١. قَائِدِ مِئَةٍ مِنْ كَتِيبَةِ أُوغُسْطُسَ اسْمُهُ يُولِيُوسُ: لا نعرف الكثير عن كَتِيبَةِ أُوغُسْطُسَ (فقد حمل الكثيرون هذا اللقب) ولكنه كان معروفًا أن يرافق الجنود الرومان المجرمين الذين ينتظرون المحاكمة أثناء نقلهم من مكان لآخر في السفن التجارية المحملة بالْحِنْطَةَ من مصر إلى روما.
٢. وَكَانَ مَعَنَا أَرِسْتَرْخُسُ، رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ مِنْ تَسَالُونِيكِي: كان مع الرسول بولس في هذه الرحلة كل من لوقا وأَرِسْتَرْخُسُ (لاحظ عودة الضمير المتكلم في الآية ٢ وما بعدها). المعاملة الطيبة التي قدمها يُولِيُوسُ لبولس (كما في الآية ٣) تعني أنه سمح له باِصطِحَاب رفقائه معه.
١. فَعَامَلَ يُولِيُوسُ بُولُسَ بِالرِّفْقِ، وَأَذِنَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَصْدِقَائِهِ لِيَحْصُلَ عَلَى عِنَايَةٍ مِنْهُمْ: أقلعت السفينة أولًا الى صَيْدَاءَ (صَيدا) وهناك سُمِحَ لبولس أن يذهب إلى أصدقائه لِكَي يَهتَمُّوا بِحاجاتِهِ (لِيَحْصُلَ عَلَى عِنَايَةٍ مِنْهُمْ). أعطى القائد الروماني بولس الكثير من الحرية لأنه لم يُدان بعد وكان ينتظر الوقوف أمام قيصر. تصرفات بولس ومحبته الواضحة للجميع جعلت يوليوس يتصرف معه بهذه الطريقة الطيبة.
• كان بولس مختلفًا عن باقي السجناء على متن السفينة. ربما حُكم على جميعهم بالإعدام وهم في طريقهم لروما للموت في الميدان.
٢. سَفِينَةً إِسْكَنْدَرِيَّةً مُسَافِرَةً إِلَى إِيطَالِيَا: كانت سفن الشحن هذه مخصصة لنقل الْحِنْطَةَ من مصر إلى إيطاليا. كان حجم السفينة في تلك الفترة وفقًا لهيوز (Hughes) ٤٢ مترًا طولًا و١١ متر عرضًا وعليها سارية واحدة بشراع كبير مربع. كانت السفينة توجه بمجدافين وضعا خلفها وليس بدفة كما هو معروف لدينا. كانت السفن متينة جدًا ولكنها لم تصمم لتبحر في مهب الريح.
٣. وَبَعْدَ مَا عَبَرْنَا الْبَحْرَ الَّذِي بِجَانِبِ كِيلِيكِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ، نَزَلْنَا إِلَى مِيرَا… بِقُرْبِ كِنِيدُسَ… بِقُرْبِ سَلْمُونِي… الْمَوَانِي الْحَسَنَة: بدأت السفينة تشق طريقها غربًا وأخيرًا وصلت إلى ميناء يسمى الْمَوَانِي الْحَسَنَة الذي يقع على الجانب الجنوبي من جزيرة كريت.
ج) الآيات (١٠-٩): نصيحة بولس لقبطان السفينة وطاقمها
١. وَصَارَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ خَطِرًا، إِذْ كَانَ الصَّوْمُ أَيْضًا قَدْ مَضَى: لا نعلم بالتحديد تاريخ يَومُ الصَّومِ وربما كان في الخامس من أكتوبر يوم عيد الكَفّارة عند اليهود عام ٥٩م. والفكرة هنا أنه مع اقتراب فصل الشتاء تكثر العواصف وَاضطرابات البحر مما يشكل خطورة للإبحار.
• كتب بروس (Bruce): “كانت الفترة ما بين ١٤ سبتمبر/أيلول وحتى ١١ نوفمبر/تشرين الثاني أخطر فترة للإبحار ولهذا كانت الملاحة تتوقف تمامًا حتى ينتهي فصل الشتاء.”
٢. جَعَلَ بُولُسُ يُنْذِرُهُمْ قَائِلًا: «أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَنَا أَرَى أَنَّ هَذَا السَّفَرَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ وَخَسَارَةٍ كَثِيرَةٍ، لَيْسَ لِلشَّحْنِ وَالسَّفِينَةِ فَقَطْ، بَلْ لِأَنْفُسِنَا أَيْضًا»: لم يتكلم بولس هنا بالضرورة كنبي الله ولكن ربما كمسافر يملك خبرة بالبحر الأبيض المتوسط حيث أنه قطع مسافة ٥٦٠٠٠ كيلومترًا عبره. نصحهم بولس بالتوقف عن الإبحار ربما لأنه كان يعرف بالفصول والظروف الجوية أو ربما لأنه كان يتمتع بحكمة نازلة من السماء.
• تخبرنا الآية في كورنثوس الثانية ٢٥:١١ أنه حتى هذه اللحظة تعرض بولس للغرق ثلاثة مرات (تَحَطَّمَتْ بِي السَّفِينَةُ ثَلاثَ مَرّاتٍ). كان يعلم كغيره من المسافرين أن الإبحار في هذا الموسم كان خطيرًا للغاية.
١. وَلَكِنْ كَانَ قَائِدُ الْمِئَةِ يَنْقَادُ إِلَى رُبَّانِ السَّفِينَةِ وَإِلَى صَاحِبِهَا أَكْثَرَ مِمَّا إِلَى قَوْلِ بُولُسَ: ليس من المستغرب أن يقتنع قَائِدُ الْمِئَةِ برأي القبطان وصاحب السفينة أكثر من رأي بولس. فسيفقد كليهما الكثير إن لم تصل السفينة إلى روما.
٢. وَلِأَنَّ الْمِينَا لَمْ يَكُنْ مَوْقِعُهَا صَالِحًا لِلْمَشْتَى: لم يكن الاسم الْمَوَانِي الْحَسَنَة (أعمال الرسل ٨:٢٧) دقيقًا تمامًا خاصة في فصل الشتاء على الأقل. موقع الميناء جعله عرضة لرياح الشتاء والعواصف ولهذا لم يكن المكان المثالي لقضاء فصل الشتاء وانتظار الموسم المقبل.
• لم يكن الميناء مكانًا ممتعًا لهذا لم يتحمس طاقم السفينة قضاء كل فصل الشتاء في هذه البلدة الصغيرة. اقترح أحد المعلقين أن غرفة التجارة المحلية أطلقت على المكان اسم “الْمَوَانِي الْحَسَنَة.”
٣. اسْتَقَرَّ رَأْيُ أَكْثَرِهِمْ أَنْ يُقْلِعُوا مِنْ هُنَاكَ أَيْضًا: بناءً على تصويت الأغلبية قرروا الإبحار إلى ميناء فِينِكْسَ. يقع ميناء فينكس على جزيرة كريت نفسها ويبعد حوالي ٦٥ كيلومتر عنها. لهذا لم يبدو الوصول إلى فينكس صعبًا أو جنونيًا بالنسبة لهم بل كان أفضل بكثير من قضاء فصل الشتاء البائس في “الْمَوَانِي الْحَسَنَة.”
• رفضوا حكمة الرسول بولس التي أتضح لاحقًا أنها كانت نبوة: أَنَّ هَذَا السَّفَرَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ وَخَسَارَةٍ كَثِيرَةٍ. كان عليهم الإصغاء إلى بولس وهذا ما قاله لهم لاحقًا (أعمال الرسل ٢١:٢٧).
ثانيًا. الرحلة العاصفة من الْمَوَانِي الْحَسَنَة إلى جزيرة مالطة
أ ) الآيات (١٦-١٣): بداية موفقة من كريت ولكن سرعان ما واجهت السفينة عاصفة هوجاء
١. فَلَمَّا نَسَّمَتْ رِيحٌ جَنُوبٌ: أقلعوا من الْمَوَانِي الْحَسَنَة لأن الرياح بدت مواتية. ولكن بمجرد ابتعادهم عن كريت هاجت الرياح وتحولت الرحلة لخطر.
٢. هَاجَتْ عَلَيْهَا رِيحٌ زَوْبَعِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا «أُورُوكْلِيدُونُ»: كان البحارة في القديم يخشون هذه الرياح لقوتها المدمرة. ولأنهم لم يتمكنوا من التقدم باتجاه الريح فَاسْتَسلَموا للريح وصارَتْ تَقُودُهم (سَلَّمْنَا، فَصِرْنَا نُحْمَلُ).
٣. وَبِالْجَهْدِ قَدِرْنَا أَنْ نَمْلِكَ الْقَارِبَ: يجر قارب النجاة عادة خلف السفينة ولكن بسبب الأحوال الجوية السيئة تمكنوا من رفعه على ظهر السفينة لِتَأْمِينِه.
• ربما لأن لوقا الطبيب ساعدهم على رفع القارب إلى السفينة، قال هذه الكلمات: بِالْجَهْدِ قَدِرْنَا أَنْ نَمْلِكَ الْقَارِبَ.
ب) الآيات (١٩-١٧): أخذ الاحتياطات اللازمة لإنقاذ السفينة
١. طَفِقُوا يَسْتَعْمِلُونَ مَعُونَاتٍ، حَازِمِينَ السَّفِينَةَ (ثُمَّ رَبَطُوا الْحِبَالَ حَوْلَ السَّفِينَةِ لِتَأْمِينِهَا): كان هذا إجراء طبيعي في حالات الطوارئ ويساعد على ثبات السفينة وسط العاصفة.
٢. أَنْزَلُوا الْقُلُوعَ، وَهَكَذَا كَانُوا يُحْمَلُونَ: خوفهم من تصادم السفينة بالساحل الرملي عند سِّيرْتِسِ (منطقة ضحلة اشتهرت بتحطيم السفن قبالة سواحل شمال أفريقيا) جعلهم ينزلون الشراع ويتركوا السفينة تنساق مع الريح كيفما تشاء متخلين عن أي أمل في الإبحار وسط العاصفة.
٣. جَعَلُوا يُفَرِّغُونَ… رَمَيْنَا بِأَيْدِينَا أَثَاثَ السَّفِينَةِ: كان هذين الأمرين آخر ما يمكن عمله لإنقاذ السفينة. التخفيف من الحمولة أولًا وثم التخلص من المعدات والأثاث. وبعد كل هذا بقيت السفينة في مهب الريح لعدة أيام.
١. وَإِذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ وَلَا النُّجُومُ تَظْهَرُ أَيَّامًا كَثِيرَةً: كان اعتماد البحارة في التنقل على الشَّمْس أو النُّجُوم. شعر الطاقم باليأس لأن الشمس والنجوم لم تظهر لعدة أيام. دفعهم النَوْء العظيم غربًا عبر البحر الأبيض المتوسط غير مدركين لموقعهم.
٢. انْتُزِعَ أَخِيرًا كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا: تخبرنا الآية في أعمال الرسل ٣٧:٢٧ بأن عدد الركاب والطاقم كان ٢٧٦ نفسًا. يبدو أنهم جميعًا قد قطعوا كل أَمَلٍ فِي النَّجَاةِ (انْتُزِعَ أَخِيرًا كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا).
١. فَلَمَّا حَصَلَ صَوْمٌ كَثِيرٌ (وَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ قَدْ أكَلَ شَيئًا مُنذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ): لا تعني هذه الجملة أن البحارة كانوا في حالة صوم وصلاة ولكن حَصَلَ صَوْمٌ كَثِيرٌ ربما بسبب سوء حالة الطعام ودوار البحر.
٢. كَانَ يَنْبَغِي أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْ تُذْعِنُوا لِي: لم يستطيع بولس أن يمنع نفسه من القول: “أخبرتكم أن هذا سيحدث” (وكان محقًا في ذلك). فلو أذعنوا لكلامه في أعمال الرسل ١٠:٢٧ لما وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الذي يبدو يائسًا.
٣. وَالْآنَ أُنْذِرُكُمْ أَنْ تُسَرُّوا (لَكِنِّي الآنَ أحُثُّكُمْ عَلَى أنْ تَتَشَجَّعُوا): تمنى الرسول بولس أن يبعث الأمل ثانية في قلوب الركاب وطاقم السفينة. فلم يقصد بكلامه أن يقول أنه كان على حق ولكن أن يزف لهم الأخبار السارة.
٤. لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ خَسَارَةُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ، إِلَّا السَّفِينَةَ: يا لها من رسالة متضاربة. فالوعد بأنهم لن يفقدوا أحد (نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) كان يصعب تصديقه لأن السَّفِينَةَ كانت تتحطم! وكان من الأنباء السيئة أيضًا أن أنهم سيفقدون السفينة بأكملها مع البضاعة (أعمال الرسل ١٨:٢٧).
هـ) الآيات (٢٦-٢٣): بولس يخبر طاقم السفينة عن زيارة الملاك
١. لِأَنَّهُ وَقَفَ بِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ مَلَاكُ: أرسل الله ملاكًا إلى بولس يحمل أخبارًا سارة ومشجعة عندما بدا الوضع ميؤوسًا منه. لم يظهر يسوع كما حدث في أورشليم (أعمال الرسل ١١:٢٣) بل وقف به مَلَاك. تكلم الله مع بولس بطرق وبأوقات مختلفة.
٢. مَلَاكُ الْإِلَهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ (وَقَفَ إلَى جانِبِي مَلاكٌ مِنْ عِندِ اللهِ الَّذِي أنتَمِي إلَيهِ وَأخدِمُهُ): كان ظهور الملاك مشجعًا للغاية ولكن جملة اللهِ الَّذِي أنتَمِي إلَيهِ وَأخدِمُهُ كانت مشجعة أكثر. تذكر بولس أنه ينتمي إلى الله وأنه خادمٌ لله. فالله لا ينسى أبدًا أولاده الذين يخدمونه.
• لا يعني هذا أن حياة أولاد الله ومن يخدمونه ستكون سهلة. حياة بولس المليئة بالكوارث أثبتت ذلك. ولكن حتى وسط المصاعب عينا الله تكون على خائفيه ويرعاهم دائمًا.
٣. لَا تَخَفْ: احتاج بولس إلى سماع هذه الكلمات لأنه شعر أيضًا بالخوف وسط العاصفة (في البداية على الأقل). فعندما كان بولس في حالة روحية عالية كان متأكدًا من وصوله إلى روما لأن الله وعد بذلك، ولكنه بدأ يشك وسط العاصفة (عاصفة حرفية). احتاج بولس لهذا النوع من الضمان.
٤. وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ: يدل هذا على أن بولس صلى من أجل سلامة كل المسافرين معه. فقد سبق وحصل على وعد من الله بأنه سيحفظ حياته ولكن هذا لم يكن كافيًا بالنسبة لبولس بل صلى بجهد من أجل سلامة وبركة من كانوا معه المؤمنين منهم وغير المؤمنين بعد. أظهر بولس اهتمامه بهم ومحبته لهم بالصلاة لهم بلجاجة إلى أن منحه الله الوعد بسلامتهم (قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ).
٥. لِذَلِكَ سُرُّوا أَيُّهَا الرِّجَالُ: نقرأ في الآية ٢٢ تشجيع بولس لهم وها هو هنا يكرر التشجيع ولكن هذه المرة في ضوء الوحي الإلهي. وكأنه يقول: “عليكم أن تتشجعوا لأن الله يضمن لكم سلامتكم وأنا أُومِنُ بِاللهِ.”
• لم يتمكن بولس من عدم مشاركة الرجاء الذي كان له مع المؤمنين معه على متن السفينة ومع الذين لم يؤمنوا بعد.
٦. لِأَنِّي أُومِنُ بِاللهِ أَنَّهُ يَكُونُ هَكَذَا كَمَا قِيلَ لِي: تعبر كلمات بولس المليئة بالثقة للبحارة المضطربين على سفينة في بحر هائج عن جوهر الإيمان بالله وبكلمته. أعطى الله لبولس هذه الكلمات عن طريق الملاك وكان رد بولس: “أُومِنُ بِاللهِ.”
• لاحظوا ما قاله بولس: “أُومِنُ بِاللهِ (أَنَا عِنْدِي إِيمَانٌ بِاللهِ)” ولم يقل “أنا أؤمن بوجود الله.” فالشيطان يؤمن في الجحيم بوجود الله. أعلن بولس عن ثقته الكاملة بالله الذي يعرف حالته وأعلن عن هذه الثقة بالتمسك بوعد الله حتى وسط العاصفة.
• وضع بولس إيمانه بالله حينما لم يكن هناك أي أمل آخر يستند عليه. لم يستطع بولس أن يضع ثقته بالبحارة أو بالسفينة أو بالأشرعة أو بالريح أو بقائد المئة أو ببراعة الإنسان أو بأي شيء آخر سوى الله وحده. لم يكن هذا إيمان يعتمد على الظروف بل يعتمد على الإيمان بالله وسط العاصفة وفي أحلك الظروف. كان بإمكان بولس أن يقول مع أيوب: هَلْ سَيَقتُلُنِي اللهُ؟ حَتَّى لَوْ فَعَلَ، فَرَجائِي فِيهِ (سفر أيوب ١٥:١٣). كانت العاصفة أمرًا حقيقيًا بالنسبة لبولس ولكن الله كان أكثر واقعية.
• لم يخجل بولس من الإعلان عن إيمانه بالله. كتب سبيرجن (Spurgeon): “أتمنى حقًا أن يكون كل مؤمن مستعد لقبول هذا التحدي ويعلن بصراحة عن موقفه؛ فإن كان الله لا يعني لنا شيئًا فلا داعي للتظاهر بأننا نثق به، وإن كان الإنجيل مجرد كذبة فدعونا على الأقل أن نكون صادقين ونعترف بذلك.”
• ثقة بولس الثابتة في الله جعلته قائدًا وسطهم رغم أنه سجين لدى روما.
٧. وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ نَقَعَ عَلَى جَزِيرَةٍ: كانت هذه أخبارًا مختلطة. فوقوعهم على جزيرة يعني أن السفينة ستتحطم. وكأن بولس يقول: “ستتحطم السفينة وسنرسو على جزيرة مجهولة ولكننا سننجو جميعًا.”
• يعني عَلَى جَزِيرَةٍ دون أية تسمية أن الله لم يعلن لبولس تفاصيل ما سيحدث. كان على بولس أن يثق بأن الله يعرف أي جزيرة سيقعون عليها حتى لو لم تكن لديه أية معلومات عنها.
١. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قضوا أسبوعين كاملين في حالة من البؤس والرعب وسط العاصفة.
٢. ظَنَّ النُّوتِيَّةُ، نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أَنَّهُمُ اقْتَرَبُوا إِلَى بَرٍّ: شعر البحارة أنهم اقتربوا من اليابسة (وربما سمعوا الأمواج المتكسرة على الشاطئ) فاتخذوا الاحتياطات المناسبة حتى لا تتحطم السفينة على الصخور التي لا يرونها (رَمَوْا مِنَ الْمُؤَخَّرِ أَرْبَعَ مَرَاسٍ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ).
٣. وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ: الخوف من تحطم السفينة ومن الموت جعل النُّوتِيَّة يصلون.
ز ) الآيات (٣٢-٣٠): أراد بعض النُّوتِيَّة أن يهربوا من السفينة
١. وَلَمَّا كَانَ النُّوتِيَّةُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَهْرُبُوا مِنَ السَّفِينَةِ: لم يهتم هؤلاء البحارة بالركاب أبدًا. وعندما سنحت لهم الفرصة للنجاة أرادوا أن يتركوا السفينة ويتخلوا عن الركاب.
٢. قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ وَالْعَسْكَرِ: «إِنْ لَمْ يَبْقَ هَؤُلَاءِ فِي السَّفِينَةِ فَأَنْتُمْ لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْجُوا»: كان بولس يعرف سببين لضرورة بقائهم معًا. أولًا كان المسافرين في أمس الحاجة لخبرة البحارة وبالتأكيد ستحدث كارثة إن تخلى البحارة عن السفينة. ثانيًا ربما شعر بولس أن الله سيخلص كل النفوس التي كانت معه في السفينة ولهذا توقع بقائهم معًا.
٣. حِينَئِذٍ قَطَعَ الْعَسْكَرُ حِبَالَ الْقَارِبِ وَتَرَكُوهُ يَسْقُطُ: يبدو أن الجنود بدأوا يثقون ببولس.
ح) الآيات (٣٨-٣٣): بولس يشجع المسافرين والطاقم عند الفجر
١. لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ شَعْرَةٌ مِنْ رَأْسِ وَاحِدٍ مِنْكُمْ: قدم بولس للطاقم والركاب كلمات مليئة بالإيمان والثقة. لن يستفيد من هذه الكلمة سوى من يؤمن بها.
• أعطانا الله العشرات من الوعود عن تعزيته ورعيته لنا في الأوقات الصعبة ولكنها لن تفيدنا إن كنا لا نؤمن بها.
٢. وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ اللهَ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَكَسَّرَ، وَابْتَدَأَ يَأْكُلُ. فَصَارَ الْجَمِيعُ مَسْرُورِينَ (فَتَشَجَّعُوا كُلُّهُمْ): هناك إشارات تدل على أن بولس تعامل مع هذه الوجبة وكأنها مائدة عشاء الرب للمؤمنين الحاضرين معه.
٣. طَفِقُوا يُخَفِّفُونَ السَّفِينَةَ: يعكس إلقائهم الْحِنْطَةَ فِي الْبَحْرِ على يأسهم الشديد. قاموا بتخفيف السفينة من قبل (أعمال الرسل ١٨:٢٧) ولكن هذه الحنطة كانت آخر البضائع الأساسية على السفينة. كانت كلها محاولات للبقاء على قيد الحياة.
١. لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْأَرْضَ (لَمْ يَستَطِيعُوا أنْ يُمَيِّزُوا الأرْضَ): لم يعرفوا في البداية أنهم وصلوا إلى جزيرة تدعى مالطة. يدعى المكان الذي وصلوا إليه الآن: خليج القديس بولس (St. Paul’s Bay).
• كتب بروس (Bruce) مقتبسًا عن رامزي (Ramsay): ” لا يمكن تحقيق النهاية السعيدة التي آلت إليها أمور إلا بصدفة نادرة تحت ظروف مواتية. توحدت كل الظروف في خليج القديس بولس.”
• كتب بروس (Bruce): “إن لم يصلوا إلى جزيرة مالطة لمكثوا في البحر لمدة طويلة إلى أن يضربوا السواحل التونسية التي كانت تبعد حوالي ٣٠٠ كيلومتر. ومن غير المتوقع أن تصمد السفينة كل تلك المدة الطويلة.”
٢. فَارْتَكَزَ الْمُقَدَّمُ وَلَبِثَ لَا يَتَحَرَّكُ. وَأَمَّا الْمُؤَخَّرُ فَكَانَ يَنْحَلُّ مِنْ عُنْفِ الْأَمْوَاجِ: تحطمت الأجزاء الضعيفة من السفينة عندما غَرَزَتِ = على مرتفع رملي بالقرب من الشاطئ بسبب عنف الأمواج وتحتم على الجميع مغادرة السفينة قبل أن تتفكك السفينة بالكامل.
ي) الآيات (٤٤-٤٢): تركوا السفينة ووصلوا بأمان إلى البر
١. فَكَانَ رَأْيُ الْعَسْكَرِ أَنْ يَقْتُلُوا الْأَسْرَى لِئَلَّا يَسْبَحَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَيَهْرُبَ: كان منطقيًا بالنسبة للجنود أن يفكروا بهذه الطريقة ويقتلوا السجناء، لأنه وفقًا للقانون الروماني كان على الحارس الذي يسمح بهروب سجينه أن يتحمل نفس العقوبة التي يستحقها سجينه الهارب، وفي هذه الحالة كان عقاب معظم هؤلاء السجناء هو الإعدام.
٢. وَلَكِنَّ قَائِدَ الْمِئَةِ، إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ بُولُسَ، مَنَعَهُمْ مِنْ هَذَا الرَّأْيِ: أعطى الله نعمة لبولس في عيون قَائِدَ الْمِئَة وهذه النعمة حافظت على حياة بولس وكل السجناء الذين كانوا معه. كما وكان هذا تحقيقًا للوعد الذي أعطاه الله لبولس: وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ (أعمال الرسل ٢٤:٢٧). فكلمة الله لا تسقط أبدًا.
أعمال الرسل – الإصحاح ٢٧ – حطام السفينة المتجهة إلى روما
أولًا. من قَيْصَرِيَّةَ إلى الْمَوَانِي الْحَسَنَة
أ ) الآيات (٢-١): بولس ورفقائه يتركون قيصرية
١فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الرَّأْيُ أَنْ نُسَافِرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى إِيطَالِيَا، سَلَّمُوا بُولُسَ وَأَسْرَى آخَرِينَ إِلَى قَائِدِ مِئَةٍ مِنْ كَتِيبَةِ أُوغُسْطُسَ اسْمُهُ يُولِيُوسُ. ٢فَصَعِدْنَا إِلَى سَفِينَةٍ أَدْرَامِيتِينِيَّةٍ، وَأَقْلَعْنَا مُزْمِعِينَ أَنْ نُسَافِرَ مَارِّينَ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي فِي أَسِيَّا. وَكَانَ مَعَنَا أَرِسْتَرْخُسُ، رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ مِنْ تَسَالُونِيكِي.
١. قَائِدِ مِئَةٍ مِنْ كَتِيبَةِ أُوغُسْطُسَ اسْمُهُ يُولِيُوسُ: لا نعرف الكثير عن كَتِيبَةِ أُوغُسْطُسَ (فقد حمل الكثيرون هذا اللقب) ولكنه كان معروفًا أن يرافق الجنود الرومان المجرمين الذين ينتظرون المحاكمة أثناء نقلهم من مكان لآخر في السفن التجارية المحملة بالْحِنْطَةَ من مصر إلى روما.
٢. وَكَانَ مَعَنَا أَرِسْتَرْخُسُ، رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ مِنْ تَسَالُونِيكِي: كان مع الرسول بولس في هذه الرحلة كل من لوقا وأَرِسْتَرْخُسُ (لاحظ عودة الضمير المتكلم في الآية ٢ وما بعدها). المعاملة الطيبة التي قدمها يُولِيُوسُ لبولس (كما في الآية ٣) تعني أنه سمح له باِصطِحَاب رفقائه معه.
ب) الآيات (٨-٣): من قيصرية إلى المواني الحسنة
٣وَفِي الْيَوْمِ الْآخَرِ أَقْبَلْنَا إِلَى صَيْدَاءَ، فَعَامَلَ يُولِيُوسُ بُولُسَ بِالرِّفْقِ، وَأَذِنَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَصْدِقَائِهِ لِيَحْصُلَ عَلَى عِنَايَةٍ مِنْهُمْ. ٤ثُمَّ أَقْلَعْنَا مِنْ هُنَاكَ وَسَافَرْنَا فِي الْبَحْرِ مِنْ تَحْتِ قُبْرُسَ، لِأَنَّ الرِّيَاحَ كَانَتْ مُضَادَّةً. ٥وَبَعْدَ مَا عَبَرْنَا الْبَحْرَ الَّذِي بِجَانِبِ كِيلِيكِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ، نَزَلْنَا إِلَى مِيرَا لِيكِيَّةَ. ٦فَإِذْ وَجَدَ قَائِدُ الْمِئَةِ هُنَاكَ سَفِينَةً إِسْكَنْدَرِيَّةً مُسَافِرَةً إِلَى إِيطَالِيَا أَدْخَلَنَا فِيهَا. ٧وَلَمَّا كُنَّا نُسَافِرُ رُوَيْدًا أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَبِالْجَهْدِ صِرْنَا بِقُرْبِ كِنِيدُسَ، وَلَمْ تُمَكِّنَّا الرِّيحُ أَكْثَرَ، سَافَرْنَا مِنْ تَحْتِ كِرِيتَ بِقُرْبِ سَلْمُونِي. ٨وَلَمَّا تَجَاوَزْنَاهَا بِالْجَهْدِ جِئْنَا إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ «الْمَوَانِي الْحَسَنَةُ» الَّتِي بِقُرْبِهَا مَدِينَةُ لَسَائِيَةَ.
١. فَعَامَلَ يُولِيُوسُ بُولُسَ بِالرِّفْقِ، وَأَذِنَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَصْدِقَائِهِ لِيَحْصُلَ عَلَى عِنَايَةٍ مِنْهُمْ: أقلعت السفينة أولًا الى صَيْدَاءَ (صَيدا) وهناك سُمِحَ لبولس أن يذهب إلى أصدقائه لِكَي يَهتَمُّوا بِحاجاتِهِ (لِيَحْصُلَ عَلَى عِنَايَةٍ مِنْهُمْ). أعطى القائد الروماني بولس الكثير من الحرية لأنه لم يُدان بعد وكان ينتظر الوقوف أمام قيصر. تصرفات بولس ومحبته الواضحة للجميع جعلت يوليوس يتصرف معه بهذه الطريقة الطيبة.
• كان بولس مختلفًا عن باقي السجناء على متن السفينة. ربما حُكم على جميعهم بالإعدام وهم في طريقهم لروما للموت في الميدان.
٢. سَفِينَةً إِسْكَنْدَرِيَّةً مُسَافِرَةً إِلَى إِيطَالِيَا: كانت سفن الشحن هذه مخصصة لنقل الْحِنْطَةَ من مصر إلى إيطاليا. كان حجم السفينة في تلك الفترة وفقًا لهيوز (Hughes) ٤٢ مترًا طولًا و١١ متر عرضًا وعليها سارية واحدة بشراع كبير مربع. كانت السفينة توجه بمجدافين وضعا خلفها وليس بدفة كما هو معروف لدينا. كانت السفن متينة جدًا ولكنها لم تصمم لتبحر في مهب الريح.
٣. وَبَعْدَ مَا عَبَرْنَا الْبَحْرَ الَّذِي بِجَانِبِ كِيلِيكِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ، نَزَلْنَا إِلَى مِيرَا… بِقُرْبِ كِنِيدُسَ… بِقُرْبِ سَلْمُونِي… الْمَوَانِي الْحَسَنَة: بدأت السفينة تشق طريقها غربًا وأخيرًا وصلت إلى ميناء يسمى الْمَوَانِي الْحَسَنَة الذي يقع على الجانب الجنوبي من جزيرة كريت.
ج) الآيات (١٠-٩): نصيحة بولس لقبطان السفينة وطاقمها
٩وَلَمَّا مَضَى زَمَانٌ طَوِيلٌ، وَصَارَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ خَطِرًا، إِذْ كَانَ الصَّوْمُ أَيْضًا قَدْ مَضَى، جَعَلَ بُولُسُ يُنْذِرُهُمْ ١٠قَائِلًا: «أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَنَا أَرَى أَنَّ هَذَا السَّفَرَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ وَخَسَارَةٍ كَثِيرَةٍ، لَيْسَ لِلشَّحْنِ وَالسَّفِينَةِ فَقَطْ، بَلْ لِأَنْفُسِنَا أَيْضًا».
١. وَصَارَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ خَطِرًا، إِذْ كَانَ الصَّوْمُ أَيْضًا قَدْ مَضَى: لا نعلم بالتحديد تاريخ يَومُ الصَّومِ وربما كان في الخامس من أكتوبر يوم عيد الكَفّارة عند اليهود عام ٥٩م. والفكرة هنا أنه مع اقتراب فصل الشتاء تكثر العواصف وَاضطرابات البحر مما يشكل خطورة للإبحار.
• كتب بروس (Bruce): “كانت الفترة ما بين ١٤ سبتمبر/أيلول وحتى ١١ نوفمبر/تشرين الثاني أخطر فترة للإبحار ولهذا كانت الملاحة تتوقف تمامًا حتى ينتهي فصل الشتاء.”
٢. جَعَلَ بُولُسُ يُنْذِرُهُمْ قَائِلًا: «أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَنَا أَرَى أَنَّ هَذَا السَّفَرَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ وَخَسَارَةٍ كَثِيرَةٍ، لَيْسَ لِلشَّحْنِ وَالسَّفِينَةِ فَقَطْ، بَلْ لِأَنْفُسِنَا أَيْضًا»: لم يتكلم بولس هنا بالضرورة كنبي الله ولكن ربما كمسافر يملك خبرة بالبحر الأبيض المتوسط حيث أنه قطع مسافة ٥٦٠٠٠ كيلومترًا عبره. نصحهم بولس بالتوقف عن الإبحار ربما لأنه كان يعرف بالفصول والظروف الجوية أو ربما لأنه كان يتمتع بحكمة نازلة من السماء.
• تخبرنا الآية في كورنثوس الثانية ٢٥:١١ أنه حتى هذه اللحظة تعرض بولس للغرق ثلاثة مرات (تَحَطَّمَتْ بِي السَّفِينَةُ ثَلاثَ مَرّاتٍ). كان يعلم كغيره من المسافرين أن الإبحار في هذا الموسم كان خطيرًا للغاية.
د ) الآيات (١٢-١١): عقدوا العزم على الاستمرار
١١وَلَكِنْ كَانَ قَائِدُ الْمِئَةِ يَنْقَادُ إِلَى رُبَّانِ السَّفِينَةِ وَإِلَى صَاحِبِهَا أَكْثَرَ مِمَّا إِلَى قَوْلِ بُولُسَ. ١٢وَلِأَنَّ الْمِينَا لَمْ يَكُنْ مَوْقِعُهَا صَالِحًا لِلْمَشْتَى، اسْتَقَرَّ رَأْيُ أَكْثَرِهِمْ أَنْ يُقْلِعُوا مِنْ هُنَاكَ أَيْضًا، عَسَى أَنْ يُمْكِنَهُمُ الْإِقْبَالُ إِلَى فِينِكْسَ لِيَشْتُوا فِيهَا. وَهِيَ مِينَا فِي كِرِيتَ تَنْظُرُ نَحْوَ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ الْغَرْبِيَّيْنِ.
١. وَلَكِنْ كَانَ قَائِدُ الْمِئَةِ يَنْقَادُ إِلَى رُبَّانِ السَّفِينَةِ وَإِلَى صَاحِبِهَا أَكْثَرَ مِمَّا إِلَى قَوْلِ بُولُسَ: ليس من المستغرب أن يقتنع قَائِدُ الْمِئَةِ برأي القبطان وصاحب السفينة أكثر من رأي بولس. فسيفقد كليهما الكثير إن لم تصل السفينة إلى روما.
٢. وَلِأَنَّ الْمِينَا لَمْ يَكُنْ مَوْقِعُهَا صَالِحًا لِلْمَشْتَى: لم يكن الاسم الْمَوَانِي الْحَسَنَة (أعمال الرسل ٨:٢٧) دقيقًا تمامًا خاصة في فصل الشتاء على الأقل. موقع الميناء جعله عرضة لرياح الشتاء والعواصف ولهذا لم يكن المكان المثالي لقضاء فصل الشتاء وانتظار الموسم المقبل.
• لم يكن الميناء مكانًا ممتعًا لهذا لم يتحمس طاقم السفينة قضاء كل فصل الشتاء في هذه البلدة الصغيرة. اقترح أحد المعلقين أن غرفة التجارة المحلية أطلقت على المكان اسم “الْمَوَانِي الْحَسَنَة.”
٣. اسْتَقَرَّ رَأْيُ أَكْثَرِهِمْ أَنْ يُقْلِعُوا مِنْ هُنَاكَ أَيْضًا: بناءً على تصويت الأغلبية قرروا الإبحار إلى ميناء فِينِكْسَ. يقع ميناء فينكس على جزيرة كريت نفسها ويبعد حوالي ٦٥ كيلومتر عنها. لهذا لم يبدو الوصول إلى فينكس صعبًا أو جنونيًا بالنسبة لهم بل كان أفضل بكثير من قضاء فصل الشتاء البائس في “الْمَوَانِي الْحَسَنَة.”
• رفضوا حكمة الرسول بولس التي أتضح لاحقًا أنها كانت نبوة: أَنَّ هَذَا السَّفَرَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ وَخَسَارَةٍ كَثِيرَةٍ. كان عليهم الإصغاء إلى بولس وهذا ما قاله لهم لاحقًا (أعمال الرسل ٢١:٢٧).
ثانيًا. الرحلة العاصفة من الْمَوَانِي الْحَسَنَة إلى جزيرة مالطة
أ ) الآيات (١٦-١٣): بداية موفقة من كريت ولكن سرعان ما واجهت السفينة عاصفة هوجاء
١٣فَلَمَّا نَسَّمَتْ رِيحٌ جَنُوبٌ، ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوا مَقْصَدَهُمْ، فَرَفَعُوا الْمِرْسَاةَ وَطَفِقُوا يَتَجَاوَزُونَ كِرِيتَ عَلَى أَكْثَرِ قُرْبٍ. ١٤وَلَكِنْ بَعْدَ قَلِيلٍ هَاجَتْ عَلَيْهَا رِيحٌ زَوْبَعِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا «أُورُوكْلِيدُونُ». ١٥فَلَمَّا خُطِفَتِ السَّفِينَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُقَابِلَ الرِّيحَ، سَلَّمْنَا، فَصِرْنَا نُحْمَلُ. ١٦فَجَرَيْنَا تَحْتَ جَزِيرَةٍ يُقَالُ لَهَا «كَلَوْدِي» وَبِالْجَهْدِ قَدِرْنَا أَنْ نَمْلِكَ الْقَارِبَ.
١. فَلَمَّا نَسَّمَتْ رِيحٌ جَنُوبٌ: أقلعوا من الْمَوَانِي الْحَسَنَة لأن الرياح بدت مواتية. ولكن بمجرد ابتعادهم عن كريت هاجت الرياح وتحولت الرحلة لخطر.
٢. هَاجَتْ عَلَيْهَا رِيحٌ زَوْبَعِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا «أُورُوكْلِيدُونُ»: كان البحارة في القديم يخشون هذه الرياح لقوتها المدمرة. ولأنهم لم يتمكنوا من التقدم باتجاه الريح فَاسْتَسلَموا للريح وصارَتْ تَقُودُهم (سَلَّمْنَا، فَصِرْنَا نُحْمَلُ).
٣. وَبِالْجَهْدِ قَدِرْنَا أَنْ نَمْلِكَ الْقَارِبَ: يجر قارب النجاة عادة خلف السفينة ولكن بسبب الأحوال الجوية السيئة تمكنوا من رفعه على ظهر السفينة لِتَأْمِينِه.
• ربما لأن لوقا الطبيب ساعدهم على رفع القارب إلى السفينة، قال هذه الكلمات: بِالْجَهْدِ قَدِرْنَا أَنْ نَمْلِكَ الْقَارِبَ.
ب) الآيات (١٩-١٧): أخذ الاحتياطات اللازمة لإنقاذ السفينة
١٧وَلَمَّا رَفَعُوهُ طَفِقُوا يَسْتَعْمِلُونَ مَعُونَاتٍ، حَازِمِينَ السَّفِينَةَ، وَإِذْ كَانُوا خَائِفِينَ أَنْ يَقَعُوا فِي السِّيرْتِسِ، أَنْزَلُوا الْقُلُوعَ، وَهَكَذَا كَانُوا يُحْمَلُونَ. ١٨وَإِذْ كُنَّا فِي نَوْءٍ عَنِيفٍ، جَعَلُوا يُفَرِّغُونَ فِي الْغَدِ. ١٩وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَمَيْنَا بِأَيْدِينَا أَثَاثَ السَّفِينَةِ.
١. طَفِقُوا يَسْتَعْمِلُونَ مَعُونَاتٍ، حَازِمِينَ السَّفِينَةَ (ثُمَّ رَبَطُوا الْحِبَالَ حَوْلَ السَّفِينَةِ لِتَأْمِينِهَا): كان هذا إجراء طبيعي في حالات الطوارئ ويساعد على ثبات السفينة وسط العاصفة.
٢. أَنْزَلُوا الْقُلُوعَ، وَهَكَذَا كَانُوا يُحْمَلُونَ: خوفهم من تصادم السفينة بالساحل الرملي عند سِّيرْتِسِ (منطقة ضحلة اشتهرت بتحطيم السفن قبالة سواحل شمال أفريقيا) جعلهم ينزلون الشراع ويتركوا السفينة تنساق مع الريح كيفما تشاء متخلين عن أي أمل في الإبحار وسط العاصفة.
٣. جَعَلُوا يُفَرِّغُونَ… رَمَيْنَا بِأَيْدِينَا أَثَاثَ السَّفِينَةِ: كان هذين الأمرين آخر ما يمكن عمله لإنقاذ السفينة. التخفيف من الحمولة أولًا وثم التخلص من المعدات والأثاث. وبعد كل هذا بقيت السفينة في مهب الريح لعدة أيام.
ج) الآية (٢٠): يأس طاقم السفينة والركاب
٢٠وَإِذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ وَلَا النُّجُومُ تَظْهَرُ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَاشْتَدَّ عَلَيْنَا نَوْءٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ، انْتُزِعَ أَخِيرًا كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا.
١. وَإِذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ وَلَا النُّجُومُ تَظْهَرُ أَيَّامًا كَثِيرَةً: كان اعتماد البحارة في التنقل على الشَّمْس أو النُّجُوم. شعر الطاقم باليأس لأن الشمس والنجوم لم تظهر لعدة أيام. دفعهم النَوْء العظيم غربًا عبر البحر الأبيض المتوسط غير مدركين لموقعهم.
٢. انْتُزِعَ أَخِيرًا كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا: تخبرنا الآية في أعمال الرسل ٣٧:٢٧ بأن عدد الركاب والطاقم كان ٢٧٦ نفسًا. يبدو أنهم جميعًا قد قطعوا كل أَمَلٍ فِي النَّجَاةِ (انْتُزِعَ أَخِيرًا كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا).
د ) الآيات (٢٢-٢١): بولس يشجع طاقم السفينة
٢١فَلَمَّا حَصَلَ صَوْمٌ كَثِيرٌ، حِينَئِذٍ وَقَفَ بُولُسُ فِي وَسْطِهِمْ وَقَالَ: «كَانَ يَنْبَغِي أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْ تُذْعِنُوا لِي، وَلَا تُقْلِعُوا مِنْ كِرِيتَ، فَتَسْلَمُوا مِنْ هَذَا الضَّرَرِ وَالْخَسَارَةِ. ٢٢وَالْآنَ أُنْذِرُكُمْ أَنْ تُسَرُّوا، لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ خَسَارَةُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ، إِلَّا السَّفِينَةَ».
١. فَلَمَّا حَصَلَ صَوْمٌ كَثِيرٌ (وَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ قَدْ أكَلَ شَيئًا مُنذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ): لا تعني هذه الجملة أن البحارة كانوا في حالة صوم وصلاة ولكن حَصَلَ صَوْمٌ كَثِيرٌ ربما بسبب سوء حالة الطعام ودوار البحر.
٢. كَانَ يَنْبَغِي أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْ تُذْعِنُوا لِي: لم يستطيع بولس أن يمنع نفسه من القول: “أخبرتكم أن هذا سيحدث” (وكان محقًا في ذلك). فلو أذعنوا لكلامه في أعمال الرسل ١٠:٢٧ لما وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الذي يبدو يائسًا.
٣. وَالْآنَ أُنْذِرُكُمْ أَنْ تُسَرُّوا (لَكِنِّي الآنَ أحُثُّكُمْ عَلَى أنْ تَتَشَجَّعُوا): تمنى الرسول بولس أن يبعث الأمل ثانية في قلوب الركاب وطاقم السفينة. فلم يقصد بكلامه أن يقول أنه كان على حق ولكن أن يزف لهم الأخبار السارة.
٤. لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ خَسَارَةُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ، إِلَّا السَّفِينَةَ: يا لها من رسالة متضاربة. فالوعد بأنهم لن يفقدوا أحد (نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) كان يصعب تصديقه لأن السَّفِينَةَ كانت تتحطم! وكان من الأنباء السيئة أيضًا أن أنهم سيفقدون السفينة بأكملها مع البضاعة (أعمال الرسل ١٨:٢٧).
هـ) الآيات (٢٦-٢٣): بولس يخبر طاقم السفينة عن زيارة الملاك
٢٣«لِأَنَّهُ وَقَفَ بِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ مَلَاكُ الْإِلَهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ، ٢٤قَائِلًا: لَا تَخَفْ يَا بُولُسُ. يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقِفَ أَمَامَ قَيْصَرَ. وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ. ٢٥لِذَلِكَ سُرُّوا أَيُّهَا الرِّجَالُ، لِأَنِّي أُومِنُ بِاللهِ أَنَّهُ يَكُونُ هَكَذَا كَمَا قِيلَ لِي. ٢٦وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ نَقَعَ عَلَى جَزِيرَةٍ».
١. لِأَنَّهُ وَقَفَ بِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ مَلَاكُ: أرسل الله ملاكًا إلى بولس يحمل أخبارًا سارة ومشجعة عندما بدا الوضع ميؤوسًا منه. لم يظهر يسوع كما حدث في أورشليم (أعمال الرسل ١١:٢٣) بل وقف به مَلَاك. تكلم الله مع بولس بطرق وبأوقات مختلفة.
٢. مَلَاكُ الْإِلَهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ (وَقَفَ إلَى جانِبِي مَلاكٌ مِنْ عِندِ اللهِ الَّذِي أنتَمِي إلَيهِ وَأخدِمُهُ): كان ظهور الملاك مشجعًا للغاية ولكن جملة اللهِ الَّذِي أنتَمِي إلَيهِ وَأخدِمُهُ كانت مشجعة أكثر. تذكر بولس أنه ينتمي إلى الله وأنه خادمٌ لله. فالله لا ينسى أبدًا أولاده الذين يخدمونه.
• لا يعني هذا أن حياة أولاد الله ومن يخدمونه ستكون سهلة. حياة بولس المليئة بالكوارث أثبتت ذلك. ولكن حتى وسط المصاعب عينا الله تكون على خائفيه ويرعاهم دائمًا.
٣. لَا تَخَفْ: احتاج بولس إلى سماع هذه الكلمات لأنه شعر أيضًا بالخوف وسط العاصفة (في البداية على الأقل). فعندما كان بولس في حالة روحية عالية كان متأكدًا من وصوله إلى روما لأن الله وعد بذلك، ولكنه بدأ يشك وسط العاصفة (عاصفة حرفية). احتاج بولس لهذا النوع من الضمان.
٤. وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ: يدل هذا على أن بولس صلى من أجل سلامة كل المسافرين معه. فقد سبق وحصل على وعد من الله بأنه سيحفظ حياته ولكن هذا لم يكن كافيًا بالنسبة لبولس بل صلى بجهد من أجل سلامة وبركة من كانوا معه المؤمنين منهم وغير المؤمنين بعد. أظهر بولس اهتمامه بهم ومحبته لهم بالصلاة لهم بلجاجة إلى أن منحه الله الوعد بسلامتهم (قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ).
٥. لِذَلِكَ سُرُّوا أَيُّهَا الرِّجَالُ: نقرأ في الآية ٢٢ تشجيع بولس لهم وها هو هنا يكرر التشجيع ولكن هذه المرة في ضوء الوحي الإلهي. وكأنه يقول: “عليكم أن تتشجعوا لأن الله يضمن لكم سلامتكم وأنا أُومِنُ بِاللهِ.”
• لم يتمكن بولس من عدم مشاركة الرجاء الذي كان له مع المؤمنين معه على متن السفينة ومع الذين لم يؤمنوا بعد.
٦. لِأَنِّي أُومِنُ بِاللهِ أَنَّهُ يَكُونُ هَكَذَا كَمَا قِيلَ لِي: تعبر كلمات بولس المليئة بالثقة للبحارة المضطربين على سفينة في بحر هائج عن جوهر الإيمان بالله وبكلمته. أعطى الله لبولس هذه الكلمات عن طريق الملاك وكان رد بولس: “أُومِنُ بِاللهِ.”
• لاحظوا ما قاله بولس: “أُومِنُ بِاللهِ (أَنَا عِنْدِي إِيمَانٌ بِاللهِ)” ولم يقل “أنا أؤمن بوجود الله.” فالشيطان يؤمن في الجحيم بوجود الله. أعلن بولس عن ثقته الكاملة بالله الذي يعرف حالته وأعلن عن هذه الثقة بالتمسك بوعد الله حتى وسط العاصفة.
• وضع بولس إيمانه بالله حينما لم يكن هناك أي أمل آخر يستند عليه. لم يستطع بولس أن يضع ثقته بالبحارة أو بالسفينة أو بالأشرعة أو بالريح أو بقائد المئة أو ببراعة الإنسان أو بأي شيء آخر سوى الله وحده. لم يكن هذا إيمان يعتمد على الظروف بل يعتمد على الإيمان بالله وسط العاصفة وفي أحلك الظروف. كان بإمكان بولس أن يقول مع أيوب: هَلْ سَيَقتُلُنِي اللهُ؟ حَتَّى لَوْ فَعَلَ، فَرَجائِي فِيهِ (سفر أيوب ١٥:١٣). كانت العاصفة أمرًا حقيقيًا بالنسبة لبولس ولكن الله كان أكثر واقعية.
• لم يخجل بولس من الإعلان عن إيمانه بالله. كتب سبيرجن (Spurgeon): “أتمنى حقًا أن يكون كل مؤمن مستعد لقبول هذا التحدي ويعلن بصراحة عن موقفه؛ فإن كان الله لا يعني لنا شيئًا فلا داعي للتظاهر بأننا نثق به، وإن كان الإنجيل مجرد كذبة فدعونا على الأقل أن نكون صادقين ونعترف بذلك.”
• ثقة بولس الثابتة في الله جعلته قائدًا وسطهم رغم أنه سجين لدى روما.
٧. وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ نَقَعَ عَلَى جَزِيرَةٍ: كانت هذه أخبارًا مختلطة. فوقوعهم على جزيرة يعني أن السفينة ستتحطم. وكأن بولس يقول: “ستتحطم السفينة وسنرسو على جزيرة مجهولة ولكننا سننجو جميعًا.”
• يعني عَلَى جَزِيرَةٍ دون أية تسمية أن الله لم يعلن لبولس تفاصيل ما سيحدث. كان على بولس أن يثق بأن الله يعرف أي جزيرة سيقعون عليها حتى لو لم تكن لديه أية معلومات عنها.
و ) الآيات (٢٩-٢٧): الاقتراب من اليابسة
٢٧فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَنَحْنُ نُحْمَلُ تَائِهِينَ فِي بَحْرِ أَدْرِيَا، ظَنَّ النُّوتِيَّةُ، نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أَنَّهُمُ اقْتَرَبُوا إِلَى بَرٍّ. ٢٨فَقَاسُوا وَوَجَدُوا عِشْرِينَ قَامَةً. وَلَمَّا مَضَوْا قَلِيلًا قَاسُوا أَيْضًا فَوَجَدُوا خَمْسَ عَشْرَةَ قَامَةً. ٢٩وَإِذْ كَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَقَعُوا عَلَى مَوَاضِعَ صَعْبَةٍ، رَمَوْا مِنَ الْمُؤَخَّرِ أَرْبَعَ مَرَاسٍ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ.
١. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قضوا أسبوعين كاملين في حالة من البؤس والرعب وسط العاصفة.
٢. ظَنَّ النُّوتِيَّةُ، نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أَنَّهُمُ اقْتَرَبُوا إِلَى بَرٍّ: شعر البحارة أنهم اقتربوا من اليابسة (وربما سمعوا الأمواج المتكسرة على الشاطئ) فاتخذوا الاحتياطات المناسبة حتى لا تتحطم السفينة على الصخور التي لا يرونها (رَمَوْا مِنَ الْمُؤَخَّرِ أَرْبَعَ مَرَاسٍ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ).
٣. وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ: الخوف من تحطم السفينة ومن الموت جعل النُّوتِيَّة يصلون.
ز ) الآيات (٣٢-٣٠): أراد بعض النُّوتِيَّة أن يهربوا من السفينة
٣٠وَلَمَّا كَانَ النُّوتِيَّةُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَهْرُبُوا مِنَ السَّفِينَةِ، وَأَنْزَلُوا الْقَارِبَ إِلَى الْبَحْرِ بِعِلَّةِ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَمُدُّوا مَرَاسِيَ مِنَ الْمُقَدَّمِ، ٣١قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ وَالْعَسْكَرِ: «إِنْ لَمْ يَبْقَ هَؤُلَاءِ فِي السَّفِينَةِ فَأَنْتُمْ لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْجُوا». ٣٢حِينَئِذٍ قَطَعَ الْعَسْكَرُ حِبَالَ الْقَارِبِ وَتَرَكُوهُ يَسْقُطُ.
١. وَلَمَّا كَانَ النُّوتِيَّةُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَهْرُبُوا مِنَ السَّفِينَةِ: لم يهتم هؤلاء البحارة بالركاب أبدًا. وعندما سنحت لهم الفرصة للنجاة أرادوا أن يتركوا السفينة ويتخلوا عن الركاب.
٢. قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ وَالْعَسْكَرِ: «إِنْ لَمْ يَبْقَ هَؤُلَاءِ فِي السَّفِينَةِ فَأَنْتُمْ لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْجُوا»: كان بولس يعرف سببين لضرورة بقائهم معًا. أولًا كان المسافرين في أمس الحاجة لخبرة البحارة وبالتأكيد ستحدث كارثة إن تخلى البحارة عن السفينة. ثانيًا ربما شعر بولس أن الله سيخلص كل النفوس التي كانت معه في السفينة ولهذا توقع بقائهم معًا.
٣. حِينَئِذٍ قَطَعَ الْعَسْكَرُ حِبَالَ الْقَارِبِ وَتَرَكُوهُ يَسْقُطُ: يبدو أن الجنود بدأوا يثقون ببولس.
ح) الآيات (٣٨-٣٣): بولس يشجع المسافرين والطاقم عند الفجر
٣٣وَحَتَّى قَارَبَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ كَانَ بُولُسُ يَطْلُبُ إِلَى الْجَمِيعِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا طَعَامًا، قَائِلًا: «هَذَا هُوَ الْيَوْمُ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَأَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ لَا تَزَالُونَ صَائِمِينَ، وَلَمْ تَأْخُذُوا شَيْئًا. ٣٤لِذَلِكَ أَلْتَمِسُ مِنْكُمْ أَنْ تَتَنَاوَلُوا طَعَامًا، لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ مُفِيدًا لِنَجَاتِكُمْ، لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ شَعْرَةٌ مِنْ رَأْسِ وَاحِدٍ مِنْكُمْ». ٣٥وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ اللهَ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَكَسَّرَ، وَابْتَدَأَ يَأْكُلُ. ٣٦فَصَارَ الْجَمِيعُ مَسْرُورِينَ وَأَخَذُوا هُمْ أَيْضًا طَعَامًا. ٣٧وَكُنَّا فِي السَّفِينَةِ جَمِيعُ الْأَنْفُسِ مِئَتَيْنِ وَسِتَّةً وَسَبْعِينَ. ٣٨وَلَمَّا شَبِعُوا مِنَ الطَّعَامِ طَفِقُوا يُخَفِّفُونَ السَّفِينَةَ طَارِحِينَ الْحِنْطَةَ فِي الْبَحْرِ.
١. لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ شَعْرَةٌ مِنْ رَأْسِ وَاحِدٍ مِنْكُمْ: قدم بولس للطاقم والركاب كلمات مليئة بالإيمان والثقة. لن يستفيد من هذه الكلمة سوى من يؤمن بها.
• أعطانا الله العشرات من الوعود عن تعزيته ورعيته لنا في الأوقات الصعبة ولكنها لن تفيدنا إن كنا لا نؤمن بها.
٢. وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ اللهَ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَكَسَّرَ، وَابْتَدَأَ يَأْكُلُ. فَصَارَ الْجَمِيعُ مَسْرُورِينَ (فَتَشَجَّعُوا كُلُّهُمْ): هناك إشارات تدل على أن بولس تعامل مع هذه الوجبة وكأنها مائدة عشاء الرب للمؤمنين الحاضرين معه.
٣. طَفِقُوا يُخَفِّفُونَ السَّفِينَةَ: يعكس إلقائهم الْحِنْطَةَ فِي الْبَحْرِ على يأسهم الشديد. قاموا بتخفيف السفينة من قبل (أعمال الرسل ١٨:٢٧) ولكن هذه الحنطة كانت آخر البضائع الأساسية على السفينة. كانت كلها محاولات للبقاء على قيد الحياة.
ط) الآيات (٤١-٣٩): السفينة ترتطم بالشاطئ وتتحطم
٣٩وَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْأَرْضَ، وَلَكِنَّهُمْ أَبْصَرُوا خَلِيجًا لَهُ شَاطِئٌ، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ السَّفِينَةَ إِنْ أَمْكَنَهُمْ. ٤٠فَلَمَّا نَزَعُوا الْمَرَاسِيَ تَارِكِينَ إِيَّاهَا فِي الْبَحْرِ، وَحَلُّوا رُبُطَ الدَّفَّةِ أَيْضًا، رَفَعُوا قِلْعًا لِلرِّيحِ الْهَابَّةِ، وَأَقْبَلُوا إِلَى الشَّاطِئِ. ٤١وَإِذْ وَقَعُوا عَلَى مَوْضِعٍ بَيْنَ بَحْرَيْنِ، شَطَّطُوا السَّفِينَةَ، فَارْتَكَزَ الْمُقَدَّمُ وَلَبِثَ لَا يَتَحَرَّكُ. وَأَمَّا الْمُؤَخَّرُ فَكَانَ يَنْحَلُّ مِنْ عُنْفِ الْأَمْوَاجِ.
١. لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْأَرْضَ (لَمْ يَستَطِيعُوا أنْ يُمَيِّزُوا الأرْضَ): لم يعرفوا في البداية أنهم وصلوا إلى جزيرة تدعى مالطة. يدعى المكان الذي وصلوا إليه الآن: خليج القديس بولس (St. Paul’s Bay).
• كتب بروس (Bruce) مقتبسًا عن رامزي (Ramsay): ” لا يمكن تحقيق النهاية السعيدة التي آلت إليها أمور إلا بصدفة نادرة تحت ظروف مواتية. توحدت كل الظروف في خليج القديس بولس.”
• كتب بروس (Bruce): “إن لم يصلوا إلى جزيرة مالطة لمكثوا في البحر لمدة طويلة إلى أن يضربوا السواحل التونسية التي كانت تبعد حوالي ٣٠٠ كيلومتر. ومن غير المتوقع أن تصمد السفينة كل تلك المدة الطويلة.”
٢. فَارْتَكَزَ الْمُقَدَّمُ وَلَبِثَ لَا يَتَحَرَّكُ. وَأَمَّا الْمُؤَخَّرُ فَكَانَ يَنْحَلُّ مِنْ عُنْفِ الْأَمْوَاجِ: تحطمت الأجزاء الضعيفة من السفينة عندما غَرَزَتِ = على مرتفع رملي بالقرب من الشاطئ بسبب عنف الأمواج وتحتم على الجميع مغادرة السفينة قبل أن تتفكك السفينة بالكامل.
ي) الآيات (٤٤-٤٢): تركوا السفينة ووصلوا بأمان إلى البر
٤٢فَكَانَ رَأْيُ الْعَسْكَرِ أَنْ يَقْتُلُوا الْأَسْرَى لِئَلَّا يَسْبَحَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَيَهْرُبَ. ٤٣وَلَكِنَّ قَائِدَ الْمِئَةِ، إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ بُولُسَ، مَنَعَهُمْ مِنْ هَذَا الرَّأْيِ، وَأَمَرَ أَنَّ الْقَادِرِينَ عَلَى السِّبَاحَةِ يَرْمُونَ أَنْفُسَهُمْ أَوَّلًا فَيَخْرُجُونَ إِلَى الْبَرِّ، ٤٤وَالْبَاقِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَلْوَاحٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى قِطَعٍ مِنَ السَّفِينَةِ. فَهَكَذَا حَدَثَ أَنَّ الْجَمِيعَ نَجَوْا إِلَى الْبَرِّ.
١. فَكَانَ رَأْيُ الْعَسْكَرِ أَنْ يَقْتُلُوا الْأَسْرَى لِئَلَّا يَسْبَحَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَيَهْرُبَ: كان منطقيًا بالنسبة للجنود أن يفكروا بهذه الطريقة ويقتلوا السجناء، لأنه وفقًا للقانون الروماني كان على الحارس الذي يسمح بهروب سجينه أن يتحمل نفس العقوبة التي يستحقها سجينه الهارب، وفي هذه الحالة كان عقاب معظم هؤلاء السجناء هو الإعدام.
٢. وَلَكِنَّ قَائِدَ الْمِئَةِ، إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ بُولُسَ، مَنَعَهُمْ مِنْ هَذَا الرَّأْيِ: أعطى الله نعمة لبولس في عيون قَائِدَ الْمِئَة وهذه النعمة حافظت على حياة بولس وكل السجناء الذين كانوا معه. كما وكان هذا تحقيقًا للوعد الذي أعطاه الله لبولس: وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ (أعمال الرسل ٢٤:٢٧). فكلمة الله لا تسقط أبدًا.