١. لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ: عيّن الله أسس الكهنوت ومنصب رئيس الكهنة في أيام موسى، كما هو واضح في سفر الخروج ٢٨ وما بعده. وهنا يلخص كاتب العبرانيين بدقة وظيفة رئيس الكهنة بقوله إنه ’يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا.‘ فالوظيفة الأساسية لرئيس الكهنة كانت تقديم الذبائح للرب، بشكل مباشر، أو غير مباشر من خلال الكهنة الأدنى درجة.
• تذكرنا عبارة ’قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا‘ أنه لم تكن كل الذبائح تكفيرًا بالدم عن الخطية. فقد كانت بعض الذبائح عبارة عن تقدمات لله تعبيرًا عن الشكر والحمد له.
٢. قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ: فعليًا، كان يراد من رَئِيسِ الكَهَنَة أن يكون أكثر من مجرد جزار يقدم الذبائح. فقد كان يراد له أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، وأن يقدم تلك الذبائح بقلب محب للناس، إذ ليكون مترفقًا، كان على رَئِيسِ الكَهَنَة أن يدرك أنه هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِالضُّعْفِ.
• وضع الله أوامر محددة لمساعدة رَئِيسِ الكَهَنَة ليترفق بالآخرين في خدمته. فعلى صدرة رئيس الكهنة وضعت حجارة كريمة نقشت عليها أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر، وعلى كتفي الرداء كان حجران كريمان نقش عليهما أيضًا أسماء الأسباط الاثني عشر. وهكذا كان شعب إسرائيل دائمًا على قلب وكتفي رئيس الكهنة (خروج ٤:٢٨-٣٠).
٣. وَلِهَذَا الضُّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ الْخَطَايَا لأَجْلِ الشَّعْبِ هَكَذَا أَيْضًا لأَجْلِ نَفْسِهِ: وضع الله أيضًا شروطًا تساعد رَئِيسِ الكَهَنَة في خدمته إذ أنه كان عرضة للضعف أيضًا. ففي يوم الكفارة كان على رَئِيسِ الكَهَنَة أن يقدم ذبيحة عن نفسه أولًا ليذكر نفسه والشعب أنه كان له ذنوب يحتاج للتكفير عنها مثل بقية شعب إسرائيل (اللاويين ١:١٦-٦).
•
٤. وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا: كان رئيس الكهنة واحدًا من شعب الله ولكن لم يتم اختياره من شعب الله، بل من الله لأجل شعبه، وكان هذا حتى لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ. فلم يكن مركز رئيس الكهنة شيئًا يمكن للشخص أن يحاول الوصول إليه، لكنه كان يمنح بالوراثة وبتعيين من الله.
• كان الكهنوت الحقيقي ومركز رَئِيسِ الكَهَنَة مرتبطًا بنسب محدد. فكل كاهن كان من نسل يعقوب، حفيد إبراهيم، الذي تم تغيير اسمه إلى إسرائيل. وكل كاهن كان من نسل لاوي، أحد أبناء إسرائيل الاثني عشر. فقد عين الله سبط لاوي لخدمته وتمثيله في أمة إسرائيل (سفر الخروج ٢:١٣ وسفر العدد ٤٠:٣-٤١). كان للاوي ثلاثة أبناء: جرشون وقهات ومراري. وعائلة أو نسل كل من هؤلاء أنيطت بها واجبات معينة. فقد كانت عائلة جرشون تهتم بحجاب الهيكل والسياج والستائر (سفر العدد ٢٥:٣-٢٦). بينما اعتنى نسل قهات بأثاث المسكن مثل المنارة ومذبح البخور وتابوت العهد (سفر العدد ٣١:٣-٣٢). واعتنت عائلة مراري بألواح وأعمدة الخيمة والسور (سفر العدد ٣٦:٣-٣٧). لم تكن هذه العائلات من الكهنة رغم أنهم كانوا من اللاويين. فرئيس الكهنة كان يجب أن يكون من نسل هارون أخو موسى، أي من نسل قهات. وعائلة هارون وذريتهم كان منها الكهنة ورئيس الكهنة المخولين بالخدمة في خيمة الاجتماع وبتقديم الذبائح لله. كان رئيس الكهنة في الغالب هو الابن الأكبر من نسل هارون، ما لم يستبعد بسبب الخطية (مثل ناداب وأبيهو في سفر اللاويين ١:١٠-٣) أو بحسب ما جاء في سفر اللاويين ٢١. فإذًا لم يكن منصب الكهنوت من اختيار الشعب أو البشر بل من اختيار الله.
• كانت هناك بعض الحالات التي تصرف فيها أناس كأنهم كهنة رغم أنهم لم يكونوا كذلك:
• قورح، الذي ابتلعته الأرض بحكم إلهي (سفر العدد ١٦).
• شاول، الذي عزل من منصبه كملك (سفر صموئيل الأول ١٣).
• عزيا، الذي ضرب بالبرص وهو في الهيكل (سفر أخبار الثاني ١٦:٢٦).
• اليوم، يمنع علينا أيضًا أن نكون كهنة لأنفسنا. فلا تبلغ الغطرسة فينا مبلغًا يجعلنا نظن أن بإمكاننا أن نقترب من الله بمفردنا دون كاهن. لكن من الضلال أيضًا الاعتقاد بأننا بحاجة لأي كاهن غير يسوع المسيح نفسه. فقد جعل الله يسوع وسيطًا وكاهنًا لنا.
• “لا يمكن للخاطئ أن يتعامل مع الله مباشرة، لكن من خلال كاهن وسيط يعرف فكر الله وإرادته ويتصرف بحسب ما يريد الله… فهكذا كان الحس الفطري للبشر منذ الأزل… فلم يكن هناك شعب دون دين أو معبد أو كاهن.” بوول (Poole)
١. كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ: لم ينصّب يسوع نفسه كرئيس كهنة، لكن كما أُعلن أن يسوع هو الابن (في مزمور ٧:٢) أُعلن أيضًا أنه كاهن إلى الأبد (مزمور ٤:١١٠).
• من السهل أن نرى السبب وراء صعوبة فهم كهنوت يسوع بالنسبة للمؤمنين اليهود الأوائل. فيسوع لم يكن من نسل هارون، كما أن يسوع لم يمارس أي خدمة كهنوتية في الهيكل. فقد تحدى يسوع النظام الديني بدلًا من الانضمام إليه لأن النظام الكهنوتي كان فاسدًا في أيامه، وكانت المناصب الكهنوتية تمنح من خلال الدسائس والتآمر بين القادة الفاسدين.
٢. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ: يشير هذا إلى قيامة يسوع من بين الأموات. ففي ذلك الوقت كان يسوع قد كُمِّل وتولى دوره الكامل كرئيس كهنة لنا (عبرانيين ٩:٥).
• أظهرت قيامة يسوع لنا أنه لم يكن كاهنًا مثل هارون الذي كان مضطرًا للتكفير عن خطيته أولًا، فقد أثبتت قيامة يسوع لنا أنه قدوس الآب (أعمال الرسل ٢٤:٢ و٢٧:٢) الذي حمل دينونة الخطاة دون أن يخطئ هو.
٣. أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ: في هذا تباين مهم. فكهنوت يسوع، مثل كهنوت ملكي صادق، لا ينتهي، لكن لم يكن هناك رئيس كهنة من نسل هارون استمر كهنوته إِلَى الأَبَدِ.
• سيتحدث الكاتب في عبرانيين ٧ أكثر عن يسوع كرئيس كهنة عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ.
١. إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ: تثبت معاناة يسوع في بستان جثسيماني (متى ٣٦:٢٦-٣٩، لوقا ٤٤:٢٢) أنه قد جاهد ليطيع مشيئة الآب لكنه أطاع تمامًا .
• “كانت هذه الصلوات ’طلبات ملحة‘ تصحبها تنهدات وأنات عميقة وأيدٍ مرفوعة لكن فيها خضوع تام.” تراب (Trapp)
• وهذا يجيب على سؤال ’كيف لهذا المجيد صاحب العرش أن يعرف ما أعانيه أنا هنا؟‘ والجواب هو أن الطاعة لم تكن دائمًا سهلة بالنسبة ليسوع.
٢. طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ: الكلمة اليونانية المستخدمة هنا لوصف التضرعات هي hiketeria وتعني: “غصن زيتون الملفوف بالصوف” كلارك (Clarke)، لأن هذا كان ما يحمله ويلوح به المصلي اليوناني في القديم تعبيرًا عن عمق صلاته وإلحاحها. ومن الجدير ذكره هنا أن تضرعات يسوع كانت في بستان زيتون، بينما كان هو ’الصوف‘ كونه حمل الله.
٣. وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ: طلب يسوع أن تجوز عنه الكأس في لوقا ٤٢:٢٢، لكن لم يحدث هذا. لكن صلاته قد سمعت لأن صلاته لم يكن هدفها تجنب إرادة أبيه بل قبولها.
٤. مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ: رغم أن يسوع هو الله، إلا أنه تعلم الطاعة. فالله الجالس على العرش في السماء لا يمكنه أن يختبر الطاعة إلا بالتخلي عن مجد العرش والاتضاع كما فعل يسوع.
• لم ينتقل يسوع من حالة عدم الطَّاعَةَإلى الطَّاعَةَ، لكنه تعلم الطَّاعَةَ بأن أطاع فعلًا. لم يتعلم يسوع كيف يطيع لكنه تعلم ما تنطوي عليه الطاعة. فقد اختبر يسوع “فعل” الطاعة وكان اختبار الألم والمعاناة جزءًا من ذلك.
• الشيء الوحيد الذي لا يمكن لله على عرشه في السماء أن يختبره هو الطاعة، إذ أنه لا يطيع أحدًا. ولا بد أن الملائكة تعجبت إذ رأت الله الابن، الذي أضاف الإنسانية إلى ألوهيته، وهو يختبر الطاعة.
• أطاع في كل التحديات التي واجهها.
• أطاع في حياته العادية.
• أطاع في طفولته وفي سن المراهقة وفي سن الشباب.
• أطاع سرًا دون إعلان.
• أطاع الله أبيه وأطاع السلطات البشرية.
• أطاع يسوع في كل شيء حتى النهاية.
• “الطاعة مهارة على كل إنسان أن يتعلمها عمليًا حتى يتقنها، إذ ليس من طريقة أخرى لإتقانها. فحتى الرب يسوع لم يتعلم الطاعة بالكامل من خلال الآخرين لكنه فعل وأطاع شخصيًا.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ: كانت المعاناة أداة في تعليم يسوع الطاعة. وإن كانت المعاناة أداة لتعليم ابن الله، فعلينا ألا نحتقرها أو نستخف بها كأداة لتعليمنا.
• يقول البعض أننا قد نتعلم من خلال المعاناة. لكن مثل هذه الدروس هي خيار الله الثاني، إذ يريدنا الله أن نتعلم أولًا من كلمته، وليست إرادته أن نتعلم من خلال التجارب والمعاناة.
• لا يعلم الكتاب أبدًا أن إيمان المؤمن سيجنبه أي معاناة. فالمؤمن لا بد أن يعيش في الضيق (تسالونيكي الأولى ٣:٣). وكما يقول الكتاب أيضًا إنه بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ (أعمال الرسل ٢٢:١٤). وكذلك نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ (رومية ١٧:٨).
١. وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ… سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ: تجربة يسوع في الألم والمعاناة ثم قيامته بعد ذلك أهلته ليكون سَبَب ومصدر خلاصنا.
• في بعض الأحيان قد يموت شخص ويترك ميراثًا قد لا يصل إلى الورثة. لقد مات يسوع وترك لنا ميراثًا يريدنا في كل يوم أن نسعى للحصول عليه. “لقد مات ليجعل لنا ميراثًا ويحيا الآن ليتأكد أن لا نخسر ما قدمه لنا.” سبيرجن (Spurgeon)
• لا يريد البعض أن يكون يسوع هو سَبَب خلاصهم، إذ يريدون أن يصنعوا خلاصهم بأيديهم، لكن خلاصًا كهذا لا يقبله الله، فيسوع وحده يمكن أن يكون سَبَب خلاصك الأبدي.
٢. صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ: هذا الخلاص هو لكل الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ، أي الذين يؤمنون به. فالمؤمن هو الذي يطيع.
٣. مَدْعُّوًا مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ: يكرر الكاتب هنا التأكيد على أن يسوع مدعو من الله (وليس بعمل ذاته) ليكون رئيس كهنتنا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ. أما معنى الجملة: “اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا” فسيأتي في عبرانيين ٧.
• ١. إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ: وهذا يفسر عدم تعمق الكاتب في موضوع ملكي صادق مباشرة، إذ أراد التطرق لبعض الأمور الأساسية قبل الانتقال إلى مواضيع أكثر تعقيدًا، لكن حالتهم الروحية جعلت ذلك عَسِرَ التَّفْسِيرِ.
• ربما خشي الكاتب أن تكون المقارنة بين هارون وملكي صادق ويسوع أمرًا أكاديميًا ومعقدًا لقرائه. لكنه في الوقت نفسه أكد أن هذا يؤكد تباطؤ مسامع قارئيه. فالرسالة ليست معقدة للغاية؛ لكن قارئيه مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ.
• والمشكلة هنا ليست في الأذنين لكنها في القلب. فالقارئ ليس مهتمًا حقًا بما يقوله الله. وعدم الرغبة في سماع كلمة الله يشير إلى مشكلة روحية حقيقية، وقد يكون سببًا في عدم استجابة الصلاة، بحسب سفر الأمثال ٩:٢٨ “مَنْ يُحَوِّلُ أُذْنَهُ عَنْ سَمَاعِ الشَّرِيعَةِ، فَصَلاَتُهُ أَيْضًا مَكْرَهَةٌ”.
• وأولئك المؤمنون الذين كانوا يفكرون بالارتداد عن المسيح كانوا أيضًا مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ. فالتباطؤ يأتي أولًا ثم يتحول هذا لرغبة في الاستسلام. وحين تبدو كلمة الله مملة، فهذا مؤشر شديد الخطورة.
٢. إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ: كلمة ’صِرْتُمْ‘ مهمة هنا وتشير إلى أنهم لم يكونوا هكذا قبلًا، لذلك يحذرهم كاتب العبرانيين من جديد.
• تحفل رسالة العبرانيين بالتحذيرات. فهؤلاء المؤمنون المتقاعسون كانوا بحاجة إلى التشجيع والتعزية والتعليم، لكن كان يجب تحذيرهم أيضًا من عواقب الابتعاد عن يسوع.
١. لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي: بعد كل ذلك الوقت الذي كنتم فيه تلاميذ ليسوع كان ينبغي أن تكونوا الآن أكثر نضجًا.
٢. أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ: دور المعلم ليس محصورًا بأشخاص معينين، لكن الكاتب يؤكد هنا أن كل مؤمن يجب أن يكون معلمًا.
• هناك حقيقة مهمة في الإشارة إلى أهمية أن يكون كل مؤمن معلمًا، إذ بهذا يمكننا تلمذة آخرين. إذ أننا أيضًا نتقن ما نعرف حين نعلمه لشخص آخر. فالتعليم هو الخطوة الأخيرة في عملية التعلم.
٣. تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ: وهذه الإشارة ليس مديحًا في حقهم. فهو يقول إن المبادئ الأساسية للإيمان ليست أمرًا بسيطًا يمكنكم تجاهله، لكن على الإنسان أن يذكر ويعلم نفسه أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ (أسَاسِيَّاتِ تَعَالِيمِ اللهِ).
ج ) الآيات (١٢ب- ١٤): المقارنة بين اللبن (الحليب) وبين الطعام.
• ١. وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ: اللبن هنا يشير للمبادئ الأساسية في عبرانيين ١٢:٦. والطَعَامٍ القَوِيٍّ هنا إشارة للأمور الأعمق مثل فهم العلاقة بين يسوع وملكي صادق. فتناول اللبن ليس أمرًا سيئًا، لكن هؤلاء المؤمنين يجب أن يتناولوا أطعمة صلبة أخرى أيضًا. وبطرس يذكرنا بهذا جميعًا قائلًا: “وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ.” (بطرس الأولى ٢:٢).
٢. لأَنَّهُ طِفْلٌ: في اليونانية القديمة تعني هذه العبارة أن الشخص أصبح طفلًا (نويل Newell). وليس هناك ما هو أروع من طفولة الحياة مع يسوع، لكن ليس هناك ما يحزن أكثر من أن يتحول الشخص الناضج إلى طِفْل.
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما كانت حياتك الروحية غير مستقرة. فالأطفال تتناقلهم الأيدي من شخص لآخر، وعادة ما يكون الأطفال الروحيون محمولين بكل روح تعليم (أفسس ١٤:٤-١٦).
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما حياتك الروحية مشتتة هنا وهناك. فلكل طفل سريره الخاص لا ينام إلا عليه، وللأطفال الروحيين طائفتهم الخاصة أو الكنيسة التي يعتقدون أنها المكان الصحيح رغم ما يقدم من تعاليم.
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما تأثرت ببعض المؤمنين المشهورين. فالأطفال عادة يكونوا متعلقين بشخص معين (أمهم)، والأطفال الروحيون يتعلقون بالبشر (أنا لبولس وأنا لأبولوس، كما في كورنثوس الأولى ١٢:١).
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما أنت نائم روحيًا، فالأطفال ينامون كثيرًا، والأطفال الروحيون قد يقضون وقتًا طويلًا في نوم روحي.
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما أنت في مزاج سيئ كالطفل حين ينعس، وهكذا الأطفال الروحيون تزعجهم الأشياء الصغيرة.
٣. عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ: الطفل في الإيمان يفضح نفسه لأنه عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ. ونحن لا نتوقع من المؤمنين الجدد الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ، لكن المؤمنين الناضجين يجب أن يكونوا كذلك.
٤. الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ: حواسنا تتدرب بالتمرين (بالممارسة والتعود) وممارسة التمييز بين الخير والشر (يتعلق الأمر بشكل أساسي بالعقيدة أكثر من الأمور الأخلاقية). فحواسنا تتدرب عندما نستخدمها وعندما نستخدمها ننضج روحيًا.
• “يمكننا تطوير حواسنا عن طريق الاستخدام. عندما كنت أعمل في تجارة الشاي، أصبحت حواس اللمس والتذوق والشم لدي حادة جدًا ليمكنها تمييز الفروق الدقيقة جدًا. وهذا ما نحتاجه في تمييز الخير والشر.” ماير (Meyer)
• ظهر عدم نضج هؤلاء المؤمنين في عدم قدرتهم على التمييز بين الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وفي تفكيرهم بالارتداد عن الإيمان بيسوع. فالمؤمن الناضج يتميز بحكمته وبتمسكه بيسوع المسيح.
• التمييز علامة مميزة للنضج الروحي. فالأطفال يضعون أي شيء في أفواههم. وكذلك الاطفال الروحيون ينقصهم التمييز، ويقبلون أي نوع من الطعام الروحي.
٥. قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً: يمكن القول أن الحواس البشرية الخمسة لها نظيراتها الروحية.
رسالة العبرانيين – الإصحاح ٥ – يسوع، كاهن إلى الأبد أولًا. رئيس كهنتنا المترفق بنا
أ ) الآيات (١-٤): قوانين الكهنوت بحسب ناموس موسى.
١لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَاِ للهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا، ٢قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِالضَّعْفِ. ٣وَلِهذَا الضَّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ الْخَطَايَا لأَجْلِ الشَّعْبِ هكَذَا أَيْضًا لأَجْلِ نَفْسِهِ. ٤وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا.
١. لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ: عيّن الله أسس الكهنوت ومنصب رئيس الكهنة في أيام موسى، كما هو واضح في سفر الخروج ٢٨ وما بعده. وهنا يلخص كاتب العبرانيين بدقة وظيفة رئيس الكهنة بقوله إنه ’يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا.‘ فالوظيفة الأساسية لرئيس الكهنة كانت تقديم الذبائح للرب، بشكل مباشر، أو غير مباشر من خلال الكهنة الأدنى درجة.
• تذكرنا عبارة ’قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا‘ أنه لم تكن كل الذبائح تكفيرًا بالدم عن الخطية. فقد كانت بعض الذبائح عبارة عن تقدمات لله تعبيرًا عن الشكر والحمد له.
٢. قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ: فعليًا، كان يراد من رَئِيسِ الكَهَنَة أن يكون أكثر من مجرد جزار يقدم الذبائح. فقد كان يراد له أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، وأن يقدم تلك الذبائح بقلب محب للناس، إذ ليكون مترفقًا، كان على رَئِيسِ الكَهَنَة أن يدرك أنه هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِالضُّعْفِ.
• وضع الله أوامر محددة لمساعدة رَئِيسِ الكَهَنَة ليترفق بالآخرين في خدمته. فعلى صدرة رئيس الكهنة وضعت حجارة كريمة نقشت عليها أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر، وعلى كتفي الرداء كان حجران كريمان نقش عليهما أيضًا أسماء الأسباط الاثني عشر. وهكذا كان شعب إسرائيل دائمًا على قلب وكتفي رئيس الكهنة (خروج ٤:٢٨-٣٠).
٣. وَلِهَذَا الضُّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ الْخَطَايَا لأَجْلِ الشَّعْبِ هَكَذَا أَيْضًا لأَجْلِ نَفْسِهِ: وضع الله أيضًا شروطًا تساعد رَئِيسِ الكَهَنَة في خدمته إذ أنه كان عرضة للضعف أيضًا. ففي يوم الكفارة كان على رَئِيسِ الكَهَنَة أن يقدم ذبيحة عن نفسه أولًا ليذكر نفسه والشعب أنه كان له ذنوب يحتاج للتكفير عنها مثل بقية شعب إسرائيل (اللاويين ١:١٦-٦).
•
٤. وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا: كان رئيس الكهنة واحدًا من شعب الله ولكن لم يتم اختياره من شعب الله، بل من الله لأجل شعبه، وكان هذا حتى لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ. فلم يكن مركز رئيس الكهنة شيئًا يمكن للشخص أن يحاول الوصول إليه، لكنه كان يمنح بالوراثة وبتعيين من الله.
• كان الكهنوت الحقيقي ومركز رَئِيسِ الكَهَنَة مرتبطًا بنسب محدد. فكل كاهن كان من نسل يعقوب، حفيد إبراهيم، الذي تم تغيير اسمه إلى إسرائيل. وكل كاهن كان من نسل لاوي، أحد أبناء إسرائيل الاثني عشر. فقد عين الله سبط لاوي لخدمته وتمثيله في أمة إسرائيل (سفر الخروج ٢:١٣ وسفر العدد ٤٠:٣-٤١). كان للاوي ثلاثة أبناء: جرشون وقهات ومراري. وعائلة أو نسل كل من هؤلاء أنيطت بها واجبات معينة. فقد كانت عائلة جرشون تهتم بحجاب الهيكل والسياج والستائر (سفر العدد ٢٥:٣-٢٦). بينما اعتنى نسل قهات بأثاث المسكن مثل المنارة ومذبح البخور وتابوت العهد (سفر العدد ٣١:٣-٣٢). واعتنت عائلة مراري بألواح وأعمدة الخيمة والسور (سفر العدد ٣٦:٣-٣٧). لم تكن هذه العائلات من الكهنة رغم أنهم كانوا من اللاويين. فرئيس الكهنة كان يجب أن يكون من نسل هارون أخو موسى، أي من نسل قهات. وعائلة هارون وذريتهم كان منها الكهنة ورئيس الكهنة المخولين بالخدمة في خيمة الاجتماع وبتقديم الذبائح لله. كان رئيس الكهنة في الغالب هو الابن الأكبر من نسل هارون، ما لم يستبعد بسبب الخطية (مثل ناداب وأبيهو في سفر اللاويين ١:١٠-٣) أو بحسب ما جاء في سفر اللاويين ٢١. فإذًا لم يكن منصب الكهنوت من اختيار الشعب أو البشر بل من اختيار الله.
• كانت هناك بعض الحالات التي تصرف فيها أناس كأنهم كهنة رغم أنهم لم يكونوا كذلك:
• قورح، الذي ابتلعته الأرض بحكم إلهي (سفر العدد ١٦).
• شاول، الذي عزل من منصبه كملك (سفر صموئيل الأول ١٣).
• عزيا، الذي ضرب بالبرص وهو في الهيكل (سفر أخبار الثاني ١٦:٢٦).
• اليوم، يمنع علينا أيضًا أن نكون كهنة لأنفسنا. فلا تبلغ الغطرسة فينا مبلغًا يجعلنا نظن أن بإمكاننا أن نقترب من الله بمفردنا دون كاهن. لكن من الضلال أيضًا الاعتقاد بأننا بحاجة لأي كاهن غير يسوع المسيح نفسه. فقد جعل الله يسوع وسيطًا وكاهنًا لنا.
• “لا يمكن للخاطئ أن يتعامل مع الله مباشرة، لكن من خلال كاهن وسيط يعرف فكر الله وإرادته ويتصرف بحسب ما يريد الله… فهكذا كان الحس الفطري للبشر منذ الأزل… فلم يكن هناك شعب دون دين أو معبد أو كاهن.” بوول (Poole)
ب) الآيات (٥-٦): يسوع هو المؤهل ليكون كاهننا.
٥كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ». ٦كَمَا يَقُولُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ».
١. كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ: لم ينصّب يسوع نفسه كرئيس كهنة، لكن كما أُعلن أن يسوع هو الابن (في مزمور ٧:٢) أُعلن أيضًا أنه كاهن إلى الأبد (مزمور ٤:١١٠).
• من السهل أن نرى السبب وراء صعوبة فهم كهنوت يسوع بالنسبة للمؤمنين اليهود الأوائل. فيسوع لم يكن من نسل هارون، كما أن يسوع لم يمارس أي خدمة كهنوتية في الهيكل. فقد تحدى يسوع النظام الديني بدلًا من الانضمام إليه لأن النظام الكهنوتي كان فاسدًا في أيامه، وكانت المناصب الكهنوتية تمنح من خلال الدسائس والتآمر بين القادة الفاسدين.
٢. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ: يشير هذا إلى قيامة يسوع من بين الأموات. ففي ذلك الوقت كان يسوع قد كُمِّل وتولى دوره الكامل كرئيس كهنة لنا (عبرانيين ٩:٥).
• أظهرت قيامة يسوع لنا أنه لم يكن كاهنًا مثل هارون الذي كان مضطرًا للتكفير عن خطيته أولًا، فقد أثبتت قيامة يسوع لنا أنه قدوس الآب (أعمال الرسل ٢٤:٢ و٢٧:٢) الذي حمل دينونة الخطاة دون أن يخطئ هو.
٣. أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ: في هذا تباين مهم. فكهنوت يسوع، مثل كهنوت ملكي صادق، لا ينتهي، لكن لم يكن هناك رئيس كهنة من نسل هارون استمر كهنوته إِلَى الأَبَدِ.
• سيتحدث الكاتب في عبرانيين ٧ أكثر عن يسوع كرئيس كهنة عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ.
ج ) الآيات (٧-٨): رحمة وتعاطف يسوع رئيس كهنتنا.
٧الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، ٨مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ.
١. إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ: تثبت معاناة يسوع في بستان جثسيماني (متى ٣٦:٢٦-٣٩، لوقا ٤٤:٢٢) أنه قد جاهد ليطيع مشيئة الآب لكنه أطاع تمامًا .
• “كانت هذه الصلوات ’طلبات ملحة‘ تصحبها تنهدات وأنات عميقة وأيدٍ مرفوعة لكن فيها خضوع تام.” تراب (Trapp)
• وهذا يجيب على سؤال ’كيف لهذا المجيد صاحب العرش أن يعرف ما أعانيه أنا هنا؟‘ والجواب هو أن الطاعة لم تكن دائمًا سهلة بالنسبة ليسوع.
٢. طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ: الكلمة اليونانية المستخدمة هنا لوصف التضرعات هي hiketeria وتعني: “غصن زيتون الملفوف بالصوف” كلارك (Clarke)، لأن هذا كان ما يحمله ويلوح به المصلي اليوناني في القديم تعبيرًا عن عمق صلاته وإلحاحها. ومن الجدير ذكره هنا أن تضرعات يسوع كانت في بستان زيتون، بينما كان هو ’الصوف‘ كونه حمل الله.
٣. وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ: طلب يسوع أن تجوز عنه الكأس في لوقا ٤٢:٢٢، لكن لم يحدث هذا. لكن صلاته قد سمعت لأن صلاته لم يكن هدفها تجنب إرادة أبيه بل قبولها.
٤. مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ: رغم أن يسوع هو الله، إلا أنه تعلم الطاعة. فالله الجالس على العرش في السماء لا يمكنه أن يختبر الطاعة إلا بالتخلي عن مجد العرش والاتضاع كما فعل يسوع.
• لم ينتقل يسوع من حالة عدم الطَّاعَةَ إلى الطَّاعَةَ، لكنه تعلم الطَّاعَةَ بأن أطاع فعلًا. لم يتعلم يسوع كيف يطيع لكنه تعلم ما تنطوي عليه الطاعة. فقد اختبر يسوع “فعل” الطاعة وكان اختبار الألم والمعاناة جزءًا من ذلك.
• الشيء الوحيد الذي لا يمكن لله على عرشه في السماء أن يختبره هو الطاعة، إذ أنه لا يطيع أحدًا. ولا بد أن الملائكة تعجبت إذ رأت الله الابن، الذي أضاف الإنسانية إلى ألوهيته، وهو يختبر الطاعة.
• أطاع في كل التحديات التي واجهها.
• أطاع في حياته العادية.
• أطاع في طفولته وفي سن المراهقة وفي سن الشباب.
• أطاع سرًا دون إعلان.
• أطاع الله أبيه وأطاع السلطات البشرية.
• أطاع يسوع في كل شيء حتى النهاية.
• “الطاعة مهارة على كل إنسان أن يتعلمها عمليًا حتى يتقنها، إذ ليس من طريقة أخرى لإتقانها. فحتى الرب يسوع لم يتعلم الطاعة بالكامل من خلال الآخرين لكنه فعل وأطاع شخصيًا.” سبيرجن (Spurgeon)
٥. تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ: كانت المعاناة أداة في تعليم يسوع الطاعة. وإن كانت المعاناة أداة لتعليم ابن الله، فعلينا ألا نحتقرها أو نستخف بها كأداة لتعليمنا.
• يقول البعض أننا قد نتعلم من خلال المعاناة. لكن مثل هذه الدروس هي خيار الله الثاني، إذ يريدنا الله أن نتعلم أولًا من كلمته، وليست إرادته أن نتعلم من خلال التجارب والمعاناة.
• لا يعلم الكتاب أبدًا أن إيمان المؤمن سيجنبه أي معاناة. فالمؤمن لا بد أن يعيش في الضيق (تسالونيكي الأولى ٣:٣). وكما يقول الكتاب أيضًا إنه بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ (أعمال الرسل ٢٢:١٤). وكذلك نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ (رومية ١٧:٨).
د ) الآيات (٩-١١أ): يسوع، مخلصنا الكامل.
٩وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ، سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ، ١٠مَدْعُوًّا مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ. ١١اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا…
١. وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ… سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ: تجربة يسوع في الألم والمعاناة ثم قيامته بعد ذلك أهلته ليكون سَبَب ومصدر خلاصنا.
• في بعض الأحيان قد يموت شخص ويترك ميراثًا قد لا يصل إلى الورثة. لقد مات يسوع وترك لنا ميراثًا يريدنا في كل يوم أن نسعى للحصول عليه. “لقد مات ليجعل لنا ميراثًا ويحيا الآن ليتأكد أن لا نخسر ما قدمه لنا.” سبيرجن (Spurgeon)
• لا يريد البعض أن يكون يسوع هو سَبَب خلاصهم، إذ يريدون أن يصنعوا خلاصهم بأيديهم، لكن خلاصًا كهذا لا يقبله الله، فيسوع وحده يمكن أن يكون سَبَب خلاصك الأبدي.
٢. صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ: هذا الخلاص هو لكل الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ، أي الذين يؤمنون به. فالمؤمن هو الذي يطيع.
٣. مَدْعُّوًا مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ: يكرر الكاتب هنا التأكيد على أن يسوع مدعو من الله (وليس بعمل ذاته) ليكون رئيس كهنتنا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ. أما معنى الجملة: “اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا” فسيأتي في عبرانيين ٧.
ثانيًا. توبيخ لأجل النضج الروحي
أ ) الآيات (١١ب): توبيخ متباطئي المسامع.
١١… وَعَسِرُ التَّفْسِيرِ لِنَنْطِقَ بِهِ، إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ.
• ١. إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ: وهذا يفسر عدم تعمق الكاتب في موضوع ملكي صادق مباشرة، إذ أراد التطرق لبعض الأمور الأساسية قبل الانتقال إلى مواضيع أكثر تعقيدًا، لكن حالتهم الروحية جعلت ذلك عَسِرَ التَّفْسِيرِ.
• ربما خشي الكاتب أن تكون المقارنة بين هارون وملكي صادق ويسوع أمرًا أكاديميًا ومعقدًا لقرائه. لكنه في الوقت نفسه أكد أن هذا يؤكد تباطؤ مسامع قارئيه. فالرسالة ليست معقدة للغاية؛ لكن قارئيه مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ.
• والمشكلة هنا ليست في الأذنين لكنها في القلب. فالقارئ ليس مهتمًا حقًا بما يقوله الله. وعدم الرغبة في سماع كلمة الله يشير إلى مشكلة روحية حقيقية، وقد يكون سببًا في عدم استجابة الصلاة، بحسب سفر الأمثال ٩:٢٨ “مَنْ يُحَوِّلُ أُذْنَهُ عَنْ سَمَاعِ الشَّرِيعَةِ، فَصَلاَتُهُ أَيْضًا مَكْرَهَةٌ”.
• وأولئك المؤمنون الذين كانوا يفكرون بالارتداد عن المسيح كانوا أيضًا مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ. فالتباطؤ يأتي أولًا ثم يتحول هذا لرغبة في الاستسلام. وحين تبدو كلمة الله مملة، فهذا مؤشر شديد الخطورة.
٢. إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ: كلمة ’صِرْتُمْ‘ مهمة هنا وتشير إلى أنهم لم يكونوا هكذا قبلًا، لذلك يحذرهم كاتب العبرانيين من جديد.
• تحفل رسالة العبرانيين بالتحذيرات. فهؤلاء المؤمنون المتقاعسون كانوا بحاجة إلى التشجيع والتعزية والتعليم، لكن كان يجب تحذيرهم أيضًا من عواقب الابتعاد عن يسوع.
ب) الآية (١٢أ): توبيخهم على عدم نضجهم.
١٢لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ، تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ…
١. لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي: بعد كل ذلك الوقت الذي كنتم فيه تلاميذ ليسوع كان ينبغي أن تكونوا الآن أكثر نضجًا.
٢. أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ: دور المعلم ليس محصورًا بأشخاص معينين، لكن الكاتب يؤكد هنا أن كل مؤمن يجب أن يكون معلمًا.
• هناك حقيقة مهمة في الإشارة إلى أهمية أن يكون كل مؤمن معلمًا، إذ بهذا يمكننا تلمذة آخرين. إذ أننا أيضًا نتقن ما نعرف حين نعلمه لشخص آخر. فالتعليم هو الخطوة الأخيرة في عملية التعلم.
٣. تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ: وهذه الإشارة ليس مديحًا في حقهم. فهو يقول إن المبادئ الأساسية للإيمان ليست أمرًا بسيطًا يمكنكم تجاهله، لكن على الإنسان أن يذكر ويعلم نفسه أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ (أسَاسِيَّاتِ تَعَالِيمِ اللهِ).
ج ) الآيات (١٢ب- ١٤): المقارنة بين اللبن (الحليب) وبين الطعام.
١٢… وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ، لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ. ١٣لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ، ١٤وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
• ١. وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ: اللبن هنا يشير للمبادئ الأساسية في عبرانيين ١٢:٦. والطَعَامٍ القَوِيٍّ هنا إشارة للأمور الأعمق مثل فهم العلاقة بين يسوع وملكي صادق. فتناول اللبن ليس أمرًا سيئًا، لكن هؤلاء المؤمنين يجب أن يتناولوا أطعمة صلبة أخرى أيضًا. وبطرس يذكرنا بهذا جميعًا قائلًا: “وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ.” (بطرس الأولى ٢:٢).
٢. لأَنَّهُ طِفْلٌ: في اليونانية القديمة تعني هذه العبارة أن الشخص أصبح طفلًا (نويل Newell). وليس هناك ما هو أروع من طفولة الحياة مع يسوع، لكن ليس هناك ما يحزن أكثر من أن يتحول الشخص الناضج إلى طِفْل.
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما كانت حياتك الروحية غير مستقرة. فالأطفال تتناقلهم الأيدي من شخص لآخر، وعادة ما يكون الأطفال الروحيون محمولين بكل روح تعليم (أفسس ١٤:٤-١٦).
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما حياتك الروحية مشتتة هنا وهناك. فلكل طفل سريره الخاص لا ينام إلا عليه، وللأطفال الروحيين طائفتهم الخاصة أو الكنيسة التي يعتقدون أنها المكان الصحيح رغم ما يقدم من تعاليم.
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما تأثرت ببعض المؤمنين المشهورين. فالأطفال عادة يكونوا متعلقين بشخص معين (أمهم)، والأطفال الروحيون يتعلقون بالبشر (أنا لبولس وأنا لأبولوس، كما في كورنثوس الأولى ١٢:١).
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما أنت نائم روحيًا، فالأطفال ينامون كثيرًا، والأطفال الروحيون قد يقضون وقتًا طويلًا في نوم روحي.
• هل أصبحت طفلًا؟ ربما أنت في مزاج سيئ كالطفل حين ينعس، وهكذا الأطفال الروحيون تزعجهم الأشياء الصغيرة.
٣. عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ: الطفل في الإيمان يفضح نفسه لأنه عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ. ونحن لا نتوقع من المؤمنين الجدد الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ، لكن المؤمنين الناضجين يجب أن يكونوا كذلك.
٤. الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ: حواسنا تتدرب بالتمرين (بالممارسة والتعود) وممارسة التمييز بين الخير والشر (يتعلق الأمر بشكل أساسي بالعقيدة أكثر من الأمور الأخلاقية). فحواسنا تتدرب عندما نستخدمها وعندما نستخدمها ننضج روحيًا.
• “يمكننا تطوير حواسنا عن طريق الاستخدام. عندما كنت أعمل في تجارة الشاي، أصبحت حواس اللمس والتذوق والشم لدي حادة جدًا ليمكنها تمييز الفروق الدقيقة جدًا. وهذا ما نحتاجه في تمييز الخير والشر.” ماير (Meyer)
• ظهر عدم نضج هؤلاء المؤمنين في عدم قدرتهم على التمييز بين الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وفي تفكيرهم بالارتداد عن الإيمان بيسوع. فالمؤمن الناضج يتميز بحكمته وبتمسكه بيسوع المسيح.
• التمييز علامة مميزة للنضج الروحي. فالأطفال يضعون أي شيء في أفواههم. وكذلك الاطفال الروحيون ينقصهم التمييز، ويقبلون أي نوع من الطعام الروحي.
٥. قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً: يمكن القول أن الحواس البشرية الخمسة لها نظيراتها الروحية.
• لدينا حاسة التذوق الروحي: “إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ” (بطرس الأولى ٣:٢). “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب!” (مزمور ٨:٣٤)
• لدينا حاسة السمع الروحي: “أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ” (إشعياء ٣:٥٥). “مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ” (رؤيا يوحنا ٧:٢).
• لدينا حاسة البصر الروحي: “اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ” (مزمور ١٨:١١٩). “مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِه”ِ (أفسس ١٨:١).
• لدينا حاسة الشم الروحي: “قَدِ امْتَلأْتُ إِذْ قَبِلْتُ مِنْ أَبَفْرُودِتُسَ الأَشْيَاءَ الَّتِي مِنْ عِنْدِكُمْ، نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ” (فيلبي ١٨:٤).
• لدينا حاسة اللمس (الحس) الروحي: “مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ رَقَّ قَلْبُكَ وَتَوَاضَعْتَ أَمَامَ الرَّبِّ” (ملوك الثاني ١٩:٢٢). “اَلَّذِينَ -إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ- أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ” (أفسس ١٨:٤-١٩).