سفر التثنية – الإصحاح ٣ – موسى يتذكر المسيرة إلى كنعان وتعيين يشوع

أولًا. موسى يتذكر هزيمة بَاشَان

أ ) الآيات (١-٢): الله يأمر إسرائيل بمهاجمة بَاشَان.

١ثُمَّ تَحَوَّلْنَا وَصَعِدْنَا فِي طَرِيقِ بَاشَانَ، فَخَرَجَ عُوجُ مَلِكُ بَاشَانَ لِلِقَائِنَا هُوَ وَجَمِيعُ قَوْمِهِ لِلْحَرْبِ فِي إِذْرَعِي. ٢فَقَالَ لِي الرَّبُّ: لاَ تَخَفْ مِنْهُ، لأَنِّي قَدْ دَفَعْتُهُ إِلَى يَدِكَ وَجَمِيعَ قَوْمِهِ وَأَرْضِهِ، فَتَفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلْتَ بِسِيحُونَ مَلِكِ الأَمُورِيِّينَ الَّذِي كَانَ سَاكِنًا فِي حَشْبُونَ.

١. ثُمَّ تَحَوَّلْنَا وَصَعِدْنَا فِي طَرِيقِ بَاشَانَ: ولما اقترب إسرائيل من أرض الموعد، تحركوا غربًا نحو نهر الأردن، وعبروا في أرض عُوج، مَلِكُ بَاشَانَ.

• “كانت منطقة باشان الواقعة إلى الشمال والشمال الشرقي من الجليل غنية بغاباتها الخضراء ومعروفة بمراعيها الخصبة وتلالها المرتفعة. وهي اليوم موطن الطائفة الدرزية.” تومسون (Thompson)

٢. لاَ تَخَفْ مِنْهُ، لأَنِّي قَدْ دَفَعْتُهُ إِلَى يَدِكَ وَجَمِيعَ قَوْمِهِ وَأَرْضِهِ: لقد مر الله موسى وشعب إسرائيل ألا يخافوا ملك باشان تحديدًا رغم حجم جيشه الكبير (تثنية ١١:٣). كان الله سيعطي إسرائيل نفس النصرة التي أعطاها لهم لهزيمة الأموريين (سفر العدد ٣١:٢١-٣٢).

ب) الآيات (٣-١١): إسرائيل يهزم باشان.

٣فَدَفَعَ الرَّبُّ إِلهُنَا إِلَى أَيْدِينَا عُوجَ أَيْضًا مَلِكَ بَاشَانَ وَجَمِيعَ قَوْمِهِ، فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ شَارِدٌ. ٤وَأَخَذْنَا كُلَّ مُدُنِهِ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ. لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ لَمْ نَأْخُذْهَا مِنْهُمْ. سِتُّونَ مَدِينَةً، كُلُّ كُورَةِ أَرْجُوبَ مَمْلَكَةُ عُوجٍ فِي بَاشَانَ. ٥كُلُّ هذِهِ كَانَتْ مُدُنًا مُحَصَّنَةً بِأَسْوَارٍ شَامِخَةٍ، وَأَبْوَابٍ وَمَزَالِيجَ. سِوَى قُرَى الصَّحْرَاءِ الْكَثِيرَةِ جِدًّا. ٦فَحَرَّمْنَاهَا كَمَا فَعَلْنَا بِسِيحُونَ مَلِكِ حَشْبُونَ، مُحَرِّمِينَ كُلَّ مَدِينَةٍ: الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ. ٧لكِنَّ كُلَّ الْبَهَائِمِ وَغَنِيمَةِ الْمُدُنِ نَهَبْنَاهَا لأَنْفُسِنَا. ٨وَأَخَذْنَا فِي ذلِكَ الْوَقْتِ مِنْ يَدِ مَلِكَيِ الأَمُورِيِّينَ الأَرْضَ الَّتِي فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، مِنْ وَادِي أَرْنُونَ إِلَى جَبَلِ حَرْمُونَ. ٩وَالصَّيْدُونِيُّونَ يَدْعُونَ حَرْمُونَ سِرْيُونَ، وَالأَمُورِيُّونَ يَدْعُونَهُ سَنِيرَ. ١٠كُلَّ مُدُنِ السَّهْلِ وَكُلَّ جِلْعَادَ وَكُلَّ بَاشَانَ إِلَى سَلْخَةَ وَإِذْرَعِي مَدِينَتَيْ مَمْلَكَةِ عُوجٍ فِي بَاشَانَ. ١١إِنَّ عُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ وَحْدَهُ بَقِيَ مِنْ بَقِيَّةِ الرَّفَائِيِّينَ. هُوَذَا سَرِيرُهُ سَرِيرٌ مِنْ حَدِيدٍ. أَلَيْسَ هُوَ فِي رَبَّةِ بَنِي عَمُّونَ؟ طُولُهُ تِسْعُ أَذْرُعٍ، وَعَرْضُهُ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ رَجُل.

١. وَأَخَذْنَا كُلَّ مُدُنِهِ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ… سِتُّونَ مَدِينَة: نصرتهم على عُوج مَلِكُ بَاشَانَ أدى إلى جلب المزيد من الأراضي لإسرائيل على الجانب الشرقي من نهر الأردن. كما أظهر ذلك لهم أنهم بقوة الله قادرون على التغلب على الكنعانيين الذين سيواجهونهم على الجانب الغربي من نهر الأردن.

سِتُّونَ مَدِينَة: “لا يشير مصطلح ’مدينة‘ بالضرورة إلى أن هذه المدن كان بها عدد كبير من السكان. ففي حين كانت بعض المدن بها الآلاف من الناس، كانت مدن أخرى لا يسكنها إلا بضع مئات فقط.” كالاند (Kalland)

٢. إِنَّ عُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ وَحْدَهُ بَقِيَ مِنْ بَقِيَّةِ الرَّفَائِيِّينَ: يبدو أن عُوج كان آخر الرفائيين في المنطقة الواقعة على الجانب الشرقي من نهر الأردن.

• إن الإشارات المتكررة إلى الرَّفَائِيِّين في هذه الإصحاحات الثلاثة الأولى توضّح أنه عندما يثق شعب إسرائيل بالله يكون قادرًا على هزيمة هذا العِرق من المحاربين المخيفين. كما توضّح أيضًا أن خوفهم من هؤلاء الرجال قبل حوالي ٤٠ عامًا (والمُدون في سفر العدد ٣٢:١٣-٣٣)، كان لا أساس له. فبالنظر إلى الانتصارات التي اختبرها الجيل التالي بالإيمان، يتكشف أن الأسباب التي ذكرها إسرائيل في قادش برنيع والمسجلة في سفر العدد الإصحاح ١٣، كانت مجرد أعذار.

٣. هُوَذَا سَرِيرُهُ سَرِيرٌ مِنْ حَدِيدٍ: كان حجم سَرِير عُوج ١٤ قدمًا في ٦ أقدام، وهذا يعني بحسب القياس الحديث (٤ أمتار في ٢ متر). يعتقد بعض المفسّرين أن هذا يصف في الواقع تابوت دفنه. وسواء كان هذا سريره أو نعشه، فهذا يظهر حجم عُوج الكبير.

• “إذا افترضنا أن سرير عُوج كان أطول من طوله بمقدار ذراع واحد – وهو أمر معقول – وقدرنا الذراع بحوالي ثمانية عشر بوصة، فإن طول عُوج كان ليكون حوالي اثني عشر قدمًا. وقد يعتبر هذا أمرًا غير عاديًا، وربما لا يُصدق تقريبًا، ولذلك قام العديد من المفسرين بتعديل الأرقام وفقًا لتصوراتهم، فقاموا بإطالة السرير وتقليص طول الرجل، مما جعل السرير أطول بمقدار الثلث من الشخص الذي ينام عليه، وبهذا خفضّوا طول عُوج ستة أذرع. ولكن بهذه الطريقة صاروا يجعلونه على الأقل يبلغ تسعة أقدام طولًا. وبهذا لا يزال عُوج طويل القامة بشكل ملحوظ.” كلارك (Clarke)

أَلَيْسَ هُوَ فِي رَبَّةِ: “إن حجم السرير غير المعتاد وبنيته جعلاه قطعة أثرية بارزة تصلح لمتحف، وأشار المؤرخ إلى أنها لا تزال معروضة في مدينة رَبَّةِ بَنِي عَمُّونَ خلال عصره.” ميريل (Merrill)

ثانيًا. موسى يتذكر الأسباط التي استوطنت الجانب الشرقي من نهر الأردن

أ ) الآيات (١٢-١٧): تقسيم الأرض التي امتلكوها على الجانب الشرقي من نهر الأردن بين أسباط رأوبين وجاد ونصف سبط منسى.

١٢فَهذِهِ الأَرْضُ امْتَلَكْنَاهَا فِي ذلِكَ الْوَقْتِ مِنْ عَرُوعِيرَ الَّتِي عَلَى وَادِي أَرْنُونَ، وَنِصْفَ جَبَلِ جِلْعَادَ وَمُدُنَهُ أَعْطَيْتُ لِلرَّأُوبَيْنِيِّينَ وَالْجَادِيِّينَ. ١٣وَبَقِيَّةَ جِلْعَادَ وَكُلَّ بَاشَانَ مَمْلَكَةَ عُوجٍ أَعْطَيْتُ لِنِصْفِ سِبْطِ مَنَسَّى. كُلَّ كُورَةِ أَرْجُوبَ مَعَ كُلِّ بَاشَانَ. وَهِيَ تُدْعَى أَرْضَ الرَّفَائِيِّينَ. ١٤يَائِيرُ ابْنُ مَنَسَّى أَخَذَ كُلَّ كُورَةِ أَرْجُوبَ إِلَى تُخْمِ الْجَشُورِيِّينَ وَالْمَعْكِيِّينَ، وَدَعَاهَا عَلَى اسْمِهِ بَاشَانَ «حَوُّوثِ يَائِيرَ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ. ١٥وَلِمَاكِيرَ أَعْطَيْتُ جِلْعَادَ. ١٦وَلِلرَّأُوبَيْنِيِّينَ وَالْجَادِيِّينَ أَعْطَيْتُ مِنْ جِلْعَادَ إِلَى وَادِي أَرْنُونَ وَسَطَ الْوَادِي تُخْمًا، وَإِلَى وَادِي يَبُّوقَ تُخْمِ بَنِي عَمُّونَ. ١٧وَالْعَرَبَةَ وَالأُرْدُنَّ تُخْمًا مِنْ كِنَّارَةَ إِلَى بَحْرِ الْعَرَبَةِ، بَحْرِ الْمِلْحِ، تَحْتَ سُفُوحِ الْفِسْجَةِ نَحْوَ الشَّرْقِ.

١. فَهذِهِ الأَرْضُ امْتَلَكْنَاهَا فِي ذلِكَ الْوَقْتِ: لقد نجح إسرائيل في الاستيلاء على أراضٍ شاسعة على الجانب الشرقي من نهر الأردن. وقد طلب سبطي رأوبين وجاد الاستيطان في هذه الأرض (سفر العدد ٣٢: ١-٥)، وتم تخصيصها لهما مع نصف سبط مَنَسَّى (سفر العدد ٣٢: ٣٣).

٢. أَعْطَيْتُ: إن تكرار هذه الكلمات يؤكد أن الأرض كانت ملكًا لله، وقد قسمها حسب إرادته.

ب) الآيات (١٨-٢٠): وصية الرب لأسباط شرق الأردن بمساعدة بقية إسرائيل في امتلاك كنعان.

١٨وَأَمَرْتُكُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَائِلًا: الرَّبُّ إِلهُكُمْ قَدْ أَعْطَاكُمْ هذِهِ الأَرْضَ لِتَمْتَلِكُوهَا. مُتَجَرِّدِينَ تَعْبُرُونَ أَمَامَ إِخْوَتِكُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كُلُّ ذَوِي بَأْسٍ. ١٩أَمَّا نِسَاؤُكُمْ وَأَطْفَالُكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ، قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ لَكُمْ مَوَاشِيَ كَثِيرَةً، فَتَمْكُثُ فِي مُدُنِكُمُ الَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ، ٢٠حَتَّى يُرِيحَ الرَّبُّ إِخْوَتَكُمْ مِثْلَكُمْ وَيَمْتَلِكُوا هُمْ أَيْضًا الأَرْضَ الَّتِي الرَّبُّ إِلهُكُمْ يُعْطِيهِمْ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ. ثُمَّ تَرْجِعُونَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مُلْكِهِ الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ.

١. وَأَمَرْتُكُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ: تذكّر موسى الاتفاق مع السبطين ونصف السبط، المسجل في سفر العدد ٣٢: ١٧-٣٣. لقد وافق الله على إعطاء رأوبين وجاد ونصف سبط منسى هذه الأرض بشرط أن يرسلوا كُلُّ ذَوِي بَأْسٍ عبر الأردن كجزء من جيش أسباط إسرائيل المتحدة.

٢. ثُمَّ تَرْجِعُونَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مُلْكِهِ الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ: يصف يشوع ٢٢: ١-٩ الوفاء المُشرّف للأسباط التي استقرت شرق نهر الأردن بالتزامها بالقتال إلى جانب الأسباط الأخرى. لقد شاركوا في المعارك وفي إخضاع مراكز القوى الرئيسية للكنعانيين لمدة لا تقل عن سبع سنوات.

ثالثًا. موسى يتذكر تعيين يشوع

أ ) الآيات (٢١-٢٢): موسى يُشجع يشوع.

٢١وَأَمَرْتُ يَشُوعَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَائِلًا: عَيْنَاكَ قَدْ أَبْصَرَتَا كُلَّ مَا فَعَلَ الرَّبُّ إِلهُكُمْ بِهَذَيْنِ الْمَلِكَيْنِ. هكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ بِجَمِيعِ الْمَمَالِكِ الَّتِي أَنْتَ عَابِرٌ إِلَيْهَا. ٢٢لاَ تَخَافُوا مِنْهُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ الْمُحَارِبُ عَنْكُمْ.

١. وَأَمَرْتُ يَشُوعَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ: كان أمام يشوع مهمة صعبة جدًا – أن يقود الأمة بأكملها إلى أرض ترفضهم تمامًا، وأن يحاربوا شعوبها لامتلاك ما أعطاهم الله عن حق.

٢. لاَ تَخَافُوا مِنْهُمْ: كانت هذه الوصية مبنية على وعد – الرَّبَّ إِلَهَكُمْ هُوَ الْمُحَارِبُ عَنْكُمْ. وباتحادهم مع الرب في حربه نيابة عن إسرائيل ـ كما فعل من قبل ضد سيحون ملك الأموريين وعُوج ملك باشان ـ استطاع إسرائيل أن يثق به تمامًا. لقد كان تذكّر أمانة الله في الماضي بمثابة أحد المفاتيح لثقة يشوع في الله في الحاضر والمستقبل. إن ذات المبدأ يساعد المؤمنين اليوم على الوثوق بالله.

• “ومرة أخرى قال بلغة الحرب المقدسة: ’لاَ تَخَافُوا مِنْهُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ الْمُحَارِبُ عَنْكُمْ.‘” كالاند (Kalland)

• ” يجب أن نكون حذرين في فهمنا لحقيقة أن الأمر لا يعني أن الله كان إلى جانبهم، بل أنهم هم من كانوا إلى جانب الله. لم يكن الله ليحارب عنهم إن لم تكن قضيتهم عادلة. فقد كان معهم في حربهم لأنهم كانوا ينفذون إرادته… وفي أي صراع نخوضه نحن، لا يحق لنا أن نطلب أو نتوقع أن يحارب الله معنا إلا إذا كنا متأكدين أننا نسير معه ووفق مشيئته.” مورجان (Morgan)

ب) الآيات (٢٣-٢٩): موسى يتذكر تضرعه إلى الرب لدخول الأرض.

٢٣ َتَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَائِلًا: ٢٤يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، أَنْتَ قَدِ ابْتَدَأْتَ تُرِي عَبْدَكَ عَظَمَتَكَ وَيَدَكَ الشَّدِيدَةَ. فَإِنَّهُ أَيُّ إِلهٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ يَعْمَلُ كَأَعْمَالِكَ وَكَجَبَرُوتِكَ؟ ٢٥دَعْنِي أَعْبُرْ وَأَرَى الأَرْضَ الْجَيِّدَةَ الَّتِي فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، هذَا الْجَبَلَ الْجَيِّدَ وَلُبْنَانَ. ٢٦لكِنَّ الرَّبَّ غَضِبَ عَلَيَّ بِسَبَبِكُمْ وَلَمْ يَسْمَعْ لِي، بَلْ قَالَ لِي الرَّبُّ: كَفَاكَ! لاَ تَعُدْ تُكَلِّمُنِي أَيْضًا فِي هذَا الأَمْرِ. ٢٧اصْعَدْ إِلَى رَأْسِ الْفِسْجَةِ وَارْفَعْ عَيْنَيْكَ إِلَى الْغَرْبِ وَالشِّمَالِ وَالْجَنُوبِ وَالشَّرْقِ، وَانْظُرْ بِعَيْنَيْكَ، لكِنْ لاَ تَعْبُرُ هذَا الأُرْدُنَّ. ٢٨وَأَمَّا يَشُوعُ فَأَوْصِهِ وَشَدِّدْهُ وَشَجِّعْهُ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْبُرُ أَمَامَ هذَا الشَّعْبِ، وَهُوَ يَقْسِمُ لَهُمُ الأَرْضَ الَّتِي تَرَاهَا. ٢٩فَمَكَثْنَا فِي الْجِوَاءِ مُقَابِلَ بَيْتِ فَغُورَ.

١. وَتَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ… دَعْنِي أَعْبُرْ وَأَرَى: أخطأ موسى في البرية عند ماء مَرِيبَة، حيث أساء تمثيل الله بصورة بالِغة لدرجة أن الرب أعلن أن موسى سيُحرم من دخول أرض الموعد (سفر العدد ٢٠: ١٠-١٣). ومع ذلك، عرف موسى أن الله غني في الرحمة والصفح. كان يعلم أنه لا ضرر من أن يطلب من الله أن يتراجع عن حكمه السابق ويسمح له بأن يطأ أرض كنعان، إتمامًا لجهوده الطويلة في قيادة إسرائيل.

• “الفعل تَضَرَّعْتُ [توسلت بشدة] هو فعل قوي، بمعني ’يطلب بإلحاح،‘ ’يلتمس نعمة،‘ ’يلتمس أو يناشد.‘” تومسون (Thompson)

• لقد عاش موسى السنوات الأربعين الأولى من حياته واثقًا من قدرته على إنقاذ إسرائيل. ثم أمضى الأربعين عامًا التالية من حياته وقد تحطمت تلك الثقة عندما كان يرعى أغنام والد زوجته. وأمضى الأربعين عامًا الأخيرة من حياته كأداة الله لقيادة إسرائيل وخلاصه من العبودية. ومع ذلك، وبسبب خطيته في مريبة (سفر العدد ١٠:٢٠-١٣)، لن يتمكن أبدًا من رؤية الشعب وهو يدخل أرض كنعان. فلا عجب أن موسى كان يتَضَرَّعْ إِلَى الرَّبِّ.

٢. كَفَاكَ! لاَ تَعُدْ تُكَلِّمُنِي أَيْضًا فِي هذَا الأَمْرِ: لم يكن الله يريد أن يسمع تضرع موسى في هذا الشأن. لم يكن الله ليغير استجابته لخطية موسى (عدد ٢٠: ١٠-١٣). لقد حُكِم على خطية موسى بمعيار أكثر صرامة بسبب موقعه القيادي، وكرجل تلقّى كلمة الله وعلّمها (يعقوب ٣: ١).

• وفقًا لرسالة يعقوب ١:٣، من الصواب أن يتم الحكم على المعلمين والقادة بمعايير أكثر صرامة، على الرغم من أنه من غير العادل أن نقيس المعلمين والقادة على مقياس مثالي. صحيح أن سلوك الشعب كان أسوأ من سلوك موسى، لكن ليس لهذا شأن بذلك.

• “في خطيته في مريبة (سفر العدد ١٠:٢٠-١٣)، شوه موسى صورة جميلة لعمل يسوع الفدائي من خلال الصخرة التي وفرت الماء في البرية. يوضح العهد الجديد أن هذه الصخرة التي أعطت الماء والحياة كانت صورة ليسوع (كورنثوس الأولى ٤:١٠). فعندما ضُرب يسوع مرة واحدة، أعطى الحياة لكل من يريد أن يشرب منه (يوحنا ٧: ٣٧). ولكن لم يكن من الضروري – وغير العادل – أن يُضرَب يسوع مرة أخرى، لأن ابن الله كان عليه أن يتألم مرة واحدة فقط (عبرانيين ١٠: ١٠-١٢). ويمكننا الآن أن نأتي إلى يسوع بكلمات الإيمان (رومية ١٠: ٨-١٠)، وهو ما كان يتوجب على موسى أن يفعله ليجلب الماء المعطي الحياة لأمة إسرائيل. وبمعنى ما، قد ’أفسد‘ موسى هذه الصورة الرائعة لعمل يسوع على الصليب.

• هنا يذكر جينزبيرج (Ginzberg) أسطورة يهودية تقول إن الدم والماء تفجرا من الصخرة التي ضربها موسى بدلًا من أن يتحدث إليها. “الإشارة التي أعطاها الرب له كانت لإعلامه بأنه، قبل أن يتدفق الماء، سيتدفق الدم من صخرة مريبة، عندما يضربها موسى بعد أن ينطق بالكلمات المتسرعة وغير الصبورة التي كانت ستجلب الموت عليه.”

٣. لاَ تَعُدْ تُكَلِّمُنِي أَيْضًا فِي هذَا الأَمْرِ: كان موسى رجل شفاعة عظيم، وربما كان من أعظم رجال الشفاعة في الكتاب المقدس. ومع ذلك، فإن الله سيقول “لا” حتى لموسى في الصلاة. في بعض الأحيان يقول الله “لا” حتى لأقوى الشُفَعاء (إرميا ١٥: ١).

٤. اصْعَدْ إِلَى رَأْسِ الْفِسْجَةِ: كان هذا هو المكان الذي سيتمكن فيه موسى من رؤية أرض الموعد من عن بُعد، ثم يموت – وحيث سينتهي سفر التثنية.

• “هذا المرتفع، رَأْسِ الْفِسْجَة، الذي يحمل على الأرجح الاسم الحديث رأس الصياغة، يقع شمال جبل نبو وعلى بعد حوالي عشرة أميال شرق نهر الأردن حيث يصب في البحر الميت. ومن هذا الارتفاع ومنظر الإطلالة يمكن رؤية أرض كنعان بأكملها من حرمون في الشمال إلى بئر السبع في الجنوب وحتى الغرب باتجاه البحر الأبيض المتوسط. انتظر موسى ليصعد إلى الجبل إلى أن حان وقت موته (تثنية ٣٤: ١-٥)، مما جعل هذه الإطلالة على أرض الموعد آخر عمل في حياته الطويلة.” كالاند (Kalland)

٥. وَأَمَّا يَشُوعُ فَأَوْصِهِ وَشَدِّدْهُ وَشَجِّعْهُ: على الرغم من أنه لم يدخل أرض كنعان، كان موسى مسؤولًا عن بذل كل ما في وسعه لمساعدة خليفته يشوع على النجاح. هذا مثال صالح للقادة بين شعب الله اليوم، حيث ينبغي عليهم دائمًا تشجيع وتقوية قادة الجيل القادم.

• كان لموسى قلب الراعي الحقيقي. لقد عرف أن خدمته لم تكن تتمحور حول نفسه وحول إرضاء ذاته، بل حول الله وشعبه.

• “في الواقع، لم يتم تسجيل موت موسى حتى الإصحاح ٣٤، لذا فإن سفر التثنية بأكمله يقع بين إعلان موت موسى الوشيك وإعلان موته الفعلي. وهكذا فإن السفر، بطريقة ما، هو العهد الروحي لموسى، المُشرِّع العظيم لإسرائيل.” تومسون (Thompson)

٦. وَهُوَ يَقْسِمُ لَهُمُ الأَرْضَ الَّتِي تَرَاهَا: يشوع هو الذي قاد شعب إسرائيل إلى أرض الموعد، وليس موسى. ومع ذلك، من رأس الْفِسْجَة، كان موسى سينظر الأرض، واثقًا من وعد الله بأن إسرائيل سوف يمتلك الأرض.

• “إننا مدعوون لأن نصلي كل حين، وبلا انقطاع أو كلل؛ وأن نسأل، ونطلب، ونقرع. ومع ذلك، هناك أوقات يقول فيها الله، ’لاَ تَعُدْ تُكَلِّمُنِي أَيْضًا فِي هذَا الأَمْرِ.‘ وفي بعض الحالات، قد يتعلق الأمر بمواقف الآخرين، ولكن غالبًا ما يتعلق بأمور في حياتنا الخاصة، كما في حالة الرسول بولس (٢ كورنثوس ١٢: ٩). وحتى عندما لا يمنحك الله بالضبط ما تطلبه، فإنه سيوفّر لك لمحة تشبه رأس الْفِسْجَة ومزيد من النعمة.” ماير (Meyer)

• “بالتأكيد ليس هناك سبب للشكوى لمن يُنقل من أفراح الأرض على مجد السماء. لقد أظهر الله لموسى، في هذا العمل، صلاحه وشدته معًا.” كلارك (Clarke)