١. فقالَ رَئيسُ الكَهَنَةِ: كان رئيس الكهنة المذكور هنا قيافا على الأغلب وهو من ترأس محاكمة يسوع أيضًا (متى ٥٧:٢٦).
٢. أَتُرَى هَذِهِ الْأُمُورُ هَكَذَا هِيَ؟ «هَلْ ما يَتَّهِمُونَكَ بِهِ صَحِيحٌ؟»: طلب رئيس الكهنة أن يشرح استفانوس وجهة نظره في ضوء الاتهامات المذكورة في أعمال الرسل ١١:٦-١٤. فقد اتهموا استفانوس بالتجديف على موسى وعلى الله وعلى الموضع المقدس (الهيكل) وعلى الناموس. واتهموه أيضًا أنه قال أن يسوع سيهدم الهيكل والتقاليد التي سلمها موسى.
• كان رد استفانوس عبارة عن بانوراما تعكس تاريخ العهد القديم. لم يقدم استفانوس للسنهدريم شيئًا عن التاريخ اليهودي لم يعرفوه من قبل. بل شدد على بعض الأمور في التاريخ اليهودي التي ربما لم يأخذوها بالحسبان، مثلًا: الله لا يسكن في مكان محدد (مثل الهيكل) وأن الشعب اليهودي اعتاد على رفض المرسلين من الله.
• لم يكن ما قاله مُرافعة أو دفاعًا عن النفس. فلم يهتم استفانوس بالدفاع عن نفسه بل كان يريد ببساطة أن يعلن الحق عن يسوع بطريقة يمكن للناس أن يفهموها. كتب لينسكي (Lenski): “يبدو أنه لم يدافع عن نفسه ولم يعاتب متهميه أو شهود الزور ومع ذلك تمكن من دحض كل التهم وقدم أفضل وأروع دفاع على الإطلاق.”
• كتب بويس (Boice): “يبدو أن استفانوس أدرك أن النظام القديم سيزول وأن النظام الجديد كان قادمًا. وبدا هذا واضحًا عندما تحدث بشكل خاص عن الهيكل. فقد كان اليهود يعتزون بالهيكل كثيرًا ولكن عرف استفانوس أن مصيره الزوال. كان خطابه تمهيدًا للمرحلة الانتقالية القادمة وهي تقديم رسالة الإنجيل للأمم وهذا بالفعل ما سنراه في الفصل التالي من أعمال الرسل .”
• كتب بروس (Bruce): “لن يضمن هذا الكلام براءة استفانوس أمام السنهدريم بل كان دفاعًا عن الإيمان المسيحي الذي يُرضي الله.”
١. ظَهَرَ إِلَهُ الْمَجْدِ لِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ: ركز استفانوس من بداية كلامه على أن إِلَهُ الْمَجْدِ ظَهَرَ لإبراهيم قبل وصوله إلى أرض الموعد.
• لم يكن وجود الهيكل ضروريًا لظهور إِلَهُ الْمَجْدِ ولم تكن أرض الموعد ضرورية أيضًا فالله أعظم من كليهما. وهذا يشرح لماذا اتهموا استفانوس بالتجديف على الهيكل. لم يدافع استفانوس عن نفسه بل كان ببساطة يشرح كلامه.
• كتب ستوت (Stott): “خيط واحد كان يتغلغل مباشرة في الجزء الأول من دفاعه وهو أننا لا نستطيع تحديد وحصر إله إسرائيل في مكان واحد. وإن كان له منزل على وجه الأرض فسيكون داخل شعبه.”
• كتب بويس (Boice): “لا يعني هذا أن الله (لنقل أنه كان على جبل صهيون) تكلم مع إبراهيم الذي كان في أرض ما بين النهرين التي تبعد مئات الأميال وقال: “تعال هنا يا إبراهيم… أريدك أن تأتي إلى فلسطين” بل ظهر الله له هناك في بلاد ما بين النهرين في كل مجده.”
٢. اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ: قال الله هذا الكلام لإبراهيم عندما كان في أرْضِ ما بَينَ النَّهرَين. ومع ذلك شرح استفانوس أن إبراهيم لم يذهب فورًا إلى كنعان (سَكَنَ في حَارَانَ) وكذلك لم يترك أقربائه فورًا (كان والده معه في حَارَانَ).
• لم يخسر إبراهيم وعد الله بسبب عدم طاعته لله بل تأجل الوعد إلى أن أصبح أبرام مستعدًا للطاعة الكاملة. لم يتحقق الوعد إلا عندما ترك إبراهيم حاران ووالده خلفه وذهب إلى المكان الذي أراده الله.
• سيصبح إبراهيم فيما بعد عملاقًا بالإيمان حتى أنه سيلقب أبو المؤمنين (غلاطية ٧:٣) ولكنه لم يبدأ من هناك. كان إبراهيم مثلًا على شخص نما وتقوى في الإيمان والطاعة.
٣. وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا… وَلَمْ يُعْطِهِ وَلَدٌ: وعد الله إبراهيم بالأرض وبالنسل ولكنه لم يملك أي دليل ملموس على أي منهما. وكان أمله الوحيد لتحقيق هذه الوعود هو الثقة بالله.
• أكد استفانوس بهذه الكلمات على أن أساس العلاقة مع الله هو الإيمان وليس الأدلة الملموسة مثل الهيكل أو المبنى الديني للمؤسسة وتقاليدها.
• عاش إبراهيم كغريب على الأرض ولم يعبد البركات التي أعطاه الله له أو وعد بها. كان هذا توبيخًا مباشرًا للقادة الدينيين الذين تحدث استفانوس معهم لأن الكثيرين منهم لم يعيشوا كغرباء بل عبدوا البركات التي حصلوا عليها من الهيكل والأرض.
١. يَكُونَ نَسْلُهُ مُتَغَرِّبًا فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَيَسْتَعْبِدُونَهُ: لم يكن الوعد هينًا أو سهلًا على إبراهيم أو على نسله. ومع ذلك وعد الله أن يدين الأمة التي ستستعبد أمة إسرائيل.
• قدم استفانوس هنا فكرة عناية الله وحمايته لشعبه وكان متيقنًا من هذا الضمان وتحدى المجلس بأن يملكوا نفس الضمان.
٢. وَأَعْطَاهُ عَهْدَ الْخِتَانِ … وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ رُؤَسَاءَ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: أصبح الختان بالنسبة لإسرائيل علامة على العهد وانتقل العهد لنسل إبراهيم من خلال الأحفاد.
١. وَكَانَ اللهُ مَعَهُ: نجد مرة أخرى تشديد استفانوس على الحضور الروحي لله مع يوسف طوال الوقت. فلم يحتاج يوسف الذهاب إلى الهيكل ليكون قريبًا من الله فلم يكن هناك هيكل في الأساس ولكن كَانَ اللهُ مَعَهُ دائمًا.
٢. حَسَدُوا يُوسُفَ وَبَاعُوهُ: ذكر استفانوس قصة يوسف ليظهر لهم أن يوسف كان صورة عن يسوع وليظهر لهم كيف رفض أولاد إسرائيل يوسف الذي أصبح لاحقًا مخلصًا لهم (وكان المخلص الوحيد).
٣. خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَفْسًا: تقول الآية في سفر التكوين ٢٧:٤٦ أن ٧٠ نفسًا شكلوا عائلة إسرائيل في حين قال استفانوس في أعمال الرسل ١٤:٧ بأنه كان هناك ٧٥ نفسًا. يقتبس استفانوس هنا من الترجمة السبعينية للعهد القديم التي تقول أنه كان هناك ٧٥ نفسًا. لم يكن العدد في الترجمة السبعينية خطأ ولكنهم توصلوا إليه مستخدمين طريقة مختلفة فقد أضافوا خمسة أبناء (أو أجيال) ليوسف ولدوا في مصر.
٤. الْقَبْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ: الأرض الوحيدة التي امتلكها إبراهيم في كنعان كان ذلك القبر أما الباقي فناله بالإيمان.
١. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلًا جِدًّا: (تأتي كلمة ’جميل‘ هنا بمعنى “مُنعم عليه من الله”). كان موسى يشبه يسوع لأن الله أنعم عليه منذ ولادته وحافظ عليه في نشأته. كان مُنعم عليه من الله دون وجود الهيكل أو عَوَائِد المؤسسة الدينية.
٢. وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ: كان موسى مثل يسوع الذي جاء بعده وكان حكيمًا وماهرًا باستخدام الكلمات ومُقْتَدِرًا فِي الْأَعْمَالِ.
١. وَلَمَّا كَمِلَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَطَرَ عَلَى بَالِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ: نزل موسى من عرشه الملكي في وقت معين ليتفقد إِخْوَتَهُ ويهتم بهم. كانت تلك طريقة أخرى تشابه بها موسى مع يسوع الذي كان سيأتي بعده.
٢. فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا: عندما عرض موسى على إسرائيل النجاة رفضوه بحقد. أنكر بني إسرائيل أنه كان يملك كل الحق ليكون رَئِيسًا وَقَاضِيًا عليهم.
• كانت رسالة استفانوس واضحة: “رفضتم يسوع الذي كان يشبه موسى بل وأعظم منه وأنكرتم حق يسوع في أن يكون رَئِيسًا وَقَاضِيًا عليكم.”
١. ظَهَرَ لَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ: شدد استفانوس مرة أخرى على فكرة أن الله ومجده وعمله ليس محدودًا في الهيكل. فقد ظَهَرَ الله لموسى في بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ قبل أن يكون هناك هيكل.
٢. فَهَلُمَّ الْآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ: أكد استفانوس على أن الله لم يدعو موسى فحسب بل أعطاه مأمورية أيضًا.
د ) الآيات (٣٦-٣٥): كان موسى محررًا لإسرائيل رغم رفضهم السابق له
١. هَذَا مُوسَى الَّذِي أَنْكَرُوهُ: رغم أن بني إسرائيل رفضوا موسى وقيادته إلا أن الله عينه مستخدمًا عجائب وآيات بما في ذلك الْعُلَّيْقَةِ المشتعلة في البرية.
٢. هَذَا أَخْرَجَهُمْ: رغم أن بني إسرائيل رفضوا موسى في البداية إلا أن الله أختاره ليحررهم.
هـ) الآيات (٤١-٣٧): رفض بني إسرائيل المتكرر لموسى.
١. هَذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: وعد موسى بأن نَبِيًّا سيأتي بعده وطلب منهم أن يسمعوا كلامه بعناية. ولكن مثلما رفضت إسرائيل موسى هكذا كانوا سيرفضون يسوع وهو النبي الذي أشار إليه موسى.
• على كل فرد أن يفكر مليًا بقبول يسوع وعدم رفضه. كان عليهم أن يقبلوه كمخلصهم لأنه الوحيد القادر على منحهم الخلاص.
٢. هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ … الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالًا حَيَّةً: قاد موسى الْكَنِيسَةِ تمامًا كما فعل يسوع وكان يتمتع بعلاقة حميمة خاصة مع الله ونقل إليهم وصايا الله الحية.
٣. فَعَمِلُوا عِجْلًا … وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ: عندما رفض بني إسرائيل في القديم موسى ورفضوا عمل الله من خلاله استبدلوه بديانة من صنع أيديهم. طبق استفانوس نفس الفكرة على المجمع الذي كان يتحدث معه.
• جملة وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ لها معنى خاص. كانت إحدى التهم التي وجهوها ضد استفانوس هي التجديف على الهيكل. ولكن استفانوس لم يتكلم ضد الهيكل بل تكلم ضد طريقة عبادة اليهود لهيكل الله بدلًا من عبادة إله الهيكل نفسه. وكما عبد شعب إسرائيل العجل في البرية هكذا الآن يعبدون ما صنعته أيديهم.
و ) الآيات (٤٣-٤٢): رد الله على الرفض المتكرر لخدامه
١. فَرَجَعَ اللهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ السَّمَاءِ (لَكِنَّ اللهَ تَحَوَّلَ عَنهُمْ، وَتَرَكَهُمْ يَعبُدُونَ نُجُومَ السَّماءِ): في رفضهم لموسى والله الذي أرسله تحولت إسرائيل إلى عبادة الأصنام الفاسدة وجلبوا على أنفسهم الدينونة الموصوفة في سفر عاموس ٢٥:٥-٢٧.
• اقتبس استفانوس النص من عاموس وأضاف بعض التغييرات ليوضح الفكرة لمستمعيه. قال عاموس: “ما وَراءَ دِمَشقَ” (عاموس ٢٧:٥) أما استفانوس فغيرها لتصبح: “مَا وَرَاءَ بَابِلَ.”
• يشرح بويس (Boice): “استفانوس الذي اقتبس النص وغيّره لم يوجه كلامه لشعب المملكة الشمالية ولكن لقادة إسرائيل من المملكة الجنوبية. فقد أخذ تاريخهم بعين الاعتبار.”
٢. فَرَجَعَ اللهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ السَّمَاءِ: الفكرة هنا هامة ورائعة للغاية في نفس الوقت. تكلم بولس في وقت لاحق عن نفس هذه الفكرة حينما قال أن الله أسلم الناس لِرَغَباتِهِمُ المُخزِيَةَ في رومية ٢٤:١-٣٢.
• هذا يدفعنا على التفكير بالسؤال التالي: لمن سنسلم أنفسنا حينما نرفض يسوع؟
ز ) الآيات (٥٠-٤٤): حتى عندما رفض الشعب الله كان هناك خيمة الاجتماع ثم الهيكل لاحقًا
١. وَأَمَّا خَيْمَةُ الشَّهَادَةِ فَكَانَتْ مَعَ آبَائِنَا… سُلَيْمَانَ بَنَى لَهُ بَيْتًا: كانت نقطة استفانوس هنا أن وجود خيمة الشهادة أو الهيكل لم يمنعهم من رفض الله وخدامه المُرسلين.
٢. لَكِنَّ الْعَلِيَّ لَا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الْأَيَادِي: واجههم استفانوس بحقيقة عبادتهم للهيكل. فقد حاولوا أن يحدوا االله داخل بناء الهيكل ولكن الله أعظم بكثير من أن يسكن في هياكل مصنوعة بأيدي الناس.
• الكثيرون يفعلون الشيء ذاته ولكن بطرق غير مباشرة. قد لا يعبدون مبنى الكنيسة (يحدث هذا بكل تأكيد من وقت لآخر) وإنما يحددون وجود الله في الكنيسة فقط فهم لا يشعرون بوجوده في حياتهم اليومية خارج أسوارها. يعتقد الكثيرون اليوم أن الله حاضر داخل مبنى الكنيسة فقط.
١. أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ!: يمكننا أن نتخيل الهمسات الغاضبة الخارجة من أعضاء السنهدريم عندما بدأوا يفهمون درس التاريخ الذي قدمه استفانوس لهم. رأى استفانوس هذا وعرف أنهم سيرفضون من أرسله الله تمامًا كما فعلوا من قبل.
• كتب سبيرجن (Spurgeon): “يأخذ استفانوس سكين الكلمة الحاد ويمزق فيها خطايا الشعب فاتحًا أعماق قلوبهم وكاشفًا أسرار أرواحهم… لم يكن بإمكانه أن يقدم مثل هذه الرسالة الثاقبة وبكل جرأة إن عرف أنهم سيشكرونه على العملية. وحقيقة أن موته كان مؤكدًا لم تؤثر عليه بل جعلته أكثر غيرة وجسارة.”
٢. يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالْآذَانِ!: بناءًا على مفاهيم من العهد القديم وبخ استفانوس أولئك الذين رفضوا يسوع وقال أنهم قُسَاةَ الرِّقَابِ (كما وصفت إسرائيل في مقاطع أخرى مثل الخروج ٩:٣٢) وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالْآذَانِ (كما وصفت إسرائيل في مقاطع مثل إرميا ٢٦:٩).
• استخدامه للجملتين معًا ربما فكر استفانوس في النص من سفر التثنية ١٦:١٠ “فَاخْتِنُوا غُرْلَةَ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ بَعْدُ.” (فَلتَتَطَهَّرْ قُلُوبُكُمْ، وَلا تُعانِدُوا بَعْدُ).
• وصف الله إسرائيل في العهد القديم بقُسَاةَ الرِّقَابِ ٢٠ مرة تقريبًا. تصرف هؤلاء القادة الدينيين تمامًا كما فعل آبائهم في السابق.
• تفتخر إسرائيل بعلامة الختان لأنها فصلتهم عن الأمم. ولكننا نرى استفانوس هنا يقول بشكل أساسي: “أنتم تشبهون الأمم في رفضكم للرب.”
٣. صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ: كانت نقطة استفانوس الرئيسية واضحة: “كما كانت إسرائيل سابقًا هكذا أنتم اليوم. أعطاكم الله الناموس ولكنكم لَمْ تَحْفَظُوهُ.”
٤. الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلَائِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ: سَبَبَ هذا الاتهام حتمًا غضب المجمع. فقد افتخروا كثيرًا بطاعتهم للناموس كما ادعى بولس الرسول فيما بعد قبل إيمانه: مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ: بِلَا لَوْمٍ (فيلبي ٦:٣).
• على الرغم من أن كلام استفانوس كان مهينًا بالنسبة للمجمع إلا أنه كان صحيحًا. أولًا ليس عند الله محاباة فالهيكل كان عطية رائعة من الله ولكن كان من الخطأ التشديد على أنه كان “بيت الله” الوحيد. ثانيًا كانت إسرائيل في ذلك الوقت مذنبة بنفس الخطية دائمًا: رفض خدام الله.
• قال يسوع أنه من المستحيل وضع الخمر العتيقة فِي أوعِيَةٍ جِلدِيَّةٍ جديدة (متى ١٧:٩). أظهر الروح القدس من خلال استفانوس كيف لا يمكن للخمر الجديد (المسيحية) أن تحتوي التقاليد اليهودية العتيقة (خاصة التركيز الزائد على الهيكل).
• استخدم الله استشهاد استفانوس لإرسال الكنيسة إلى العالم بأسره ولكن الله استخدم رسالة استفانوس أيضًا ليوضح أنه لا يوجد أي سبب لاهوتي يمنع توصيل الإنجيل إلى الأمم.
• الفكرة الرئيسية من وجود الهيكل هو أن يذهب الناس لعبادة الله الذي قال “تعالوا إلي.” لهذا السبب اعتقد اليهود أن على العالم أن يأتوا إليهم للخلاص كونهم نور الأمم. ولكن سيُظهر الله من خلال الكنيسة قلبًا مختلفًا: “أنا سآتي إليكم” وهذا يشمل الأمم.
ثالثًا. ردة فعل المجمع على عظة استفانوس
أ ) الآية (٥٤): فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ، وتبكتوا من الروح القدس. ومع ذلك امتلاء السنهدريم بالغضب بدلًا من الخضوع للروح القدس.
١. فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ: غضب المجمع كثيرًا لأن عظة استفانوس ضربت على الوتر الحساس. ولم يستطعوا أن يتجاهلوا ما قاله أو أن يتجاهلوه.
٢. وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ: من الجيد أن نفكر في ردة فعل قادة إسرائيل المحترمين وكيف صَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ كطريقة للتجاوب مع شهادة أحدهم في جلسة الاستماع.
• فكرة صَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ تذكرنا بالجحيم. وصف يسوع الجحيم سبع مرات مختلفة كمكان للْبُكَاء وَصَرِيرُ الْأَسْنَانِ (متى ١٢:٨). رغم أن هؤلاء الرجال كانوا بارزين وناجحين ويبدو أنهم متدينين إلا أنهم رفضوا الله وربطوا أنفسهم بالجحيم وليس بالسماء.
• لم يبدأوا بصَرّ أسنانهم عندما انتهى استفانوس من كلامه. علّقَ غايبلين (Gaebelein) وقال: “كل ما فعلوه عندما اشتَعَلُوا غَيظًا كان التعبير عن هذا الغضب بصَرّ أسنانهم. ولكن لم يكن هذا الاشتعال مفاجئًا بل امتد لفترة طويلة.”
١. وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ: تعكس هذه الآية التناقض الكبير مع تصرفات المجمع. تُظهر حقيقة أنه كان مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مصدر شجاعته وحكمته وسلطانه في الوعظ.
• كانت ترجمة فيليبس (J.B. Phillips) ثاقبة: “امتلأ كل كيان استفانوس من الروح القدس. وتلك هي الطريقة الأمثل كي نمتلئ جميعًا من الروح القدس.”
٢. فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ: من الصعب وصف ما رآه استفانوس بالتحديد. ولا نستطيع أن نؤكد على حقيقة أن هذه كانت رؤية شخصية أو أن نافذة من السماء فتحت أمامه بالفعل، فتأويل النص سيكون مجرد تكهنات.
٣. وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ: من المهم أن نلاحظ أن يسوع كان قَائِمًا (واقِفًا) بدلًا من الوصف المعتاد بأنه جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ (متى ٦٤:٢٦، كولوسي ١:٣).
• يمكننا أن نفترض أن سبب وقوف يَسُوعَ كان تضامنًا مع استفانوس في هذه الأزمة. فهو يتفاعل دائمًا بحماس مع مشاكل شعبه.
• ويمكننا القول أيضًا أن سبب وقوف يسوع كان ليرحب بوصول استفانوس إلى السماء الذي كان مصيره فريدًا من نوعه بين المؤمنين. فقد كان استفانوس أول شهيد من بين أتباع يسوع.
• قال يسوع: “فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى ٣٢:١٠) فربما وقف يسوع أيضًا للدفاع عن قضية استفانوس أمام الله الآب مؤكدًا أنه رغم إثبات ذنبه على الأرض ونواله العقاب إلا أنه وجد مع الصالحين في السماء وحاز على المكافأة.
• كتب بروس (Bruce): “اعترف استفانوس بيسوع أمام الناس والآن نرى يسوع يعترف بخادمه أمام الله.”
١. فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: عندما أعلن استفانوس بأنه رأى يَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ لم يحتملوا الأمر وكانت ردة فعل السنهدريم سريعة وعنيفة وهجموا عليه بنفسٍ واحدة. كانت ردة فعلهم هي ذاتها عندما أعلن يسوع أنه سيجلس عن يمين الله وبالتالي حكموا عليه بالموت بتهمة التجديف (متى ٦٤:٢٦-٦٦).
• كتب بروس (Bruce): “فكرة أن يقترح استفانوس أن يسوع المصلوب كان قائمًا عن يمين الله أي بجانب أعلى سلطة في الوجود لا بد وأنها صُنفت كتجديف في رأيهم لأنهم عرفوا جيدًا أن الرجل المصلوب مات تحت لعنة من الله.”
٢. فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ: كانت تلك ردة فعل رجال بالغين وبارزين في المجتمع ويبدو أنها كانت عنيفة أكثر من اللازم ولكنها نموذجية لمن رفض الله وتاه في الجنون الروحي. صرخوا بألم وسدوا آذانهم عن سماع إعلان الله الذي اعتبروه تجديفًا.
• إنه لأمر خطير جدًا أن تكون متدين دون التمتع بعلاقة حقيقية مع يسوع المسيح. وما حذر منه يسوع في إنجيل يوحنا ٢:١٦-٣ تحقق بالفعل: “بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلهِ. وَسَيَفْعَلُونَ هَذَا بِكُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْآبَ وَلَا عَرَفُونِي.”
٣. وَهَجَمُوا عَلَيْهِ: استخدمت الكلمة اليونانية القديمة hormao هنا. وهي نفس الكلمة المستخدمة لوصف اندفاع قطيع الخنازير في البحر (مرقس ١٣:٥). هجم هؤلاء الغوغاء بطريقة جنونية على استفانوس.
٤. وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ: نرى حجم غضبهم من خلال الطريقة التي قتلوا بها استفانوس. فقد رجموا استفانوس حسب التقاليد اليهودية دون أي اعتبار للقانون الروماني.
• وصف اليهود الذين كتبوا المشناة في القرن الثاني الرجم بالحجارة كالتالي: “كانوا عند الانتهاء من المحاكمة يأخذون المُدان خارج المدينة ليُرجم… وعند الاقتراب ١٠ أذرع من مكان الرجم كانوا يقولون له: “علينا رجمك حسب التقاليد ولكن إن اعترفت سيكون لك نصيب في الحياة التالية.” وعلى بعد ٤ أذرع من مكان الرجم الذي كان عمقه ضعف طول أي رجل يتم تعرية المجرم ثم يقوم أحد الشهود بدفعه من الخلف حتى يقع على وجهه أرضًا ثم يقلبونه على ظهره فإذا مات من الوقعة كان ذلك كافيًا ولكن إن لم يمت يأخذ الشاهد الثاني حجرًا ويرميه على قلب المجرم، إن تسبب ذلك في موته فسيكون كافيًا ولكن إن لم يمت يتم رجمه من جميع الشعب.” (وردت في كتابات بروس Bruce)
٥. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ: وقف شاول هناك مشرفًا على عملية الرجم. وكونه عضوًا في السنهدريم فلا بد وأنه وافق على إعدام استفانوس.
• تعني كلمة شَابٍّ حرفيًا: “أنه كان في عز شبابه” ولا يعني هذا أن عمره لم يكن مناسبًا ليكون عضوًا في السنهدريم. يخبرنا بولس في أعمال الرسل ١٠:٢٦ “كُنتُ أُصَوِّتُ ضِدَّهُمْ” مما يشير إلى أنه كان يملك الحق في التصويت كعضو في السنهدريم.
١. فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ، اقْبَلْ رُوحِي»: انتهت حياة استفانوس بنفس الطريقة التي عاش بها: واضعًا ثقته الكاملة بالله ومؤمنًا أن يسوع سيعتني به في الحياة الأبدية.
• كتب مورغان (Morgan): “لم تصنع النيران في الأيام الخوالي الشهداء بل كشفتهم. لم تخلق أعاصير الاضطهاد الشهداء بل كشفتهم. كان استفانوس شهيدًا قبل أن يُرشق بالحجارة. كان أول شهيد يختم شهادته بالدم.”
٢. يَا رَبُّ، لَا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ: استجاب الله لطلبة استفانوس واستخدمها ليتعامل في قلب رجل وافق بشدة على رجمه – لم يعرف الرجل طبعًا أن صلاة استفانوس قد استجيبت. علينا أن نشكر استفانوس عندما نصعد إلى السماء من أجل كل بركة حصلنا عليها من خلال خدمة شاول الطرسوسي.
• استجاب الله لطلبة استفانوس وكان الدليل بولس. ليست لدينا أية فكرة عن العظمة التي يمكن لله أن يأتي بها نتيجة معاناتنا.
• قال أوغسطينوس: “إن لم يُصلي استفانوس لما حازت الكنيسة على بولس.”
٣. وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لَا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ»: أظهر استفانوس نفس المغفرة الذي أظهرها يسوع على الصليب (لوقا ٣٤:٢٣). صلى طالبًا من الله أن يغفر خطية المشتكين عليه وفعل ذلك بأعلى صوته أمام الجميع.
• سجلت الأناجيل الأربعة جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ (أعمال الرسل ١:١) ولكن يسوع لم يستمر في الخدمة والتعليم من خلال الكنيسة في سفر أعمال الرسل فحسب بل استمرت معاناته من خلالها أيضًا. وهذا يرتبط على الأرجح مع فكرة بولس التي عبر عنها في كولوسي ٢٤:١ “أمّا الآنَ، فَأنا أفرَحُ فِي ما أُعانِيهِ مِنْ أجلِكُمْ، وَبِهَذا أُتَمِّمُ حِصَّتِي مِنْ آلامِ المَسِيحِ فِي جَسَدِي، مِنْ أجلِ جَسَدِهِ، أيِ الكَنِيسَةِ.” لهذا يمكننا القول بأن يسوع شارك في معاناة استفانوس أثناء قتله.
٤. وَإِذْ قَالَ هَذَا رَقَدَ: قدم الكتاب المقدس ألطف وصف على الإطلاق لموت استفانوس وبدلًا من القول ببساطة أنه قد مات قال أنه قد رَقَدَ – ويعني هذا أنه استيقظ في مكان أفضل.
• يعني رقود استفانوس أن على الكنيسة أن تستيقظ. كتب لاسور (LaSor): “إذا كان هناك أي تفاؤل حول ربح اليهود للمسيح فحتمًا انتهى الآن. على الكنيسة ألا تتوقع أي انتصار دون سفك الدم.”
• لم يكن استفانوس سوبرمان ولكنه كان ممتلئ بالكامل من الروح القدس. فالكثيرون لا يملكون أدنى فكرة عن إمكانية استخدام الله لهم إن ساروا بقوة الروح القدس يوميًا.
أعمال الرسل – الإصحاح ٧ – رد استفانوس على مجمع اليهود
أولًا. قصة شعب إسرائيل في زمن إبراهيم
أ ) الآية (١): رئيس الكهنة يسمح لاستفانوس بالكلام
١فَقَالَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ: «أَتُرَى هَذِهِ الْأُمُورُ هَكَذَا هِيَ؟».
١. فقالَ رَئيسُ الكَهَنَةِ: كان رئيس الكهنة المذكور هنا قيافا على الأغلب وهو من ترأس محاكمة يسوع أيضًا (متى ٥٧:٢٦).
٢. أَتُرَى هَذِهِ الْأُمُورُ هَكَذَا هِيَ؟ «هَلْ ما يَتَّهِمُونَكَ بِهِ صَحِيحٌ؟»: طلب رئيس الكهنة أن يشرح استفانوس وجهة نظره في ضوء الاتهامات المذكورة في أعمال الرسل ١١:٦-١٤. فقد اتهموا استفانوس بالتجديف على موسى وعلى الله وعلى الموضع المقدس (الهيكل) وعلى الناموس. واتهموه أيضًا أنه قال أن يسوع سيهدم الهيكل والتقاليد التي سلمها موسى.
• كان رد استفانوس عبارة عن بانوراما تعكس تاريخ العهد القديم. لم يقدم استفانوس للسنهدريم شيئًا عن التاريخ اليهودي لم يعرفوه من قبل. بل شدد على بعض الأمور في التاريخ اليهودي التي ربما لم يأخذوها بالحسبان، مثلًا: الله لا يسكن في مكان محدد (مثل الهيكل) وأن الشعب اليهودي اعتاد على رفض المرسلين من الله.
• لم يكن ما قاله مُرافعة أو دفاعًا عن النفس. فلم يهتم استفانوس بالدفاع عن نفسه بل كان يريد ببساطة أن يعلن الحق عن يسوع بطريقة يمكن للناس أن يفهموها. كتب لينسكي (Lenski): “يبدو أنه لم يدافع عن نفسه ولم يعاتب متهميه أو شهود الزور ومع ذلك تمكن من دحض كل التهم وقدم أفضل وأروع دفاع على الإطلاق.”
• كتب بويس (Boice): “يبدو أن استفانوس أدرك أن النظام القديم سيزول وأن النظام الجديد كان قادمًا. وبدا هذا واضحًا عندما تحدث بشكل خاص عن الهيكل. فقد كان اليهود يعتزون بالهيكل كثيرًا ولكن عرف استفانوس أن مصيره الزوال. كان خطابه تمهيدًا للمرحلة الانتقالية القادمة وهي تقديم رسالة الإنجيل للأمم وهذا بالفعل ما سنراه في الفصل التالي من أعمال الرسل .”
• كتب بروس (Bruce): “لن يضمن هذا الكلام براءة استفانوس أمام السنهدريم بل كان دفاعًا عن الإيمان المسيحي الذي يُرضي الله.”
ب) الآيات (٥-٢): وعد الله لإبراهيم
٢فَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الْإِخْوَةُ وَالْآبَاءُ، اسْمَعُوا! ظَهَرَ إِلَهُ الْمَجْدِ لِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ في حَارَانَ، ٣وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. ٤فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الْآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا. ٥وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا وَلَا وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَلَكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكًا لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدُ وَلَدٌ.
١. ظَهَرَ إِلَهُ الْمَجْدِ لِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ: ركز استفانوس من بداية كلامه على أن إِلَهُ الْمَجْدِ ظَهَرَ لإبراهيم قبل وصوله إلى أرض الموعد.
• لم يكن وجود الهيكل ضروريًا لظهور إِلَهُ الْمَجْدِ ولم تكن أرض الموعد ضرورية أيضًا فالله أعظم من كليهما. وهذا يشرح لماذا اتهموا استفانوس بالتجديف على الهيكل. لم يدافع استفانوس عن نفسه بل كان ببساطة يشرح كلامه.
• كتب ستوت (Stott): “خيط واحد كان يتغلغل مباشرة في الجزء الأول من دفاعه وهو أننا لا نستطيع تحديد وحصر إله إسرائيل في مكان واحد. وإن كان له منزل على وجه الأرض فسيكون داخل شعبه.”
• كتب بويس (Boice): “لا يعني هذا أن الله (لنقل أنه كان على جبل صهيون) تكلم مع إبراهيم الذي كان في أرض ما بين النهرين التي تبعد مئات الأميال وقال: “تعال هنا يا إبراهيم… أريدك أن تأتي إلى فلسطين” بل ظهر الله له هناك في بلاد ما بين النهرين في كل مجده.”
٢. اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ: قال الله هذا الكلام لإبراهيم عندما كان في أرْضِ ما بَينَ النَّهرَين. ومع ذلك شرح استفانوس أن إبراهيم لم يذهب فورًا إلى كنعان (سَكَنَ في حَارَانَ) وكذلك لم يترك أقربائه فورًا (كان والده معه في حَارَانَ).
• لم يخسر إبراهيم وعد الله بسبب عدم طاعته لله بل تأجل الوعد إلى أن أصبح أبرام مستعدًا للطاعة الكاملة. لم يتحقق الوعد إلا عندما ترك إبراهيم حاران ووالده خلفه وذهب إلى المكان الذي أراده الله.
• سيصبح إبراهيم فيما بعد عملاقًا بالإيمان حتى أنه سيلقب أبو المؤمنين (غلاطية ٧:٣) ولكنه لم يبدأ من هناك. كان إبراهيم مثلًا على شخص نما وتقوى في الإيمان والطاعة.
٣. وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا… وَلَمْ يُعْطِهِ وَلَدٌ: وعد الله إبراهيم بالأرض وبالنسل ولكنه لم يملك أي دليل ملموس على أي منهما. وكان أمله الوحيد لتحقيق هذه الوعود هو الثقة بالله.
• أكد استفانوس بهذه الكلمات على أن أساس العلاقة مع الله هو الإيمان وليس الأدلة الملموسة مثل الهيكل أو المبنى الديني للمؤسسة وتقاليدها.
• عاش إبراهيم كغريب على الأرض ولم يعبد البركات التي أعطاه الله له أو وعد بها. كان هذا توبيخًا مباشرًا للقادة الدينيين الذين تحدث استفانوس معهم لأن الكثيرين منهم لم يعيشوا كغرباء بل عبدوا البركات التي حصلوا عليها من الهيكل والأرض.
ج ) الآيات (٨-٦): حذر الله إبراهيم وأعطاه العهد
٦وَتَكَلَّمَ اللهُ هَكَذَا: أَنْ يَكُونَ نَسْلُهُ مُتَغَرِّبًا فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَيَسْتَعْبِدُونَهُ وَيُسِيئُوا إِلَيْهِ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ، ٧وَالْأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا سَأَدِينُهَا أَنَا، يَقُولُ اللهُ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُونَ وَيَعْبُدُونَنِي فِي هَذَا الْمَكَانِ. ٨وَأَعْطَاهُ عَهْدَ الْخِتَانِ، وَهَكَذَا وَلَدَ إِسْحَاقَ وَخَتَنَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ رُؤَسَاءَ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
١. يَكُونَ نَسْلُهُ مُتَغَرِّبًا فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ، فَيَسْتَعْبِدُونَهُ: لم يكن الوعد هينًا أو سهلًا على إبراهيم أو على نسله. ومع ذلك وعد الله أن يدين الأمة التي ستستعبد أمة إسرائيل.
• قدم استفانوس هنا فكرة عناية الله وحمايته لشعبه وكان متيقنًا من هذا الضمان وتحدى المجلس بأن يملكوا نفس الضمان.
٢. وَأَعْطَاهُ عَهْدَ الْخِتَانِ … وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ رُؤَسَاءَ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: أصبح الختان بالنسبة لإسرائيل علامة على العهد وانتقل العهد لنسل إبراهيم من خلال الأحفاد.
د ) الآيات (١٦-٩): أمانة الله من خلال يوسف
٩وَرُؤَسَاءُ الْآبَاءِ حَسَدُوا يُوسُفَ وَبَاعُوهُ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ اللهُ مَعَهُ، ١٠وَأَنْقَذَهُ مِنْ جَمِيعِ ضِيقَاتِهِ، وَأَعْطَاهُ نِعْمَةً وَحِكْمَةً أَمَامَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأَقَامَهُ مُدَبِّرًا عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُلِّ بَيْتِهِ.١١«ثُمَّ أَتَى جُوعٌ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ وَكَنْعَانَ، وَضِيقٌ عَظِيمٌ، فَكَانَ آبَاؤُنَا لَا يَجِدُونَ قُوتًا. ١٢وَلَمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّ فِي مِصْرَ قَمْحًا، أَرْسَلَ آبَاءَنَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. ١٣وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ اسْتَعْرَفَ يُوسُفُ إِلَى إِخْوَتِهِ، وَاسْتَعْلَنَتْ عَشِيرَةُ يُوسُفَ لِفِرْعَوْنَ. ١٤فَأَرْسَلَ يُوسُفُ وَاسْتَدْعَى أَبَاهُ يَعْقُوبَ وَجَمِيعَ عَشِيرَتِهِ، خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَفْسًا. ١٥فَنَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ وَمَاتَ هُوَ وَآبَاؤُنَا، ١٦وَنُقِلُوا إِلَى شَكِيمَ وَوُضِعُوا فِي الْقَبْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ بِثَمَنٍ فِضَّةٍ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ.
١. وَكَانَ اللهُ مَعَهُ: نجد مرة أخرى تشديد استفانوس على الحضور الروحي لله مع يوسف طوال الوقت. فلم يحتاج يوسف الذهاب إلى الهيكل ليكون قريبًا من الله فلم يكن هناك هيكل في الأساس ولكن كَانَ اللهُ مَعَهُ دائمًا.
٢. حَسَدُوا يُوسُفَ وَبَاعُوهُ: ذكر استفانوس قصة يوسف ليظهر لهم أن يوسف كان صورة عن يسوع وليظهر لهم كيف رفض أولاد إسرائيل يوسف الذي أصبح لاحقًا مخلصًا لهم (وكان المخلص الوحيد).
٣. خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَفْسًا: تقول الآية في سفر التكوين ٢٧:٤٦ أن ٧٠ نفسًا شكلوا عائلة إسرائيل في حين قال استفانوس في أعمال الرسل ١٤:٧ بأنه كان هناك ٧٥ نفسًا. يقتبس استفانوس هنا من الترجمة السبعينية للعهد القديم التي تقول أنه كان هناك ٧٥ نفسًا. لم يكن العدد في الترجمة السبعينية خطأ ولكنهم توصلوا إليه مستخدمين طريقة مختلفة فقد أضافوا خمسة أبناء (أو أجيال) ليوسف ولدوا في مصر.
٤. الْقَبْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ: الأرض الوحيدة التي امتلكها إبراهيم في كنعان كان ذلك القبر أما الباقي فناله بالإيمان.
ثانيًا. قصة إسرائيل من زمن موسى
أ ) الآيات (٢٢-١٧): طفولة موسى
١٧وَكَمَا كَانَ يَقْرُبُ وَقْتُ الْمَوْعِدِ الَّذِي أَقْسَمَ اللهُ عَلَيْهِ لِإِبْرَاهِيمَ، كَانَ يَنْمُو الشَّعْبُ وَيَكْثُرُ فِي مِصْرَ، ١٨إِلَى أَنْ قَامَ مَلِكٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ. ١٩فَاحْتَالَ هَذَا عَلَى جِنْسِنَا وَأَسَاءَ إِلَى آبَائِنَا، حَتَّى جَعَلُوا أَطْفَالَهُمْ مَنْبُوذِينَ لِكَيْ لَا يَعِيشُوا.٢٠«وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلًا جِدًّا، فَرُبِّيَ هَذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ. ٢١وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا. ٢٢فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ.
١. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلًا جِدًّا: (تأتي كلمة ’جميل‘ هنا بمعنى “مُنعم عليه من الله”). كان موسى يشبه يسوع لأن الله أنعم عليه منذ ولادته وحافظ عليه في نشأته. كان مُنعم عليه من الله دون وجود الهيكل أو عَوَائِد المؤسسة الدينية.
٢. وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ: كان موسى مثل يسوع الذي جاء بعده وكان حكيمًا وماهرًا باستخدام الكلمات ومُقْتَدِرًا فِي الْأَعْمَالِ.
ب) الآيات (٢٩-٢٣): إسرائيل ترفض موسى
٢٣وَلَمَّا كَمِلَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَطَرَ عَلَى بَالِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ٢٤وَإِذْ رَأَى وَاحِدًا مَظْلُومًا حَامَى عَنْهُ، وَأَنْصَفَ الْمَغْلُوبَ، إِذْ قَتَلَ الْمِصْرِيَّ. ٢٥فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا. ٢٦وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي ظَهَرَ لَهُمْ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ، فَسَاقَهُمْ إِلَى السَّلَامَةِ قَائِلًا: أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَنْتُمْ إِخْوَةٌ. لِمَاذَا تَظْلِمُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا؟ ٢٧فَالَّذِي كَانَ يَظْلِمُ قَرِيبَهُ دَفَعَهُ قَائِلًا: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟ ٢٨أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ أَمْسِ الْمِصْرِيَّ؟ ٢٩فَهَرَبَ مُوسَى بِسَبَبِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَصَارَ غَرِيبًا فِي أَرْضِ مَدْيَانَ، حَيْثُ وَلَدَ ابْنَيْنِ.
١. وَلَمَّا كَمِلَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَطَرَ عَلَى بَالِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ: نزل موسى من عرشه الملكي في وقت معين ليتفقد إِخْوَتَهُ ويهتم بهم. كانت تلك طريقة أخرى تشابه بها موسى مع يسوع الذي كان سيأتي بعده.
٢. فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا: عندما عرض موسى على إسرائيل النجاة رفضوه بحقد. أنكر بني إسرائيل أنه كان يملك كل الحق ليكون رَئِيسًا وَقَاضِيًا عليهم.
• كانت رسالة استفانوس واضحة: “رفضتم يسوع الذي كان يشبه موسى بل وأعظم منه وأنكرتم حق يسوع في أن يكون رَئِيسًا وَقَاضِيًا عليكم.”
ج ) الآيات (٣٤-٣٠): ظهور الله لموسى على جبل سيناء
٣٠«وَلَمَّا كَمِلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ظَهَرَ لَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ فِي لَهِيبِ نَارِ عُلَّيْقَةٍ. ٣١فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ تَعَجَّبَ مِنَ الْمَنْظَرِ. وَفِيمَا هُوَ يَتَقَدَّمُ لِيَتَطَلَّعَ، صَارَ إِلَيْهِ صَوْتُ الرَّبِّ: ٣٢أَنَا إِلَهُ آبَائِكَ، إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ. فَارْتَعَدَ مُوسَى وَلَمْ يَجْسُرْ أَنْ يَتَطَلَّعَ. ٣٣فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: اخْلَعْ نَعْلَ رِجْلَيْكَ، لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ. ٣٤إِنِّي لَقَدْ رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي الَّذِينَ فِي مِصْرَ، وَسَمِعْتُ أَنِينَهُمْ وَنَزَلْتُ لِأُنْقِذَهُمْ. فَهَلُمَّ الْآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ.
١. ظَهَرَ لَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ: شدد استفانوس مرة أخرى على فكرة أن الله ومجده وعمله ليس محدودًا في الهيكل. فقد ظَهَرَ الله لموسى في بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ قبل أن يكون هناك هيكل.
٢. فَهَلُمَّ الْآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ: أكد استفانوس على أن الله لم يدعو موسى فحسب بل أعطاه مأمورية أيضًا.
د ) الآيات (٣٦-٣٥): كان موسى محررًا لإسرائيل رغم رفضهم السابق له
٣٥«هَذَا مُوسَى الَّذِي أَنْكَرُوهُ قَائِلِينَ: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا؟ هَذَا أَرْسَلَهُ اللهُ رَئِيسًا وَفَادِيًا بِيَدِ الْمَلَاكِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ فِي الْعُلَّيْقَةِ. ٣٦هَذَا أَخْرَجَهُمْ صَانِعًا عَجَائِبَ وَآيَاتٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَفِي الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، وَفِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
١. هَذَا مُوسَى الَّذِي أَنْكَرُوهُ: رغم أن بني إسرائيل رفضوا موسى وقيادته إلا أن الله عينه مستخدمًا عجائب وآيات بما في ذلك الْعُلَّيْقَةِ المشتعلة في البرية.
٢. هَذَا أَخْرَجَهُمْ: رغم أن بني إسرائيل رفضوا موسى في البداية إلا أن الله أختاره ليحررهم.
هـ) الآيات (٤١-٣٧): رفض بني إسرائيل المتكرر لموسى.
٣٧«هَذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ. ٣٨هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، مَعَ الْمَلَاكِ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ، وَمَعَ آبَائِنَا. الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالًا حَيَّةً لِيُعْطِيَنَا إِيَّاهَا. ٣٩الَّذِي لَمْ يَشَأْ آبَاؤُنَا أَنْ يَكُونُوا طَائِعِينَ لَهُ، بَلْ دَفَعُوهُ وَرَجَعُوا بِقُلُوبِهِمْ إِلَى مِصْرَ ٤٠قَائِلِينَ لِهَارُونَ: اعْمَلْ لَنَا آلِهَةً تَتَقَدَّمُ أَمَامَنَا، لِأَنَّ هَذَا مُوسَى الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لَا نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ! ٤١فَعَمِلُوا عِجْلًا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَأَصْعَدُوا ذَبِيحَةً لِلصَّنَمِ، وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ.
١. هَذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: وعد موسى بأن نَبِيًّا سيأتي بعده وطلب منهم أن يسمعوا كلامه بعناية. ولكن مثلما رفضت إسرائيل موسى هكذا كانوا سيرفضون يسوع وهو النبي الذي أشار إليه موسى.
• على كل فرد أن يفكر مليًا بقبول يسوع وعدم رفضه. كان عليهم أن يقبلوه كمخلصهم لأنه الوحيد القادر على منحهم الخلاص.
٢. هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ … الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالًا حَيَّةً: قاد موسى الْكَنِيسَةِ تمامًا كما فعل يسوع وكان يتمتع بعلاقة حميمة خاصة مع الله ونقل إليهم وصايا الله الحية.
٣. فَعَمِلُوا عِجْلًا … وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ: عندما رفض بني إسرائيل في القديم موسى ورفضوا عمل الله من خلاله استبدلوه بديانة من صنع أيديهم. طبق استفانوس نفس الفكرة على المجمع الذي كان يتحدث معه.
• جملة وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ لها معنى خاص. كانت إحدى التهم التي وجهوها ضد استفانوس هي التجديف على الهيكل. ولكن استفانوس لم يتكلم ضد الهيكل بل تكلم ضد طريقة عبادة اليهود لهيكل الله بدلًا من عبادة إله الهيكل نفسه. وكما عبد شعب إسرائيل العجل في البرية هكذا الآن يعبدون ما صنعته أيديهم.
و ) الآيات (٤٣-٤٢): رد الله على الرفض المتكرر لخدامه
٤٢فَرَجَعَ اللهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ السَّمَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الْأَنْبِيَاءِ: هَلْ قَرَّبْتُمْ لِي ذَبَائِحَ وَقَرَابِينَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْبَرِّيَّةِ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ ٤٣بَلْ حَمَلْتُمْ خَيْمَةَ مُولُوكَ، وَنَجْمَ إِلَهِكُمْ رَمْفَانَ، التَّمَاثِيلَ الَّتِي صَنَعْتُمُوهَا لِتَسْجُدُوا لَهَا. فَأَنْقُلُكُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ بَابِلَ.
١. فَرَجَعَ اللهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ السَّمَاءِ (لَكِنَّ اللهَ تَحَوَّلَ عَنهُمْ، وَتَرَكَهُمْ يَعبُدُونَ نُجُومَ السَّماءِ): في رفضهم لموسى والله الذي أرسله تحولت إسرائيل إلى عبادة الأصنام الفاسدة وجلبوا على أنفسهم الدينونة الموصوفة في سفر عاموس ٢٥:٥-٢٧.
• اقتبس استفانوس النص من عاموس وأضاف بعض التغييرات ليوضح الفكرة لمستمعيه. قال عاموس: “ما وَراءَ دِمَشقَ” (عاموس ٢٧:٥) أما استفانوس فغيرها لتصبح: “مَا وَرَاءَ بَابِلَ.”
• يشرح بويس (Boice): “استفانوس الذي اقتبس النص وغيّره لم يوجه كلامه لشعب المملكة الشمالية ولكن لقادة إسرائيل من المملكة الجنوبية. فقد أخذ تاريخهم بعين الاعتبار.”
٢. فَرَجَعَ اللهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ السَّمَاءِ: الفكرة هنا هامة ورائعة للغاية في نفس الوقت. تكلم بولس في وقت لاحق عن نفس هذه الفكرة حينما قال أن الله أسلم الناس لِرَغَباتِهِمُ المُخزِيَةَ في رومية ٢٤:١-٣٢.
• هذا يدفعنا على التفكير بالسؤال التالي: لمن سنسلم أنفسنا حينما نرفض يسوع؟
ز ) الآيات (٥٠-٤٤): حتى عندما رفض الشعب الله كان هناك خيمة الاجتماع ثم الهيكل لاحقًا
٤٤«وَأَمَّا خَيْمَةُ الشَّهَادَةِ فَكَانَتْ مَعَ آبَائِنَا فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا أَمَرَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى أَنْ يَعْمَلَهَا عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي كَانَ قَدْ رَآهُ، ٤٥الَّتِي أَدْخَلَهَا أَيْضًا آبَاؤُنَا إِذْ تَخَلَّفُوا عَلَيْهَا مَعَ يَشُوعَ فِي مُلْكِ الْأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ اللهُ مِنْ وَجْهِ آبَائِنَا، إِلَى أَيَّامِ دَاوُدَ ٤٦الَّذِي وَجَدَ نِعْمَةً أَمَامَ اللهِ، وَالْتَمَسَ أَنْ يَجِدَ مَسْكَنًا لِإِلَهِ يَعْقُوبَ. ٤٧وَلَكِنَّ سُلَيْمَانَ بَنَى لَهُ بَيْتًا. ٤٨لَكِنَّ الْعَلِيَّ لَا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الْأَيَادِي، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: ٤٩السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالْأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ. أَيَّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي؟ يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَيٌّ هُوَ مَكَانُ رَاحَتِي؟ ٥٠أَلَيْسَتْ يَدِي صَنَعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا؟
١. وَأَمَّا خَيْمَةُ الشَّهَادَةِ فَكَانَتْ مَعَ آبَائِنَا… سُلَيْمَانَ بَنَى لَهُ بَيْتًا: كانت نقطة استفانوس هنا أن وجود خيمة الشهادة أو الهيكل لم يمنعهم من رفض الله وخدامه المُرسلين.
٢. لَكِنَّ الْعَلِيَّ لَا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الْأَيَادِي: واجههم استفانوس بحقيقة عبادتهم للهيكل. فقد حاولوا أن يحدوا االله داخل بناء الهيكل ولكن الله أعظم بكثير من أن يسكن في هياكل مصنوعة بأيدي الناس.
• الكثيرون يفعلون الشيء ذاته ولكن بطرق غير مباشرة. قد لا يعبدون مبنى الكنيسة (يحدث هذا بكل تأكيد من وقت لآخر) وإنما يحددون وجود الله في الكنيسة فقط فهم لا يشعرون بوجوده في حياتهم اليومية خارج أسوارها. يعتقد الكثيرون اليوم أن الله حاضر داخل مبنى الكنيسة فقط.
ح ) الآيات (٥٣-٥١): قدم استفانوس تطبيقًا لعظته
٥١«يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالْآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ! ٥٢أَيُّ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الْآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ، ٥٣الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلَائِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ».
١. أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ!: يمكننا أن نتخيل الهمسات الغاضبة الخارجة من أعضاء السنهدريم عندما بدأوا يفهمون درس التاريخ الذي قدمه استفانوس لهم. رأى استفانوس هذا وعرف أنهم سيرفضون من أرسله الله تمامًا كما فعلوا من قبل.
• كتب سبيرجن (Spurgeon): “يأخذ استفانوس سكين الكلمة الحاد ويمزق فيها خطايا الشعب فاتحًا أعماق قلوبهم وكاشفًا أسرار أرواحهم… لم يكن بإمكانه أن يقدم مثل هذه الرسالة الثاقبة وبكل جرأة إن عرف أنهم سيشكرونه على العملية. وحقيقة أن موته كان مؤكدًا لم تؤثر عليه بل جعلته أكثر غيرة وجسارة.”
٢. يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالْآذَانِ!: بناءًا على مفاهيم من العهد القديم وبخ استفانوس أولئك الذين رفضوا يسوع وقال أنهم قُسَاةَ الرِّقَابِ (كما وصفت إسرائيل في مقاطع أخرى مثل الخروج ٩:٣٢) وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالْآذَانِ (كما وصفت إسرائيل في مقاطع مثل إرميا ٢٦:٩).
• استخدامه للجملتين معًا ربما فكر استفانوس في النص من سفر التثنية ١٦:١٠ “فَاخْتِنُوا غُرْلَةَ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ بَعْدُ.” (فَلتَتَطَهَّرْ قُلُوبُكُمْ، وَلا تُعانِدُوا بَعْدُ).
• وصف الله إسرائيل في العهد القديم بقُسَاةَ الرِّقَابِ ٢٠ مرة تقريبًا. تصرف هؤلاء القادة الدينيين تمامًا كما فعل آبائهم في السابق.
• تفتخر إسرائيل بعلامة الختان لأنها فصلتهم عن الأمم. ولكننا نرى استفانوس هنا يقول بشكل أساسي: “أنتم تشبهون الأمم في رفضكم للرب.”
٣. صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ: كانت نقطة استفانوس الرئيسية واضحة: “كما كانت إسرائيل سابقًا هكذا أنتم اليوم. أعطاكم الله الناموس ولكنكم لَمْ تَحْفَظُوهُ.”
٤. الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلَائِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ: سَبَبَ هذا الاتهام حتمًا غضب المجمع. فقد افتخروا كثيرًا بطاعتهم للناموس كما ادعى بولس الرسول فيما بعد قبل إيمانه: مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ: بِلَا لَوْمٍ (فيلبي ٦:٣).
• على الرغم من أن كلام استفانوس كان مهينًا بالنسبة للمجمع إلا أنه كان صحيحًا. أولًا ليس عند الله محاباة فالهيكل كان عطية رائعة من الله ولكن كان من الخطأ التشديد على أنه كان “بيت الله” الوحيد. ثانيًا كانت إسرائيل في ذلك الوقت مذنبة بنفس الخطية دائمًا: رفض خدام الله.
• قال يسوع أنه من المستحيل وضع الخمر العتيقة فِي أوعِيَةٍ جِلدِيَّةٍ جديدة (متى ١٧:٩). أظهر الروح القدس من خلال استفانوس كيف لا يمكن للخمر الجديد (المسيحية) أن تحتوي التقاليد اليهودية العتيقة (خاصة التركيز الزائد على الهيكل).
• استخدم الله استشهاد استفانوس لإرسال الكنيسة إلى العالم بأسره ولكن الله استخدم رسالة استفانوس أيضًا ليوضح أنه لا يوجد أي سبب لاهوتي يمنع توصيل الإنجيل إلى الأمم.
• الفكرة الرئيسية من وجود الهيكل هو أن يذهب الناس لعبادة الله الذي قال “تعالوا إلي.” لهذا السبب اعتقد اليهود أن على العالم أن يأتوا إليهم للخلاص كونهم نور الأمم. ولكن سيُظهر الله من خلال الكنيسة قلبًا مختلفًا: “أنا سآتي إليكم” وهذا يشمل الأمم.
ثالثًا. ردة فعل المجمع على عظة استفانوس
أ ) الآية (٥٤): فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ، وتبكتوا من الروح القدس. ومع ذلك امتلاء السنهدريم بالغضب بدلًا من الخضوع للروح القدس.
٥٤فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ.
١. فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ: غضب المجمع كثيرًا لأن عظة استفانوس ضربت على الوتر الحساس. ولم يستطعوا أن يتجاهلوا ما قاله أو أن يتجاهلوه.
٢. وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ: من الجيد أن نفكر في ردة فعل قادة إسرائيل المحترمين وكيف صَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ كطريقة للتجاوب مع شهادة أحدهم في جلسة الاستماع.
• فكرة صَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ تذكرنا بالجحيم. وصف يسوع الجحيم سبع مرات مختلفة كمكان للْبُكَاء وَصَرِيرُ الْأَسْنَانِ (متى ١٢:٨). رغم أن هؤلاء الرجال كانوا بارزين وناجحين ويبدو أنهم متدينين إلا أنهم رفضوا الله وربطوا أنفسهم بالجحيم وليس بالسماء.
• لم يبدأوا بصَرّ أسنانهم عندما انتهى استفانوس من كلامه. علّقَ غايبلين (Gaebelein) وقال: “كل ما فعلوه عندما اشتَعَلُوا غَيظًا كان التعبير عن هذا الغضب بصَرّ أسنانهم. ولكن لم يكن هذا الاشتعال مفاجئًا بل امتد لفترة طويلة.”
ب) الآيات (٥٦-٥٥): رؤية استفانوس ليسوع في المجد
٥٥وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. ٥٦فَقَالَ: «هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الْإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ».
١. وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ: تعكس هذه الآية التناقض الكبير مع تصرفات المجمع. تُظهر حقيقة أنه كان مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مصدر شجاعته وحكمته وسلطانه في الوعظ.
• كانت ترجمة فيليبس (J.B. Phillips) ثاقبة: “امتلأ كل كيان استفانوس من الروح القدس. وتلك هي الطريقة الأمثل كي نمتلئ جميعًا من الروح القدس.”
٢. فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ: من الصعب وصف ما رآه استفانوس بالتحديد. ولا نستطيع أن نؤكد على حقيقة أن هذه كانت رؤية شخصية أو أن نافذة من السماء فتحت أمامه بالفعل، فتأويل النص سيكون مجرد تكهنات.
٣. وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ: من المهم أن نلاحظ أن يسوع كان قَائِمًا (واقِفًا) بدلًا من الوصف المعتاد بأنه جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ (متى ٦٤:٢٦، كولوسي ١:٣).
• يمكننا أن نفترض أن سبب وقوف يَسُوعَ كان تضامنًا مع استفانوس في هذه الأزمة. فهو يتفاعل دائمًا بحماس مع مشاكل شعبه.
• ويمكننا القول أيضًا أن سبب وقوف يسوع كان ليرحب بوصول استفانوس إلى السماء الذي كان مصيره فريدًا من نوعه بين المؤمنين. فقد كان استفانوس أول شهيد من بين أتباع يسوع.
• قال يسوع: “فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى ٣٢:١٠) فربما وقف يسوع أيضًا للدفاع عن قضية استفانوس أمام الله الآب مؤكدًا أنه رغم إثبات ذنبه على الأرض ونواله العقاب إلا أنه وجد مع الصالحين في السماء وحاز على المكافأة.
• كتب بروس (Bruce): “اعترف استفانوس بيسوع أمام الناس والآن نرى يسوع يعترف بخادمه أمام الله.”
ج ) الآيات (٥٨-٥٧): رجم استفانوس بالحجارة
٥٧فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ٥٨وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ.
١. فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: عندما أعلن استفانوس بأنه رأى يَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ لم يحتملوا الأمر وكانت ردة فعل السنهدريم سريعة وعنيفة وهجموا عليه بنفسٍ واحدة. كانت ردة فعلهم هي ذاتها عندما أعلن يسوع أنه سيجلس عن يمين الله وبالتالي حكموا عليه بالموت بتهمة التجديف (متى ٦٤:٢٦-٦٦).
• كتب بروس (Bruce): “فكرة أن يقترح استفانوس أن يسوع المصلوب كان قائمًا عن يمين الله أي بجانب أعلى سلطة في الوجود لا بد وأنها صُنفت كتجديف في رأيهم لأنهم عرفوا جيدًا أن الرجل المصلوب مات تحت لعنة من الله.”
٢. فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ: كانت تلك ردة فعل رجال بالغين وبارزين في المجتمع ويبدو أنها كانت عنيفة أكثر من اللازم ولكنها نموذجية لمن رفض الله وتاه في الجنون الروحي. صرخوا بألم وسدوا آذانهم عن سماع إعلان الله الذي اعتبروه تجديفًا.
• إنه لأمر خطير جدًا أن تكون متدين دون التمتع بعلاقة حقيقية مع يسوع المسيح. وما حذر منه يسوع في إنجيل يوحنا ٢:١٦-٣ تحقق بالفعل: “بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلهِ. وَسَيَفْعَلُونَ هَذَا بِكُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْآبَ وَلَا عَرَفُونِي.”
٣. وَهَجَمُوا عَلَيْهِ: استخدمت الكلمة اليونانية القديمة hormao هنا. وهي نفس الكلمة المستخدمة لوصف اندفاع قطيع الخنازير في البحر (مرقس ١٣:٥). هجم هؤلاء الغوغاء بطريقة جنونية على استفانوس.
٤. وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ: نرى حجم غضبهم من خلال الطريقة التي قتلوا بها استفانوس. فقد رجموا استفانوس حسب التقاليد اليهودية دون أي اعتبار للقانون الروماني.
• وصف اليهود الذين كتبوا المشناة في القرن الثاني الرجم بالحجارة كالتالي: “كانوا عند الانتهاء من المحاكمة يأخذون المُدان خارج المدينة ليُرجم… وعند الاقتراب ١٠ أذرع من مكان الرجم كانوا يقولون له: “علينا رجمك حسب التقاليد ولكن إن اعترفت سيكون لك نصيب في الحياة التالية.” وعلى بعد ٤ أذرع من مكان الرجم الذي كان عمقه ضعف طول أي رجل يتم تعرية المجرم ثم يقوم أحد الشهود بدفعه من الخلف حتى يقع على وجهه أرضًا ثم يقلبونه على ظهره فإذا مات من الوقعة كان ذلك كافيًا ولكن إن لم يمت يأخذ الشاهد الثاني حجرًا ويرميه على قلب المجرم، إن تسبب ذلك في موته فسيكون كافيًا ولكن إن لم يمت يتم رجمه من جميع الشعب.” (وردت في كتابات بروس Bruce)
٥. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ: وقف شاول هناك مشرفًا على عملية الرجم. وكونه عضوًا في السنهدريم فلا بد وأنه وافق على إعدام استفانوس.
• تعني كلمة شَابٍّ حرفيًا: “أنه كان في عز شبابه” ولا يعني هذا أن عمره لم يكن مناسبًا ليكون عضوًا في السنهدريم. يخبرنا بولس في أعمال الرسل ١٠:٢٦ “كُنتُ أُصَوِّتُ ضِدَّهُمْ” مما يشير إلى أنه كان يملك الحق في التصويت كعضو في السنهدريم.
د ) الآيات (٦٠-٥٩): كلمات استفانوس الأخيرة
٥٩فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ، اقْبَلْ رُوحِي». ٦٠ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لَا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هَذَا رَقَدَ.
١. فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ، اقْبَلْ رُوحِي»: انتهت حياة استفانوس بنفس الطريقة التي عاش بها: واضعًا ثقته الكاملة بالله ومؤمنًا أن يسوع سيعتني به في الحياة الأبدية.
• كتب مورغان (Morgan): “لم تصنع النيران في الأيام الخوالي الشهداء بل كشفتهم. لم تخلق أعاصير الاضطهاد الشهداء بل كشفتهم. كان استفانوس شهيدًا قبل أن يُرشق بالحجارة. كان أول شهيد يختم شهادته بالدم.”
٢. يَا رَبُّ، لَا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ: استجاب الله لطلبة استفانوس واستخدمها ليتعامل في قلب رجل وافق بشدة على رجمه – لم يعرف الرجل طبعًا أن صلاة استفانوس قد استجيبت. علينا أن نشكر استفانوس عندما نصعد إلى السماء من أجل كل بركة حصلنا عليها من خلال خدمة شاول الطرسوسي.
• استجاب الله لطلبة استفانوس وكان الدليل بولس. ليست لدينا أية فكرة عن العظمة التي يمكن لله أن يأتي بها نتيجة معاناتنا.
• قال أوغسطينوس: “إن لم يُصلي استفانوس لما حازت الكنيسة على بولس.”
٣. وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لَا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ»: أظهر استفانوس نفس المغفرة الذي أظهرها يسوع على الصليب (لوقا ٣٤:٢٣). صلى طالبًا من الله أن يغفر خطية المشتكين عليه وفعل ذلك بأعلى صوته أمام الجميع.
• سجلت الأناجيل الأربعة جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ (أعمال الرسل ١:١) ولكن يسوع لم يستمر في الخدمة والتعليم من خلال الكنيسة في سفر أعمال الرسل فحسب بل استمرت معاناته من خلالها أيضًا. وهذا يرتبط على الأرجح مع فكرة بولس التي عبر عنها في كولوسي ٢٤:١ “أمّا الآنَ، فَأنا أفرَحُ فِي ما أُعانِيهِ مِنْ أجلِكُمْ، وَبِهَذا أُتَمِّمُ حِصَّتِي مِنْ آلامِ المَسِيحِ فِي جَسَدِي، مِنْ أجلِ جَسَدِهِ، أيِ الكَنِيسَةِ.” لهذا يمكننا القول بأن يسوع شارك في معاناة استفانوس أثناء قتله.
٤. وَإِذْ قَالَ هَذَا رَقَدَ: قدم الكتاب المقدس ألطف وصف على الإطلاق لموت استفانوس وبدلًا من القول ببساطة أنه قد مات قال أنه قد رَقَدَ – ويعني هذا أنه استيقظ في مكان أفضل.
• يعني رقود استفانوس أن على الكنيسة أن تستيقظ. كتب لاسور (LaSor): “إذا كان هناك أي تفاؤل حول ربح اليهود للمسيح فحتمًا انتهى الآن. على الكنيسة ألا تتوقع أي انتصار دون سفك الدم.”
• لم يكن استفانوس سوبرمان ولكنه كان ممتلئ بالكامل من الروح القدس. فالكثيرون لا يملكون أدنى فكرة عن إمكانية استخدام الله لهم إن ساروا بقوة الروح القدس يوميًا.