١. وَبَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ: أحضر القادة اليهود (حَنَانِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ مَعَ الشُّيُوخِ) مُحاميًا ماهرًا اسْمُهُ تَرْتُلُّسُ ليعرض قضيتهم أمام الحاكم.
٢. فَعَرَضُوا لِلْوَالِي ضِدَّ بُولُسَ: يذكرنا وجود الثلاثة (حَنَانِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ والشُّيُوخِ والمحامي المتمرس) في محكمة فيلكس بمدى جدية القيادات الدينية في الحصول على إدانة ضد بولس.
ب) الآيات (٤-٢): بدأ تَرْتُلُّسُ شكواه بالتملّق لفيلكس
١. أَيُّهَا الْعَزِيزُ فِيلِكْسُ: بدأ أنطونيوس فيلكس حياته كعبد. ولكنه اترتقى لأعلى المراكز لأن أخاه بالاس كان صديقًا للإمبراطور كلوديوس. اكتسب حريته في سن مبكر ثم أستطاع لاحقًا عبر المؤامرات أن يصبح أول عبد يصل لمرتبة الحاكم في مقاطعة رومانية.
• ومع هذا بقيت عقلية العبد تلاحقه. وصف تاسيتوس المؤرخ الروماني فيلكس كتالي: “سيد قاسي وشهواني بيده سلطان الملك وفي أعماقه نفسية العبد” (مأخوذة من لونغنيكر- Historiae ٥.٩).
• كتب ويليامز (Williams): “لم تكن الصورة التي رسمها تاسيتوس عن حياة فيلكس العامة والخاصة جميلة. وتحت تأثير شقيقه الشائن (بالاس المفضل للإمبراطور كلوديوس) انغمس فيلكس في كل الفجور الممكن تخيلها واعتقد أن بإمكانه ’أن يفعل أي شر دون عقاب‘ (تاسيتوس، Annals ١٢.٥٤).”
٢. إِنَّنَا حَاصِلُونَ بِوَاسِطَتِكَ عَلَى سَلَامٍ جَزِيلٍ، وَقَدْ صَارَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَصَالِحُ بِتَدْبِيرِكَ: كانت تلك أكاذيب ولكنها قدمت كإطراء. لم يجلب فيلكس سَلَام أو مَصَالِح (إزدهار) لأولئك الذين يحكمهم.
• كتب ستوت (Stott): “قمع فيلكس العديد من الثورات بوحشية وهمجية مما جعل الشعب اليهودي يخافه لا أن يشكره.” خاصة عندما أمر بقتل الآلاف من اليهود في قيصرية وسمح للجنود الرومان بنهب بيوتهم.
• غالبًا ما نُهمل خطية الإطراء (التملق) رغم أن الكتاب المقدس أشار إليها عدة مرات. نقرأ في رومية ١٨:١٦ عن الذين لا يَخدِمُونَ رَبَّنا يَسُوعَ المَسِيحَ، بَلْ يَخدِمُونَ شَهَواتِهِمْ. وَهُمْ يَخدَعُونَ قُلُوبَ البُسَطاءِ بِكَلامِهِمُ المَعسُولِ وَتَمَلُّقِهِمْ. وفي يهوذا ١٦:١ نقرأ عن الأشخاص الذين وَإنْ مَدَحوا أحَدًا، فَلِمَنفَعَتِهِمُ الشَّخصيَّةِ. (الترجمة العربية المبسطة).
• ربط سفر الأمثال الإطراء بخطية الزنى أربع مرات مختلفة. وقد زنى الكثيرين من إطراء بسيط.
• تخبرنا الآية في سفر الأمثال ١٩:٢٠ “النَّمّامُ هُوَ الَّذِي يُفشِي الأسْرارَ، فَلا تَختَلِطْ بِالإنسانِ الثَّرْثارِ (الترجمة العربية المبسطة).” وهذا معناه أن علينا تجنب الأصدقاء المُتَمَلِّقين.
• وتشير الآية في المزمور ٣٦:٧٨ أنه يمكننا حتى التملق لله: “حاوَلُوا أنْ يَخْدَعُوهُ بِكَلامِهِمْ،كَذَبُوا عَلَيهِ بِألسِنَتِهِمْ.” أنت تتملق الله عندما ترفع تسابيح غير صادق لله وهذا أمر مرفوض تمامًا.
• كتب بويس (Boice): “أتصور أن فيلكس كان ذكيًا بما يكفي واستمع لكلامهم ببسمة مداعبة. لا بد أنه تساءل عن السبب الذي جعل هؤلاء القادة اليهود يقطعون كل هذه المسافة من قيصرية ليتملقونه بهذا الشكل.”
ج) الآيات (٦-٥): وضح المشتكون اتِّهاماتهم الموجهة ضد بولس
١. فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هَذَا الرَّجُلَ مُفْسِدًا (مَصدَرَ إزعاجٍ، مُخَرِّب): كانت التهم الموجهة ضد بولس أساسًا: أولًا، أنه يشكل خطرًا سياسيًا (مُفْسِدًا… وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ) وثانيًا، دنس الهيكل.
• كانت اليهودية في القديم مليئة بالثوار ضد روما وبالأشخاص الذي ادعو أنهم المسيا. أراد تَرْتُلُّسُ أن يضع بولس بنفس فئة هؤلاء الإرهابيين.
٢. وَمِقْدَامَ شِيعَةِ (يَتَزَعَّمُ مَذْهَبَ) النَّاصِرِيِّينَ: تهدف الإشارة إلى أن بولس من النَّاصِرِيِّينَ إلى ربطه بمكان محتقر ووضيع. أُطلِق على أتباع يسوع هذا المصطلح كنوع من السخرية والازدراء. فقد تمتعت مدينة الناصرة بسمعة سيئة (يوحنا ٤٦:١).
٣. بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ: يقدم تَرْتُلُّسُ هنا مجاملة غير مقصودة عندما وصف انتشار خدمة بولس في الإمبراطورية الرومانية.
٤. وَقَدْ شَرَعَ أَنْ يُنَجِّسَ الْهَيْكَلَ أَيْضًا: كان تدنيس الهيكل هي التهمة الرئيسية ضد بولس. لم يقدم تَرْتُلُّسُ أي دليل على صحتها لأنه لم يملك أي دليل. فقد كانت التهمة ملفقة مستندة على إشاعة فقط (أعمال الرسل ٢٦:٢١-٢٩).
• لم يخشى بولس من قول الحقيقة ولكنه عرف أن الحقيقة لا تنتصر دومًا في المحاكم القانونية.
• لكن الملاحظ أن الرجل الذي لم يجد صعوبة في التملق للوالي لم يجد أي صعوبة في اتهام شخص دون أي دليل، فهذان الأمران يسيران دائمًا جنبًا إلى جنب. فالشخص الذي يقدم الإطراء لك اليوم قد يتهمك غدًا دون أي دليل.
١. فَأَقْبَلَ لِيسِيَاسُ الْأَمِيرُ بِعُنْفٍ شَدِيدٍ وَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا: نراه هنا يضع الأمير لِيسِيَاسُ الذي أنقذ بولس من قبل بموقف حرج. من الواضح أن المشتكين أعربوا عن أسفهم لأن القضية وصلت عند الوالي وكانوا يفضلون تسويتها بطريقتهم مع الحشد.
٢. وَمِنْهُ يُمْكِنُكَ إِذَا فَحَصْتَ أَنْ تَعْلَمَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي نَشْتَكِي بِهَا عَلَيْهِ: لم يتظاهر تَرْتُلُّسُ حتى بتقديم أي دليل على التهم الموجهة ضد بولس وكان أمله أن يدين بولس نفسه أثناء تحقيق فيلكس معه.
• كتب كلارك (Clarke): “قالوا أن مرافعته كانت ركيكة وضعيفة وناقصة وأنه كان بإمكان آخرين أن يقدموا مرافعة أفضل لقضية كهذه.”
٣. ثُمَّ وَافَقَهُ الْيَهُودُ أَيْضًا قَائِلِينَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هَكَذَا»: اتفق المشتكون اليهود (رئيس الكهنة مع الشيوخ) على التهم الموجهة ضد بولس ولكنهم لم يقدموا أي أدلة داعمة.
١. أَحْتَجُّ عَمَّا فِي أَمْرِي بِأَكْثَرِ سُرُورٍ: كان بولس مسرورًا بالدفاع عن نفسه عالمًا أن وقائع القضية كانت في صالحه. ومن اللافت للنظر أن بولس لم يستخدم أي كلمات إطراء أو تملق لفيلكس.
٢. وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا يَشْتَكُونَ بِهِ الْآنَ عَلَيَّ: رغم مرور أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا ورغم سهولة إيجاد عدد من الشهود لكنهم لم يتمكنوا أَنْ يُثْبِتُوا أنه كان يجادل أحدًا في الهيكل (أُحَاجُّ أَحَدًا) أو يهيج الناس (أَصْنَعُ تَجَمُّعًا مِنَ الشَّعْبِ). فلم يكن هناك ببساطة أي دليل على شكواهم.
ب) الآيات (٢١-١٤): يشرح بولس طبيعة خدمته وسبب اعتقاله
١. أَنَّنِي حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ «شِيعَةٌ»، هَكَذَا أَعْبُدُ إِلَهَ آبَائِي (أنِّي أعبُدُ إلَهَ آبائِنا حَسَبَ «الطَّرِيقِ» الَّذِي يَعتَبِرونَهُ هَرطَقَةً – الترجمة العربية المبسطة): أوضح بولس أنه لم يتخلى عن إِلَهَ آبَائه أو النَّامُوسِ وَالْأَنْبِيَاءِ بل حفظ الكل.
• أطلق تَرْتُلُّسُ على المسيحيين اسم «مَذهَبِ النّاصِرِيِّينَ» (أعمال الرسل ٥:٢٤) أما بولس فدعاهم «الطَّرِيقِ».
٢. أَنَّهُ سَوْفَ تَكُونُ قِيَامَةٌ لِلْأَمْوَاتِ: هذا ما كان يؤمن به معظم اليهود المتعصبين في أيام بولس ما عدا الصَّدُوقِيُّون (أعمال الرسل ٨:٢٣). ارتبط إيمان بولس بقِيَامَةٌ لِلْأَمْوَاتِ بحقيقة ثقته بقيامة يسوع (كورنثوس الأولى ١٥).
٣. الْأَبْرَارِ وَالْأَثَمَةِ: آمن بولس في قيامة كل من الأبرار والأثمة. إن فكرة نَّوْم الروح (الرُّقاد) أو الفناء للأثمة فكرة غير دقيقة وفقًا لتعاليم العهد الجديد.
٤. جِئْتُ أَصْنَعُ صَدَقَاتٍ لِأُمَّتِي وَقَرَابِينَ: يشير هذا إلى التبرعات (صَدَقَاتٍ) التي جمعها بولس للمؤمنين اليهود من كنائس الأمم في الغرب (غلاطية ١٠:٢، رومية ٢٦:١٥، كورنثوس الثانية ٨-٩).
٥. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرُوا لَدَيْكَ وَيَشْتَكُوا: يُذّكر بولس فيلكس أنه لم يكن هناك أية شهود لإثبات التهم ضده.
• كتب بروس (Bruce): “كانت تلك حجة قوية في دفاعه: فالأشخاص الذين ثاروا وصرخوا منذ البداية وادعو أنه نجس الهيكل لم يزعجوا أنفسهم بالمجيء للشهادة.” لأن بولس كان متأكدًا من برائته طالب بعرض الأدلة ضده ولكن مشتكيه تجنبوا الأمر تمامًا.
• لا ينبغي على المؤمنين أن يخجلوا من الحقيقة أو من الأدلة. فإذا كنا نتبع الله بأمانة فالحقيقة والأدلة هم أصدقائنا وليس المشتكين علينا.
ثالثًا. حكم فيلكس في القضية
أ ) الآيات (٢٣-٢٢): فيلكس يتجنب اِتِّخاذ قرار قانوني
١. مَتَى انْحَدَرَ لِيسِيَاسُ الْأَمِيرُ أَفْحَصُ عَنْ أُمُورِكُمْ: تجنب فيلكس إتخاذ قراره بحجة أنه كان ينتظر المزيد من الأدلة من الأمير ليسياس. ولكن من الواضح أن فيلكس كان يمتلك ما يكفي من الأدلة ليصدر حكم في صالح بولس (كَانَ يَعْلَمُ بِأَكْثَرِ تَحْقِيقٍ أُمُورَ هَذَا الطَّرِيقِ).
٢. وَتَكُونَ لَهُ رُخْصَةٌ: عرف فيلكس أن بولس كان بريئًا ولهذا مَنَحَهُ بَعضَ الحُرِّيَّة أثناء سجنه
• حاول فيلكس البقاء على الحياد. ورغم معرفته ببراءة بولس فلم يرغب أن يربط نفسه بإنجيل بولس والمسيحيين. لهذا لم يتخذ أي قرار بشأن بولس وقرر وضعه رهن الاحتجاز.
١. جَاءَ فِيلِكْسُ مَعَ دُرُوسِّلَا امْرَأَتِهِ، وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ. فَاسْتَحْضَرَ بُولُسَ وَسَمِعَ مِنْهُ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ: أراد فيلكس أن تسمع زوجته شهادة بولس ربما كنوع من الفضول أو لتقديم النصيحة له. زعم فيلكس في النهاية أن الأدلة ليست كافية للبت في القضية.
٢. مَعَ دُرُوسِّلَا امْرَأَتِهِ: كانت دُرُوسِّلَا شقيقة كل من هيرودس أَغْرِيبَاس الثاني وفَسْتُوسَ المذكورين في أعمال الرسل الإصحاح ٢٥. كانت دُرُوسِّلَا امرأة جميلة وطموحة وكانت في العشرينات من عمرها في هذه المرحلة. تمكن فيلكس من إقناعها بترك زوجها وجعلها زوجته الثالثة.
• كتب ستوت (Stott): “حياة فيلكس ودروسلا اللاأخلاقية تفسر المواضيع التي طرحها بولس أثناء حديثه معهم.”
٣. كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ: هذه هي النقاط الثلاث التي استخدمها بولس أثناء حديثه مع فيلكس ودروسلا. وهي نفس النقاط التي يتجنبها العديد من الخدام خاصة أثناء حديثهم مع شخصية مرموقة مثل فيلكس.
• لا نعرف بالضبط كيف توسع بولس في حديثه عن هذه النقاط الثلاث ولكن يمكننا التكهن كالتالي:
• الْبِرِّ الذي لنا في يسوع المسيح.
• الحاجة للأخلاق المسيحية (التَّعَفُّفِ) التي كانت غير موجودة في حياة كل من فيلكس ودروسلا.
• الوقوف أمام الله وتقديم حساب وكالتنا (الدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ).
• نُعجب بجسارة بولس وكيف وجهه كلامه ليخاطب القضايا الرئيسية في حياة فيلكس. كتب سبيرجن (Spurgeon): “أليس هناك من يعتقد أن أهم هدف للخادم هو جذب الجموع وثم إرضاءهم؟ ساعدنا يا رب كي نحزن على هذه الخطية إن كنا مذنبين بها. فما المنفعة من إرضاء الإنسان؟ هل سيجعلنا هذا نضع رؤوسنا بسلام على وسادة الموت؟ هل سيعطينا الجراءة يوم الدينونة عندما نقف أمامك يا من تدين الأحياء والأموات؟ كلا يا إخوتي علينا أن نأخذ الكلمة ونجعلها تلمس حياة مستمعينا بكل ما أوتينا من قوة.”
• وأضاف سبيرجن: “قد يقول البعض: ’على الخدام ألا يتكلموا عن الأمور الشخصية.‘ ولكن على الخدام أن يفعلوا ذلك وإلا لن يكونوا أمناء لسيدهم. فنقف ونتكلم عن العموميات لأننا نخشى أن نواجهك بالخطية التي في حياتك. ولكن مباركٌ الله الذي حررني من هذا الخوف من مدة طويلة. فلا يوجد شخص على سطح هذه الأرض لست أجرؤ على توبيخه.”
٤. ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ: ارْتَعَب فيلكس عندما سمع هذه الرسالة. ولأننا نعرف القليل عن حياته، يمكننا القول أنه فهمها على الأقل. فعلى رسالة الإنجيل أن تُرعب أولئك الذين يعتزمون رفض يسوع.
٥. أَمَّا الْآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ: إلا أن فيلكس لم يكن مستعدًا للإعلان عن قراره ضد يسوع، بالأحرى رفض يسوع بحجة التأجيل.
• يستجيب الكثيرون مع رسالة الإنجيل بهذه الطريقة: يعبرون عن رفضهم من خلال تأجيل قرار إتباعهم ليسوع المسيح، ولكن هذا يعتبر في النهاية رفض. يخبرنا الكتاب المقدس بأن علينا أن نأتي إلى يسوع بتوبة وبإيمان اليوم: هُوَذَا الْآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الْآنَ يَوْمُ خَلَاصٍ. (كورنثوس الثانية ٢:٦).
• من الحماقة أن تقول أنك ستتوب وتؤمن حينما تتاح لك الفرصة (وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ). كتب سبيرجن (Spurgeon): “قد تقول: ’سأتجاوب لاحقًا.‘ كيف تعرف إن كنت ستشعر حينها كما تشعر الآن؟ ربما سمعت هذا الصباح صوت يقول: ’استعد لمقابلة إلهك‘ ولكنك قد لا تسمعه غدًا. فالمسرات والحفلات والمسارح ستخمد هذا الصوت الذي يحذرك الآن وربما لن تسمعه ثانية. فكل شخص سيسمع هذا التحذير، وكل من ذهب إلى الهلاك سمع تحذيره الأخير. ربما يكون هذا آخر تحذير لك.”
• وأضاف سبيرجن: “يريد الله اليوم أن يسود بالكامل على حياتك كي تتخلص من شهوتك. ولكنك إن رفضته وهربت سيتركك ويقول: ’دعوه وشأنه.‘ ومن ثم يبدأ سباقك المظلم بين الجحيم والأرض وستركضه بارتباك وبجنون غير مبالٍ بالجحيم إلى أن تكتشف أنك أضعت كل فرص للتحذير وللتوبة وللإيمان وللرجاء.”
• مطالب يسوع ليست مريحة بالنسبة لنا. ولكن إذا كنا نُصر على انتظار مجيء الوقت المناسب (وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ) فسوف ننتظر إلى الأبد وسنقضي الأبدية في انفصال مؤلم عن الله.
١. وَكَانَ أَيْضًا يَرْجُو أَنْ يُعْطِيَهُ بُولُسُ دَرَاهِمَ لِيُطْلِقَهُ: على الرغم من أن فيلكس التقى مع بولس كثيرًا إلا أن سعيه لم يكن صادقًا بل كان يأمل أن يعطيه بولس رشوة مالية.
٢. لَمَّا كَمِلَتْ سَنَتَانِ: بموجب القانون الروماني كان على سجن بولس أن يدوم لمدة عامين فقط. ولكن أظهر فيلكس استعداده لكسر القوانين الرومانية لأنه تَرَكَ بُولُسَ مَسجُونًا أكثر من عامين.
٣. تَرَكَ بُولُسَ مُقَيَّدًا: رفض فيلكس الإفراج عن بولس على الرغم من أنه كان يعلم ببراءته. فعل فيلكس كما فعل بيلاطس عندما أدان يسوع بينما كان يعرف أنه بريء. تصرف كلاهما وفقًا لمصلحته السياسية (وَإِذْ كَانَ فِيلِكْسُ يُرِيدُ أَنْ يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً – لِأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يُرضِيَ اليَهُودَ).
• الأشخاص مثل فيلكس وبيلاطس هم الأكثر ذنبًا من أولئك الذين يرفضون يسوع المسيح لأنهم يعرفون الحق ومع ذلك رفضوه خوفًا من الآخرين إذ لديهم نقص قاتل وأبدي في الشجاعة.
أعمال الرسل – الإصحاح ٢٤ – بولس يمثل أمام فِيلِكْس
أولًا. التهم الموجهة ضد بولس
أ ) الآية (١): اليهود يستعدون لقضيتهم ضد بولس
١وَبَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ انْحَدَرَ حَنَانِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ مَعَ الشُّيُوخِ وَخَطِيبٍ اسْمُهُ تَرْتُلُّسُ. فَعَرَضُوا لِلْوَالِي ضِدَّ بُولُسَ.
١. وَبَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ: أحضر القادة اليهود (حَنَانِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ مَعَ الشُّيُوخِ) مُحاميًا ماهرًا اسْمُهُ تَرْتُلُّسُ ليعرض قضيتهم أمام الحاكم.
٢. فَعَرَضُوا لِلْوَالِي ضِدَّ بُولُسَ: يذكرنا وجود الثلاثة (حَنَانِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ والشُّيُوخِ والمحامي المتمرس) في محكمة فيلكس بمدى جدية القيادات الدينية في الحصول على إدانة ضد بولس.
ب) الآيات (٤-٢): بدأ تَرْتُلُّسُ شكواه بالتملّق لفيلكس
٢فَلَمَّا دُعِيَ، ابْتَدَأَ تَرْتُلُّسُ فِي الشِّكَايَةِ قَائِلًا: ٣«إِنَّنَا حَاصِلُونَ بِوَاسِطَتِكَ عَلَى سَلَامٍ جَزِيلٍ، وَقَدْ صَارَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَصَالِحُ بِتَدْبِيرِكَ. فَنَقْبَلُ ذَلِكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ فِيلِكْسُ بِكُلِّ شُكْرٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَانٍ. ٤وَلَكِنْ لِئَلَّا أُعَوِّقَكَ أَكْثَرَ، أَلْتَمِسُ أَنْ تَسْمَعَنَا بِالِاخْتِصَارِ بِحِلْمِكَ:
١. أَيُّهَا الْعَزِيزُ فِيلِكْسُ: بدأ أنطونيوس فيلكس حياته كعبد. ولكنه اترتقى لأعلى المراكز لأن أخاه بالاس كان صديقًا للإمبراطور كلوديوس. اكتسب حريته في سن مبكر ثم أستطاع لاحقًا عبر المؤامرات أن يصبح أول عبد يصل لمرتبة الحاكم في مقاطعة رومانية.
• ومع هذا بقيت عقلية العبد تلاحقه. وصف تاسيتوس المؤرخ الروماني فيلكس كتالي: “سيد قاسي وشهواني بيده سلطان الملك وفي أعماقه نفسية العبد” (مأخوذة من لونغنيكر- Historiae ٥.٩).
• كتب ويليامز (Williams): “لم تكن الصورة التي رسمها تاسيتوس عن حياة فيلكس العامة والخاصة جميلة. وتحت تأثير شقيقه الشائن (بالاس المفضل للإمبراطور كلوديوس) انغمس فيلكس في كل الفجور الممكن تخيلها واعتقد أن بإمكانه ’أن يفعل أي شر دون عقاب‘ (تاسيتوس، Annals ١٢.٥٤).”
٢. إِنَّنَا حَاصِلُونَ بِوَاسِطَتِكَ عَلَى سَلَامٍ جَزِيلٍ، وَقَدْ صَارَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَصَالِحُ بِتَدْبِيرِكَ: كانت تلك أكاذيب ولكنها قدمت كإطراء. لم يجلب فيلكس سَلَام أو مَصَالِح (إزدهار) لأولئك الذين يحكمهم.
• كتب ستوت (Stott): “قمع فيلكس العديد من الثورات بوحشية وهمجية مما جعل الشعب اليهودي يخافه لا أن يشكره.” خاصة عندما أمر بقتل الآلاف من اليهود في قيصرية وسمح للجنود الرومان بنهب بيوتهم.
• غالبًا ما نُهمل خطية الإطراء (التملق) رغم أن الكتاب المقدس أشار إليها عدة مرات. نقرأ في رومية ١٨:١٦ عن الذين لا يَخدِمُونَ رَبَّنا يَسُوعَ المَسِيحَ، بَلْ يَخدِمُونَ شَهَواتِهِمْ. وَهُمْ يَخدَعُونَ قُلُوبَ البُسَطاءِ بِكَلامِهِمُ المَعسُولِ وَتَمَلُّقِهِمْ. وفي يهوذا ١٦:١ نقرأ عن الأشخاص الذين وَإنْ مَدَحوا أحَدًا، فَلِمَنفَعَتِهِمُ الشَّخصيَّةِ. (الترجمة العربية المبسطة).
• ربط سفر الأمثال الإطراء بخطية الزنى أربع مرات مختلفة. وقد زنى الكثيرين من إطراء بسيط.
• تخبرنا الآية في سفر الأمثال ١٩:٢٠ “النَّمّامُ هُوَ الَّذِي يُفشِي الأسْرارَ، فَلا تَختَلِطْ بِالإنسانِ الثَّرْثارِ (الترجمة العربية المبسطة).” وهذا معناه أن علينا تجنب الأصدقاء المُتَمَلِّقين.
• وتشير الآية في المزمور ٣٦:٧٨ أنه يمكننا حتى التملق لله: “حاوَلُوا أنْ يَخْدَعُوهُ بِكَلامِهِمْ،كَذَبُوا عَلَيهِ بِألسِنَتِهِمْ.” أنت تتملق الله عندما ترفع تسابيح غير صادق لله وهذا أمر مرفوض تمامًا.
• كتب بويس (Boice): “أتصور أن فيلكس كان ذكيًا بما يكفي واستمع لكلامهم ببسمة مداعبة. لا بد أنه تساءل عن السبب الذي جعل هؤلاء القادة اليهود يقطعون كل هذه المسافة من قيصرية ليتملقونه بهذا الشكل.”
ج) الآيات (٦-٥): وضح المشتكون اتِّهاماتهم الموجهة ضد بولس
٥فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هَذَا الرَّجُلَ مُفْسِدًا وَمُهَيِّجَ فِتْنَةٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ، وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ، ٦وَقَدْ شَرَعَ أَنْ يُنَجِّسَ الْهَيْكَلَ أَيْضًا، أَمْسَكْنَاهُ وَأَرَدْنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِنَا.
١. فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هَذَا الرَّجُلَ مُفْسِدًا (مَصدَرَ إزعاجٍ، مُخَرِّب): كانت التهم الموجهة ضد بولس أساسًا: أولًا، أنه يشكل خطرًا سياسيًا (مُفْسِدًا… وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ) وثانيًا، دنس الهيكل.
• كانت اليهودية في القديم مليئة بالثوار ضد روما وبالأشخاص الذي ادعو أنهم المسيا. أراد تَرْتُلُّسُ أن يضع بولس بنفس فئة هؤلاء الإرهابيين.
٢. وَمِقْدَامَ شِيعَةِ (يَتَزَعَّمُ مَذْهَبَ) النَّاصِرِيِّينَ: تهدف الإشارة إلى أن بولس من النَّاصِرِيِّينَ إلى ربطه بمكان محتقر ووضيع. أُطلِق على أتباع يسوع هذا المصطلح كنوع من السخرية والازدراء. فقد تمتعت مدينة الناصرة بسمعة سيئة (يوحنا ٤٦:١).
٣. بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ: يقدم تَرْتُلُّسُ هنا مجاملة غير مقصودة عندما وصف انتشار خدمة بولس في الإمبراطورية الرومانية.
٤. وَقَدْ شَرَعَ أَنْ يُنَجِّسَ الْهَيْكَلَ أَيْضًا: كان تدنيس الهيكل هي التهمة الرئيسية ضد بولس. لم يقدم تَرْتُلُّسُ أي دليل على صحتها لأنه لم يملك أي دليل. فقد كانت التهمة ملفقة مستندة على إشاعة فقط (أعمال الرسل ٢٦:٢١-٢٩).
• لم يخشى بولس من قول الحقيقة ولكنه عرف أن الحقيقة لا تنتصر دومًا في المحاكم القانونية.
• لكن الملاحظ أن الرجل الذي لم يجد صعوبة في التملق للوالي لم يجد أي صعوبة في اتهام شخص دون أي دليل، فهذان الأمران يسيران دائمًا جنبًا إلى جنب. فالشخص الذي يقدم الإطراء لك اليوم قد يتهمك غدًا دون أي دليل.
د ) الآيات (٩-٧): تَرْتُلُّسُ يُنهي شكواه ضد بولس
٧فَأَقْبَلَ لِيسِيَاسُ الْأَمِيرُ بِعُنْفٍ شَدِيدٍ وَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا، ٨وَأَمَرَ الْمُشْتَكِينَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ. وَمِنْهُ يُمْكِنُكَ إِذَا فَحَصْتَ أَنْ تَعْلَمَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي نَشْتَكِي بِهَا عَلَيْهِ». ٩ثُمَّ وَافَقَهُ الْيَهُودُ أَيْضًا قَائِلِينَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هَكَذَا».
١. فَأَقْبَلَ لِيسِيَاسُ الْأَمِيرُ بِعُنْفٍ شَدِيدٍ وَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا: نراه هنا يضع الأمير لِيسِيَاسُ الذي أنقذ بولس من قبل بموقف حرج. من الواضح أن المشتكين أعربوا عن أسفهم لأن القضية وصلت عند الوالي وكانوا يفضلون تسويتها بطريقتهم مع الحشد.
٢. وَمِنْهُ يُمْكِنُكَ إِذَا فَحَصْتَ أَنْ تَعْلَمَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي نَشْتَكِي بِهَا عَلَيْهِ: لم يتظاهر تَرْتُلُّسُ حتى بتقديم أي دليل على التهم الموجهة ضد بولس وكان أمله أن يدين بولس نفسه أثناء تحقيق فيلكس معه.
• كتب كلارك (Clarke): “قالوا أن مرافعته كانت ركيكة وضعيفة وناقصة وأنه كان بإمكان آخرين أن يقدموا مرافعة أفضل لقضية كهذه.”
٣. ثُمَّ وَافَقَهُ الْيَهُودُ أَيْضًا قَائِلِينَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هَكَذَا»: اتفق المشتكون اليهود (رئيس الكهنة مع الشيوخ) على التهم الموجهة ضد بولس ولكنهم لم يقدموا أي أدلة داعمة.
ثانيًا. بُولُسُ يُدافِعُ عَنْ نَفسِهِ
أ ) الآيات (١٣-١٠): يكشف بولس عن ضُعف القضية الموجهة ضده
١٠فَأَجَابَ بُولُسُ، إِذْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْوَالِي أَنْ يَتَكَلَّمَ: «إِنِّي إِذْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ قَاضٍ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، أَحْتَجُّ عَمَّا فِي أَمْرِي بِأَكْثَرِ سُرُورٍ. ١١وَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا مُنْذُ صَعِدْتُ لِأَسْجُدَ فِي أُورُشَلِيمَ. ١٢وَلَمْ يَجِدُونِي فِي الْهَيْكَلِ أُحَاجُّ أَحَدًا أَوْ أَصْنَعُ تَجَمُّعًا مِنَ الشَّعْبِ، وَلَا فِي الْمَجَامِعِ وَلَا فِي الْمَدِينَةِ. ١٣وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا يَشْتَكُونَ بِهِ الْآنَ عَلَيَّ.
١. أَحْتَجُّ عَمَّا فِي أَمْرِي بِأَكْثَرِ سُرُورٍ: كان بولس مسرورًا بالدفاع عن نفسه عالمًا أن وقائع القضية كانت في صالحه. ومن اللافت للنظر أن بولس لم يستخدم أي كلمات إطراء أو تملق لفيلكس.
٢. وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا يَشْتَكُونَ بِهِ الْآنَ عَلَيَّ: رغم مرور أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا ورغم سهولة إيجاد عدد من الشهود لكنهم لم يتمكنوا أَنْ يُثْبِتُوا أنه كان يجادل أحدًا في الهيكل (أُحَاجُّ أَحَدًا) أو يهيج الناس (أَصْنَعُ تَجَمُّعًا مِنَ الشَّعْبِ). فلم يكن هناك ببساطة أي دليل على شكواهم.
ب) الآيات (٢١-١٤): يشرح بولس طبيعة خدمته وسبب اعتقاله
١٤وَلَكِنَّنِي أُقِرُّ لَكَ بِهَذَا: أَنَّنِي حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ «شِيعَةٌ»، هَكَذَا أَعْبُدُ إِلَهَ آبَائِي، مُؤْمِنًا بِكُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ وَالْأَنْبِيَاءِ. ١٥وَلِي رَجَاءٌ بِاللهِ فِي مَا هُمْ أَيْضًا يَنْتَظِرُونَهُ: أَنَّهُ سَوْفَ تَكُونُ قِيَامَةٌ لِلْأَمْوَاتِ، الْأَبْرَارِ وَالْأَثَمَةِ. ١٦لِذَلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلَا عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ. ١٧وَبَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ جِئْتُ أَصْنَعُ صَدَقَاتٍ لِأُمَّتِي وَقَرَابِينَ. ١٨وَفِي ذَلِكَ وَجَدَنِي مُتَطَهِّرًا فِي الْهَيْكَلِ، لَيْسَ مَعَ جَمْعٍ وَلَا مَعَ شَغَبٍ، قَوْمٌ هُمْ يَهُودٌ مِنْ أَسِيَّا، ١٩كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرُوا لَدَيْكَ وَيَشْتَكُوا، إِنْ كَانَ لَهُمْ عَلَيَّ شَيْءٌ. ٢٠أَوْ لِيَقُلْ هَؤُلَاءِ أَنْفُسُهُمْ مَاذَا وَجَدُوا فِيَّ مِنَ الذَّنْبِ وَأَنَا قَائِمٌ أَمَامَ الْمَجْمَعِ، ٢١إِلَّا مِنْ جِهَةِ هَذَا الْقَوْلِ الْوَاحِدِ الَّذِي صَرَخْتُ بِهِ وَاقِفًا بَيْنَهُمْ: أَنِّي مِنْ أَجْلِ قِيَامَةِ الْأَمْوَاتِ أُحَاكَمُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ».
١. أَنَّنِي حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ «شِيعَةٌ»، هَكَذَا أَعْبُدُ إِلَهَ آبَائِي (أنِّي أعبُدُ إلَهَ آبائِنا حَسَبَ «الطَّرِيقِ» الَّذِي يَعتَبِرونَهُ هَرطَقَةً – الترجمة العربية المبسطة): أوضح بولس أنه لم يتخلى عن إِلَهَ آبَائه أو النَّامُوسِ وَالْأَنْبِيَاءِ بل حفظ الكل.
• أطلق تَرْتُلُّسُ على المسيحيين اسم «مَذهَبِ النّاصِرِيِّينَ» (أعمال الرسل ٥:٢٤) أما بولس فدعاهم «الطَّرِيقِ».
٢. أَنَّهُ سَوْفَ تَكُونُ قِيَامَةٌ لِلْأَمْوَاتِ: هذا ما كان يؤمن به معظم اليهود المتعصبين في أيام بولس ما عدا الصَّدُوقِيُّون (أعمال الرسل ٨:٢٣). ارتبط إيمان بولس بقِيَامَةٌ لِلْأَمْوَاتِ بحقيقة ثقته بقيامة يسوع (كورنثوس الأولى ١٥).
٣. الْأَبْرَارِ وَالْأَثَمَةِ: آمن بولس في قيامة كل من الأبرار والأثمة. إن فكرة نَّوْم الروح (الرُّقاد) أو الفناء للأثمة فكرة غير دقيقة وفقًا لتعاليم العهد الجديد.
٤. جِئْتُ أَصْنَعُ صَدَقَاتٍ لِأُمَّتِي وَقَرَابِينَ: يشير هذا إلى التبرعات (صَدَقَاتٍ) التي جمعها بولس للمؤمنين اليهود من كنائس الأمم في الغرب (غلاطية ١٠:٢، رومية ٢٦:١٥، كورنثوس الثانية ٨-٩).
٥. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرُوا لَدَيْكَ وَيَشْتَكُوا: يُذّكر بولس فيلكس أنه لم يكن هناك أية شهود لإثبات التهم ضده.
• كتب بروس (Bruce): “كانت تلك حجة قوية في دفاعه: فالأشخاص الذين ثاروا وصرخوا منذ البداية وادعو أنه نجس الهيكل لم يزعجوا أنفسهم بالمجيء للشهادة.” لأن بولس كان متأكدًا من برائته طالب بعرض الأدلة ضده ولكن مشتكيه تجنبوا الأمر تمامًا.
• لا ينبغي على المؤمنين أن يخجلوا من الحقيقة أو من الأدلة. فإذا كنا نتبع الله بأمانة فالحقيقة والأدلة هم أصدقائنا وليس المشتكين علينا.
ثالثًا. حكم فيلكس في القضية
أ ) الآيات (٢٣-٢٢): فيلكس يتجنب اِتِّخاذ قرار قانوني
٢٢فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا فِيلِكْسُ أَمْهَلَهُمْ، إِذْ كَانَ يَعْلَمُ بِأَكْثَرِ تَحْقِيقٍ أُمُورَ هَذَا الطَّرِيقِ (ثُمَّ قَرَّرَ فِيلِكسُ الَّذِي كانَ مُطَّلِعًا اطِّلاعًا جَيِّدًا عَلَى «الطَّرِيقِ» أنْ يُؤَجِّلَ الجَلسَةَ)، قَائِلًا: «مَتَى انْحَدَرَ لِيسِيَاسُ الْأَمِيرُ أَفْحَصُ عَنْ أُمُورِكُمْ». ٢٣وَأَمَرَ قَائِدَ الْمِئَةِ أَنْ يُحْرَسَ بُولُسُ، وَتَكُونَ لَهُ رُخْصَةٌ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَخْدِمَهُ أَوْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ.
١. مَتَى انْحَدَرَ لِيسِيَاسُ الْأَمِيرُ أَفْحَصُ عَنْ أُمُورِكُمْ: تجنب فيلكس إتخاذ قراره بحجة أنه كان ينتظر المزيد من الأدلة من الأمير ليسياس. ولكن من الواضح أن فيلكس كان يمتلك ما يكفي من الأدلة ليصدر حكم في صالح بولس (كَانَ يَعْلَمُ بِأَكْثَرِ تَحْقِيقٍ أُمُورَ هَذَا الطَّرِيقِ).
٢. وَتَكُونَ لَهُ رُخْصَةٌ: عرف فيلكس أن بولس كان بريئًا ولهذا مَنَحَهُ بَعضَ الحُرِّيَّة أثناء سجنه
• حاول فيلكس البقاء على الحياد. ورغم معرفته ببراءة بولس فلم يرغب أن يربط نفسه بإنجيل بولس والمسيحيين. لهذا لم يتخذ أي قرار بشأن بولس وقرر وضعه رهن الاحتجاز.
ب) الآيات (٢٥-٢٤): فيلكس يتجنب اِتِّخاذ قرار روحي
٢٤ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَ فِيلِكْسُ مَعَ دُرُوسِّلَا امْرَأَتِهِ، وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ. فَاسْتَحْضَرَ بُولُسَ وَسَمِعَ مِنْهُ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ. ٢٥وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ، وَأَجَابَ: «أَمَّا الْآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ».
١. جَاءَ فِيلِكْسُ مَعَ دُرُوسِّلَا امْرَأَتِهِ، وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ. فَاسْتَحْضَرَ بُولُسَ وَسَمِعَ مِنْهُ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ: أراد فيلكس أن تسمع زوجته شهادة بولس ربما كنوع من الفضول أو لتقديم النصيحة له. زعم فيلكس في النهاية أن الأدلة ليست كافية للبت في القضية.
٢. مَعَ دُرُوسِّلَا امْرَأَتِهِ: كانت دُرُوسِّلَا شقيقة كل من هيرودس أَغْرِيبَاس الثاني وفَسْتُوسَ المذكورين في أعمال الرسل الإصحاح ٢٥. كانت دُرُوسِّلَا امرأة جميلة وطموحة وكانت في العشرينات من عمرها في هذه المرحلة. تمكن فيلكس من إقناعها بترك زوجها وجعلها زوجته الثالثة.
• كتب ستوت (Stott): “حياة فيلكس ودروسلا اللاأخلاقية تفسر المواضيع التي طرحها بولس أثناء حديثه معهم.”
٣. كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ: هذه هي النقاط الثلاث التي استخدمها بولس أثناء حديثه مع فيلكس ودروسلا. وهي نفس النقاط التي يتجنبها العديد من الخدام خاصة أثناء حديثهم مع شخصية مرموقة مثل فيلكس.
• لا نعرف بالضبط كيف توسع بولس في حديثه عن هذه النقاط الثلاث ولكن يمكننا التكهن كالتالي:
• الْبِرِّ الذي لنا في يسوع المسيح.
• الحاجة للأخلاق المسيحية (التَّعَفُّفِ) التي كانت غير موجودة في حياة كل من فيلكس ودروسلا.
• الوقوف أمام الله وتقديم حساب وكالتنا (الدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ).
• نُعجب بجسارة بولس وكيف وجهه كلامه ليخاطب القضايا الرئيسية في حياة فيلكس. كتب سبيرجن (Spurgeon): “أليس هناك من يعتقد أن أهم هدف للخادم هو جذب الجموع وثم إرضاءهم؟ ساعدنا يا رب كي نحزن على هذه الخطية إن كنا مذنبين بها. فما المنفعة من إرضاء الإنسان؟ هل سيجعلنا هذا نضع رؤوسنا بسلام على وسادة الموت؟ هل سيعطينا الجراءة يوم الدينونة عندما نقف أمامك يا من تدين الأحياء والأموات؟ كلا يا إخوتي علينا أن نأخذ الكلمة ونجعلها تلمس حياة مستمعينا بكل ما أوتينا من قوة.”
• وأضاف سبيرجن: “قد يقول البعض: ’على الخدام ألا يتكلموا عن الأمور الشخصية.‘ ولكن على الخدام أن يفعلوا ذلك وإلا لن يكونوا أمناء لسيدهم. فنقف ونتكلم عن العموميات لأننا نخشى أن نواجهك بالخطية التي في حياتك. ولكن مباركٌ الله الذي حررني من هذا الخوف من مدة طويلة. فلا يوجد شخص على سطح هذه الأرض لست أجرؤ على توبيخه.”
٤. ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ: ارْتَعَب فيلكس عندما سمع هذه الرسالة. ولأننا نعرف القليل عن حياته، يمكننا القول أنه فهمها على الأقل. فعلى رسالة الإنجيل أن تُرعب أولئك الذين يعتزمون رفض يسوع.
٥. أَمَّا الْآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ: إلا أن فيلكس لم يكن مستعدًا للإعلان عن قراره ضد يسوع، بالأحرى رفض يسوع بحجة التأجيل.
• يستجيب الكثيرون مع رسالة الإنجيل بهذه الطريقة: يعبرون عن رفضهم من خلال تأجيل قرار إتباعهم ليسوع المسيح، ولكن هذا يعتبر في النهاية رفض. يخبرنا الكتاب المقدس بأن علينا أن نأتي إلى يسوع بتوبة وبإيمان اليوم: هُوَذَا الْآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الْآنَ يَوْمُ خَلَاصٍ. (كورنثوس الثانية ٢:٦).
• من الحماقة أن تقول أنك ستتوب وتؤمن حينما تتاح لك الفرصة (وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ). كتب سبيرجن (Spurgeon): “قد تقول: ’سأتجاوب لاحقًا.‘ كيف تعرف إن كنت ستشعر حينها كما تشعر الآن؟ ربما سمعت هذا الصباح صوت يقول: ’استعد لمقابلة إلهك‘ ولكنك قد لا تسمعه غدًا. فالمسرات والحفلات والمسارح ستخمد هذا الصوت الذي يحذرك الآن وربما لن تسمعه ثانية. فكل شخص سيسمع هذا التحذير، وكل من ذهب إلى الهلاك سمع تحذيره الأخير. ربما يكون هذا آخر تحذير لك.”
• وأضاف سبيرجن: “يريد الله اليوم أن يسود بالكامل على حياتك كي تتخلص من شهوتك. ولكنك إن رفضته وهربت سيتركك ويقول: ’دعوه وشأنه.‘ ومن ثم يبدأ سباقك المظلم بين الجحيم والأرض وستركضه بارتباك وبجنون غير مبالٍ بالجحيم إلى أن تكتشف أنك أضعت كل فرص للتحذير وللتوبة وللإيمان وللرجاء.”
• مطالب يسوع ليست مريحة بالنسبة لنا. ولكن إذا كنا نُصر على انتظار مجيء الوقت المناسب (وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ) فسوف ننتظر إلى الأبد وسنقضي الأبدية في انفصال مؤلم عن الله.
ج) الآيات (٢٧-٢٦): يكشف فيلكس أن دافعه كان الجشع
٢٦وَكَانَ أَيْضًا يَرْجُو أَنْ يُعْطِيَهُ بُولُسُ دَرَاهِمَ لِيُطْلِقَهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَسْتَحْضِرُهُ مِرَارًا أَكْثَرَ وَيَتَكَلَّمُ مَعَهُ. ٢٧وَلَكِنْ لَمَّا كَمِلَتْ سَنَتَانِ، قَبِلَ فِيلِكْسُ بُورْكِيُوسَ فَسْتُوسَ خَلِيفَةً لَهُ. وَإِذْ كَانَ فِيلِكْسُ يُرِيدُ أَنْ يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً، تَرَكَ بُولُسَ مُقَيَّدًا.
١. وَكَانَ أَيْضًا يَرْجُو أَنْ يُعْطِيَهُ بُولُسُ دَرَاهِمَ لِيُطْلِقَهُ: على الرغم من أن فيلكس التقى مع بولس كثيرًا إلا أن سعيه لم يكن صادقًا بل كان يأمل أن يعطيه بولس رشوة مالية.
٢. لَمَّا كَمِلَتْ سَنَتَانِ: بموجب القانون الروماني كان على سجن بولس أن يدوم لمدة عامين فقط. ولكن أظهر فيلكس استعداده لكسر القوانين الرومانية لأنه تَرَكَ بُولُسَ مَسجُونًا أكثر من عامين.
٣. تَرَكَ بُولُسَ مُقَيَّدًا: رفض فيلكس الإفراج عن بولس على الرغم من أنه كان يعلم ببراءته. فعل فيلكس كما فعل بيلاطس عندما أدان يسوع بينما كان يعرف أنه بريء. تصرف كلاهما وفقًا لمصلحته السياسية (وَإِذْ كَانَ فِيلِكْسُ يُرِيدُ أَنْ يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً – لِأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يُرضِيَ اليَهُودَ).
• الأشخاص مثل فيلكس وبيلاطس هم الأكثر ذنبًا من أولئك الذين يرفضون يسوع المسيح لأنهم يعرفون الحق ومع ذلك رفضوه خوفًا من الآخرين إذ لديهم نقص قاتل وأبدي في الشجاعة.