١. فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: وقف بولس أمام الرجل الذي حاول جده الأكبر قتل الطفل يسوع وقطع جده رأس يوحنا المعمدان وقتل والده أول شهيد في المسيحية يعقوب الرسول. من غير المرجح أن يتعاطف أغريباس مع بولس بسبب تاريخ عائلته الدموي.
٢. إِنِّي أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيدًا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ، إِذْ أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَحْتَجَّ الْيَوْمَ لَدَيْكَ: على الرغم من أن بولس كان سجينًا لكنه كان سَعِيدًا لأنه سيقدم دعواه أمام أغريباس. كان سعيدًا أولًا لأن كبار المسؤولين سيفحصون الأدلة المقدمة ضده وكان سعيدًا ثانيًا لأنه سيكرز بالإنجيل أمام الملوك والحكام.
• تكلم بولس في دَارِ الِاسْتِمَاعِ في قيصرية أمام فَسْتُوسَ وأَغْرِيبَاسُ وَبَرْنِيكِي وقادَةِ الجَيشِ وَوُجَهاءِ المدينة (أعمال الرسل ٢٣:٢٥). كان بولس سَعِيدًا بهذه الفرصة الهائلة.
• كان هذا تحقيقًا جزئيًا لوعد الله عن بولس: «لِأَنَّ هَذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ» (أعمال الرسل ١٥:٩).
١. فَسِيرَتِي مُنْذُ حَدَاثَتِي الَّتِي مِنَ الْبُدَاءَةِ كَانَتْ بَيْنَ أُمَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ: ولد بولس في مدينة طرسوس التي تبعد مئات الكيلومترات عن أورشليم ولكنه انتقل للعيش فِي أُورُشَلِيمَ منذ حداثته.
٢. أَنِّي حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الْأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيًّا: لم يكن بولس يهوديًا متعصبًا فحسب بل كان معروفًا بتشدده كفريسي وهو المذهب الأضيق (مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الْأَضْيَقِ).
١. وَالْآنَ أَنَا وَاقِفٌ أُحَاكَمُ عَلَى رَجَاءِ الْوَعْدِ الَّذِي صَارَ مِنَ اللهِ لِآبَائِنَا: أوضح بولس أنه ظل يهوديًا أمينًا في قلبه وعقله وأن إيمانه بيسوع زاد من ثقته برَجَاءِ الْوَعْدِ الَّذِي صَارَ مِنَ اللهِ وجادل قائلًا: مِنْ أَجْلِ هَذَا الرَّجَاءِ أَنَا أُحَاكَمُ مِنَ الْيَهُودِ.
٢. لِمَاذَا يُعَدُّ عِنْدَكُمْ أَمْرًا لَا يُصَدَّقُ إِنْ أَقَامَ اللهُ أَمْوَاتًا؟: بما أن أغريباس كان مُطَّلِعًا اطِّلاعًا واسِعًا عَلَى كُلِّ التَّقالِيدِ وَالمُجادَلاتِ اليَهُودِيَّةِ (أعمال الرسل ٣:٢٦) كان يتحتم عليه أن يعرف أن الله قادر على قيامة الأموات.
• لِمَاذَا لاَ تُصَدِّقُونَ بأن عند الله كل شيءٍ مستطاع كما قال يسوع؟ (متى ٢٦:١٩). كان على أغريباس أن يصدق أن الله أَقَامَ أَمْوَاتًا من التصريحات الواضحة في العهد القديم (مثل سفر أيوب ٢٥:١٩-٢٧) ومن طبيعة الله ومن إدراك البشر البديهي لوجود الأبدية.
د ) الآيات (١١-٩): يشرح بولس أنه في وقت ما اضطهد أتباع يسوع
١. فَأَنَا ارْتَأَيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ أُمُورًا كَثِيرَةً مُضَادَّةً لِاسْمِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ: آمن بولس قبل إيمانه أَنَّهُ يَنْبَغِي أن يضطهد أتباع يسوع. فوضع البعض في السجن (فَحَبَسْتُ فِي سُجُونٍ) وقتل البعض (وَلَمَّا كَانُوا يُقْتَلُونَ) وأجبر الكثيرين على إنكار إيمانهم بيسوع (وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى التَّجْدِيفِ).
• يتحدث بولس في وقت لاحق عن ندمه الشديد على حياته السابقة كمضطهد للمؤمنين (كورنثوس الأولى ٩:١٥ وتيموثاوس الأولى ١٥:١). ولعل إجبارهم على التَّجْدِيفِ كان أكثر ما أتعب ضميره بشكل خاص.
٢. أَلْقَيْتُ قُرْعَةً بِذَلِكَ (أُعْطِي صَوْتِي بِالْمُوَافَقَةِ): وهذا يعني ضمنًا أن بولس كان عضوًا في السنهدريم ويملك الحق في التصويت ضد المسيحيين عندما كانوا يحاكمون أمام السنهدريم (كما حدث مع استيفانوس في أعمال الرسل ٧).
• بما أن بولس كان عضوًا في السنهدريم فهذا يعني أنه كان متزوجًا في ذلك الوقت لأن الزواج كان مطلوبًا لكل أعضاء السنهدريم. ولكن بولس صار أعزب منذ أن أصبح مؤمنًا مسيحيًا (كورنثوس الأولى ٧:٧-٩). ربما لأن زوجته ماتت أو ربما لأنها هجرته عندما أصبح مؤمنًا.
٣. وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ: كان بولس قبل إيمانه رجلًا غاضبًا. وهذا الغضب كشف عن علاقته غير الصحيحة مع الله رغم تمسكه الشديد بديانته.
هـ) الآيات (١٥-١٢): ظهور يسوع لبولس على الطريق إلى دمشق
١. وَلَمَّا كُنْتُ ذَاهِبًا فِي ذَلِكَ إِلَى دِمَشْقَ: يقدم بولس هنا تقريرًا مفصلًا عن تجربته على الطريق إلى دمشق. أشار أولًا إلى أنه ذهب ليتمم مهمته المليئة بالكراهية والاضطهاد بِسُلْطَانٍ وَوَصِيَّةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ الذين يشتكون عليه الآن.
٢. نُورًا مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ: رأى بولس النور الحرفي قبل أن يرى النور المجازي. ذهب بولس إلى دمشق واثقًا تمامًا أنه كان على حق. وكان عليه أن يرى نورًا أفضل من لمعان الشمس فِي نِصْفِ النَّهَارِ لكي يدرك أنه كان على خطأ.
٣. شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ: كرر بولس الكلمات المذكورة في أعمال الرسل ٣:٩-٦. والتي ركزت على:
• دعوة يسوع الشخصية له (شَاوُلُ، شَاوُلُ!).
• اضطهاده الموجه بالاتجاه الخطأ (تَضْطَهِدُنِي؟).
• حماقة اضطهاده ليسوع (لِمَاذَا؟)
٤. أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ: غيرت هذه الكلمات حياة بولس بالكامل. فهم بولس على الفور أن يسوع حي ولم يمت وفهم أن يسوع يحكم في المجد وليس محكومًا عليه باللعنة والعار. كما أدرك أن اضطهاده لأتباع يسوع يعني اضطهده ليسوع نفسه مما يعني اضطهده لإله آبائه.
• كان على بولس أن يتوب فورًا: أي تغيير في العقل الذي يقود إلى تغيير في التصرفات. لم تكن توبة بولس تتعلق بحياته الأخلاقية لأنه كان يعيش حياة أخلاقية عالية ولكن كان عليه أن يتوب من تعصبه الديني المضلل وأفكاره الخاطئة عن الله.
و ) الآيات (١٨-١٦): مأمورية يسوع لبولس على الطريق إلى دمشق
١. وَلَكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ: طلب يسوع من بولس الوقوف على رجليه. لا يعود ذلك لأن تواضعه لم يكن لائقًا بل لأن عليه الذهاب إلى مكان ما. وكأن يسوع يقول له: “دعنا نذهب الآن.”
٢. لِأَنِّي لِهَذَا ظَهَرْتُ لَكَ: أرسله القادة الدينيين إلى دمشق لتحقيق غاية ما بِسُلطَةٍ وَتَفوِيضٍ منهم. والآن عليه أن يختار غرض آخر أي يسوع.
٣. لِأَنِّي لِهَذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لِأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا: دُعيَّ بولس خادمًا ليشهد عن الأمور التي رآها والتي سيُظهرها له يسوع (لِأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ). فمأمورية المؤمن أن يخدم رسالة الإنجيل فقط لا أن يستغلها أو يستخدم شهادته الشخصية لتحقيق مكاسب خاصة.
٤. لِأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا: دُعيَّ بولس شَاهِدًا لما رأى (بِمَا رَأَيْتَ). فمأمورية كل مؤمن ليس تأليف اختبار ما أو خلق رسالة جديدة بل أن يشهد (شَاهِدًا) عن الحق وعن اختباره.
٥. أَنَا الْآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ: وصف يسوع الخدمة التي سيقوم بها بولس. كان بولس أعملى في تلك اللحظة على الطريق إلى دمشق بسبب النور العظيم من السماء، ورغم عماه الجسدي أرسله يسوع ليفتح عيون الآخرين (اليهود والأمم).
• ثم أخبر يسوع بولس عن أربعة نتائج ستحدث من فتح العيون:
• كي يرجعوا من ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ
• كي يرجعوا من سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ
• لينالوا غُفْرَانَ الْخَطَايَا
• لينالوا نَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ
٦. حَتَّى يَنَالُوا بِالْإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ (فَيَنَالُوا غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا بَيْنَ الَّذِينَ تَقَدَّسُوا بِالإِيمَانِ بِي – الترجمة العربية المبسطة): هذه هي الطريقة التي وصف بها يسوع أتباعه وشعبه وعائلته: الْمُقَدَّسِينَ (المعزولين عن الخطية والذات) وهم الَّذِينَ تَقَدَّسُوا بِالإِيمَانِ بيسوع (ليس بالأعمال أو الإنجاز الروحي بل بعلاقة محبة وثقة بيسوع).
• كانت دَارِ الِاسْتِمَاعِ التي تحدث فيها بولس مليئة بالشخصيات المهمة (أعمال الرسل ٢٣:٢٥) ولكن وجه بولس هذه الكلمات بالتحديد للملك أغريباس. كانت تلك دعوة ليصبح أغريباس واحدًا من الَّذِينَ تَقَدَّسُوا بِالإِيمَانِ بيسوع ويمكن أن تُفتح عيناه أيضًا كما حصل مع بولس.
١. أَغْرِيبَاسُ لَمْ أَكُنْ مُعَانِدًا لِلرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ: كان تجاوب بولس منطقيًا نظرًا للتجربة التي وصفها لتوه. لا أحد يجرؤ على معصية الله الذي كشف عن نفسه بهذه القوة. قدم بولس حجة قوية لأغريباس ولكل الحاضرين عن السبب الذي جعله يبشر ويعيش بهذه الطريقة.
٢. أَنْ يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى اللهِ عَامِلِينَ أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ: يا له من تلخيص رائع لرسالة بولس. وضع بولس التوبة والرجوع إلى الله جنبًا إلى جنب موضحًا أن الأمرين يسيران معًا. فلا يستطيع المرء الرجوع إلى الله إلا عندما يتوب وتعكس تصرفاته تلك التوبة الحقيقية (عَامِلِينَ أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ).
١. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمْسَكَنِي الْيَهُودُ فِي الْهَيْكَلِ وَشَرَعُوا فِي قَتْلِي: بولس يكشف عن الحقيقة. السبب الحقيقي الذي من أجله أمسكه اليهود (أَمْسَكَنِي الْيَهُودُ) وأرادوا قتله (شَرَعُوا فِي قَتْلِي) كان لأنه جلب رسالة إنجيل يسوع المسيح إلى الأمم وليس لأنه كان مناضلًا سياسيًا أو لأنه دنس الهيكل.
٢. فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ، بَقِيتُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، شَاهِدًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ: نال بولس مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ بينما كان مسجونًا لمدة عامين. فحتى هذه النقطة لم تطلق تلك المعونة سراحه ولكنها فتحت أمامه هذه الفرصة وأعطته القدرة للكلام عن يسوع وما فعله لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
• يبدو أن بولس لم يبالي بالأمر وكان اهتمامه منصبًا على الشهادة عن يسوع بدلًا من المشاركة عن حريته الشخصية.
٣. وَأَنَا لَا أَقُولُ شَيْئًا غَيْرَ مَا تَكَلَّمَ الْأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ: أعلن بولس أيضًا أنه لم يحيد عما تنبأ وتكلم عنه الْأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى لأنه مبني على كلمة الله لا على تقاليد الإنسان أو تجاربه الشخصية.
٤. إِنْ يُؤَلَّمِ الْمَسِيحُ، يَكُنْ هُوَ أَوَّلَ قِيَامَةِ الْأَمْوَاتِ، مُزْمِعًا أَنْ يُنَادِيَ بِنُورٍ لِلشَّعْبِ وَلِلْأُمَمِ: كانت تلك النقاط الرئيسية الثلاثة لعظة بولس: موت يسوع وقيامته والإعلان عن هذا الخبر السار للعالم كله دون أي تمييز بين اليهودي أو الأممي.
ثانيًا. تجاوب كل من فَسْتُوس وأَغْرِيبَاس
أ ) الآيات (٢٦-٢٤): فستوس يؤكد على جنون بولس ورد بولس عليه
١. أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ!: من الواضح أن بولس كان شخصًا ذكيًا ومُتَبَحِرًا فِي العِلْمِ ومع ذلك اعتقد فستوس في تلك اللحظة أن بولس كان مجنونًا وقال هذا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. ثمة بعض الأسباب التي جعلت شخص مثل فستوس يعتقد أن بولس كان يهْذِي إذا أخذنا بعين الاعتبار سلوكه في الجلسة.
• كان سعيدًا على الرغم من أنه سجين مكبل بالسلاسل (أعمال الرسل ٢:٢٦).
• كان مصِرًّا على قدرة الله على قيامة الأموات (أعمال الرسل ٨:٢٦، ٢٣).
• شارك اختباره عن الرؤيا السماوية التي غيرت حياته (أعمال الرسل ١٤:٢٦-١٩).
• كان مهتمًا أكثر بشأن الإعلان عن يسوع بدلًا من حريته الشخصية (أعمال الرسل ٢٢:٢٦).
• آمن برسالة رجاء وفداء للبشرية جمعاء وليست مخصصة لليهود فقط أو للأمم فقط (أعمال الرسل ٢٣:٢٦).
• عندما نُعلن في حياتنا عن الإنجيل بالشكل الصحيح سيعتقد الناس أننا مجانين أو أننا نَهْذِي. عبر بولس عن هذا عندما كتب رسالته الأولى لأهل كورنثوس ١٨:١ “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ.”
٢. لَسْتُ أَهْذِي أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَسْتُوسُ، بَلْ أَنْطِقُ بِكَلِمَاتِ الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ: عرف بولس أن إنجيله ليس صحيحًا فحسب بل معقولًا أيضًا. قد يتصرف الله أحيانًا بطريقة لا يستوعبها العقل ولكنها لن تكون مُنافية للعقل أبدًا.
٣. لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ، عَالِمٌ الْمَلِكُ الَّذِي أُكَلِّمُهُ جِهَارًا، إِذْ أَنَا لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (وَالمَلِكُ عارِفٌ بِهَذِهِ الأُمُورِ. لِهَذا يُمكِنُنِي أنْ أتَحَدَّثَ إلَيهِ بِحُرِّيَّةٍ. وَأنا واثِقٌ مِنْ أنَّهُ يَعرِفُ هَذِهِ الأُمُورَ كُلَّها – الترجمة العربية المبسطة): وصل فستوس حديثًا من روما لهذا لم يعرف الكثير عن يسوع وعن حركة المؤمنين الأوائل أما أغريباس فكان يعرف جيدًا بِهَذِهِ الأُمُورِ، لذا ناشد بولس معرفته للأحداث التاريخية التي كانت معروفة للجميع وأساس الإيمان المسيحي، كما أضاف أن ما حدث لم يحدث في مَكانٍ مُنعَزِلٍ (لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ).
• تميزت رسالة بولس بِكَلاَمِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ (الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ) لأنها تستند على أحداث تاريخية (مثل صلب وقيامة يسوع) وهي أمور لم تحدث فِي الخفاء (لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ) ولكنها كانت قابلة للفحص من الجميع.
• الأساس التاريخي لرسالة بولس جعلتها صحيحة ودقيقة (الصِّدْقِ). أما كونها مَعقُولَة (الصَّحْوِ) فهذا يعني أنه ليس من المعقول بكل بساطة تجاهل أو إنكار ما قد حدث بالفعل. ولهذا ينبغي التحقق من يسوع ومما فعله باعتباره حدثًا تاريخيًا.
١. أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالْأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ: استغل بولس هيجان فستوس ليناشد المعرفة التي كانت عند الملك أغريباس (أعمال الرسل ٢٦:٢٦) ثم تحداه بشكل مباشر وسأل: أَتُؤْمِنُ.
• لم يسأل بولس أغريباس منذ البداية إن كان يؤمن بيسوع بل سأله: أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالْأَنْبِيَاءِ؟ سأل بولس هذا السؤال لأنه إن كان يؤمن بالأنبياء فإن الحق والمنطق سيقودانه حتمًا للإيمان بيسوع. أراد بولس أن يضع إيمان أغريباس في المكان الصحيح.
• وبهذه الكلمات وضع بولس التحدي والقرار مباشرة أمام أغريباس. هذا الجزء ضروري جدًا حينما نبشر الآخرين عن يسوع وعما فعله لأجلنا، فعلينا أن نتحدى المستمع وندعوه لاتخاذ القرار.
٢. «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا!»: عندما دعاه بولس للإيمان بالانبياء وبيسوع رفض أغريباس أن يعترف أنه كان يؤمن بهم. كاد بولس أن يقنعه بِقَلِيلٍ.
• الفكرة من وراء الكلمة بِقَلِيلٍ هي: “قَلِيلًا بَعْدُ، وَتُقْنِعُنِي بِأَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا!” وقد تعني “فِي هَذِهِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ أتَظُنُّ أنَّكَ تَستَطِيعُ أنْ تُقنِعَنِي بِأنْ أكُونَ مَسِيحِيًّا؟” أو “ثمة مسافة بسيطة بيني وبين الإيمان المسيحي.” وبغض النظر عن مدى قرب أغريباس من الإيمان إلا أنه لم يكن قريبًا بما فيه الكفاية.
• وإذا كانت كلمة بِقَلِيلٍ تعني نوعًا ما فنستطيع القول أن جواب أغريباس كان محزنًا. وبطبيعة الحال، كون المرء مؤمنًا نوعًا ما يعني أنه يملك الحياة الأبدية نوعًا ما وأنه لن ينال دينونة الجحيم تقريبًا… ولكن تقريبًا ليست كافية على الإطلاق.
• وبدلًا من الإعجاب بمدى قرب أغريباس من الإيمان علينا أن نحزن لأنه أدان نفسه أكثر بسبب رفضه لرسالة الإنجيل رغم معرفته بها.
٣. أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا: يمكننا القول أن بولس ردد كلمات يسوع التي قالها على الطريق إلى دمشق والتي تشير إلى حقيقة المؤمن (أعمال الرسل ١٨:٢٦). ولكن أغريباس رفض ذلك.
• رفض أن يرجع من الظلمة إلى النور
• رفض أن يرجع من سلطان الشيطان إلى الله
• رفض أن ينال مغفرة عن الخطايا
• رفض أن يكون له نصيب مع المقدسين
• رفض أن يكون له مكان بين الذين تقدسوا بالإيمان بيسوع
٤. «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا!»: ما الذي منع أغريباس من أن يصبح مؤمنًا بالمسيح؟ لماذا اقتنع بِقَلِيلٍ؟
• لماذا لم يقتنع أغريباس؟ ربما بسبب المرأة التي كانت تجلس بالقرب منه: بَرْنِيكِي. كانت برنيكي رفيقة زانية وغير أخلاقية. وربما أدرك أغريباس عن حق أن إيمانه يعني خسارتها وخسارة باقي أصدقائه الآثمين. لم يكن أغريباس مستعدًا لتقديم مثل هذه التضحية.
• كان يجلس بالقرب من أغريباس الملك فستوس الرجل بكل معنى الكلمة والذي لا يتفوه بالتفاهات، وهو من نَعَتَ بولس بالجنون. وربما اعتقد أغريباس: “لا أستطيع أن أصبح مؤمنًا. سيعتقد فستوس أني مجنون.” رفض أغريباس يسوع لأنه كان يفضل الثناء من الإنسان. كتب سبيرجن (Spurgeon): “وآسفاه… كم عدد الأشخاص الذين يخشون الناس! أيها الجبناء هل ستسمحون لخوفكم أن يدينكم؟ هل ستسمحون بهلاك أرواحكم بدلًا من التصدي لكلام مخلوقات ضعيفة؟ ألا تجرأون على السير وراء الحق عكس كل من يسير وراء الباطل؟ يا لكم من جبناء وتستحقون الهلاك لأنكم لا تملكون الشجاعة الكافية لحفظ أرواحكم بل ترتجفون خوفًا أمام تعييرات الحمقى!”
• وقف أمام أغريباس بولس الرجل القوي والنبيل والحكيم وصاحب الصفات الحسنة رغم القيود في يديه. هل قال أغريباس: “هل سأكبل بالسلاسل إن صرت مؤمنًا كما حصل مع بولس أو سأسجن معه مثلًا… كلا… لن أسمح بهذا أبدًا فأنا شخص مهم.” كتب سبيرجن (Spurgeon): “يا ليت الإنسان يملك ما يكفي من حكمة ليدرك أن المعاناة من أجل يسوع ما هو إلا شرف وأن الموت من أجل الحق ما هو إلا ربح وأن الكرامة الحقيقية تكمن في القيود على اليدين وليس في القيود على الروح.”
٥. كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيلٍ وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هَكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلَا هَذِهِ الْقُيُودَ: أعلن بولس ثقته الكاملة في إنجيل يسوع المسيح وأنه لم يتراجع عنه إنشٌ واحد على الرغم من السجن.
٦. مَا خَلَا هَذِهِ الْقُيُودَ (ولكِنْ دُونَ هَذِهِ السَّلاَسِلِ!): رفع بولس يديه المربوطة بالقيود أمام الجميع ليبين أنه كان يتمتع بحرية أكبر في يسوع من كل النبلاء الحاضرين.
ج) الآيات (٣٢-٣٠): يعترف أغريباس ببراءة بولس ومع ذلك يحيله إلى قيصر
١. فَلَمَّا قَالَ هَذَا قَامَ الْمَلِكُ: لم يحتمل كل من أغريباس وفستوس والباقين تحدي بولس المباشر. فقد كان كلامه في الصميم وشخصي للغاية وشعروا بحاجتهم لإنهاء اللقاء بسرعة ووقف الجلسة.
٢. إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ لَيْسَ يَفْعَلُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ أَوِ الْقُيُودَ: لم يرى أغريباس أي دليل على صحة التهم الموجهة ضد بولس ولكنه احترم نزاهة بولس كثيرًا ومع ذلك رفض رسالة الإنجيل. أعلن أغريباس ومن معه أن بولس غير مذنب.
٣. كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ هَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ: ومع ذلك لم يكن بإمكانهم إطلاق سراح بولس لأنه رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ. ويبدو أنه بمجرد رفع الدعوة إلى قيصر لا يمكن التراجع عنها أبدًا.
٤. قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ: يبدو أنه كان بإمكان إطلاق سراح بولس لولا أنه رفع قضيته إلى القيصر. فهل كانت رفع الدعوة إلى قيصر أمرًا جيدًا أم سيئًا؟
• اعتقد البعض أن هذا كان سيئًا لأنه يظهر أن بولس كان يعتمد على قوة القانون الروماني بدلًا من قوة الله. ويقولون أنه كان بإمكان أغريباس أن يطلق سراحه لو لم يرفع قضيته إلى قيصر.
• ومع هذا علينا أن ننظر لكل الأحداث على أنها تحقيق لمشيئة وخطة الله. برفع دعواه إلى قيصر سيتمكن بولس من توصيل الرسالة إلى الإمبراطور الروماني كما فعل مع فِيلِكس وفستوس وأغريباس وبالتالي سيتحقق الوعد بأن بولس سيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ مُلُوكٍ (أعمال الرسل ١٥:٩).
• الوقوف أمام قيصر والذهاب إلى روما على نفقة الإمبراطورية كان تحقيقًا آخر لكلام الروح القدس في أعمال الرسل ٢١:١٩، ١١:٢٣ “يَنْبَغي أنْ أذْهَبَ إلَى رُوما أيضًا… سَتَشهَدُ فِي رُوما أيضًا»” وكان تحقيقًا لصلوات بولس الذي كان يتوق لزيارة الكنيسة هناك (رومية ٩:١-١٣).
أعمال الرسل – الإصحاح ٢٦ – دفاع بولس عن نفسه أمام الْمَلِكُ أَغْرِيبَاس
أولًا. بولس يتكلم في جلسة الاستماع أمام أغريباس
أ ) الآيات (٣-١): كلمات بولس الاستهلالية
١فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: «مَأْذُونٌ لَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ لِأَجْلِ نَفْسِكَ». حِينَئِذٍ بَسَطَ بُولُسُ يَدَهُ وَجَعَلَ يَحْتَجُّ: ٢«إِنِّي أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيدًا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ، إِذْ أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَحْتَجَّ الْيَوْمَ لَدَيْكَ عَنْ كُلِّ مَا يُحَاكِمُنِي بِهِ الْيَهُودُ. ٣لَا سِيَّمَا وَأَنْتَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْعَوَائِدِ وَالْمَسَائِلِ الَّتِي بَيْنَ الْيَهُودِ. لِذَلِكَ أَلْتَمِسُ مِنْكَ أَنْ تَسْمَعَنِي بِطُولِ الْأَنَاةِ».
١. فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: وقف بولس أمام الرجل الذي حاول جده الأكبر قتل الطفل يسوع وقطع جده رأس يوحنا المعمدان وقتل والده أول شهيد في المسيحية يعقوب الرسول. من غير المرجح أن يتعاطف أغريباس مع بولس بسبب تاريخ عائلته الدموي.
٢. إِنِّي أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيدًا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ، إِذْ أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَحْتَجَّ الْيَوْمَ لَدَيْكَ: على الرغم من أن بولس كان سجينًا لكنه كان سَعِيدًا لأنه سيقدم دعواه أمام أغريباس. كان سعيدًا أولًا لأن كبار المسؤولين سيفحصون الأدلة المقدمة ضده وكان سعيدًا ثانيًا لأنه سيكرز بالإنجيل أمام الملوك والحكام.
• تكلم بولس في دَارِ الِاسْتِمَاعِ في قيصرية أمام فَسْتُوسَ وأَغْرِيبَاسُ وَبَرْنِيكِي وقادَةِ الجَيشِ وَوُجَهاءِ المدينة (أعمال الرسل ٢٣:٢٥). كان بولس سَعِيدًا بهذه الفرصة الهائلة.
• كان هذا تحقيقًا جزئيًا لوعد الله عن بولس: «لِأَنَّ هَذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ» (أعمال الرسل ١٥:٩).
ب) الآيات (٥-٤): بولس الفريسي المتشدد
٤فَسِيرَتِي مُنْذُ حَدَاثَتِي الَّتِي مِنَ الْبُدَاءَةِ كَانَتْ بَيْنَ أُمَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ يَعْرِفُهَا جَمِيعُ الْيَهُودِ، ٥عَالِمِينَ بِي مِنَ الْأَوَّلِ، إِنْ أَرَادُوا أَنْ يَشْهَدُوا، أَنِّي حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الْأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيًّا.
١. فَسِيرَتِي مُنْذُ حَدَاثَتِي الَّتِي مِنَ الْبُدَاءَةِ كَانَتْ بَيْنَ أُمَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ: ولد بولس في مدينة طرسوس التي تبعد مئات الكيلومترات عن أورشليم ولكنه انتقل للعيش فِي أُورُشَلِيمَ منذ حداثته.
٢. أَنِّي حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الْأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيًّا: لم يكن بولس يهوديًا متعصبًا فحسب بل كان معروفًا بتشدده كفريسي وهو المذهب الأضيق (مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الْأَضْيَقِ).
ج) الآيات (٨-٦): يواجه بولس اليهودي المتعصب أغريباس بعدم إيمانه
٦وَالْآنَ أَنَا وَاقِفٌ أُحَاكَمُ عَلَى رَجَاءِ الْوَعْدِ الَّذِي صَارَ مِنَ اللهِ لِآبَائِنَا، ٧الَّذِي أَسْبَاطُنَا الِاثْنَا عَشَرَ يَرْجُونَ نَوَالَهُ، عَابِدِينَ بِالْجَهْدِ لَيْلًا وَنَهَارًا. فَمِنْ أَجْلِ هَذَا الرَّجَاءِ أَنَا أُحَاكَمُ مِنَ الْيَهُودِ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ. ٨لِمَاذَا يُعَدُّ عِنْدَكُمْ أَمْرًا لَا يُصَدَّقُ إِنْ أَقَامَ اللهُ أَمْوَاتًا؟
١. وَالْآنَ أَنَا وَاقِفٌ أُحَاكَمُ عَلَى رَجَاءِ الْوَعْدِ الَّذِي صَارَ مِنَ اللهِ لِآبَائِنَا: أوضح بولس أنه ظل يهوديًا أمينًا في قلبه وعقله وأن إيمانه بيسوع زاد من ثقته برَجَاءِ الْوَعْدِ الَّذِي صَارَ مِنَ اللهِ وجادل قائلًا: مِنْ أَجْلِ هَذَا الرَّجَاءِ أَنَا أُحَاكَمُ مِنَ الْيَهُودِ.
٢. لِمَاذَا يُعَدُّ عِنْدَكُمْ أَمْرًا لَا يُصَدَّقُ إِنْ أَقَامَ اللهُ أَمْوَاتًا؟: بما أن أغريباس كان مُطَّلِعًا اطِّلاعًا واسِعًا عَلَى كُلِّ التَّقالِيدِ وَالمُجادَلاتِ اليَهُودِيَّةِ (أعمال الرسل ٣:٢٦) كان يتحتم عليه أن يعرف أن الله قادر على قيامة الأموات.
• لِمَاذَا لاَ تُصَدِّقُونَ بأن عند الله كل شيءٍ مستطاع كما قال يسوع؟ (متى ٢٦:١٩). كان على أغريباس أن يصدق أن الله أَقَامَ أَمْوَاتًا من التصريحات الواضحة في العهد القديم (مثل سفر أيوب ٢٥:١٩-٢٧) ومن طبيعة الله ومن إدراك البشر البديهي لوجود الأبدية.
د ) الآيات (١١-٩): يشرح بولس أنه في وقت ما اضطهد أتباع يسوع
٩فَأَنَا ارْتَأَيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ أُمُورًا كَثِيرَةً مُضَادَّةً لِاسْمِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ. ١٠وَفَعَلْتُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ، فَحَبَسْتُ فِي سُجُونٍ كَثِيرِينَ مِنَ الْقِدِّيسِينَ، آخِذًا السُّلْطَانَ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ. وَلَمَّا كَانُوا يُقْتَلُونَ أَلْقَيْتُ قُرْعَةً بِذَلِكَ. ١١وَفِي كُلِّ الْمَجَامِعِ كُنْتُ أُعَاقِبُهُمْ مِرَارًا كَثِيرَةً، وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى التَّجْدِيفِ. وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي فِي الْخَارِجِ.
١. فَأَنَا ارْتَأَيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ أُمُورًا كَثِيرَةً مُضَادَّةً لِاسْمِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ: آمن بولس قبل إيمانه أَنَّهُ يَنْبَغِي أن يضطهد أتباع يسوع. فوضع البعض في السجن (فَحَبَسْتُ فِي سُجُونٍ) وقتل البعض (وَلَمَّا كَانُوا يُقْتَلُونَ) وأجبر الكثيرين على إنكار إيمانهم بيسوع (وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى التَّجْدِيفِ).
• يتحدث بولس في وقت لاحق عن ندمه الشديد على حياته السابقة كمضطهد للمؤمنين (كورنثوس الأولى ٩:١٥ وتيموثاوس الأولى ١٥:١). ولعل إجبارهم على التَّجْدِيفِ كان أكثر ما أتعب ضميره بشكل خاص.
٢. أَلْقَيْتُ قُرْعَةً بِذَلِكَ (أُعْطِي صَوْتِي بِالْمُوَافَقَةِ): وهذا يعني ضمنًا أن بولس كان عضوًا في السنهدريم ويملك الحق في التصويت ضد المسيحيين عندما كانوا يحاكمون أمام السنهدريم (كما حدث مع استيفانوس في أعمال الرسل ٧).
• بما أن بولس كان عضوًا في السنهدريم فهذا يعني أنه كان متزوجًا في ذلك الوقت لأن الزواج كان مطلوبًا لكل أعضاء السنهدريم. ولكن بولس صار أعزب منذ أن أصبح مؤمنًا مسيحيًا (كورنثوس الأولى ٧:٧-٩). ربما لأن زوجته ماتت أو ربما لأنها هجرته عندما أصبح مؤمنًا.
٣. وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ: كان بولس قبل إيمانه رجلًا غاضبًا. وهذا الغضب كشف عن علاقته غير الصحيحة مع الله رغم تمسكه الشديد بديانته.
هـ) الآيات (١٥-١٢): ظهور يسوع لبولس على الطريق إلى دمشق
١٢«وَلَمَّا كُنْتُ ذَاهِبًا فِي ذَلِكَ إِلَى دِمَشْقَ، بِسُلْطَانٍ وَوَصِيَّةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ، ١٣رَأَيْتُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ، أَيُّهَا الْمَلِكُ، نُورًا مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ، قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي. ١٤فَلَمَّا سَقَطْنَا جَمِيعُنَا عَلَى الْأَرْضِ، سَمِعْتُ صَوْتًا يُكَلِّمُنِي وَيَقُولُ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ: شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ. ١٥فَقُلْتُ أَنَا: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ.
١. وَلَمَّا كُنْتُ ذَاهِبًا فِي ذَلِكَ إِلَى دِمَشْقَ: يقدم بولس هنا تقريرًا مفصلًا عن تجربته على الطريق إلى دمشق. أشار أولًا إلى أنه ذهب ليتمم مهمته المليئة بالكراهية والاضطهاد بِسُلْطَانٍ وَوَصِيَّةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ الذين يشتكون عليه الآن.
٢. نُورًا مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ: رأى بولس النور الحرفي قبل أن يرى النور المجازي. ذهب بولس إلى دمشق واثقًا تمامًا أنه كان على حق. وكان عليه أن يرى نورًا أفضل من لمعان الشمس فِي نِصْفِ النَّهَارِ لكي يدرك أنه كان على خطأ.
٣. شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ: كرر بولس الكلمات المذكورة في أعمال الرسل ٣:٩-٦. والتي ركزت على:
• دعوة يسوع الشخصية له (شَاوُلُ، شَاوُلُ!).
• اضطهاده الموجه بالاتجاه الخطأ (تَضْطَهِدُنِي؟).
• حماقة اضطهاده ليسوع (لِمَاذَا؟)
٤. أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ: غيرت هذه الكلمات حياة بولس بالكامل. فهم بولس على الفور أن يسوع حي ولم يمت وفهم أن يسوع يحكم في المجد وليس محكومًا عليه باللعنة والعار. كما أدرك أن اضطهاده لأتباع يسوع يعني اضطهده ليسوع نفسه مما يعني اضطهده لإله آبائه.
• كان على بولس أن يتوب فورًا: أي تغيير في العقل الذي يقود إلى تغيير في التصرفات. لم تكن توبة بولس تتعلق بحياته الأخلاقية لأنه كان يعيش حياة أخلاقية عالية ولكن كان عليه أن يتوب من تعصبه الديني المضلل وأفكاره الخاطئة عن الله.
و ) الآيات (١٨-١٦): مأمورية يسوع لبولس على الطريق إلى دمشق
١٦وَلَكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لِأَنِّي لِهَذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لِأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، ١٧مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الْآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، ١٨لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالْإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ.
١. وَلَكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ: طلب يسوع من بولس الوقوف على رجليه. لا يعود ذلك لأن تواضعه لم يكن لائقًا بل لأن عليه الذهاب إلى مكان ما. وكأن يسوع يقول له: “دعنا نذهب الآن.”
٢. لِأَنِّي لِهَذَا ظَهَرْتُ لَكَ: أرسله القادة الدينيين إلى دمشق لتحقيق غاية ما بِسُلطَةٍ وَتَفوِيضٍ منهم. والآن عليه أن يختار غرض آخر أي يسوع.
٣. لِأَنِّي لِهَذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لِأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا: دُعيَّ بولس خادمًا ليشهد عن الأمور التي رآها والتي سيُظهرها له يسوع (لِأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ). فمأمورية المؤمن أن يخدم رسالة الإنجيل فقط لا أن يستغلها أو يستخدم شهادته الشخصية لتحقيق مكاسب خاصة.
٤. لِأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا: دُعيَّ بولس شَاهِدًا لما رأى (بِمَا رَأَيْتَ). فمأمورية كل مؤمن ليس تأليف اختبار ما أو خلق رسالة جديدة بل أن يشهد (شَاهِدًا) عن الحق وعن اختباره.
٥. أَنَا الْآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ: وصف يسوع الخدمة التي سيقوم بها بولس. كان بولس أعملى في تلك اللحظة على الطريق إلى دمشق بسبب النور العظيم من السماء، ورغم عماه الجسدي أرسله يسوع ليفتح عيون الآخرين (اليهود والأمم).
• ثم أخبر يسوع بولس عن أربعة نتائج ستحدث من فتح العيون:
• كي يرجعوا من ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ
• كي يرجعوا من سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ
• لينالوا غُفْرَانَ الْخَطَايَا
• لينالوا نَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ
٦. حَتَّى يَنَالُوا بِالْإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ (فَيَنَالُوا غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا بَيْنَ الَّذِينَ تَقَدَّسُوا بِالإِيمَانِ بِي – الترجمة العربية المبسطة): هذه هي الطريقة التي وصف بها يسوع أتباعه وشعبه وعائلته: الْمُقَدَّسِينَ (المعزولين عن الخطية والذات) وهم الَّذِينَ تَقَدَّسُوا بِالإِيمَانِ بيسوع (ليس بالأعمال أو الإنجاز الروحي بل بعلاقة محبة وثقة بيسوع).
• كانت دَارِ الِاسْتِمَاعِ التي تحدث فيها بولس مليئة بالشخصيات المهمة (أعمال الرسل ٢٣:٢٥) ولكن وجه بولس هذه الكلمات بالتحديد للملك أغريباس. كانت تلك دعوة ليصبح أغريباس واحدًا من الَّذِينَ تَقَدَّسُوا بِالإِيمَانِ بيسوع ويمكن أن تُفتح عيناه أيضًا كما حصل مع بولس.
ز ) الآيات (٢٠-١٩): طاعة بولس ليسوع
١٩«مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ لَمْ أَكُنْ مُعَانِدًا لِلرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ، ٢٠بَلْ أَخْبَرْتُ أَوَّلًا الَّذِينَ فِي دِمَشْقَ، وَفِي أُورُشَلِيمَ حَتَّى جَمِيعِ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ، ثُمَّ الْأُمَمَ، أَنْ يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى اللهِ عَامِلِينَ أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ.
١. أَغْرِيبَاسُ لَمْ أَكُنْ مُعَانِدًا لِلرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ: كان تجاوب بولس منطقيًا نظرًا للتجربة التي وصفها لتوه. لا أحد يجرؤ على معصية الله الذي كشف عن نفسه بهذه القوة. قدم بولس حجة قوية لأغريباس ولكل الحاضرين عن السبب الذي جعله يبشر ويعيش بهذه الطريقة.
٢. أَنْ يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى اللهِ عَامِلِينَ أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ: يا له من تلخيص رائع لرسالة بولس. وضع بولس التوبة والرجوع إلى الله جنبًا إلى جنب موضحًا أن الأمرين يسيران معًا. فلا يستطيع المرء الرجوع إلى الله إلا عندما يتوب وتعكس تصرفاته تلك التوبة الحقيقية (عَامِلِينَ أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ).
ح) الآيات (٢٣-٢١): بولس يلخص دفاعه
٢١مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمْسَكَنِي الْيَهُودُ فِي الْهَيْكَلِ وَشَرَعُوا فِي قَتْلِي. ٢٢فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ، بَقِيتُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، شَاهِدًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَأَنَا لَا أَقُولُ شَيْئًا غَيْرَ مَا تَكَلَّمَ الْأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ: ٢٣إِنْ يُؤَلَّمِ الْمَسِيحُ، يَكُنْ هُوَ أَوَّلَ قِيَامَةِ الْأَمْوَاتِ، مُزْمِعًا أَنْ يُنَادِيَ بِنُورٍ لِلشَّعْبِ وَلِلْأُمَمِ.
١. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمْسَكَنِي الْيَهُودُ فِي الْهَيْكَلِ وَشَرَعُوا فِي قَتْلِي: بولس يكشف عن الحقيقة. السبب الحقيقي الذي من أجله أمسكه اليهود (أَمْسَكَنِي الْيَهُودُ) وأرادوا قتله (شَرَعُوا فِي قَتْلِي) كان لأنه جلب رسالة إنجيل يسوع المسيح إلى الأمم وليس لأنه كان مناضلًا سياسيًا أو لأنه دنس الهيكل.
٢. فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ، بَقِيتُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، شَاهِدًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ: نال بولس مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ بينما كان مسجونًا لمدة عامين. فحتى هذه النقطة لم تطلق تلك المعونة سراحه ولكنها فتحت أمامه هذه الفرصة وأعطته القدرة للكلام عن يسوع وما فعله لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
• يبدو أن بولس لم يبالي بالأمر وكان اهتمامه منصبًا على الشهادة عن يسوع بدلًا من المشاركة عن حريته الشخصية.
٣. وَأَنَا لَا أَقُولُ شَيْئًا غَيْرَ مَا تَكَلَّمَ الْأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ: أعلن بولس أيضًا أنه لم يحيد عما تنبأ وتكلم عنه الْأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى لأنه مبني على كلمة الله لا على تقاليد الإنسان أو تجاربه الشخصية.
٤. إِنْ يُؤَلَّمِ الْمَسِيحُ، يَكُنْ هُوَ أَوَّلَ قِيَامَةِ الْأَمْوَاتِ، مُزْمِعًا أَنْ يُنَادِيَ بِنُورٍ لِلشَّعْبِ وَلِلْأُمَمِ: كانت تلك النقاط الرئيسية الثلاثة لعظة بولس: موت يسوع وقيامته والإعلان عن هذا الخبر السار للعالم كله دون أي تمييز بين اليهودي أو الأممي.
ثانيًا. تجاوب كل من فَسْتُوس وأَغْرِيبَاس
أ ) الآيات (٢٦-٢٤): فستوس يؤكد على جنون بولس ورد بولس عليه
٢٤وَبَيْنَمَا هُوَ يَحْتَجُّ بِهَذَا، قَالَ فَسْتُوسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ!». ٢٥فَقَالَ: «لَسْتُ أَهْذِي أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَسْتُوسُ، بَلْ أَنْطِقُ بِكَلِمَاتِ الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ. ٢٦لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ، عَالِمٌ الْمَلِكُ الَّذِي أُكَلِّمُهُ جِهَارًا، إِذْ أَنَا لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ.
١. أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ!: من الواضح أن بولس كان شخصًا ذكيًا ومُتَبَحِرًا فِي العِلْمِ ومع ذلك اعتقد فستوس في تلك اللحظة أن بولس كان مجنونًا وقال هذا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. ثمة بعض الأسباب التي جعلت شخص مثل فستوس يعتقد أن بولس كان يهْذِي إذا أخذنا بعين الاعتبار سلوكه في الجلسة.
• كان سعيدًا على الرغم من أنه سجين مكبل بالسلاسل (أعمال الرسل ٢:٢٦).
• كان مصِرًّا على قدرة الله على قيامة الأموات (أعمال الرسل ٨:٢٦، ٢٣).
• شارك اختباره عن الرؤيا السماوية التي غيرت حياته (أعمال الرسل ١٤:٢٦-١٩).
• كان مهتمًا أكثر بشأن الإعلان عن يسوع بدلًا من حريته الشخصية (أعمال الرسل ٢٢:٢٦).
• آمن برسالة رجاء وفداء للبشرية جمعاء وليست مخصصة لليهود فقط أو للأمم فقط (أعمال الرسل ٢٣:٢٦).
• عندما نُعلن في حياتنا عن الإنجيل بالشكل الصحيح سيعتقد الناس أننا مجانين أو أننا نَهْذِي. عبر بولس عن هذا عندما كتب رسالته الأولى لأهل كورنثوس ١٨:١ “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ.”
٢. لَسْتُ أَهْذِي أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَسْتُوسُ، بَلْ أَنْطِقُ بِكَلِمَاتِ الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ: عرف بولس أن إنجيله ليس صحيحًا فحسب بل معقولًا أيضًا. قد يتصرف الله أحيانًا بطريقة لا يستوعبها العقل ولكنها لن تكون مُنافية للعقل أبدًا.
٣. لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ، عَالِمٌ الْمَلِكُ الَّذِي أُكَلِّمُهُ جِهَارًا، إِذْ أَنَا لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (وَالمَلِكُ عارِفٌ بِهَذِهِ الأُمُورِ. لِهَذا يُمكِنُنِي أنْ أتَحَدَّثَ إلَيهِ بِحُرِّيَّةٍ. وَأنا واثِقٌ مِنْ أنَّهُ يَعرِفُ هَذِهِ الأُمُورَ كُلَّها – الترجمة العربية المبسطة): وصل فستوس حديثًا من روما لهذا لم يعرف الكثير عن يسوع وعن حركة المؤمنين الأوائل أما أغريباس فكان يعرف جيدًا بِهَذِهِ الأُمُورِ، لذا ناشد بولس معرفته للأحداث التاريخية التي كانت معروفة للجميع وأساس الإيمان المسيحي، كما أضاف أن ما حدث لم يحدث في مَكانٍ مُنعَزِلٍ (لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ).
• تميزت رسالة بولس بِكَلاَمِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ (الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ) لأنها تستند على أحداث تاريخية (مثل صلب وقيامة يسوع) وهي أمور لم تحدث فِي الخفاء (لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ) ولكنها كانت قابلة للفحص من الجميع.
• الأساس التاريخي لرسالة بولس جعلتها صحيحة ودقيقة (الصِّدْقِ). أما كونها مَعقُولَة (الصَّحْوِ) فهذا يعني أنه ليس من المعقول بكل بساطة تجاهل أو إنكار ما قد حدث بالفعل. ولهذا ينبغي التحقق من يسوع ومما فعله باعتباره حدثًا تاريخيًا.
ب) الآيات (٢٩-٢٧): أغريباس يكاد يقتنع
٢٧«أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالْأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ». ٢٨فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا!». ٢٩فَقَالَ بُولُسُ: «كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيلٍ وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هَكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلَا هَذِهِ الْقُيُودَ».
١. أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالْأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ: استغل بولس هيجان فستوس ليناشد المعرفة التي كانت عند الملك أغريباس (أعمال الرسل ٢٦:٢٦) ثم تحداه بشكل مباشر وسأل: أَتُؤْمِنُ.
• لم يسأل بولس أغريباس منذ البداية إن كان يؤمن بيسوع بل سأله: أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالْأَنْبِيَاءِ؟ سأل بولس هذا السؤال لأنه إن كان يؤمن بالأنبياء فإن الحق والمنطق سيقودانه حتمًا للإيمان بيسوع. أراد بولس أن يضع إيمان أغريباس في المكان الصحيح.
• وبهذه الكلمات وضع بولس التحدي والقرار مباشرة أمام أغريباس. هذا الجزء ضروري جدًا حينما نبشر الآخرين عن يسوع وعما فعله لأجلنا، فعلينا أن نتحدى المستمع وندعوه لاتخاذ القرار.
٢. «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا!»: عندما دعاه بولس للإيمان بالانبياء وبيسوع رفض أغريباس أن يعترف أنه كان يؤمن بهم. كاد بولس أن يقنعه بِقَلِيلٍ.
• الفكرة من وراء الكلمة بِقَلِيلٍ هي: “قَلِيلًا بَعْدُ، وَتُقْنِعُنِي بِأَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا!” وقد تعني “فِي هَذِهِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ أتَظُنُّ أنَّكَ تَستَطِيعُ أنْ تُقنِعَنِي بِأنْ أكُونَ مَسِيحِيًّا؟” أو “ثمة مسافة بسيطة بيني وبين الإيمان المسيحي.” وبغض النظر عن مدى قرب أغريباس من الإيمان إلا أنه لم يكن قريبًا بما فيه الكفاية.
• وإذا كانت كلمة بِقَلِيلٍ تعني نوعًا ما فنستطيع القول أن جواب أغريباس كان محزنًا. وبطبيعة الحال، كون المرء مؤمنًا نوعًا ما يعني أنه يملك الحياة الأبدية نوعًا ما وأنه لن ينال دينونة الجحيم تقريبًا… ولكن تقريبًا ليست كافية على الإطلاق.
• وبدلًا من الإعجاب بمدى قرب أغريباس من الإيمان علينا أن نحزن لأنه أدان نفسه أكثر بسبب رفضه لرسالة الإنجيل رغم معرفته بها.
٣. أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا: يمكننا القول أن بولس ردد كلمات يسوع التي قالها على الطريق إلى دمشق والتي تشير إلى حقيقة المؤمن (أعمال الرسل ١٨:٢٦). ولكن أغريباس رفض ذلك.
• رفض أن يرجع من الظلمة إلى النور
• رفض أن يرجع من سلطان الشيطان إلى الله
• رفض أن ينال مغفرة عن الخطايا
• رفض أن يكون له نصيب مع المقدسين
• رفض أن يكون له مكان بين الذين تقدسوا بالإيمان بيسوع
٤. «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا!»: ما الذي منع أغريباس من أن يصبح مؤمنًا بالمسيح؟ لماذا اقتنع بِقَلِيلٍ؟
• لماذا لم يقتنع أغريباس؟ ربما بسبب المرأة التي كانت تجلس بالقرب منه: بَرْنِيكِي. كانت برنيكي رفيقة زانية وغير أخلاقية. وربما أدرك أغريباس عن حق أن إيمانه يعني خسارتها وخسارة باقي أصدقائه الآثمين. لم يكن أغريباس مستعدًا لتقديم مثل هذه التضحية.
• كان يجلس بالقرب من أغريباس الملك فستوس الرجل بكل معنى الكلمة والذي لا يتفوه بالتفاهات، وهو من نَعَتَ بولس بالجنون. وربما اعتقد أغريباس: “لا أستطيع أن أصبح مؤمنًا. سيعتقد فستوس أني مجنون.” رفض أغريباس يسوع لأنه كان يفضل الثناء من الإنسان. كتب سبيرجن (Spurgeon): “وآسفاه… كم عدد الأشخاص الذين يخشون الناس! أيها الجبناء هل ستسمحون لخوفكم أن يدينكم؟ هل ستسمحون بهلاك أرواحكم بدلًا من التصدي لكلام مخلوقات ضعيفة؟ ألا تجرأون على السير وراء الحق عكس كل من يسير وراء الباطل؟ يا لكم من جبناء وتستحقون الهلاك لأنكم لا تملكون الشجاعة الكافية لحفظ أرواحكم بل ترتجفون خوفًا أمام تعييرات الحمقى!”
• وقف أمام أغريباس بولس الرجل القوي والنبيل والحكيم وصاحب الصفات الحسنة رغم القيود في يديه. هل قال أغريباس: “هل سأكبل بالسلاسل إن صرت مؤمنًا كما حصل مع بولس أو سأسجن معه مثلًا… كلا… لن أسمح بهذا أبدًا فأنا شخص مهم.” كتب سبيرجن (Spurgeon): “يا ليت الإنسان يملك ما يكفي من حكمة ليدرك أن المعاناة من أجل يسوع ما هو إلا شرف وأن الموت من أجل الحق ما هو إلا ربح وأن الكرامة الحقيقية تكمن في القيود على اليدين وليس في القيود على الروح.”
٥. كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيلٍ وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هَكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلَا هَذِهِ الْقُيُودَ: أعلن بولس ثقته الكاملة في إنجيل يسوع المسيح وأنه لم يتراجع عنه إنشٌ واحد على الرغم من السجن.
٦. مَا خَلَا هَذِهِ الْقُيُودَ (ولكِنْ دُونَ هَذِهِ السَّلاَسِلِ!): رفع بولس يديه المربوطة بالقيود أمام الجميع ليبين أنه كان يتمتع بحرية أكبر في يسوع من كل النبلاء الحاضرين.
ج) الآيات (٣٢-٣٠): يعترف أغريباس ببراءة بولس ومع ذلك يحيله إلى قيصر
٣٠فَلَمَّا قَالَ هَذَا قَامَ الْمَلِكُ وَالْوَالِي وَبَرْنِيكِي وَالْجَالِسُونَ مَعَهُمْ، ٣١وَانْصَرَفُوا وَهُمْ يُكَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ لَيْسَ يَفْعَلُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ أَوِ الْقُيُودَ». ٣٢وَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِفَسْتُوسَ: «كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ هَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ».
١. فَلَمَّا قَالَ هَذَا قَامَ الْمَلِكُ: لم يحتمل كل من أغريباس وفستوس والباقين تحدي بولس المباشر. فقد كان كلامه في الصميم وشخصي للغاية وشعروا بحاجتهم لإنهاء اللقاء بسرعة ووقف الجلسة.
٢. إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ لَيْسَ يَفْعَلُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ أَوِ الْقُيُودَ: لم يرى أغريباس أي دليل على صحة التهم الموجهة ضد بولس ولكنه احترم نزاهة بولس كثيرًا ومع ذلك رفض رسالة الإنجيل. أعلن أغريباس ومن معه أن بولس غير مذنب.
٣. كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ هَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ: ومع ذلك لم يكن بإمكانهم إطلاق سراح بولس لأنه رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ. ويبدو أنه بمجرد رفع الدعوة إلى قيصر لا يمكن التراجع عنها أبدًا.
٤. قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ: يبدو أنه كان بإمكان إطلاق سراح بولس لولا أنه رفع قضيته إلى القيصر. فهل كانت رفع الدعوة إلى قيصر أمرًا جيدًا أم سيئًا؟
• اعتقد البعض أن هذا كان سيئًا لأنه يظهر أن بولس كان يعتمد على قوة القانون الروماني بدلًا من قوة الله. ويقولون أنه كان بإمكان أغريباس أن يطلق سراحه لو لم يرفع قضيته إلى قيصر.
• ومع هذا علينا أن ننظر لكل الأحداث على أنها تحقيق لمشيئة وخطة الله. برفع دعواه إلى قيصر سيتمكن بولس من توصيل الرسالة إلى الإمبراطور الروماني كما فعل مع فِيلِكس وفستوس وأغريباس وبالتالي سيتحقق الوعد بأن بولس سيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ مُلُوكٍ (أعمال الرسل ١٥:٩).
• الوقوف أمام قيصر والذهاب إلى روما على نفقة الإمبراطورية كان تحقيقًا آخر لكلام الروح القدس في أعمال الرسل ٢١:١٩، ١١:٢٣ “يَنْبَغي أنْ أذْهَبَ إلَى رُوما أيضًا… سَتَشهَدُ فِي رُوما أيضًا»” وكان تحقيقًا لصلوات بولس الذي كان يتوق لزيارة الكنيسة هناك (رومية ٩:١-١٣).