل. ومع ذلك، ظلّ التاريخ مهمًّا عند الله. ” لكل رسالة من رسائل الله وقت محدد لتُعطَى للبشر، ويطلب منهم أن يُصغوا إليها في وقتها. وإن تهاونوا، فإنه يحصي أيام تأخرهم.” سبيرجن (Spurgeon)

٢. كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّيِ النَّبِيِّ: في السنوات الصعبة التي أعقبت العودة من السبي، تكلّم الله مع شعبه من خلال النبي حجّي.

• يُذكَر النبي حجّي أيضًا مرّتين في سفر عزرا، الكاهن الذي أشرف على إعادة بناء الهيكل:

فَتَنَبَّأَ النَّبِيَّانِ حَجَّيِ النَّبِيُّ وَزَكَرِيَّا بْنُ عِدُّوَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ فِي يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ بِاسْمِ إِلهِ إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمْ. حِينَئِذٍ قَامَ زَرُبَّابِلُ بْنُ شَأَلْتِئِيلَ وَيَشُوعُ بْنُ يُوصَادَاقَ، وَشَرَعَا بِبُنْيَانِ بَيْتِ اللهِ الَّذِي فِي أُورُشَلِيمَ، وَمَعَهُمَا أَنْبِيَاءُ اللهِ يُسَاعِدُونَهُمَا. (عزرا ٥: ١-٢)

وَكَانَ شُيُوخُ الْيَهُودِ يَبْنُونَ وَيَنْجَحُونَ حَسَبَ نُبُوَّةِ حَجَّيِ النَّبِيِّ وَزَكَرِيَّا بْنِ عِدُّو. فَبَنَوْا وَأَكْمَلُوا حَسَبَ أَمْرِ إِلهِ إِسْرَائِيلَ وَأَمْرِ كُورَشَ وَدَارِيُوسَ وَأَرْتَحْشَسْتَا مَلِكِ فَارِسَ. (عزرا ٦: ١٤)

• الاسم حَجَّي هو على الأرجح صيغة مختصرة لعبارة ’عِيدُ يَهْوَه.‘ ويظنّ البعض أنه وُلِد في أحد الأعياد الكبرى في إسرائيل.

٣. زَرُبَّابِل… يَهُوشَع: يقدّم لنا حجّي شخصيّتين بارزتين في أورشليم أثناء الفترة الشاقة لإعادة بناء الهيكل. كان زَرُبَّابِل وَالِيًا على أورشليم، وهو من نسل يَكُنْيَا، آخر ملك شرعي ليهوذا. أمّا يَهُوشَع، فقد كان رئيسًا للكهنة.

ب) الآية (٢): العُذر لعدم إعادة بناء الهيكل.

٢«هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: هذَا الشَّعْبُ قَالَ إِنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَبْلُغْ وَقْتَ بِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ».

١. الْوَقْتَ لَمْ يَبْلُغْ: أعلن حجّي رسالته الأولى في أيلول/سبتمبر ٥٢٠ ق.م.، وفي ذلك الوقت، كان قد مضى على عودة المسبيّين إلى أورشليم ثماني عشرة سنة، لكنّ عمل إعادة بناء الهيكل كان متوقّفًا طوال الأربعة عشر سنة الأخيرة.

• بدأ العمل بدايةً مجيدة: وَلَمَّا أَسَّسَ الْبَانُونَ هَيْكَلَ الرَّبِّ، أَقَامُوا الْكَهَنَةَ بِمَلاَبِسِهِمْ بِأَبْوَاق، وَاللاَّوِيِّينَ بَنِي آسَافَ بِالصُّنُوجِ، لِتَسْبِيحِ الرَّبِّ عَلَى تَرْتِيبِ دَاوُدَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ. وَغَنَّوْا بِالتَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ لِلرَّبِّ، لأَنَّهُ صَالِحٌ لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ عَلَى إِسْرَائِيلَ. وَكُلُّ الشَّعْبِ هَتَفُوا هُتَافًا عَظِيمًا بِالتَّسْبِيحِ لِلرَّبِّ لأَجْلِ تَأْسِيسِ بَيْتِ الرَّبِّ. (عزرا ٣: ١٠-١١)

• رغم البداية المشرقة، توقّف العمل بعد عامين وغرق في الإحباط وتعثّر بسبب انعدام التركيز. وعندما تنبّأ حجّي بهذه النبوّة، كان أساس الهيكل قد وُضع والمذبح قد أُعيد بناؤه، لكن الهيكل نفسه لم يُبنَ بعد.

٢. هذَا الشَّعْبُ قَالَ: كان شَعْبُ الله – أي سكانُ أُورشَلِيمَ – يقولون لأنفسهم أنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَبْلُغْ بَعْد لاستئناف العمل في بناء الهيكل. وكانت هناك أسباب وجيهة تدفعهم لقول ذلك وتفسّر صعوبة مواصلة العمل:

• كانت الأَرض لا تَزال مُقْفَرة بعد سبعين سنة من الإهمال.
• كان العمل شاقًا.
• لم يكن لديهم الكثير من المال (حجّي ١: ٦) أو الأيدي العاملة.
• عانوا من قحط الأرض والجفاف (حجّي ١: ١٠-١١).
• واجهوا مقاومة من أعداء معادين للعمل (عزرا ٤: ١-٥).
• كانوا يتذكرون الأوقات الأسهل التي كانت في بابل.

٣. الْوَقْتَ لَمْ يَبْلُغْ وَقْتَ بِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ: برّر الشَّعْبُ عذرهم بأسلوب يوحي بالروحانية، فإذ لم يجرؤوا على الاعتراض على فكرة بناء الهيكل، اعترضوا على التوقيت، قائلين: ’لم يحن توقيت الله بعد لإعادة بناء الهيكل.‘

• بسبب العقبات الكبيرة التي وقفت في طريق العمل، بدأ شعب الله يبرّر لنفسه، وقرّر أن وقت إعادة البناء لم يحن بعد. فقالوا: ’إذا كان الأمر بهذه الصعوبة، فمن الواضح أن الله لا يريدنا أن نقوم به – على الأقل ليس قريبًا.‘

• ربما قالوا إن ’الْوَقْتَ لَمْ يَبْلُغْ‘ لأنهم ظنوا أن السبعين سنة من السبي المذكورة في إرميا ٢٥: ١١-١٣ و٢٩: ١٠ لم تكتمل بعد. ووفقًا لترتيب ’أوشر‘ الزمني لهذه الأحداث، فقد كانوا في السنة التاسعة والستين منذ الحصار الأخير لأورشليم.

• حتى في هذا الأمر، افتقر شعب الله إلى الإيمان. كانت هناك ثلاث ’موجات‘ من السبي: في ٦٠٥ ق.م، و٥٩٧ ق.م، و٥٨٧ ق.م. وقد كان دانيال، في صلاته (دانيال ٩)، جريئًا بما يكفي ليطلب من الله أن يبدأ حساب السبعين سنة من أقدم تاريخ ممكن، وقد استجاب الله لذلك. غير أن عدم الإيمان جعل هؤلاء المسبيّين العائدين يظنون أن رحمة الله لن تأتي إلى إسرائيل قبل مرور ثماني عشرة سنة أخرى.

٤. هذَا الشَّعْبُ: لا نحبّ أبدًا أن نسمع الله يخاطب شعبه بهذه الطريقة قائلًا: ’هذَا الشَّعْبُ‘ بدلًا من ’شَعْبِي.‘ لقد قال الرب ذلك لأنّه رأى أعذارهم وأولوياتهم الرديئة، ولاحظ سلوكهم الذي لا يليق بشعبه.

• يجب أن نتذكّر أنّ هؤلاء لم يكونوا ’شعبًا شريرًا،‘ بل هم البقيّة التي عادت من بابل. أُخِذَ مئات الآلاف إلى السبي البابلي، ولم يعد منهم إلّا حوالي خمسين ألفًا فقط. وكان الذين عادوا أكثر التزامًا بعلاقتهم بالرب وبإعادة بناء أورشليم.

ج) الآيات (٣-٤): حجّي يكشف أولوياتهم الخاطئة.

٣فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّي النَّبِيِّ قَائِلًا: ٤«هَلِ الْوَقْتُ لَكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَسْكُنُوا فِي بُيُوتِكُمُ الْمُغَشَّاةِ، وَهذَا الْبَيْتُ خَرَابٌ؟

١. فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ: رأى الله أعذارهم وأولوياتهم المتهاونة، وسمعها – وكان لديه ما يقوله لهم على لسان حَجَّي النَّبِيِّ.

٢. هَلِ الْوَقْتُ لَكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَسْكُنُوا فِي بُيُوتِكُمُ الْمُغَشَّاةِ؟: قال الشعب إنَّ الوَقْتَ لم يَحِن بعد لإعادة بناء الهيكل، لكن أفعالهم كانت تقول إنَّ الوَقْتَ قد حان للعيش في بيوت مُجدَّدة وجميلة.

• “لقد بنى سليمان أوّلًا بيتًا لله، وبعدها بنى لنفسه واحدًا.” تراب (Trapp)

٣. وَهذَا الْبَيْتُ خَرَابٌ: كانت هذه هي المشكلة الحقيقية – ليس أنّ شعب الله كانوا يسكنون في بُيُوتٍ مُغَشَّاة، بل لأنّهم عاشوا في راحةٍ ورفاهيةٍ شخصية بينما هذَا الْبَيْتُ (أي الهيكل) خَرَابٌ.

• كانت المشكلة ببساطة في ترتيب أولوياتهم على نحو خاطئ؛ إذ ارتضوا أن تُهمَل خدمة الرب بدلًا من التخلّي عن راحتهم. وكان ينبغي لهم ألّا يشعروا بالراحة ما لم يكن عمل الله مزدهرًا بقدر حياتهم الشخصيّة، وأن يكونوا مستعدّين للتضحية من أجله بقدر استعدادهم للتضحية من أجل راحتهم ورفاهيتهم.

• من السهل أن نفهم كيف حدث ذلك على مدى أربعة عشر عامًا. فقد توقّف العمل في البداية بسبب صعوبته الشديدة، وبسبب بعض العوائق التي حالت دون التقدّم.

✓ “لا يمكننا إنجاز الكثير في الهيكل، وقد سئمت العيش في وسط الخراب. حان الوقت لأجدّد بيتي.”

✓ “الله يريدني أن أهتمّ أكثر بشؤون بيتي – فالبيت له الأولوية.”

✓ “كنت أودّ تخصيص المزيد لدعم بناء الهيكل، لكن كل أموالي موجّهة حاليًا لتجديد بيتي.”

✓ “أنا لا أعيش في بَذَخ – انظر إلى باقي البيوت في الحيّ الذي أسكن فيه، وإلى المركبات المصطفّة في مداخلها!”

✓ “ينبغي أن يباشر أحدهم العمل في الهيكل. أتمنى أن يتولّى أحد هذه المهمة – أما أنا، فعليّ وضع اللمسات الأخيرة في غرفة معيشتي.”

✓ “الهيكل مُغلق منذ أكثر من خمسين عامًا – ولن يُغيّر التأخير شيئًا.”

✓ “الوقت غير مناسب الآن – لاحقًا سيكون أفضل.”

✓ “المذبح لا يزال قائمًا، ويمكننا على الأقل أن نُقدّم ذبائح للرّب – هذا يكفينا في الوقت الحاضر.”

• تبدو هذه الأعذار مألوفة – لكن الله رأى حقيقتها في أيام حجّي، ويرى حقيقتها اليوم أيضًا. كان النبي حجّي أشبه بجرس إنذار (مُنبّه الساعة) – غير مُرحّب به، لكنه ضروري.

• “يشبه كثيرون من المسيحيين اليوم أولئك العبرانيين القدماء، إذ بطريقة ما يُقنعون أنفسهم بأن الاقتصاد في بناء الكنائس أمر بالغ الأهمية، لكنهم لا يوفّرون شيئًا عندما يتعلّق الأمر برفاهيتهم.” ألدن (Alden)

• بُيُوتِكُمُ: “يبدو أن بعضهم كان لديه أكثر من بيت – أحدهما في المدينة والآخر في الريف – بينما كان بَيْتُ الرَّبِّ مُهْمَلًا وخَرِبًا. كانوا يبدّدون ثرواتهم على ملذّاتهم الخاصّة، لكنهم يبخلون بما يخص بيت الله… هل تَدِينُون لأنفسكم بكثيرٍ، ولإلهكُم بقليلٍ؟” بوله (Poole)

د ) الآيات (٥-٦): تأمّلوا طُرُقكم ونتائجها.

٥وَالآنَ فَهكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: اجْعَلُوا قَلْبَكُمْ عَلَى طُرُقِكُمْ. ٦زَرَعْتُمْ كَثِيرًا وَدَخَّلْتُمْ قَلِيلاً. تَأْكُلُونَ وَلَيْسَ إِلَى الشَّبَعِ. تَشْرَبُونَ وَلاَ تَرْوُونَ. تَكْتَسُونَ وَلاَ تَدْفَأُونَ. وَالآخِذُ أُجْرَةً يَأْخُذُ أُجْرَةً لِكِيسٍ مَنْقُوبٍ.

١. اجْعَلُوا قَلْبَكُمْ عَلَى طُرُقِكُمْ: في النص العبري (كما في النص العربي)، تُفيد هذه العبارة صورة بلاغيّة تدعو إلى التأمّل في المسار الشخصي. طلب حجّي من شعب الله أن يفكروا مليًا في أي اتجاه كانت حياتهم تتجه وإن كانوا حقًا يريدون الاستمرار في هذا المسار.

٢. زَرَعْتُمْ كَثِيرًا وَدَخَّلْتُمْ قَلِيلًا: كانت أولويّاتهم الخاطئة هي السبب في ضيقتهم الماليّة. فقد تكبّدوا الخسارة تلو الأخرى لأن بركة الله لم تكن على مواردهم الماليّة.

• وصف حجّي لَعنةً مضاعفة: فقد زَرَعُوا كَثِيرًا، لكنهم حَصَدُوا قَلِيلًا، والقليل الذي جلبوه إلى بيوتهم لم يصمد أو يُحقّق نفعًا لأن الآخِذُ أُجْرَةً يَأْخُذُ أُجْرَةً لِكِيسٍ مَنْقُوبٍ. قال بويز (Boice): “لا أعرف نصًّا كتابيًّا آخر يصف بدقّة أكبر هذا السعي اللاهث وغير الفعّال الذي يُميّز عصرنا الحالي.”

• لقد كانت ضربات الدينونة هذه تحقيقًا للوعود التي نطق بها الله قبل مئات السنين، في زمن موسى (تثنية ١١: ١٦-١٧). ومع ذلك، كان شعب إسرائيل يتعرض للدينونة دون أن يُدرك ذلك – فلعلّهم حسبوها مجرّد سوء حظ أو ضائقة اقتصاديّة، لكن الله كان يحاول أن يُوصّل لهم رسالة.

• أحيانًا تكون أولويّاتنا غير مرتّبة، ومع ذلك لا نعاني من ضيق مالي. وفي مثل هذه الأوقات، لا ينبغي لنا أبدًا أن نُعَوِّل على رحمة الله باستخفاف أو بلا وعي، بل يجب أن نرجع إليه ونُعيد ترتيب أولويّاتنا قبل أن يضطر إلى استخدام أزمة ليُوقظنا.

٣. تَشْرَبُونَ وَلاَ تَرْوُونَ: إن كانت أولويّاتنا خاطئة، فلن يُشبعنا شيء. فكل إنجاز سرعان ما يكشف أن هناك ما هو أكثر، شيئًا يمكنه أن يُشبعنا حقًا. ولا يملأ الفراغ الذي على شكل الله في حياتنا سوى أن نضعه هو أولًا.

• “لو كان القليل الذي لديكم مثل القليل الذي للبار، لربّما كان يكفيكم ويفرحكم؛ لكنه لم يكن يحمل تلك البركة. فقد ضُرب بالجفاف، وصار ضعيفًا، فارغًا، لا يُثمر نفعًا حقيقيًّا.” بوله (Poole)

هـ) الآيات (٧-١١): المطلوب منهم: إعادة بناء الهيكل.

٧«هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: اجْعَلُوا قَلْبَكُمْ عَلَى طُرُقِكُمْ. ٨اِصْعَدُوا إِلَى الْجَبَلِ وَأْتُوا بِخَشَبٍ وَابْنُوا الْبَيْتَ، فَأَرْضَى عَلَيْهِ وَأَتَمَجَّدَ، قَالَ الرَّبُّ. ٩انْتَظَرْتُمْ كَثِيرًا وَإِذَا هُوَ قَلِيلٌ. وَلَمَّا أَدْخَلْتُمُوهُ الْبَيْتَ نَفَخْتُ عَلَيْهِ. لِمَاذَا؟ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. لأَجْلِ بَيْتِي الَّذِي هُوَ خَرَابٌ، وَأَنْتُمْ رَاكِضُونَ كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَى بَيْتِهِ. ١٠لِذلِكَ مَنَعَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْ فَوْقِكُمُ النَّدَى، وَمَنَعَتِ الأَرْضُ غَلَّتَهَا. ١١وَدَعَوْتُ بِالْحَرِّ عَلَى الأَرْضِ وَعَلَى الْجِبَالِ وَعَلَى الْحِنْطَةِ وَعَلَى الْمِسْطَارِ وَعَلَى الزَّيْتِ وَعَلَى مَا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ، وَعَلَى النَّاسِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ أَتْعَابِ الْيَدَيْنِ».

١. اِصْعَدُوا إِلَى الْجَبَلِ وَأْتُوا بِخَشَبٍ: دعاهم الله إلى العمل. تتطلب دعوة الله أحيانًا جهدًا حقيقيًّا، وعملًا يُدعَم بالصلاة، لا عملًا يُهمَل بحجّة الانشغال بخدمة روحيّة.

• لم يكن ينبغي لهم أن يفكّروا قائلين: ’سيقوم شخص آخر بذلك.‘ كان ويليام كاري (١٧٦١-١٨٣٤) مُرسَلًا رائدًا إلى الهند. وعندما طرح فكرة الذهاب إلى الهند ليصل ببشارة الإنجيل إلى الضالّين، وذلك في اجتماع مع مجموعة من الرعاة البريطانيين، قال له خادم معروف يُدعى جون رايلاند: ’أيها الشاب، اجلس. أنت مُندفِع. عندما يشاء الله أن يُخلّص الضالّين، سيفعل ذلك من دون مساعدتك أو مساعدتي.‘ لكن هذا ليس الحال على الإطلاق – فالله هو الذي يتمّم العمل، لكنه يريد أن نشارك فيه. وبقدر ما نستطيع أن نفهم، فإن الله كثيرًا ما ينتظر مشاركتنا. كان ويليام كاري مُحقًّا؛ إذ كان شعاره: “توقّع أمورًا عظيمة من الله؛ واسعَ لتحقيق أمور عظيمة لأجله.”

٢. فَأَرْضَى عَلَيْهِ وَأَتَمَجَّدَ: لقد آن الأوان لشعب الله أن يهتمّ بإرضائه هو، بدلًا من إرضاء أنفسهم. ففي بيوتهم الجميلة وحياتهم المرفّهة كانوا يجدون الرّضى ويتمجّدون؛ أمّا الآن، فقد جاء دور الرّب ليرضى ويتمجّد.

• كان الله يطلب منهم أيضًا أن يُقدِموا على العمل بقلبٍ مستقيم، قلبٍ يرغب في إرضاء الله وتمجيده.

٣. انْتَظَرْتُمْ كَثِيرًا وَإِذَا هُوَ قَلِيلٌ: عندما أهملوا علاقتهم بالله، اختلّ كلّ شيء. صحيح أنهم استطاعوا إنجاز بعض الأمور – كبناء بيوتهم – لكن ذلك لم يُجلب لهم الرضا المرجوَّ.

٤. وَدَعَوْتُ بِالْحَرِّ عَلَى الأَرْضِ: يمكننا أن نتخيّل شعور الإحباط الذي سبّبه الجفاف لشعب الله. ولعلّهم ظنّوا أنّه هجوم من الشيطان، فصلّوا بحرارة ضدّ ما اعتبروه مؤامرة منه. غير أنّ الأمر لم يكن من الشيطان إطلاقًا، بل إنّ الرّبّ هو من دعا بِالْحَرِّ عَلَى الأَرْضِ. لم تكن المشكلة في الشيطان، بل في أولويّاتهم الخاطئة.

٥. وَعَلَى الْحِنْطَةِ وَعَلَى الْمِسْطَارِ وَعَلَى الزَّيْتِ: بسبب إهمالهم لعلاقتهم بالرب، امتنع هو عن مباركة محاصيلهم الأساسية الثلاثة.

ثانيًا. الاستجابة لنبوّة حجّي

أ ) الآية (١٢): أطاعوا الرب وهابوا حضوره.

١٢حِينَئِذٍ سَمِعَ زَرُبَّابِلُ بْنُ شَأَلْتِيئِيلَ وَيَهُوشَعُ بْنُ يَهُوصَادِقَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ، وَكُلُّ بَقِيَّةِ الشَّعْبِ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِهِمْ وَكَلاَمَ حَجَّي النَّبِيِّ كَمَا أَرْسَلَهُ الرَّبُّ إِلهُهُمْ. وَخَافَ الشَّعْبُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ.

١. حِينَئِذٍ سَمِعَ زَرُبَّابِلُ… وَيَهُوشَع… وَكُلُّ بَقِيَّةِ الشَّعْبِ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِهِمْ: كان يجب أن تبدأ الطاعة من القادة. لم تكن هذه الرسالة موجهة للشعب فقط، بل إلى أعلى القيادات بين شعب الله أيضًا.

٢. صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِهِمْ وَكَلاَمَ حَجَّي النَّبِيِّ: كان صَوْتِ الله يَظهر من خلال كَلاَمَ حَجَّي. هذه هي قاعدة وحي الأسفار المقدسة وهي تتجلى في الواقع العملي: فالله يتكلّم فعلًا، لكن من خلال كَلاَمَ إنسان.

• “لأنّ كلمة الله لا تُفصَل عن كلام النبي، كما لو أنّ النبي زاد شيئًا من عنده.” كالفن (Calvin)

• في الإشارة إلى كليهما، يُميّز حجّي بين مَصدرِ الحقّ (الله) ورسول الحقّ (النبي).

٣. كَلاَمَ حَجَّي النَّبِيِّ كَمَا أَرْسَلَهُ الرَّبُّ إِلهُهُمْ: كان احترامهم لحجّي قائمًا على وظيفته ومكانته (نَبِيّ)، وعلى رسالته (أَرْسَلَهُ الرَّبُّ).

٤. وَخَافَ الشَّعْبُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ: كان خوفهم من الله دافعًا للطاعة، ولم يكن ذلك مجرّد احترامٍ طبيعي، بل اعترافًا منهم بأنّ الله ديّانٌ يتعامل معنا بالبرّ.

ب) الآيات (١٣-١٥): الله يتجاوب مع شعبه.

١٣فَقَالَ حَجَّي رَسُولُ الرَّبِّ بِرِسَالَةِ الرَّبِّ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ قَائِلاً: «أَنَا مَعَكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ». ١٤وَنَبَّهَ الرَّبُّ رُوحَ زَرُبَّابِلَ بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ وَالِي يَهُوذَا، وَرُوحَ يَهُوشَعَ بْنِ يَهُوصَادِاقَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ، وَرُوحَ كُلِّ بَقِيَّةِ الشَّعْبِ. فَجَاءُوا وَعَمِلُوا الشُّغْلَ فِي بَيْتِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِهِمْ، ١٥فِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ السَّادِسِ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ الْمَلِكِ.

١. أَنَا مَعَكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ: كان الله حاضرًا ليُشجّعهم، ويُقوّيهم للعمل. فهو دائمًا يمنحنا القوّة والتشجيع لنتمّم وصاياه.

٢. وَنَبَّهَ الرَّبُّ رُوحَ: كم نتوق اليوم، ككنيسة، إلى مثل هذا التَّنبيه (اليقظة) من الرُّوح. لقد بدأ هذا التَّنبيه بالقادة (زَرُبَّابِل… يَهُوشَع)، ثم امتدّ إلى الشعب (كُلِّ بَقِيَّةِ الشَّعْبِ).

٣. فَجَاءُوا وَعَمِلُوا الشُّغْلَ فِي بَيْتِ رَبِّ الْجُنُودِ: لم يكن تَنْبِيهُ الرُّوح لهم مُجرّدَ اختبارٍ رُوحيٍّ عابر، لكنه أَثمر حِراكًا من أجل العمل.