رسالة تيموثاوس الأولى – الإصحاح ١ – المحاربة من أجل الإيمان

أولًا. المقدمة

أ ) الآية (١): هوية كاتب الرسالة، بولس.

١بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، بِحَسَبِ أَمْرِ اللهِ مُخَلِّصِنَا، وَرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، رَجَائِنَا.

١. بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: من خلال وصفه لنفسه، شدد بولس على مؤهلاته (رَسُول) وسلطانه (بِحَسَبِ أَمْرِ اللهِ). وقد فعل ذلك أولًا كتشجيع شخصي لتيموثاوس، وثانيًا لإتاحة المجال في استخدام الرسالة كمرجع عن مؤهلات بولس أمام مؤمني أفسس.

• يبدو أن بولس الرسول قد كتب رسالته الأولى إلى تيموثاوس في وقت ما بعد إطلاق سراحه من سجنه الروماني كما تخبرنا الآيات في نهاية سفر أعمال الرسل، وقد كتبت الرسالة من مكدونية (تيموثاوس الأولى ٣:١).

• ويبدو أيضًا أن بولس كان قد عاد إلى مدينة أفسس بعد إطلاق سراحه من سجنه (كما كان يرجو من خلال كلامه في رسالته إلى فيلمون ٢٢ ورسالته إلى أهل فيلبي ٢٥:١-٢٦ و٢٤:٢). وهناك اكتشف أنه أثناء غيابه أصبحت مدينة أفسس المركز لانتشار التعاليم الكاذبة. والأمر المحزن هو أن ما حدث كان تحقيقًا لما سبق أن تنبأ به بولس لقسوس أفسس في سفر أعمال الرسل ٢٩:٢٠ -٣٠.

• من المحتمل أن بولس كان قد تعامل شخصيًا مع المعلمين الكذبة، ولكنه سرعان ما اكتشف ضرورة مغادرته إلى مكدونية. ومن ثم ترك تيموثاوس ليتولى إدارة شؤون كنيسة أفسس كممثله الشخصي. وقد عرف بولس صعوبة العمل الذي ترتب على تيموثاوس إنجازه، لذلك كان يرجوا أن هذه الرسالة سوف تُعِد تيموثاوس وتشجًعه على أداء مهمته.

• “يشير استخدام هذا اللقب الرسمي إلى أن الرسائل الرعوية لم تكن مجرد رسائل شخصية، ولكن قصد منها أن تقرأ للكنائس التي كانت تحت إشراف تيموثاوس.” وايت (White)

٢. مُخَلِّصِنَا: في ذلك الزمن بالذات تم استخدام لقب ’المخلص‘ لتكريم الإمبراطور الروماني. فقد أطلق الناس هذا اللقب على القيصر نيرون، بل أجبروا على ذلك. ولكن حدد بولس هنا هوية المخلص الحقيقي بوضوح: إنه اللهِ، في شخص رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

• يعلّق وايت (White) على عبارة ’بِحَسَبِ أَمْرِ اللهِ‘ قائلًا: “هنا تجدر الإشارة إلى أن الأمر صادر بالتساوي من قبل الله والمسيح يسوع. ولم يكن من الممكن استخدام هذه اللغة لو تصَّور القديس بولس المسيح يسوع كمخلوق.”

ب) الآية (٢): هوية متلقي رسالة تيموثاوس الأولى: تيموثاوس

٢إِلَى تِيمُوثَاوُسَ، الابْنِ الصَّرِيحِ فِي الإِيمَانِ: نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.

١. إِلَى تِيمُوثَاوُسَ: يخبرنا سفر أعمال الرسل أن تيموثاوس يتحدَّر من مدينة لسترا في مقاطعة غلاطية (أعمال الرسل ١:١٦-٣)، وأنه كان ابنًا لأب يوناني (٢:١٦) وأم يونانية اسمها أَفْنِيكِي (تيموثاوس الثانية ٥:١). وقد تلقَّن تيموثاوس تعليم الكتاب المقدس منذ حداثته من جدته وأمه (تيموثاوس الثانية ٥:١، ١٥:٣).

٢. الابْنِ الصَّرِيحِ فِي الإِيمَانِ: يمكن لبولس أن يعتبر تيموثاوس إبنه في الإيمان لأنه ربما قاده وأمه إلى الإيمان بيسوع في أول رحلاته التبشيرية (أعمال الرسل ٨:١٤-٢٠ و١:١٦). وهذا الكلام يعبِّر أيضًا عن ثقة بولس في استقامة تيموثاوس وإخلاصه للحق.

٣. نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ: هذه تحية مألوفة يستخدمها بولس في رسائله لجماعات المؤمنين. وهنا نجد أن بولس يطبقها أيضًا على الأفراد. فالله يهب نعمته ورحمته وسلامه ليس فقط للكنائس بل كذلك للأفراد الذين يشكلون الكنائس.

• ومع ذلك فإن هناك فرقًا. فعندما يكتب بولس للكنائس، فهو معتاد فقط على تُحيٍّتهم باستخدام كلمتي النعمة والسلام. ولكنه يضيف كلمة رحمة في تحياته إلى تيموثاوس (أيضًا في تيموثاوس الثانية ٢:١) وتيطس (تيطس ٤:١).

• “فلا نُحيٍّيهم فقط كما نحيي الآخرين بقولنا لهم نعمة وسلام، بل يجب أن نكون أكثر جدية عندما نصلي لأجل الخدام. فتلك الكلمات الثلاث: ’نعمة وسلام ورحمة‘ تم ضُّمها معًا فقط في رسائل تيموثاوس وتيطس.” تراب (Trapp)

ثانيًا. بولس يشجع تيموثاوس على البقاء في أفسس

أ ) الآيات (٣-٤): إبقى في أفسس وكن ملازمًا للكتاب المقدس.

٣كَمَا طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ، إِذْ كُنْتُ أَنَا ذَاهِبًا إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ، ٤وَلاَ يُصْغُوا إِلَى خُرَافَاتٍ وَأَنْسَابٍ لاَ حَدَّ لَهَا، تُسَبِّبُ مُبَاحَثَاتٍ دُونَ بُنْيَانِ اللهِ الَّذِي فِي الإِيمَانِ.

١. أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ: على الرغم من صعوبة مهمة تيموثاوس، فقد أراد منه بولس أَنْ يَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ ومتابعة الخدمة هناك. وقبل أن يغادر بولس إلى مكدونية، شجع تيموثاوس على أَنْ يَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ رغم صعوبة الخدمة.

• لقد أبلغ بولس تيموثاوس أَنْ يَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ لأنه كان يبدو أن تيموثاوس أراد التخلي عن الخدمة والهروب منها. ومعظم من هم في الخدمة يمرون بمثل هذه الظروف ويتعاملون معها في فترة ما من خدمتهم، وبالنسبة للبعض فهي بلاء أو ألم مستمر. وربما واجهت تيموثاوس ضغوط خارجية وداخلية تجعله يترك الخدمة.

• يمكننا التفكير بالعديد من الأسباب التي يمكن أن تدفع تيموثاوس لعدم البقاء في أفسس:

• ربما اشتاق إلى معلمه بولس وأراد يكون معه.

• ربما تعرض للترهيب بسبب اتباعه خدمة بولس.

• يبدوا أن تيموثاوس كان بطبيعته خجولًا أو متحفظًا، وربما أخافته التحدِّيات.

• قد يكون أصابه الإحباط بسبب الصعوبات العادية في الخدمة.

• ربما يكون هو نفسه قد شكك في دعوته للخدمة.

• ربما يكون قد أصابه الإحباط من العقائد المحيرة والمتنافسة التي كانت تدور بين المؤمنين في أفسس.

• وبالرغم من كل تلك الأسباب فليس هناك شك في أن الله وبولس الرسول قد أرادا لتيموثاوس أَنْ يَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ. ونجد في بقية الأصحاح الأول من رسالته الأولى أن بولس قدم لتيموثاوس ستة أسباب على الأقل توضح لماذا كان عليه البقاء في أفسس وإكمال الخدمة التي كلفه الله بها:

• لأن مؤمني أفسس يحتاجون إلى الحق (تيموثاوس الأولى ٣:١-٧).

• لأن تيموثاوس كان يخدم في مكان صعب (تيموثاوس الأولى ٨:١-١١).

• لأن الله يستخدم في الخدمة أناس غير مستحقين (تيموثاوس الأولى ١٢:١-١٦).

• لأن تيموثاوس يخدم إلهًا عظيمًا (تيموثاوس الأولى ١٧:١).

• لأن تيموثاوس كان يخوض معركة لا يمكنه الاستسلام فيها (تيموثاوس الأولى ١٨:١).

• لأنه ليس بمقدور أي شخص آخر أن يقوم بخدمة تيموثاوس (تيموثاوس الأولى ١٩:١-٢٠).

• سوف يسمح الله بأن نكون في مواقف صعبة. لذلك يجب أن نصمم على مواجهة التحدِّي وإلا فإننا سوف نستسلم بالتأكيد. منذ سنوات عديدة قام مستكشف شهير للقطب الشمالي بوضع هذا الإعلان في صحيفة لندنية: “مطلوب رجال للقيام برحلة محفوفة بالمخاطر، بأجور قليلة، وبرد قارس، وشهور طويلة من الظلام التام، وتعرض مستمر للخطر، أما العودة الآمنة فمشكوك فيها. مع الحصول على الإكرام والتقدير في حالة النجاح.” ولقد استجاب الآلاف من الرجال للمناشدة، لأنهم كانوا راغبين بقبول وظيفة صعبة عندما دعاهم للقيام بها قائد عظيم.

٢. لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ: لقد ترك بولس تيموثاوس مكلفًا إياه القيام بعمل مهم، وما جعل الأمر أكثر أهمية هو بقائه في أفسس. وقد كانت مهمة تيموثاوس هي التأكد على أن العقائد السليمة كانت تعلَّم في أفسس.

لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ: لقد ترك بولس مؤمني أفسس بعدما وضع في حوزتهم مجموعة خاصة من التعاليم (تلك التعاليم كان بولس قد تلقاها من يسوع ومن العهد القديم). فكان بولس مهتمًا بأن يبذل تيموثاوس كل ما بوسعه للتأكد من استمرار سلوك مؤمني أفسس في هذه العقائد. كان هذا هو السبب الأول وراء أهمية بقاء تيموثاوس في أفسس.

• لقد فعل بولس هذا لأن العقائد مهمة بالنسبة لله ويجب أن تكون مهمة لشعبه. نجد في يومنا الحاضر، أن ما يؤمن به المرء، أي معتقداته، هي بشكل ملحوظ غير مهمة بالنسبة لمعظم الناس. فروح العصر الحديث هذا قد أثرت بشدة على المؤمنين المعاصرين. ونحن نعيش في عصر يتم فيه الرد على سؤال بيلاطس: «مَا هُوَ الْحَقُّ؟» (يوحنا ٣٨:١٨) “وما يعنيه لك.” ومع ذلك، ما زال الحق مهمًا بالنسبة لله ويجب أن يكون مهمًا لشعبه.

٣. لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا: لم يكن بولس في المقام الأول قلقًا أن تيموثاوس نفسه سيبدأ في تعليم عقائد خاطئة. بل كان قلقه من أن يسمح تيموثاوس للآخرين بنشر هذه العقائد الأخرى. فكان على تيموثاوس الوقوف بحزم ضد الأشخاص الصعبي المراس وتوصية قوم أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ. ولا عجب في أن يشعر تيموثاوس بعد ذلك بأن عليه أن يغادر أفسس.

• إن كلمة ’توصي‘ في اللغة اليونانية القديمة هي مصطلح عسكري. وتعني ’إعطاء أوامر صارمة من قبل ضابط آمر.‘ وارزبي (Wiersbe). فلم يكن على تيموثاوس أن يقدم خيار العقيدة الصحيحة لأولئك القوم في أفسس بل كان عليه أن يأمر بها كضابط في الجيش.

٤. وَلاَ يُصْغُوا إِلَى خُرَافَاتٍ وَأَنْسَابٍ لاَ حَدَّ لَهَا: يبدو أن الخطر الأعظم في هذه التعاليم (خُرَافَاتٍ وَأَنْسَابٍ لاَ حَدَّ لَهَا) هو أنها كانت مُلهيات سخيفة. فكان على تيموثاوس أَنْ يَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ حتى يأمر الآخرين بتجاهل هذه التخمينات والمُلهيات السخيفة.

• لم تكن القضية في أفسس هي وجود لاهوت مدروس متصاعد ومضاد لشخص يسوع. فقد كان أكثر ما يميل إليه الناس هو الابتعاد عن التعليم الصحيح من خلال تشديدهم على الأمور الخاطئة. وقد أراد بولس منع الفساد الذي يأتي عندما يعطي الناس سلطانًا لخُرَافَات وَأَنْسَاب لاَ حَدَّ لَهَا بدلًا من العقائد السليمة. أما المُلهيات السخيفة فهي أيضًا خطيرة لأنها أخذت مكان بُنْيَانِ (خُطَط) اللهِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِالإيمَانِ.

• أما للأنساب التي لا حد لها فربما يكون لها علاقة بنظريات الغنوسية التي تعتقد بمبدأ ’الانبثاقات‘ من الله. وربما أيضًا، كان لها علاقة بالناموسية اليهودية التي يسعى من خلالها الشخص لنوال البر بحكم صلة القرابة مع أسلافه. أو ربما كان في ذهن بولس النظم العقائدية القائمة على قراءات صوفية للعهد القديم.

• لقد تم اكتشاف كتابات يهودية قديمة تغوص عميقًا في سلاسل الأنساب الأكثر تعقيدًا وتربطها بتكهنات شاذة تدور حول ألغاز روحية. فالاهتمام الزائد في تلك الأنواع من الخرافات والأنساب سوف يستهلك الطاقة، ويعيق بُنْيَانِ (خُطَط) اللهِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِالإيمَانِ.

٥. تُسَبِّبُ مُبَاحَثَاتٍ دُونَ بُنْيَانِ اللهِ الَّذِي فِي الإِيمَانِ: إن الثمرة النهائية لتلك المُلهيات التي صنعها البشر هي واضحة. فعلى الرغم من أنها قد تحقق شعبية وتكون آسرة للمشاعر على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل لا تقوِّي إيمان شعب الله.

• “إن الخطابات التي لا تؤدي إلى منفعة هي خطابات تحتوي الكثير من الكلمات والقليل من المعنى، وحتى ذلك المعنى، فهو لا يستحق آلام الاستماع إليه.” كلارك (Clarke)

ب) الآيات (٥-٧): غاية الوصية.

٥وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ. ٦الأُمُورُ الَّتِي إِذْ زَاغَ قَوْمٌ عَنْهَا، انْحَرَفُوا إِلَى كَلاَمٍ بَاطِل. ٧يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِي النَّامُوسِ، وَهُمْ لاَ يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَلاَ مَا يُقَرِّرُونَهُ.

١. غَايَةُ الْوَصِيَّةِ: إن الغرض من الناموس يتم في عمله الداخلي في القلب وليس بمجرد حفظ طقوسه الخارجية. وبدون هذا الفهم، من السهل أن تصبح ناموسيًا ضحلًا يهتم بالأداء الخارجي والمظهر.

٢. الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ: توحي هذه العبارة بفكرة أن المشكلة في أفسس كانت موازية للناموسية اليهودية. فأهل أفسس قد أساؤا فهم الوصية والناموس.

• فإذا كان قضاء الوقت في دراسة كلمة الله لا ينتج فينا مَحَبَّة مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ وَضَمِيرٍ صَالِحٍ أوَ إِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ، فهناك خطأ ما. فالناموسية قد تجعلنا نحرِّف كلمة الله، وبدلًا من إظهار الْمَحَبَّة، نكون قساة وديِّانين؛ وبدلًا من أن يكون لدينا ضَمِير صَالِح، نشعر دائمًا بأننا مدانون ولن نبلغ المقياس المطلوب؛ وبدلًا من أن نملك إِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ، نثق بشكل خاص في قدرتنا على إرضاء الله.

٣. كَلاَمٍ بَاطِل: ربما يقصد بهذا تكهنات بلا جدوى حول الكتاب المقدس، والتي قد يكون لها قيمة تحليلية وترفيهية، ولكن لم يقصد منها أبدًا أن تكون نظام غذائنا الروحي.

• تترجم عبارة ’كَلاَمٍ بَاطِل‘ بحسب ترجمة الملك جيمس: الثرثرة بلا معنى.

٤. وَهُمْ لاَ يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَلاَ مَا يُقَرِّرُونَهُ: إن مشكلة الناس في أفسس هي أنهم لم يفهموا حتى مضامين تعليمهم نفسه.

ج ) الآيات (٨-١١): إن إدانة بولس للناموسيين وليس للناموس نفسه.

٨وَلكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ صَالِحٌ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُهُ نَامُوسِيًّا. ٩عَالِمًا هذَا: أَنَّ النَّامُوسَ لَمْ يُوضَعْ لِلْبَارِّ، بَلْ لِلأَثَمَةِ وَالْمُتَمَرِّدِينَ، لِلْفُجَّارِ وَالْخُطَاةِ، لِلدَّنِسِينَ وَالْمُسْتَبِيحِينَ، لِقَاتِلِي الآبَاءِ وَقَاتِلِي الأُمَّهَاتِ، لِقَاتِلِي النَّاسِ، ١٠لِلزُّنَاةِ، لِمُضَاجِعِي الذُّكُورِ، لِسَارِقِي النَّاسِ، لِلْكَذَّابِينَ، لِلْحَانِثِينَ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ يُقَاوِمُ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، ١١حَسَبَ إِنْجِيلِ مَجْدِ اللهِ الْمُبَارَكِ الَّذِي اؤْتُمِنْتُ أَنَا عَلَيْهِ.

١. وَلكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ صَالِحٌ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُهُ نَامُوسِيًّا: إن الغاية من الناموس هي أن يُظهر لنا خطايانا وليس أن يقودنا إلى البر (كما في غلاطية ٢٤:٣-٢٥). فالناموس لم يوضع لِلْبَارِّ (الشخص السالك بالإيمان بحسب غلاطية ١١:٣) بل وضع لِلأَثَمَةِ وَالْمُتَمَرِّدِينَ لكي يُظهر لهم خطاياهم.

• ليست الفكرة هي أن الناموس ليس لديه ما يقوله لِلْبَارِّ، لكنه يتكلم بشكل خاص عن الخطاة. وفي تعليقه على عبارة ’أَنَّ النَّامُوسَ لَمْ يُوضَعْ لِلْبَارِّ‘ لاحظ كلارك أن كلمة ’وُضع‘: “تشير إلى الأعراف المتمثلة بكتابة النواميس على ألواح وتعليقها في الأماكن العامة في متناول جميع الناس لكي يتمكنوا من قراءتها، وهكذا يرى الجميع من هو الشخص الذي كان الناموس يوجه اللوم ضده.

٢. لِلأَثَمَةِ وَالْمُتَمَرِّدِينَ، لِلْفُجَّارِ وَالْخُطَاةِ: في ذهن بولس هناك ارتباط حيوي ما بين التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ والسلوك السليم. فالأفعال الخاطئة الموصوفة في الآيات ٩ و١٠ تُقَاوِم التَّعْلِيم الصَّحِيح.

• العديد من الناس سيحكمون على أي شخص يحمل معايير عليا ويعتبرونه ناموسي. ولكن وجود المعايير ومحافظتنا عليها لا يجعلنا ناموسيين. وكذلك الطاعة لا تجعلنا ناموسيين. فنحن نصبح ناموسيين عندما نظن أن ما نفعله هو ما يجعلنا أبرار أمام الله.

٣. وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ يُقَاوِمُ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ: تعني هذه العبارة أن كنيسة أفسس موجودة وسط ثقافة تميزت بتلك الخطايا المدرجة في الآيات ٩ و١٠ وأن أولئك الذين يعلِّمون عقائد مزيفة يسمحون أو يعززون هذا الأسلوب الخاطىء في الحياة.

وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ: “الرسول بولس لم يُسر بأن يذكر المزيد حول هذه الزمرة الملعونة، لكنه تركهم للناموس كي يَتولَّى التعامل معهم وتقييدهم كما تُقيَّد الوحوش الجامحة والكلاب والأسود والفهود بربطها بسلاسل وحبسها في أقفاص كي لا تقوم بالأذى.” كلارك (Clarke)

• من الواضح أن بيئة أفسس الخاطئة تظهر لنا سببًا آخر وراء أهمية بقاء تيموثاوس في أفسس. كان على تيموثاوس أن يبقى هناك لأن أفسس هي مكان صعب لخدمة الله وامتداد ملكوته. وكان عليه أن يعمل على الأرض المحروثة بدلًا من الركض إلى مكان أسهل للحراثة.

٤. حَسَبَ إِنْجِيلِ مَجْدِ اللهِ الْمُبَارَكِ: على الرغم من أن الناموس لا يجلب برًا، فإن إِنْجِيلِ مَجْدِ اللهِ الْمُبَارَكِ قادر على ذلك، أي الإنجيل الذي كان بولس مؤتمنًا عليه بحسب كلماته. وقد شعر بولس بمسؤوليته في الحفاظ على الإنجيل وحمايته ونقله إلى تيموثاوس والآخرين.

ثالثًا. اختبار بولس الشخصي مع الإنجيل

أ ) الآيات (١٢-١٤): لماذا استؤمن بولس على الإنجيل؟

١٢وَأَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي، أَنَّهُ حَسِبَنِي أَمِينًا، إِذْ جَعَلَنِي لِلْخِدْمَةِ، ١٣أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ. ١٤وَتَفَاضَلَتْ نِعْمَةُ رَبِّنَا جِدًّا مَعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.

١. أَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي: لقد استؤمن بولس على الإنجيل لأن يسوع قواه، وبولس هنا يشكر يسوع على منحه القوة. لقد نال بولس قوة لأجل خدمته لأنه حُسب أمينًا للخدمة. إذًا فالأمانة هي التي أعدت بولس لكي يستخدمه الله.

• نحن غالبًا ما نرى خدمتنا كعمل تطوعي. أما بالنسبة ليسوع وكنيسته، فنحن كمؤمنين لسنا متطوعين بل نحن عبيد وخدام يسوع الملتزمون بواجبنا. والمتوقع منا كخدام هو أن نكون أمناء.

أَنَّهُ حَسِبَنِي أَمِينًا: لست محتاجًا للذكاء لكي تكون أمينًا، ولا يلزمك أن تكون موهوبًا أو ذو مقدرة ما. فالأمانة هي مسألة عملية جدًا، وكل واحد منا يمكنه أن يكون أمينًا في المكان الذي يضعه فيه الله.

• العديد من الناس ينتظرون أن يكونوا أمناء. فتجدهم يقولون لأنفسهم: “سوف أكون أمينًا عندما أصبح في المركز الفلاني أو غيره.” هذا التفكير هو حماقة. لأننا يجب أن نكون أمناء حيث نحن الآن تمامًا. فأمانتنا تظهر في الأشياء الصغيرة.

٢. إذْ جَعَلَنِي لِلْخِدْمَةِ: إن خدمة الرب تعني ببساطة ’أن نخدم‘ ولا تحمل هذه الكلمة في لغة العهد الجديد الأصلية أي معنى يدل على العلو أو الروحانية. إنها تعني فقط أن أعمل بجد وأخدم الآخرين. فالخدمة بالنسبة لهذا المجدف سابقًا والمضطهد لشعب الله كانت شرفًا عظيمًا.

• “لقد أصبح بولس بعد اختباره الخلاص قديسًا في المرتبة الأولى. فلم يخصص له الرب مكانًا من الدرجة الثانية في الكنيسة. لقد كان بولس القائد الخاطئ، فإلهه لم يقل: ’أنا قد خلصتك لكنني سأذكر دائمًا شرورك كعائق يحرمك من الخدمة.‘ لم يفعل الرب ذلك بل حسبه أمينًا ووضعه في الخدمة والرسولية بحيث لا يقل مقامه ولو بمقدار ضئيل عن رئيس الرسل ذاته. يا أخي إن ذهبت بعيدًا في الخطيئة فليس هناك سبب يمنعك من الذهاب بعيدًا في الخدمة.” سبيرجن (Spurgeon)

٣. أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا: إن ماضي بولس لم يلغي أهليته في خدمة الله. فرحمة الله ونعمته كانت كافية لتغطي ماضيه وتمكنه من خدمة الله. فيجب أن لا نشعر أبدًا بأن ماضينا يجعلنا غير مؤهلين لكي يستخدمنا الله.

• بهذه الكلمات قدم بولس سببًا آخر لبقاء تيموثاوس في أفسس. فمن المرجح أن أحد أسباب رغبة تيموثاوس لمغادرة أفسس والتخلي عن خدمته هناك أنه شعر بعدم استحقاقه وعدم مقدرته على العمل. فأتت هذه الكلمات من بولس لطمأنته. فبولس يقول: “لا يوجد هناك شخص غير مستحق وغير مؤهل للخدمة أكثر مني أنا بولس، ومع ذلك فقد وجد الله طريقة يستخدمني بها، وسوف يستخدمك أنت أيضًا إن بقيت في أفسس.”

٤. لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ: إن الجهل وعدم الإيمان ليسا أبدًا أعذارًا لخطايانا، ولكنهما يزيدان حضور رحمة الله لأن الجهل وعدم الإيمان يجعلان المرء أقل شعورًا بالذنب من المؤمن الذي يخطيء عن معرفة.

٥. وَتَفَاضَلَتْ نِعْمَةُ رَبِّنَا جِدًّا: لم يكن جهل بولس هو سبب خلاصه بل كانت نعمة الله المتفاضلة هي سبب خلاصه (فضل الله الغير مستحق).

ب) الآية (١٥): بولس يلخص اختباره الشخصي.

١٥صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا.

١. صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: يُعّرفُنا هذا الأسلوب غير المعتاد في التعبير على تصريح خاص ومهم. وقد استخدم بولس هذه العبارة خمس مرات كلها وردت في الرسائل الرعوية.

٢. أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ: لقد جاء يسوع ليخلص الخطاة وليس من يعيشون تحت تأثير وهم برهم الذاتي. وكما علّم يسوع، بأن المرضى هم من يحتاجون إلى طبيب (مرقس ١٧:٢).

• ولأن يسوع قد جاء إلى العالم ليخلص الْخُطَاةَ، فالمؤهل الأول الضروري ليكون المرء إبنًا لله هو أن يكون خاطئًا. فالخطاة مؤهلون للمجيء إلى الله لأن يسوع قد جاء ليخلصهم.

• إن إزالة مصطلحي الخطيئة والخاطئ من مفرداتنا يمثل خطرًا كبيرًا. وهناك العديد من الوعاظ يتعمدون فعل ذلك في يومنا الحاضر، لأنهم لا يريدون إزعاج أي شخص في وعظهم من المنبر. ولكن إذا كان يسوع قد جاء ليخلص الخطاة، ألا ينبغي علينا تحديد هوية هؤلاء الخطاة؟ فكيف سيأتون للخلاص إن لم يعرفوا أنفسهم؟

• “حتى أولئك الذين يعترفون بأن عمل يسوع قد تم لأجل الخلاص يجدون صعوبة في تصديق أن الخلاص متاح للخطاة. فتفكيرنا ميال دائمًا للتركيز على جدارتنا وحالما تتضح عدم جدارتنا عندئذٍ نخسر ثقتنا. وبالتالي فكلما شعر الإنسان بعبء خطاياه أكثر، عليه اللجوء للمسيح بشجاعة أكبر، اعتمادًا على ما نتعلمه هنا بأن يسوع قد جاء ليجلب خلاصًا للخطاة وليس للأبرار.” كالفن (Calvin)

٢. الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا: قول بولس بأنه أول الخطاة لم يكن تعبيرًا عن تواضع مزيف غريب. فقد كان بولس صادقًا في شعوره بأن خطاياه جعلته في موضع مساءلة أمام الله أكثر من الآخرين.

• ألسنا جميعًا خطاة متساوين؟ الجواب لا. “فكل الناس في الحقيقة خطاة ولكن ليسوا جميعًا خطاة بنفس المقدار. إن كل الخطاة غارقون في حمأة الخطيئة ولكنهم لم يغوصوا جميعهم فيها بنفس العمق.” سبيرجن (Spurgeon)

• كان شعور بولس بأنه أول الخطاة صادقًا لأن خطاياه كانت أسوء من خطايا غيره حيث كان مسؤولًا عن موت وسجن وآلام المسيحيين الذين قام باضطهادهم قبل أن يغير يسوع حياته (أعمال الرسل ٣:٨، ١:٩-٢، كورنثوس الأولى ٩:١٥، غلاطية ١٣:١، فيلبي ٦:٣).

• يشرح بولس لأغريباس الملك في سفر أعمال الرسل ١١:٢٦ ما قد يكون أسوء خطايا بولس: ’وَفِي كُلِّ الْمَجَامِعِ كُنْتُ أُعَاقِبُهُمْ مِرَارًا كَثِيرَةً، وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى التَّجْدِيفِ. وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي فِي الْخَارِجِ.‘ فقد كان بولس يجبر الآخرين على التجديف على يسوع. “كان هذا بالفعل جزءًا رهيبًا للغاية من شرور شاول. كان تعذيبه لأجسادهم سيئًا بما فيه الكفاية، ولكن تدمير نفوسهم أيضًا بإجبارهم على التجديف والتكلم بالشر على الاسم الذي اعترفوا بأنه فرحهم ورجاءهم، هو بالتأكيد أسوء نوع من أنواع الاضطهاد يمكن تصوره. فقد أجبرهم بولس بالتخلي عن ولائهم للمسيح الذي تحبه قلوبهم. ولم يكتفي بقتلهم بل أراد لعنهم أيضًا.” سبيرجن (Spurgeon)

• هناك أنواع أسوء من الخطايا، تلك الخطايا التي تؤذي شعب الله، وهذه الخطايا سيئة بشكل خاص في عيني الله. فيجب أن نفكر بإتزان فيما إذا كنا مذنبين بإيذاء شعب الله الآن أو في الماضي. “الله يتذكر الهزء والسخرية الموجهة لأولاده الصغار وهو يدعو أو يأمر أولئك المنغمسين في تلك الممارسات أن يأخذوا حذرهم. فمن الأفضل لك أن تسيء إلى ملك أكثر من أن تسيء إلى أحد أولاد الرب الصغار.” سبيرجن (Spurgeon)

• “لقد تم قطع رأس اليأس وتعليقه على عمود بواسطة خلاص رئيس الخطاة. فلا أحد يستطيع أن يقول الآن أنه خاطئ عظيم لدرجة لا يمكن فيها خلاصه، لأن رئيس الخطاة قد تم خلاصه قبل ألف وثمانمائة سنة مضت. فإذا كان زعيم الفتنة أو زعيم العصابة قد تم غسله بالدم الثمين وهو الآن موجود في السماء، فالسؤال هو: لما لا أكون أنا مثله؟ ولم لا تكون أنت مثله؟” سبيرجن (Spurgeon)

ج ) الآية (١٦): كان خلاص بولس مثالًا على رحمة الله تجاه الآخرين.

١٦لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِىَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالًا لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.

١. لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ: إن كان شخص سيء مثل بولس قد نال رحمة الله، فهذا يعني أن الباب مفتوح للآخرين الأقل سوءًا من بولس.

• عبر وايت (White) عن فكرة بولس بهذه الطريقة: “أناة الرب يسوع المسيح لن تغلبها أي خطية مهما كانت. وبالتالي لا ينبغي أن ييأس الخاطئ أبدًا. فدعونا إذًا نمجد الله.”

٢. مِثَالًا لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ: وهذا سبب آخر يشرح لماذا أحب الله أن يخلص الخطاة. فلقد أصبح هؤلاء الخطاة مثالًا للذين سوف يؤمنون به. فالله يريد للآخرين أن يروا ماذا يمكنه أن يعمل فينا.

• إن هذه الحقيقة والعقيدة التي غيرت حياة بولس هي نفسها الحقيقة التي أمر بولس تيموثاوس بأن يحميها في مكان سابق من هذا الأصحاح.

مِثَالًا: لقد فهم بولس تحت إرشاد وحي الروح القدس بأن حياته وإيمانه وخدمته لله كانت بطريقة ما مِثَالًا يحتذى لبقية المؤمنين.

د ) الآية (١٧): تسبيح بولس لله الذي خلصه.

١٧وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.

١. وَمَلِكُ الدُّهُورِ: لم يستطع بولس التفكير بكم كان سيئًا وكم كان خلاص الله ومحبته عظيمان دون أن يفيض قلبه بتسبيح الله ببساطة وعفوية.

٢. وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ: إن فيض التسبيح هذا يُظهر بأن بولس قد عرف الله وأحبه.

• لقد عرف الله كمَلِك الدُّهُور، الذي يحكم ويسود بملء القدرة والمجد.

• لقد عرف الله الَّذِي لاَ يَفْنَى، فهو موجود قبل كل الموجودات وهو خالق كل الأشياء.

• لقد عرف الله الَّذِي لاَ يُرَى، وغير المعروف معرفة تامة لنا، فنحن غير قادرين على إدراك حقيقة الله أو معرفة كل أسراره.

• لقد عرف أن الله هو الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، إنه هو الله، ونحن لسنا مثله. فنحن نظن أن خططنا وبصيرتنا هي مهمة، لكن الله وحده في الحقيقة يعلم، ويفهم كل الأمور.

٣. لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ: كونه يعلم كل تلك الأمور عن الله، لم يستطع بولس التوقف عن تسبيحه. فلو حصل خلل في عبادتنا لله فهو ناتج عن عدم معرفتنا له جيدًا.

• إن هذا الوصف لله يقدم لتيموثاوس سببًا آخر للبقاء في أفسس. فهو يستطيع ويجب أن يمكث هناك لو فكر مليًا في عظمة الله الذي يخدمه. فهذا الإله العظيم كان مستحقًا لتضحية تيموثاوس وهو قادر أن يقويه في خدمته في أفسس.

رابعًا. تكليف بولس لتيموثاوس بمواصلة القتال.

أ ) الآية (١٨): الوصية بمواصلة الجهاد في الخدمة.

١٨هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا حَسَبَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي سَبَقَتْ عَلَيْكَ، لِكَيْ تُحَارِبَ فِيهَا الْمُحَارَبَةَ الْحَسَنَةَ.

١. هذِهِ الْوَصِيَّةُ… أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا: إن الكلمة اليونانية الْوَصِيَّةُ (بارانغليا parangelia) هي نفسها أيضًا المستخدمة في تيموثاوس الأولى ٣:١، وهي مصطلح عسكري يشير إلى صدور أمر من القائد.

• وفي الوقت نفسه تعبر الكلمات ’الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ‘ عن محبة أبوية. فقد كان بولس جديًا، لكنه ممتلئ من المحبة. “هناك جدية حنونة مميزة في هذا الاستخدام للاسم الشخصي هنا وفي ختام الرسالة.” وايت (White)

٢. حَسَبَ النُّبُوَّاتِ: أراد بولس من تيموثاوس أن يفكر مليًا بما قاله الروح القدس عنه في الماضي بواسطة الآخرين وأن يتحلى بالشجاعة اللازمة للبقاء في أفسس بسبب هذه النبوات.

• يبدو أن الله قد تكلم لتيموثاوس بواسطة آخرين من خلال موهبة النبوة، وكانت الكلمات سبب تشجيع لتيموثاوس للبقاء قويًا وسط الصعوبات المباشرة التي تواجهه. وربما تكون تلك النبوات وصفًا لمستقبل خدمته أو ربما تحذيرًا ضد مخاوفه في خدمته لله. ولكن مهما يكن محتواها، فإن الله أراد لتيموثاوس أن يستمد منها قوة وسط صعوباته الحالية.

• وهكذا، النُّبُوَّات التي تلقاها تيموثاوس سابقًا ربما كانت عن خدمته المستقبلية أو قد لا تكون كذلك. وكما تقول الآية في كورنثوس الأولى ٣:١٤ ’وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ.‘ فالنبوات قد تتعلق بالمستقبل أو قد لا تكون كذلك.

• ينبغي ألا نستغرب بأن يكلمنا الله من خلال الآخرين بأسلوب نبوي، ولكن يجب أن نحرص على اختبار كل النبوات (كورنثوس الأولى ٢٩:١٤) وأن تكون وفقًا لكلمة الله وشهادة الروح القدس.

• وينبغي أيضًا أن نكون حذرين من النبوات المبالغ فيها جدًا، تلك التي تعلن أن هذا الشخص أو ذاك ستكون له “أقوى خدمة سوف يشهدها العالم” أو ما شابه هذا الكلام. فتلك النبوات فيها تلاعب كبير جدًا لأن من يريد أن يناقضها سيشعر بالإحراج.

• نجد من المألوف في بعض الدوائر في يومنا الحاضر أن يتم التصريح عن شخص ما بأنه أعظم من بولس أو بطرس أو موسى أو إيليا. ومثال على هذا النوع من التصريح: “إنك سوف تكون نبيًا مثل دانيال وسوف تحصل على مسحة أعظم بعشرة مرات من أي واحد من زملائك.” فهذا النوع من الأقوال فيها تلاعب واضح ومبالغة كبيرة (لأن القليلون سيتكلمون ضدها). وهي نادرًا ما تكون صادرة من الله.

• كتب توم ستيب (Tom Stipe) بأسلوب قوي حول تلك الظاهرة في مقدمة كتابه: “النهضة المزيفة” بعدما كان قائدًا في مثل تلك الدوائر قبل رؤيته للخطأ افيها كلها:

• بعد سنتين فقط بدا أن الأنبياء يتكلمون للجميع حول كل شيء. ولقد تلقى مئات الأعضاء موهبة النبوة وبدأوا يتاجرون بها بين القادة وأبناء رعية الكنائس. وابتدأ الناس يحملون دفاتر ملاحظات صغيرة مليئة بالتنبؤات التي سلمها إليهم هؤلاء الأنبياء والرائين. وقد توافد الناس على مؤتمرات النبوة التي بدأت تنطلق في كل مكان. وكانت حشود الناس الحاملين دفاتر الملاحظات تندفع إلى الأمام على أمل أن يتم اختيارهم لتلقي المزيد من النبوءات ليضيفوها إلى دفاتر يومياتهم النبوية.

• بعد فترة ليست طويلة أصبحت هذه الخدمة التي تدعى “نبوءة هذه الأيام” هي المصدر الرئيسي للإرشاد، بدأ عدد كبير من المؤمنين المحطمين بالاصطفاف خارج مكاتبنا المختصة بالمشورة الرعوية. وكانت تضم شبانًا وعدوهم من خلال النبوءات بالنجاح والنجومية في سن المراهقة. وهؤلاء الشبان تركوا وحيدين يلتقطون قطع آمالهم المحطمة لأن الله قد بدا لهم وكأنه قد تراجع عن وعوده. وقد تدفق على مكاتب قادتنا أعضاء الكنائس الغاضبين الذين تلقوا نبوءات حول حصولهم على الخدمات العظيمة، فأحبطهم قادة الكنائس المحلية الذين فشلوا بدورهم في الاعتراف بمسحتهم الجديدة وتسهيل الحصول عليها.

• بعد اتباعهم نظام حمية نبوي ثابت أصبح بعض الناس أميين في الكتاب المقدس. واختاروا أسلوب “اتصل بالنبي” للحياة المسيحية بدلًا من دراسة كلمة الله. وقد ترك الكثيرون ليعيشوا باستمرار متنقلين من حل نبوي إلى آخر، فرجاؤهم مهدد دائمًا بالفشل، لأن صوت الله المحدد عندما ينطق بالنبوة يخذلهم عند توقعهم تحقيق النبوة. وكان امتلاك رقم هاتف النبي يشبه امتلاك مستودع تجاري من كنوز الإرشاد. وقد حلت دفاتر الملاحظات الصغيرة التي يقبض عليها هؤلاء الأشخاص بإحكام محل الكتب المقدسة كمواد القراءة المفضلة أثناء خدمات الكنيسة.

٣. لِكَيْ تُحَارِبَ فِيهَا الْمُحَارَبَةَ الْحَسَنَةَ: إن التشديد هنا ليس على الكلمة النبوية التي سمعها تيموثاوس في الماضي بل على المعركة الحاضرة الآن أمامه، حيث عليه أن يُحَارِبَ فِيهَا الْمُحَارَبَةَ الْحَسَنَةَ – أي “أَنْ تُحْسِنَ الْجِهَادَ فِي حَرْبِكَ الرُّوحِيَّةِ.” (بحسب ترجمة كتاب الحياة)

• هناك عمل ينبغي أن يقوم به تيموثاوس، وهذا العمل سيكون كالمعركة. والمعركة لن تكون سهلة ولا مريحة ولا خالية من الهم. وينبغي على تيموثاوس تنفيذ العمل الذي تركه له بولس ليقوم به في أفسس كجندي يباشر القتال في المعركة.

• هذا يقدم سببًا آخر لبقاء تيموثاوس في أفسس. فيجب عليه أن يحس بمسؤولية البقاء كلما شعر برغبته في المغادرة، لأنه مثل الجندي الذي لا يستطيع التخلي عن موقعه في المعركة.

ب) الآية (١٩): أدوات الحرب: إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِح.

١٩وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ، الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ، انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ أَيْضًا.

١. إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ: هذه الأدوات هي أساسية في حربنا لأجل الرب. إنها تحمينا ضد الهجمات الروحية والشكوك والإدانة.

• يجب أن يكون لدى تيموثاوس إِيمَانٌ بأن الله مسيطر على الأمور وسوف يرشده بينما هو يسعى في طلب وجه الله.

• يجب أن يتحلى بضَمِير صَالِح لأن أعدائه سوف يهاجمونه، فإذا لم يسلك تيموثاوس باستقامة فسيكون لديهم سببًا وجيهًا لمهاجمته. ضَمِيرٌ صَالِحٌ لا يعني مجرد استحسان لنا بل هو مصادقة على فعلنا ما هو صواب. فالضمير الصالح مرتبط بالسلوك السليم.

٢. الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ: لقد رفض البعض هذه الأسلحة، وهنا يتكلم بولس تحديدًا عن رفض الإيمان. فالذين يرفضون تعليم يسوع وتعليم الرسل هم متجهين نحو الدمار (انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ)

الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ: “كما يقوم جندي أحمق برمي درعه وترسه أو كما يرمي طيار بحار خوذته وبوصلته.” كلارك (Clarke)

• “ليس هناك مبرر لتفسير عبارة: ’انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ‘ بأنها تعني أن هؤلاء الأشخاص قد هلكوا بلا رجاء في إمكانية استردادهم. لأن القديس بولس نفسه قد عانى من انكسار السفينة أربع مرات على الأقل (كورنثوس الثانية ٢٥:١١) عند كتابته لهذه الرسالة. وفي كل مرة خسر بولس كل شيء ما عدا نفسه.” وايت (White)

ج ) الآية (٢٠): هناك شخصان قد رفضا أدوات الحرب.

٢٠الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ، اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ لِكَيْ يُؤَدَّبَا حَتَّى لاَ يُجَدِّفَا.

١. الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ: لانعلم شيئًا عن هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ أكثر مما قاله بولس عنهما هنا. ويتضح من كلام بولس أنه قد أدبهما لعصيانهما الله في اتباع تعاليم البدع وفي السلوك فيها أو في كليهما معًا.

• نرى هنا عدم خشية بولس من الإشارة إلى مقاومي الحق بأسمائهم، كما طلب أن يفعل أهل رومية (رومية ١٧:١٦). وهذا لا يناقض وصية يسوع بعدم إدانة الآخرين (متى ١:٧-٥). “وبينما لا يجوز للمؤمنين أن يدينوا دوافع أو خدمات غيرهم فإن المتوقع منا بالتأكيد هو أن نكون أمناء في ملاحظة سلوك بعضنا البعض.” وارزبي (Wiersbe)

٢. اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ: يمكن أن يخبرنا حدسنا بناء على مقاطع أخرى من العهد الجديد بأن بولس فعل ذلك بوضعهما خارج الكنيسة أي في العالم الذي هو مجال سيادة الشيطان. فالعقوبة إذًا كانت رفع الحماية عنهما وليس إنزال الشر بهما.

• إن الرب يحمينا من العديد من هجمات الشيطان (أيوب ١٠:١، لوقا ٣١:٢٢-٣٢)، وقسم كبير من هذه الحماية نتلقاه نتيجة اجتماعنا مع بعضنا البعض كمؤمنين.

• بذلك يقدم بولس سببًا إضافيًا لبقاء تيموثاوس في أفسس. فيجب على تيموثاوس أن يقوم بذلك العمل لأن الآخرين لا يقومون به. فلا يمكننا التصرف وكأن كل المؤمنين يفعلون إرادة الله ويبقون أمناء للإنجيل حتى النهاية. فنجد في الواقع أن عدم أمانة البعض للنهاية يعطينا حافزًا أكبر لعدم التخلي عن أمانتنا.