١. بُولُسُ: بكتابة اسمه أولًا يتبع بولس أعراف كتابة الرسائل في عصره، حيث يُذْكَر اسم الكاتب أولًا، ثم يليه اسم القارئ ومن بعدها تُوَجّه التحية.
• نعلم من تيطس ٥:١ أن بولس وتيطس قَد خدما معًا في كريت ناشرين الإنجيل وَمؤسسين للكنائس. ولكن اضطَّرَ بولس للمغادرة، فبقي تيطس وحده يخدم بين جماعة المؤمنين. ونظرًا لصعوبة الخدمة، أرسل له بولس هذه الرسالة لإرشاده وتشجيعه.
• “على الرغم من غياب أي تلميح في أي مكان آخر عن تواجد سابق لبولس في كريت، فإن المقطع يوضح أنه سبق وزارها. ومن غير الممكن للوقا، مؤرخ خدمة بولس، إغفال مثل تلك الزيارة المهمة لبولس إلى جزيرة ذات شأن مهم وتبشيره فيها. ولو حدث ذلك أثناء الفترة التي شملها سفر أعمال الرسل، لكنا رأيناه بوضوح. لذلك يبدو مؤكدًا تقريبًا، أن تلك الرحلة صارت بعد إنتهاء القديس لوقا من كتابة تاريخ أعمال الرسل، أي بعد سجن القديس بولس الأول في روما.” كلارك (Clarke)
• كتب بولس رسالته بينما كان إثنين آخرين من الخُدَّام المؤمنين (زيناس وأبولس، المذكورين في تيطس ١٣:٣) يتهيآن للسفر إلى كريت، فأرسلها معهم.
• كتبت هذه الرسالة لتيطس ولكنها كتبت أيضًا لجميع المؤمنين في جزيرة كريت. وقد علم بولس أن هذه الرسالة ستقرأ علنًا في كنائس الجزيرة. فأولى عناية بالغة في مقدمة رسالته على إخبار المؤمنين في كريت عن مؤهلاته ومواقفه من القضايا الهامة. ولم يتبع بولس أسلوب تفكير رجل السياسة الذي غالبًا ما يتجاوب مع رغبات الجماهير ويحاول إرضاءهم.
٢. بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ: من بين كل الألقاب التي يمكنه استخدامها، اختار بولس أولًا لقب: “عَبْدُ اللهِ.” وإن كان بولس يملك بطاقة عمل كما في يومنا المعاصر، لكانت تحمل هذا اللقب.
• الأمر اللَّافت للانتباه عند استخدام بولس لمصطلح عَبْد هو انتقائه كلمة دولوس (doulos) اليونانية القديمة. فهذه الكلمة كانت تستخدم خصيصًا للإشارة إلى العبد الوضيع (وصفه أحد الباحثين في اللغة اليونانية بأنه: “المصطلح الأكثر إذلالًا والذي كان يستخدم من قبل اليونانيين لوصف العبيد). كما تطلق تلك الكلمة أيضًا على العبد الذي اختار أن يكون عبدًا.
• كان بولس مجرد عَبْد، ومع ذلك فهو ذو مكانة رفيعة، لأنه عَبْدُ اللهِ. فلن يَحُطَّ من قدرنا أبدًا أن نكون عبيدًا لإله عظيم.
٣. وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: لقد منح الله بولس دورًا خاصًا يؤديه بين عبيده. فقد تلقى من الله دعوة مُتفرِّدة كمبعوث خاص له، أي رَسُول. ولقد عرف بولس دعوته وهدفها ضمن جسد المسيح، وهكذا ينبغي أن يفعل كل مؤمن اليوم.
٤. لأَجْلِ إِيمَانِ: لم يكن بولس رسولًا بسبب إيمان مختاري الله، بل كان رسولًا بالتوافق مع الإيمان (أي مجموعة محددة من العقائد المشتركة) الذي يشترك فيه مُخْتَارِي اللهِ.
• مُخْتَارِي اللهِ: هم أولئك الذين اختارهم الله قبل تأسيس العالم ليقبلوا خلاصه. وبإمكاننا تحديد هوية مُخْتَارِي اللهِ بناءًا على تجاوبهم مع إنجيل يسوع المسيح وسلوكهم في حياتهم بحسب ذلك الإنجيل.
٥. وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ: بالنسبة لبولس، لا يكفي أن نعرف عن الحق، بل أن نعرفه المعرفة الكاملة.
٦. الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى: عاش بولس حسب التقوى. فالحق كله هو حق الله، ولكن ليس كل حق في العالم يتوافق فعليًا مع التقوى ويغيرنا لنصبح مشابهين صورة الله. فمثلًا، ربما يقدم العلم أو علم النفس شيء من الحقيقة وقد يكون ما يقدمه مثيرًا للإعجاب، لكنه لن يُخَلِّص النفس من جهنم. فالحقيقة العلمية ليست هي الْحَقِّ الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى.
ب) الآية (٢): كان بولس رسولًا عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
١. الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ: هي حياة الإله الحي الأزلي فينا. إنها حاضرة الآن، وسوف تكتمل لاحقًا.
• “إن الإنجيل لا يعرض على الناس بالدرجة الأولى عقائد أو قواعد أخلاقية بل يعرض عليهم حياة، حياة الله ذاته.” باركلي (Barclay)
٢. الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ: هذه الحياة الأبدية هي ليست أمنية بل رَجَاء. فالرَجَاء ليس هو توقع يستند على التمني بل يستند على وعد من اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ.
١. إِنَّمَا أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ بِالْكِرَازَةِ: لقد عرف بولس أن الْكِرَازَة هي عمل الله الأزلي في التواصل مع الناس اليوم. فالْكِرَازَة هي التعبير الواضح عن كلمة الله (أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ).
• إِنَّمَا أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ: جاءت المسيحية إلى العالم في وقت فريد جدًا كان من الممكن فيه نشر رسالتها بسرعة.
• كانت اليونانية هي اللغة الشائعة في مجالات التجارة والأعمال والأدب.
• اتساع رقعة الإمبراطورية الرومانية أدى فعليًا إلى إزالة الحدود بين شعوبها.
• سهولة التنقل والسفر نسبيًا، ومع أن السفر كان بطيئًا، لكنَّه كان آمنًا نسبيًا بفضل تأمين الإمبراطورية الرومانية للطرق البرية والبحرية.
• كان العالم حينها يَنْعُم بالسلام على نطاق واسع في ظل ما عُرِفَ بمصطلح: “باكس رومانا” أي سلام روما.
• كان العالم واعيًا بشكل فريد إلى حاجته لمخلص. “لم يتوفر أبدًا زمن أفضل من ذلك الزمن، فكانت قلوب الناس مفتوحة لتلقي رسالة الخلاص التي جلبها المرسلون المسيحيون.” باركلي (Barclay)
٢. الَّتِي اؤْتُمِنْتُ أَنَا عَلَيْهَا: علم بولس أن الرب استأمنه على خدمة الكرازة، ولكن ليس له وحده فقط. فقد أوْدَعَ الله خدمة الكرازة لجميع المؤمنين.
د ) الآية (٤): القارئ: تيطس، الذي آمن بواسطة بولس وهو ابنه الحقيقي في الإيمان.
١. إِلَى تِيطُسَ: تجدر الإشارة إلى أننا لا نعرف أي شيء عن تيطس من سفر أعمال الرسل. فعلى الرغم من اعتقادنا بأن تيطس كان رفيقًا لبولس أثناء الفترة التي يغطيها سفر أعمال الرسل، فإن غياب اسمه من سجلات السفر هو أمر مثير للإستغراب. ومع ذلك نقرأ عنه في رسالة كورنثوس الثانية ١٣:٢، ٢٣:٨ و١٨:١٢.
• “يُصَرِّح كل من مقطعي رسالة كورنثوس الثانية ١٨:٨ و١٨:١٢ بأن تيطس عندما أُرسِلَ إلى كورنثوس، كان قد رافقه أخ آخر وُصِفَ في مقطع سابق بأنه “الأخ الذي مدحه في كل الكنائس”، وقد شاع أن هذا الأخ هو لوقا. ولذا قيل إن تيطس هو أخو لوقا.” باركلي (Barclay)
• على الرغم من أننا لا نقرأ شيئًا عن تيطس في سفر الأعمال، فما زلنا نعرف بعض الشيء عن شخصيته.
• كان تيطس ابن حقيقي حسب الإيمان المشترك (الابْنِ الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ). (تيطس ٤:١).
• كان تيطس أخًا روحيًا حقيقيًا للرسول بولس (كورنثوس الثانية ١٣:٢).
• كان تيطس شريكًا ورفيقًا لبولس في الخدمة (كورنثوس الثانية ٢٣:٨).
• كان تيطس يسلك بنفس الروح التي سلك فيها بولس (كورنثوس الثانية ١٨:١٢).
• كان تيطس يسلك بنفس خطوات بولس وبنفس أسلوب حياته (كورنثوس الثانية ١٨:١٢).
• النتيجة، كان تيطس مثالًا لغيره من المؤمنين (تيطس ٧:٢).
• “يبدو أن تيطس كان يتمتع بحسٍ فطري عظيم، وكان بولس يُرسلهُ لتنفيذ كافة المهمَّات الصعبة. فعندما احتاج قديسو أورشليم معونة مادية، أَرسَله بولس ليشجيع المؤمنين على العطاء وكلّفه مع أخ آخر بتوزيع المعونات.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. الابْنِ الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ: اتخذ بولس موقفًا داعمًا للإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ. إنه إيمان مُشْتَرَك وليس منعزلًا. وقد كان بولس مؤيدًا للكنيسة ولكل جماعة المؤمنين.
• “لم يكن ذلك الإيمان المشترك مقصورًا فقط على بولس وتيطس بل على إيمان كل المؤمنين، كما ورد في رسالة يهوذا ٣.” وايت (White)
٣. نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ: استخدم بولس في تحيته كلمات اعتادها العالم القديم. ولكن بولس لم يستخدم هذه الكلمات بمعناها الرسمي التقليدي لأنه كان يعرف أن مصدر النِعْمَة وَالرَحْمَة وَالسَلاَم هو اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا.
• يشترك الله الآب والله الابن في عطية الخلاص. “جلب الابن لنا خلاصًا من الآب، والآب وهبنا الخلاص بواسطة ابنه”. كالفن (Calvin)
١. مِنْ أَجْلِ هذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ: صار في جزيرة كريت عدد كبير من المؤمنين الجدد بعد الحملة الكرازية الناجحة التي جرت هناك، وكانوا جميعًا يحتاجون إلى التلمذة والرعاية، ولهذا السبب ترك بولس تيطس في الجزيرة لبناء كنائس مستقرة يقودها رعاة مؤهلون وناضجون. وتظهر الحاجة لذلك بصفة خاصة لأن أهل كريت كانوا شعبًا همجيًا ومعروفين بالكذب والكسل. فَوُضِع على كاهل تيطس إيجاد وتدريب قادة مقتدرين ليقودوا المؤمنين هناك.
• حينما نواجه عملًا شاقًا، نلاحظ أن لدينا نوعين من الأشخاص. فنقول عن النوع الأول: “إن العمل شاق فعلًا، لا يمكننا إرساله.” أما عن النوع الثاني فنقول: “إن العمل شاق فعلًا، ينبغي إرساله.” ويبدو أن تيطس كان من النوع الثاني.
• يستخدم بولس في الآية “تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ“نفس الكلمات التي استخدمها في رسالته إلى يتموثاوس الثانية ١٣:٤ و٢٠ حيث يتكلم عن الرداء وعن رفيقه الذي تركه مؤقتًا. والفكرة من ذلك هي أن بولس ترك تيطس وحده في كريت مع موارد محدودة ليقوم بحل تلك المشاكل وليدرب قادة مؤهلين روحيًا ومن بعدها يتابع مسيرته (ربما يلتحق ثانية ببولس).
٢. لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ: كانت تلك هي المهمة التي وضعت أمام تيطس. فقد احتاجت الكنيسة إلى النظام وإلى القادة. فأمر بولس تيطس أن يُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ في الكنيسة وأن يعين قادة مؤهلين روحيًا.
• “استخدمت هذه العبارة كمصطلح طِبَّي لعلاج عضو ملتوٍ” ويرزبي (Wiersbe). وقد وجُدَت بين جماعات المؤمنين في كريت أمور ملتوية كان يجب تقويمها.
• لو قارنا عمل تيطس في كريت مع عمل تيموثاوس في أفسس (كما يتّضِح من ١ و٢ يتموثاوس) لوجدنا وسط جماعات مؤمني كريت أمورًا ناقصة أكثر بكثير من أهل أفسس. فقد طلب بولس من تيطس تحديدًا أن يُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، لكنه لم يطلب من تيموثاوس هذا.
• يبدو واضحًا أن المؤمنين في أفسس كانوا مهيئين لتعيين الشيوخ والشمامسة، بينما في رسالة تيطس فالمذكورين هم الشيوخ فقط.
٣. وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا: طلب بولس من تيطس أن يقيم فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا، يُسَمّون أيضًا أساقفة في تيطس ٧:١. وقد استخدمت كلمة شيخ بمعنى واسع في العهد الجديد، ولكن بشكل رئيسي استخدمت لوصف النضوج اللازم للقائد. وكانت كلمتي شيوخ وأساقفة تصفان الرعاة المقامين على جماعات المؤمنين في مدن مختلفة من كريت.
• “لم يحدد عدد الشيوخ؛ لكن المقصود هو أهمية تأسيس نظام للشيوخ في كل الجزيرة.” وايت (White)
• كَمَا أَوْصَيْتُكَ: “نرى التشديد هنا على كلمة ’أنا‘ التي لا تُظهِر أنانية بولس، بل تُظهِر سلطانه في المصادقة على النظام المشيخي.” غثري (Guthrie)
٤. فِي كُلِّ مَدِينَةٍ: لقد كان عمل تيطس كبيرًا للغاية لأن جزيرة كريت اشتهرت بتعدد مدنها.
• “ينبغي أن يُشار بعناية إلى أن الكنائس ليست آمنة بدون الرعاة. فمن الضروري تعيين راعٍ كلما كان هناك حشد من المؤمنين. وبقوله أنه في كل مدينة ينبغي أن يكون هناك راعٍ لا يقصد أنه لا يجوز إقامة أكثر من واحد فيها، بل يقصد عدم ترك أي مدينة بدون رعاة.” كالفن (Calvin)
٥. وَتُقِيمَ … شُيُوخًا: يُقْصَد بذلك أن بولس قد فوَّض تيطس بسلطة واسعة. فهؤلاء الشيوخ لم يتم اختيارهم بتصويت شعبي أو من خلال الترويج الذاتي. بل كانت مهمة تيطس تعيين شيوخ يتمتعون بنفس الصفات التي يصفها بولس في المقطع التالي وإقامتهم على جماعات المؤمنين.
• يلاحظ كالفن (Calvin) أن المقصود بذلك هو أن بولس هو من منح تيطس هذا القدر الهائل من السلطة، وأن هذه السلطة، تحت إرشاد بولس (وإرشاد الروح القدس) قد مُنِحَت فقط إلى تيطس وليس لمجموعة أو لجنة. “يبدو أن بولس قد مَنَح تيطس مزيدًا من السلطة عندما طلب منه تعيين رعاة لكل الكنائس. وكأن تيطس قد نال سلطة ملكية ستحرم كل فرد في الكنيسة من حقه في الانتخاب ويحرم باقي الخدام والرعاة من حقهم في التوبيخ أو الحكم على الأمور، وهذا بدوره سيكسر نظام الكنيسة ككل.”
• يتابع كالفن كلامه فيقترح أن تفسير هذا الإشكال سهل: فالمقصود هو أن تيطس قام بالتصديق أو الموافقة على القادة أو الشيوخ الذين انتخبهم شعب الكنيسة. ولكن لا يوجد أي تلميح لهذا الرأي في رسالة تيطس ولا في أي مكان آخر. فالمسألة ببساطة، هي أن الله قصد لتيطس أن يحصل لوحده على هذا السلطان وأن يستخدمه بأسلوب يرضي الله.
• إن لائحة مواصفات الشيوخ المذكورة في المقطع التالي تعني أن الله قد وضع مؤهلات محددة لقادة الكنيسة. فيجب ألا يتم اختيار القادة عشوائيًا أو لمجرد تَطوّعَهم للخدمة أو لسبب طموحهم في شغل هذا المنصب أو حتى لسبب كونهم “قادة بالفطرة.” بل ينبغي أن يتم اختيار القادة لأنهم يتمتعون بمؤهلات تتطابق مع اللائحة المذكورة هنا. من الجيد طبعًا أن يظن المرء نفسه “مدعوًا للخدمة” ولكن يلزمه أيضًا التمتع بمؤهلات القائد.
• إن مؤهلات القيادة في المقطع التالي لا شأن لها بالموهبة. فبولس لم يقل لتيطس أن يجد الأشخاص الموهوبين حقًا. وربما نقول: من السهل على الرب منح المواهب من خلال الروح القدس كما يشاء (كورنثوس الأولى ١١:١٢) ولكن تطوير الشخصية يستغرق وقتًا ويتطلب علاقة حقيقية مع الرب يسوع المسيح.
• فدراسة اللاهوت لا تجعل من الشخص مؤهلًا للقيادة الروحية.
• والتكلم بفصاحة لا يجعل الشخص مؤهلًا للقيادة الروحية.
• وامتلاك المواهب الفطرية أو الروحية لا تؤهل أحدًا للقيادة الروحية.
• وتكريس الوقت للتطوع للخدمة أو التبرع بالمال لأجل الخدمة لا يؤهل الشخص للقيادة الروحية.
• ما يؤهل الشخص للقيادة الروحية هو النضج الروحي الذي ينمو وفقًا لمعيار واضح سوف يدرجه بولس في لائحة لاحقًا.
• على أية حال، هذه اللائحة ليست صارمة لدرجة تتطلب الكمال في كل النواحي، بل هي تقدم الأهداف المرجو بلوغها والمعيار العام لكيفية اختيار الأشخاص. فعلينا أن ننظر إلى اللائحة ونسأل أنفسنا: “هل يريد الشخص المُرشح أن يتمتع بهذه الصفات من كل قلبه؟ هل تظهر رغبته هذه في حياته؟” فكان على تيطس أن يأخذ اللائحة التالية ويجد الأشخاص الذين تتوفر فيهم هذه المواصفات، ومن ثم يستخدم اللائحة كدليل لتلمذة هؤلاء الأشخاص.
• بالإضافة لكل هذا، فإن تلك المؤهلات هي ذات قيمة لكل شخص وليس فقط للذين يطمحون للقيادة. فهذه المؤهلات هي مؤشرات واضحة تبين الشخصية التقية والنضوج الروحي؛ ويمكن لهذه اللائحة أن تكون المقياس الحقيقي للشخص.
ب) الآيات (٦-٨): عما يجب أن يبحث تيطس عند تعيينه للقادة.
١. إِنْ كَانَ أَحَدٌ بِلاَ لَوْمٍ: تعني هذه الكلمة حرفيًا “أن يكون بلا شائبة.” فيجب ألا يكون في حياة القائد أي شيء يمكن للآخرين أن يستخدموه ضده أو ضد الكنيسة.
• عبارة “بلا لوم” واسعة جدًا بالنسبة لشخص مشهود له بحياة التقوى. فلا يمكن لأحد أن يتهمه عن حق بإرتكابه خطيئة شنيعة.
• كونه بلا لوم هو أمر ضروري جدًا لأنه مُوكلٌ (وَكِيل) على عمل الله. وكلما ازدادت عظمة السيد، كلما ازدادت التوقعات من خدامه.
٢. بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ: الفكرة هي أن يكون القائد مرتبطًا بامرأة واحدة فقط. ولكن هذا لا يعني أن القائد يجب أن يكون متزوجًا، فلو صح ذلك، لما كان كلًا من يسوع وبولس مؤهلين للقيادة. وليست الفكرة عدم إمكانية زواج القائد ثانية في حال وفاة زوجته أو طلاقه منها بطريقة كتابية. فالفكرة هنا أنه إن كان متزوجًا فيجب أن يهتم بامرأة واحدة فقط وهي زوجته.
٣. لَهُ أَوْلاَدٌ مُؤْمِنُونَ: ينبغي للقائد أن يربي أولاده جيدًا. فمقدرته على قيادة عائلة الله يجب أولًا أن يظهرها من خلال مقدرته على قيادة أولاده. والتشديد في هذا العدد هو على فكرة أن أولاده هم أيضًا مؤمنون.
• “فلو بقي أولاده وثنيون لأَثار الأمر تساؤلًا حول مقدرة الأب في قيادة الآخرين إلى الإيمان” هايبرت (Hiebert). “إن الأب الحكيم هو من يربح أهل بيته للمسيح ومن ثم يمنحهم فرصة لينمو في الإيمان قبل أن يسمح لهم بالالتحاق بكلية اللاهوت. ولو تم اتباع تلك السياسة لكنا وفرنا على أنفسنا الكثير من المصائب في الخدمة.” ويرزبي (Wiersbe)
• “الأمر الجدير بالاهتمام هو أن المتطلبات الأخلاقية لأولاد الراعي قد ذُكرت بأقل تشديد في تيموثاوس الأولى ٤:٣، ٥، ١٢. ففي رسالة تيموثاوس الأولى تم التشديد على مقدرة الراعي في تدبير شؤون بيته، بينما هنا في تيطس تم التشديد على خضوع أولاد الراعي للتأديب وكبح جماح التمرد.” وايت (White)
• “يجب أن تسلك عائلة الشيخ أو الراعي بأسلوب لائق لا يسمح لأي كان باتهام أفرادها بسلوك غير أخلاقي (شِكَايَةِ الْخَلاَعَةِ). استخدمت الكلمة اليونانية ’أسوتيا‘ (asotia) في لوقا ١٣:١٥ لوصف العيش المستهتر للابن الضال. فالشخص المستهتر ’أسوتوس‘ (asotos) هو شخص غير مدبر بل مسرف، فيبذر ثروته بإفراط على ملذاته الشخصية ويبدد ممتلكاته وفي النهاية يدمر نفسه.” باركلي (Barclay)
٤. غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ (مُتَكَبِّر): إن الأشخاص الأنانيين هم بالأساس ليسوا مؤهلين للقيادة. فهم يظهرون إعجابهم بأنفسهم من خلال غرورهم وعنادهم وتركيزهم المتعجرف على الذات.
• “إنه الشخص المتفرد باتخاذ القرارات في كل الأمور ويحكم على الآخرين وفقًا لمقاييسه الخاصة ويتوقع خضوع الجميع لآرائه.” كلارك (Clarke)
٥. وَلاَ غَضُوبٍ: الشخص الغضوب هو غير مؤهل أيضًا للقيادة، كما هو الحال بالنسبة للسكير (مُدْمِنِ الْخَمْرِ) والضَرَّابٍ والطَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ.
• وَلاَ غَضُوبٍ: تشير الكلمة اليونانية القديمة المستخدمة هنا (أورغيلوس) إلى حالة من الغضب المستمر أكثر من الغضب العرضي الذي قد يصيب المرء بين الحين والآخر. فالكلمة تصف شخصًا مهتاجًا بالغضب على الدوام ويصب هذا الغضب على الجميع حوله. والمعنى قريب من فكرة رجل يشعر بالمرارة.
• الضَرَّابٍ: “قد وسع اليونانيون معنى هذه الكلمة لتشمل ليس فقط العنف الجسدي بل أيضًا العنف اللفظي. فيصبح معنى الكلمة، الشخص الميال إلى العنف الذي يُرهب الآخرين بالصياح أو العبوس، ربما كان من الأفضل ترجمتها هكذا في هذا المقطع.” باركلي (Barclay)
• الطَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ: “لا توجد هنا أية قواعد خاصة بالشمامسة، لذا يمكننا أن نستنتج أن الشيوخ في كريت في ذلك الزمن كانوا يؤدون كافة الوظائف الكنسية. وبالتالي عليهم أن يتحلوا بالفضائل الملائمة لوظيفة الشمامسة (كما هو مذكور في تيموثاوس الأولى ٨:٣).” وايت (White)
٦. بَلْ مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ: على القائد في الكنيسة أن يكون مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ ومُحِبًّا لِلْخَيْرِ. فالأشخاص المحبين لأمور العالم الوضيعة والدنيئة هم ليسوا مؤهلين أيضًا ليكونوا قادة في الكنيسة.
٧. مُتَعَقِّلًا (حَكِيمًا): تصف هذه الكلمة شخصًا قادرًا على التفكير الصافي والواضح. شخصًا لا يستخدم الدعابة باستمرار بل يعلم كيف يتعامل مع المواضيع الجادة بأسلوب جاد.
• يعلق ويرزبي (Wiersbe) على كلمة ’مُتَعَقِّلًا‘ كالتالي: “لا تعني عدم امتلاك القائد لحس الدعابة أو أن عليه أن يكون دومًا جديًا ورسميًا. بل تعني أنه يدرك قيمة الأمور ولا يُرَخّص من خدمته أو من رسالة الإنجيل بتصرفات حمقاء.” (نقلا عن تفسير ويرزبي لرسالة تيموثاوس الأولى)
• كانت هذه الخاصية مهمة جدًا بالنسبة لبولس. وقد استخدم هذه الكلمة عشر مرات في رسائله القصيرة لتيموثاوس وتيطس.
٨. بَارًّا، وَرِعًا، ضَابِطًا لِنَفْسِهِ: على الراعي أو قائد الكنيسة أن يكون بَارًّا (يسلك باستقامة أمام الناس)، وَرِعًا (يسلك باستقامة أمام الله)، ويكون ضَابِطًا لِنَفْسِهِ (يسلك باستقامة أمام نفسه).
• “العاجزين عن ضبط أنفسهم هم غير مؤهلين لضبط الكنيسة.” ماثيو هنري (Matthew Henry)
ثالثًا. ماذا على قادة الكنيسة أن يفعلوا؟
أ ) الآية (٩أ): على تيطس أن يعين شيوخًا ملازمين لكلمة الله.
١. مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ: على القائد قبل كل شيء أن يعرف الْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ جيدًا، وعندما يعظ الناس بكلمة الله عليه أن يقدمها بكل ثقة وسلطان ولا يخلط الكلمة مع التخمينات اللاهوتية والشكوك الأكاديمية.
• “ليس هناك حاجة لكلمات مزخرفة، بل الحادة لأذهان قوية ومعرفة جيدة للكلمة المقدسة وأفكار مؤثرة.” يوحنا ذهبي الفم (Chrysostom)
٢. مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ: هذا يعني أيضًا أن على القائد أن يلتصق بكلمة الله بدلًا من التركيز على نشاطات وبرامج الكنيسة. فإن لم يلتصق القائد بالكلمة أولًا فإنه لن يكون ملتزمًا بها، وبالتالي لا يصلح لقيادة الكنيسة.
٣. الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ: يعني هذا أن على القائد أن يكون قد تعلم على يد شخص آخر. فالقائد المؤهل لا يحتاج بالضرورة للدراسة في كلية اللاهوت بل يجب أن يتتلمذ ويتعلم على يد شخص آخر، فدراسته الشخصية لا تكفي.
ب ) الآية (٩ب): على تيطس أن يعين قادة سيستخدمون الكلمة بشكل صحيح.
١. لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ… وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ: إن القائد التقي سوف يستخدم أساسه الصلب في كلمة الله ليعظ (يشجع) أولئك الذين يسيرون على الطريق الصحيح، وسوف يستخدم الكلمة ليوبخ (يحبط) الخارجين عن الطريق الصحيح أي الْمُنَاقِضِينَ (المُقَاوِمِينَ).
• “فالواعظ يجب أن يكون جنديًا وراعيًا. وعليه أن يطعم ويدافع ويعلم. وعليه أن يمتلك أسنانًا في فمه وقدرة على أن يعض ويقاتل.” لوثر (Luther)
٢. بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ: القائد التقي يتعامل مع الْمُنَاقِضِينَ بتقديم التَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ. وهو لا يفعل ذلك بأسلوب متسلط مغرور ولا بأسلوب سياسة الطعن بالظهر. بل يُقوّم الخطأ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ.
• إن لم يمتلك القائد أساسًا كتابيًا صحيحًا ليَعِظ وَيُوَبِّخَ شخصًا ما، فعليه ربما الامتناع عن فعل ذلك. لذلك يحتاج القادة أن يكونوا راسخين في أسس الكلمة.
رابعًا. أهمية تعيين تيطس لهؤلاء القادة الأكفاء
أ ) الآيات (١٠-١١): أولئك الذين يجب مواجهتهم وكيفية إيقافهم.
١. فَإِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ: تشير كلمة مُتَمَرِّدِينَ إلى أشخاص لن يخضعوا لترتيب الله بخصوص السلطة. فالكلمة اليونانية القديمة المترجمة “مُتَمَرِّدِين” تحمل المعنى السلبي لكلمة يخضع، فالشخص المتمرد هو شخص لن يخضع.
• لقد أسس الله ترتيبًا للسلطة في العديد من نواحي الحياة. فيوجد ترتيب للسلطة في المنزل وفي الكنيسة وفي مكان العمل وفي المجتمع. فالله يريدنا أن نميز نواحي حياتنا التي رتب فيها سلطات، ومن ثم أن نخضع لتلك السلطات.
• فإن كان هناك العديد من المشاكسين ومثيري النزاع بين شعب الله في زمن بولس، وقد ظهر هؤلاء بعد فترة وجيزة من وجود الرسول نفسه بينهم، فينبغي علينا نحن أن نتوقع أيضًا ظهور مثل هؤلاء في يومنا الحاضر. فما زال هناك كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ.
٢. يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ: ستنكشف هوية هؤلاء الأشخاص مثيري النزاع من خلال خداعهم وكلامهم الخالي من الحكمة.
• يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ: “إن الفكرة الرئيسية هنا تدور حول العبادة التي لا تنتج صلاحًا في الحياة. فهؤلاء الأشخاص الذين في كريت كانوا يتكلمون بطلاقة ولكن دون أي تفكير، ولكن كلامهم لم يفلح في تقريب الناس خطوة واحدة باتجاه الصلاح.” باركلي (Barclay)
٣. وَلاَسِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ: كان بولس مهتمًا بالأخص بتأثير بعض المؤمنين من خلفية يهودية، ممن اعتقدوا أن مفتاح قبولهم أمام الله هو حفظهم لناموس موسى.
• إن استخدام كلمتي ’مُتَمَرِّدِينَ‘ و’الْخِتَانِ‘ تدلان على أنهم كانوا مؤمنين من خلفية يهودية أو على الأقل مسيحيين إسميين.
• “لقد حاول هؤلاء إقناع المؤمنين بأن قصة حياة يسوع البسيطة وصلبه ليسوا كافين، وإذا ابتغى المؤمنون الحكمة فعلًا، فإنهم يحتاجون للقصص الدقيقة والأنساب الطويلة ولاستعارات معلمي اليهود المتقنة. وعلاوة على ذلك، حاولوا تعليم المؤمنين بأن النعمة ليست كافية، وأنه إذا أرادوا أن يكونوا صالحين فعلًا، فعليهم أن يحفظوا كل القواعد واللوائح حول الأطعمة والغسلات التي كانت تميز اليهودية.” باركلي (Barclay)
• وهكذا يمكننا أن نفهم صعوبة تحول اليهود إلى المسيحية وسبب ميلهم لأن يكونوا مصدرًا للمشاكل في الكنيسة الأولى. فالمؤمنين من خلفيات وثنية يعرفون على الفور أن عليهم رفض وترك كل معتقداتهم عن آلهتهم. بينما يترتب على اليهود المتحولين إلى المسيحية أخذ بعض الأشياء وترك أشياء أخرى، وهذا غالبًا أكثر صعوبة.
٤. الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ: كان على تيطس أن يدرب الشيوخ الذين اختارهم كي يسدوا أفواه مثيري النزاع. فيجب ألا يسمح لهم بالكلام، لأنه لو سمح لهم بالكلام سيدمرون عائلات بأكملها (يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا).
• الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ: “لا يتضمن ذلك إسكاتهم يعنف أو اضطهادهم… لأن كلمة سد أفواه صارت كلمة عادية، تصف إسكات شخص ما بالحجة.” باركلي (Barclay)
٥. مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ: هنالك على الأقل ثلاثة أمور لاَ يَجِب أن تُعلم بين المؤمنين. أولًا: العقائد المضلة. ثانيًا: التمرد. وثالثًا: الأمور غير النافعة.
• يحذر بولس تيموثاوس في رسالته الأولى ٤:١ بألا يصغي لِخُرَافَاتٍ وَسَلَاسِلِ نَسَبٍ لَا تَنْتَهِي. فَهَذِهِ أُمُورٌ تُعَزِّزُ المُشَاجَرَاتِ، لَا خُطَطَ اللهِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِالإيمَانِ. فهناك مواضيع روحية معينة لا تبني ولا تنفع، بل تؤدي فقط إلى مجادلات وتخمينات. لذلك كان على تيطس إيقاف كل شخص يُعَلِّم مَا لاَ يَجِبُ.
٦. مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ: كان المُحرِّض الأساسي لمثيري المشاكل هو الرِّبْحِ. وبولس هنا يتكلم عن الربح المالي القبيح، وفي يومنا الحاضر يوجد العديد ممن تنطبق عليهم تلك المواصفات. ومع ذلك، لا يبتغي البعض ربحًا ماديًا من الإنجيل بل ربحًا عاطفيًا. فهم يخدمون لينالوا ربحًا من خلال اعتراف الآخرين بهم أو الإعجاب بهم كقادة روحيين.
ب) الآيات (١٢-١٤): ما سبب صعوبة المسألة، وكيف يجب معالجتها.
١. «الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ. بُطُونٌ بَطَّالَةٌ»: تأتي صعوبة المسألة من السمات العامة لشخصية الكريتيين. فحتى أنبياء أهل كريت كانوا قد وصفوهم بأنهم: كَذَّابُونَ ووُحُوشٌ شِرِّيرَةٌ وشَرِهُونَ وَكُسَالَى، مما يدل أن لديهم مشاكل في الشخصية.
• فإذا كانت هذه هي سمات شخصية الكريتيين الأساسية، فسوف يتضح لنا كم هو مهم جدًا لتيطس تعيين شيوخ ليقودوا الكنيسة. لأنه لو تُرِكَت مجموعات المؤمنين تقود نفسها، لعَمَّت الفوضى وساد التعليم المضل في كنائسهم.
• وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ: لا يقصد بولس أن يقول أن هذا النبي هو نبي مرسل من الله. بل يقصد بأن ذلك الكاتب أصاب في وصفه لشخصية أهل كريت. وكما كتب بولس: هذِهِ الشَّهَادَةُ بالتحديد، وليس كل كلامه، كانت صَادِقَة.
• “كان هناك نبي كريتي أخبر حقائق واضحة لأهل بلده. ويظهر هذا الشعر، بحسب جيروم، في أعمال إبيمينديس، الذي كان مواطنًا من كنوسيوس في كريت” وايت (White)
• “كان الكريتيون رديئوا السمعة لدرجة جعلت اليونانيين يصيغوا فعل: ’كريتيزين‘ (kretizein) ليصبح ’كريتايز‘ (cretize) ومعناه يكذب ويغش؛ ولدى اليونانيين عبارة ظرفية ضد الكريتيين هي: “أكاذيب تتطابق مع أكاذيب، والتي تشبه عبارة: الألماس يقطع الألماس.” باركلي (Barclay)
• لم يقل بولس لتيطس، “إن الكريتيون كذابون وغشاشون وشرهون وسمعتهم أسوأ من سمعة أي جماعة من الناس في الإمبراطورية الرومانية. فعليك يا تيطس أن تبحث عن جماعة أسهل لتخدم بينهم.” بدلًا من ذلك قال له: “أنا أعلم كم هم سيئين، اذهب وغَيِّرهُم بفضل قوة يسوع ولأجل مجده.”
٢. فَلِهذَا السَّبَبِ وَبِّخْهُمْ بِصَرَامَةٍ: بسبب القساوة التي تميز شخصيات أهل كريت بشكل عام، يجب مواجهتم مباشرة. إذ يجب على تيطس نفسه أن يُوبِّخْهُم بِصَرَامَة لِكَيْ يَكُونُوا أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَانِ، ويجب عليه أيضًا أن يعين قادة يفعلون مثله.
٣. لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ: كما ذكرنا سابقًا (فيما يخص أهل الختان، تيطس ١٠:١) فإن نقطة الخلاف في كنائس كريت كانت حول الطقوس اليهودية. ولكن هذه الطقوس لا تستند على كلمة الله، بل على خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ.
ج ) الآيات (١٥-١٦): خصائص شخصية هؤلاء الناس الصعبي المراس.
١. كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ: يبدو أن هؤلاء الأشخاص آمنوا بأنه ليس هناك شيء طاهر، لهذا كان على تيطس مواجهة الذين انجذبوا وراء الوصايا البشرية. فأنكروا المتع المسيحية الأساسية والتي ترضي الله ولا تُعتبر خطية.
• كان على تيموثاوس التعامل مع نفس هذه النوعية من الناس. فحذَّره بولس من أولئك المَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ (تيموثاوس الأولى ٣:٤). فقد عرف بولس أن المؤمن إذا سلك بطهارة، فإن هذه الأشياء تكون طاهرة بالنسبة له. أما بالنسبة لذوي الفكر الناموسي (لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ)، فيبدو أنهم يؤمنون بعدم طهارة أي شيء. فالمشكلة لا تكمن في الأشياء بحد ذاتها، بل في أذهانهم غير المؤمنة وضمائرهم النجسة.
• كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ: طبعًا لا يعني هذا أن الأشياء الخاطئة بوضوح مثل (المواد الإباحية والمخدرات المحرمة وما شابه ذلك) هي طاهرة. فما يدور في ذهن بولس هنا هو تلك الأشياء التي سمح بها الكتاب المقدس ولكن الناموسيين حرَّموها في محاولة خاطئة منهم لكسب رضى الله.
• “كان بولس يدحض تعاليم هؤلاء الناموسيين الكاذبة المختصة بالطعام. فهم كانوا يُعلِّمون أن قوانين الحمية اليهودية ما زالت تُطبَّق على المؤمنين.” ويرزبي (Wiersbe)
• “تشير عبارة ’كُلُّ شَيْءٍ‘ إلى كل ما هو غير أخلاقي؛ مثل الشهية والطعام، الرغبة والزواج، التبادل والتجارة، الضجر والاستجمام، وغيرها من أمور الحياة المتنوعة. فهذه الأمور هي طاهرة للطاهر وسيحافظ عليها بطهارة. أما بالنسبة لغير الطاهرين، فكل واحد منهم يمكن أن يجعل من نفسه أداة وفرصة ملائمة لعدم الطهارة.” مورجان (Morgan)
٢. يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ: الناحية الأكثر صعوبة بالنسبة لتيطس في التعامل مع هؤلاء الناس هو استخدامهم لمصطلحات المؤمنين. فهم يؤكدون أنهم يعرفون الله، ولكن بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ. فلا يمكننا أن نقبل ما يقوله الأشخاص فقط بل علينا أيضًا أن نرى أفعالهم.
• “لقد تصرفوا كما لو أن ذاك الكائن الأسمى هو مجرد فكرة تجريدية خارقة، لا يمت بأي صلة للحياة البشرية، كما لو أنه ليس مخلصًا ولا ديانًا.” برنارد (J.H. Bernard) اقْتُبِسَ من قبل وايت (White)
٣. إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ: يا لها من كلمات قوية، ولكن بولس عنى ما قاله. فهؤلاء الناس الصعبي المراس ربما كانوا يتظاهرون بروحانية أعلى من تيطس أو غيره من القادة الأتقياء، لكن بولس رأى الحقيقة وراء مظهرهم الخادع وأراد لتيطس وكل المؤمنين في كريت رؤية الحقيقة أيضًا.
• إن كلمة رَجِسُون تحمل في طياتها فكرة شخص ملوَّث بعبادة الأوثان.
• غَيْرُ طَائِعِين: تُستخدم كلمة غير طائعين “أدوكيموس” (adokimos)اليونانية القديمة بعدة طرق متنوعة:
• استُخدِمَت لوصف العملة المزيفة.
• استُخدِمَت لوصف الجندي الجبان الذي يفشل في المعركة.
• استُخدِمَت لوصف فشل المرشح في حملته الانتخابية.
• استُخدِمَت للتعبير عن حجر رفضه البناؤون. فإذا كان الحجر يحتوي على عيب كاف، كانت توضع عليه علامة “أ” (أول حرف في كلمة أدوكيموس) ويُلقى جانبًا كحجر غير صالح للاستعمال.
الإصحاح ٠١
• رسالة تيطس – الإصحَاح ١
• إرسالية تيطس
أولًا. المقدمة والتحيات
أ ) الآية (١): بولس الرسول، كاتب الرسالة إلى تيطس.
١بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لأَجْلِ إِيمَانِ مُخْتَارِي اللهِ وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى.
١. بُولُسُ: بكتابة اسمه أولًا يتبع بولس أعراف كتابة الرسائل في عصره، حيث يُذْكَر اسم الكاتب أولًا، ثم يليه اسم القارئ ومن بعدها تُوَجّه التحية.
• نعلم من تيطس ٥:١ أن بولس وتيطس قَد خدما معًا في كريت ناشرين الإنجيل وَمؤسسين للكنائس. ولكن اضطَّرَ بولس للمغادرة، فبقي تيطس وحده يخدم بين جماعة المؤمنين. ونظرًا لصعوبة الخدمة، أرسل له بولس هذه الرسالة لإرشاده وتشجيعه.
• “على الرغم من غياب أي تلميح في أي مكان آخر عن تواجد سابق لبولس في كريت، فإن المقطع يوضح أنه سبق وزارها. ومن غير الممكن للوقا، مؤرخ خدمة بولس، إغفال مثل تلك الزيارة المهمة لبولس إلى جزيرة ذات شأن مهم وتبشيره فيها. ولو حدث ذلك أثناء الفترة التي شملها سفر أعمال الرسل، لكنا رأيناه بوضوح. لذلك يبدو مؤكدًا تقريبًا، أن تلك الرحلة صارت بعد إنتهاء القديس لوقا من كتابة تاريخ أعمال الرسل، أي بعد سجن القديس بولس الأول في روما.” كلارك (Clarke)
• كتب بولس رسالته بينما كان إثنين آخرين من الخُدَّام المؤمنين (زيناس وأبولس، المذكورين في تيطس ١٣:٣) يتهيآن للسفر إلى كريت، فأرسلها معهم.
• كتبت هذه الرسالة لتيطس ولكنها كتبت أيضًا لجميع المؤمنين في جزيرة كريت. وقد علم بولس أن هذه الرسالة ستقرأ علنًا في كنائس الجزيرة. فأولى عناية بالغة في مقدمة رسالته على إخبار المؤمنين في كريت عن مؤهلاته ومواقفه من القضايا الهامة. ولم يتبع بولس أسلوب تفكير رجل السياسة الذي غالبًا ما يتجاوب مع رغبات الجماهير ويحاول إرضاءهم.
٢. بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ: من بين كل الألقاب التي يمكنه استخدامها، اختار بولس أولًا لقب: “عَبْدُ اللهِ.” وإن كان بولس يملك بطاقة عمل كما في يومنا المعاصر، لكانت تحمل هذا اللقب.
• الأمر اللَّافت للانتباه عند استخدام بولس لمصطلح عَبْد هو انتقائه كلمة دولوس (doulos) اليونانية القديمة. فهذه الكلمة كانت تستخدم خصيصًا للإشارة إلى العبد الوضيع (وصفه أحد الباحثين في اللغة اليونانية بأنه: “المصطلح الأكثر إذلالًا والذي كان يستخدم من قبل اليونانيين لوصف العبيد). كما تطلق تلك الكلمة أيضًا على العبد الذي اختار أن يكون عبدًا.
• كان بولس مجرد عَبْد، ومع ذلك فهو ذو مكانة رفيعة، لأنه عَبْدُ اللهِ. فلن يَحُطَّ من قدرنا أبدًا أن نكون عبيدًا لإله عظيم.
٣. وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: لقد منح الله بولس دورًا خاصًا يؤديه بين عبيده. فقد تلقى من الله دعوة مُتفرِّدة كمبعوث خاص له، أي رَسُول. ولقد عرف بولس دعوته وهدفها ضمن جسد المسيح، وهكذا ينبغي أن يفعل كل مؤمن اليوم.
٤. لأَجْلِ إِيمَانِ: لم يكن بولس رسولًا بسبب إيمان مختاري الله، بل كان رسولًا بالتوافق مع الإيمان (أي مجموعة محددة من العقائد المشتركة) الذي يشترك فيه مُخْتَارِي اللهِ.
• مُخْتَارِي اللهِ: هم أولئك الذين اختارهم الله قبل تأسيس العالم ليقبلوا خلاصه. وبإمكاننا تحديد هوية مُخْتَارِي اللهِ بناءًا على تجاوبهم مع إنجيل يسوع المسيح وسلوكهم في حياتهم بحسب ذلك الإنجيل.
٥. وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ: بالنسبة لبولس، لا يكفي أن نعرف عن الحق، بل أن نعرفه المعرفة الكاملة.
٦. الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى: عاش بولس حسب التقوى. فالحق كله هو حق الله، ولكن ليس كل حق في العالم يتوافق فعليًا مع التقوى ويغيرنا لنصبح مشابهين صورة الله. فمثلًا، ربما يقدم العلم أو علم النفس شيء من الحقيقة وقد يكون ما يقدمه مثيرًا للإعجاب، لكنه لن يُخَلِّص النفس من جهنم. فالحقيقة العلمية ليست هي الْحَقِّ الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى.
ب) الآية (٢): كان بولس رسولًا عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
٢عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ.
١. الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ: هي حياة الإله الحي الأزلي فينا. إنها حاضرة الآن، وسوف تكتمل لاحقًا.
• “إن الإنجيل لا يعرض على الناس بالدرجة الأولى عقائد أو قواعد أخلاقية بل يعرض عليهم حياة، حياة الله ذاته.” باركلي (Barclay)
٢. الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ: هذه الحياة الأبدية هي ليست أمنية بل رَجَاء. فالرَجَاء ليس هو توقع يستند على التمني بل يستند على وعد من اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ.
ج ) الآية (٣): آمن بولس الرسول بالكرازة.
٣وَإِنَّمَا أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ، بِالْكِرَازَةِ الَّتِي اؤْتُمِنْتُ أَنَا عَلَيْهَا، بِحَسَبِ أَمْرِ مُخَلِّصِنَا اللهِ.
١. إِنَّمَا أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ بِالْكِرَازَةِ: لقد عرف بولس أن الْكِرَازَة هي عمل الله الأزلي في التواصل مع الناس اليوم. فالْكِرَازَة هي التعبير الواضح عن كلمة الله (أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ).
• إِنَّمَا أَظْهَرَ كَلِمَتَهُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ: جاءت المسيحية إلى العالم في وقت فريد جدًا كان من الممكن فيه نشر رسالتها بسرعة.
• كانت اليونانية هي اللغة الشائعة في مجالات التجارة والأعمال والأدب.
• اتساع رقعة الإمبراطورية الرومانية أدى فعليًا إلى إزالة الحدود بين شعوبها.
• سهولة التنقل والسفر نسبيًا، ومع أن السفر كان بطيئًا، لكنَّه كان آمنًا نسبيًا بفضل تأمين الإمبراطورية الرومانية للطرق البرية والبحرية.
• كان العالم حينها يَنْعُم بالسلام على نطاق واسع في ظل ما عُرِفَ بمصطلح: “باكس رومانا” أي سلام روما.
• كان العالم واعيًا بشكل فريد إلى حاجته لمخلص. “لم يتوفر أبدًا زمن أفضل من ذلك الزمن، فكانت قلوب الناس مفتوحة لتلقي رسالة الخلاص التي جلبها المرسلون المسيحيون.” باركلي (Barclay)
٢. الَّتِي اؤْتُمِنْتُ أَنَا عَلَيْهَا: علم بولس أن الرب استأمنه على خدمة الكرازة، ولكن ليس له وحده فقط. فقد أوْدَعَ الله خدمة الكرازة لجميع المؤمنين.
د ) الآية (٤): القارئ: تيطس، الذي آمن بواسطة بولس وهو ابنه الحقيقي في الإيمان.
٤إِلَى تِيطُسَ، الابْنِ الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ: نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا.
١. إِلَى تِيطُسَ: تجدر الإشارة إلى أننا لا نعرف أي شيء عن تيطس من سفر أعمال الرسل. فعلى الرغم من اعتقادنا بأن تيطس كان رفيقًا لبولس أثناء الفترة التي يغطيها سفر أعمال الرسل، فإن غياب اسمه من سجلات السفر هو أمر مثير للإستغراب. ومع ذلك نقرأ عنه في رسالة كورنثوس الثانية ١٣:٢، ٢٣:٨ و١٨:١٢.
• “يُصَرِّح كل من مقطعي رسالة كورنثوس الثانية ١٨:٨ و١٨:١٢ بأن تيطس عندما أُرسِلَ إلى كورنثوس، كان قد رافقه أخ آخر وُصِفَ في مقطع سابق بأنه “الأخ الذي مدحه في كل الكنائس”، وقد شاع أن هذا الأخ هو لوقا. ولذا قيل إن تيطس هو أخو لوقا.” باركلي (Barclay)
• على الرغم من أننا لا نقرأ شيئًا عن تيطس في سفر الأعمال، فما زلنا نعرف بعض الشيء عن شخصيته.
• كان تيطس ابن حقيقي حسب الإيمان المشترك (الابْنِ الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ). (تيطس ٤:١).
• كان تيطس أخًا روحيًا حقيقيًا للرسول بولس (كورنثوس الثانية ١٣:٢).
• كان تيطس شريكًا ورفيقًا لبولس في الخدمة (كورنثوس الثانية ٢٣:٨).
• كان تيطس يسلك بنفس الروح التي سلك فيها بولس (كورنثوس الثانية ١٨:١٢).
• كان تيطس يسلك بنفس خطوات بولس وبنفس أسلوب حياته (كورنثوس الثانية ١٨:١٢).
• النتيجة، كان تيطس مثالًا لغيره من المؤمنين (تيطس ٧:٢).
• “يبدو أن تيطس كان يتمتع بحسٍ فطري عظيم، وكان بولس يُرسلهُ لتنفيذ كافة المهمَّات الصعبة. فعندما احتاج قديسو أورشليم معونة مادية، أَرسَله بولس ليشجيع المؤمنين على العطاء وكلّفه مع أخ آخر بتوزيع المعونات.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. الابْنِ الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ: اتخذ بولس موقفًا داعمًا للإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ. إنه إيمان مُشْتَرَك وليس منعزلًا. وقد كان بولس مؤيدًا للكنيسة ولكل جماعة المؤمنين.
• “لم يكن ذلك الإيمان المشترك مقصورًا فقط على بولس وتيطس بل على إيمان كل المؤمنين، كما ورد في رسالة يهوذا ٣.” وايت (White)
٣. نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ: استخدم بولس في تحيته كلمات اعتادها العالم القديم. ولكن بولس لم يستخدم هذه الكلمات بمعناها الرسمي التقليدي لأنه كان يعرف أن مصدر النِعْمَة وَالرَحْمَة وَالسَلاَم هو اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا.
• يشترك الله الآب والله الابن في عطية الخلاص. “جلب الابن لنا خلاصًا من الآب، والآب وهبنا الخلاص بواسطة ابنه”. كالفن (Calvin)
ثانيًا. المهمة التي أوكلها بولس لتيطس
أ ) الآية (٥): التحدي الذي قدم لتيطس.
٥مِنْ أَجْلِ هذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ.
١. مِنْ أَجْلِ هذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ: صار في جزيرة كريت عدد كبير من المؤمنين الجدد بعد الحملة الكرازية الناجحة التي جرت هناك، وكانوا جميعًا يحتاجون إلى التلمذة والرعاية، ولهذا السبب ترك بولس تيطس في الجزيرة لبناء كنائس مستقرة يقودها رعاة مؤهلون وناضجون. وتظهر الحاجة لذلك بصفة خاصة لأن أهل كريت كانوا شعبًا همجيًا ومعروفين بالكذب والكسل. فَوُضِع على كاهل تيطس إيجاد وتدريب قادة مقتدرين ليقودوا المؤمنين هناك.
• حينما نواجه عملًا شاقًا، نلاحظ أن لدينا نوعين من الأشخاص. فنقول عن النوع الأول: “إن العمل شاق فعلًا، لا يمكننا إرساله.” أما عن النوع الثاني فنقول: “إن العمل شاق فعلًا، ينبغي إرساله.” ويبدو أن تيطس كان من النوع الثاني.
• يستخدم بولس في الآية “تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ“ نفس الكلمات التي استخدمها في رسالته إلى يتموثاوس الثانية ١٣:٤ و٢٠ حيث يتكلم عن الرداء وعن رفيقه الذي تركه مؤقتًا. والفكرة من ذلك هي أن بولس ترك تيطس وحده في كريت مع موارد محدودة ليقوم بحل تلك المشاكل وليدرب قادة مؤهلين روحيًا ومن بعدها يتابع مسيرته (ربما يلتحق ثانية ببولس).
٢. لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ: كانت تلك هي المهمة التي وضعت أمام تيطس. فقد احتاجت الكنيسة إلى النظام وإلى القادة. فأمر بولس تيطس أن يُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ في الكنيسة وأن يعين قادة مؤهلين روحيًا.
• “استخدمت هذه العبارة كمصطلح طِبَّي لعلاج عضو ملتوٍ” ويرزبي (Wiersbe). وقد وجُدَت بين جماعات المؤمنين في كريت أمور ملتوية كان يجب تقويمها.
• لو قارنا عمل تيطس في كريت مع عمل تيموثاوس في أفسس (كما يتّضِح من ١ و٢ يتموثاوس) لوجدنا وسط جماعات مؤمني كريت أمورًا ناقصة أكثر بكثير من أهل أفسس. فقد طلب بولس من تيطس تحديدًا أن يُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، لكنه لم يطلب من تيموثاوس هذا.
• يبدو واضحًا أن المؤمنين في أفسس كانوا مهيئين لتعيين الشيوخ والشمامسة، بينما في رسالة تيطس فالمذكورين هم الشيوخ فقط.
٣. وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا: طلب بولس من تيطس أن يقيم فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا، يُسَمّون أيضًا أساقفة في تيطس ٧:١. وقد استخدمت كلمة شيخ بمعنى واسع في العهد الجديد، ولكن بشكل رئيسي استخدمت لوصف النضوج اللازم للقائد. وكانت كلمتي شيوخ وأساقفة تصفان الرعاة المقامين على جماعات المؤمنين في مدن مختلفة من كريت.
• “لم يحدد عدد الشيوخ؛ لكن المقصود هو أهمية تأسيس نظام للشيوخ في كل الجزيرة.” وايت (White)
• كَمَا أَوْصَيْتُكَ: “نرى التشديد هنا على كلمة ’أنا‘ التي لا تُظهِر أنانية بولس، بل تُظهِر سلطانه في المصادقة على النظام المشيخي.” غثري (Guthrie)
٤. فِي كُلِّ مَدِينَةٍ: لقد كان عمل تيطس كبيرًا للغاية لأن جزيرة كريت اشتهرت بتعدد مدنها.
• “ينبغي أن يُشار بعناية إلى أن الكنائس ليست آمنة بدون الرعاة. فمن الضروري تعيين راعٍ كلما كان هناك حشد من المؤمنين. وبقوله أنه في كل مدينة ينبغي أن يكون هناك راعٍ لا يقصد أنه لا يجوز إقامة أكثر من واحد فيها، بل يقصد عدم ترك أي مدينة بدون رعاة.” كالفن (Calvin)
٥. وَتُقِيمَ … شُيُوخًا: يُقْصَد بذلك أن بولس قد فوَّض تيطس بسلطة واسعة. فهؤلاء الشيوخ لم يتم اختيارهم بتصويت شعبي أو من خلال الترويج الذاتي. بل كانت مهمة تيطس تعيين شيوخ يتمتعون بنفس الصفات التي يصفها بولس في المقطع التالي وإقامتهم على جماعات المؤمنين.
• يلاحظ كالفن (Calvin) أن المقصود بذلك هو أن بولس هو من منح تيطس هذا القدر الهائل من السلطة، وأن هذه السلطة، تحت إرشاد بولس (وإرشاد الروح القدس) قد مُنِحَت فقط إلى تيطس وليس لمجموعة أو لجنة. “يبدو أن بولس قد مَنَح تيطس مزيدًا من السلطة عندما طلب منه تعيين رعاة لكل الكنائس. وكأن تيطس قد نال سلطة ملكية ستحرم كل فرد في الكنيسة من حقه في الانتخاب ويحرم باقي الخدام والرعاة من حقهم في التوبيخ أو الحكم على الأمور، وهذا بدوره سيكسر نظام الكنيسة ككل.”
• يتابع كالفن كلامه فيقترح أن تفسير هذا الإشكال سهل: فالمقصود هو أن تيطس قام بالتصديق أو الموافقة على القادة أو الشيوخ الذين انتخبهم شعب الكنيسة. ولكن لا يوجد أي تلميح لهذا الرأي في رسالة تيطس ولا في أي مكان آخر. فالمسألة ببساطة، هي أن الله قصد لتيطس أن يحصل لوحده على هذا السلطان وأن يستخدمه بأسلوب يرضي الله.
• إن لائحة مواصفات الشيوخ المذكورة في المقطع التالي تعني أن الله قد وضع مؤهلات محددة لقادة الكنيسة. فيجب ألا يتم اختيار القادة عشوائيًا أو لمجرد تَطوّعَهم للخدمة أو لسبب طموحهم في شغل هذا المنصب أو حتى لسبب كونهم “قادة بالفطرة.” بل ينبغي أن يتم اختيار القادة لأنهم يتمتعون بمؤهلات تتطابق مع اللائحة المذكورة هنا. من الجيد طبعًا أن يظن المرء نفسه “مدعوًا للخدمة” ولكن يلزمه أيضًا التمتع بمؤهلات القائد.
• إن مؤهلات القيادة في المقطع التالي لا شأن لها بالموهبة. فبولس لم يقل لتيطس أن يجد الأشخاص الموهوبين حقًا. وربما نقول: من السهل على الرب منح المواهب من خلال الروح القدس كما يشاء (كورنثوس الأولى ١١:١٢) ولكن تطوير الشخصية يستغرق وقتًا ويتطلب علاقة حقيقية مع الرب يسوع المسيح.
• فدراسة اللاهوت لا تجعل من الشخص مؤهلًا للقيادة الروحية.
• والتكلم بفصاحة لا يجعل الشخص مؤهلًا للقيادة الروحية.
• وامتلاك المواهب الفطرية أو الروحية لا تؤهل أحدًا للقيادة الروحية.
• وتكريس الوقت للتطوع للخدمة أو التبرع بالمال لأجل الخدمة لا يؤهل الشخص للقيادة الروحية.
• ما يؤهل الشخص للقيادة الروحية هو النضج الروحي الذي ينمو وفقًا لمعيار واضح سوف يدرجه بولس في لائحة لاحقًا.
• على أية حال، هذه اللائحة ليست صارمة لدرجة تتطلب الكمال في كل النواحي، بل هي تقدم الأهداف المرجو بلوغها والمعيار العام لكيفية اختيار الأشخاص. فعلينا أن ننظر إلى اللائحة ونسأل أنفسنا: “هل يريد الشخص المُرشح أن يتمتع بهذه الصفات من كل قلبه؟ هل تظهر رغبته هذه في حياته؟” فكان على تيطس أن يأخذ اللائحة التالية ويجد الأشخاص الذين تتوفر فيهم هذه المواصفات، ومن ثم يستخدم اللائحة كدليل لتلمذة هؤلاء الأشخاص.
• بالإضافة لكل هذا، فإن تلك المؤهلات هي ذات قيمة لكل شخص وليس فقط للذين يطمحون للقيادة. فهذه المؤهلات هي مؤشرات واضحة تبين الشخصية التقية والنضوج الروحي؛ ويمكن لهذه اللائحة أن تكون المقياس الحقيقي للشخص.
ب) الآيات (٦-٨): عما يجب أن يبحث تيطس عند تعيينه للقادة.
٦إِنْ كَانَ أَحَدٌ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، لَهُ أَوْلاَدٌ مُؤْمِنُونَ، لَيْسُوا فِي شِكَايَةِ الْخَلاَعَةِ وَلاَ مُتَمَرِّدِينَ. ٧لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ، غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ، وَلاَ غَضُوبٍ، وَلاَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ، ٨بَلْ مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، مُتَعَقِّلًا، بَارًّا، وَرِعًا، ضَابِطًا لِنَفْسِهِ.
١. إِنْ كَانَ أَحَدٌ بِلاَ لَوْمٍ: تعني هذه الكلمة حرفيًا “أن يكون بلا شائبة.” فيجب ألا يكون في حياة القائد أي شيء يمكن للآخرين أن يستخدموه ضده أو ضد الكنيسة.
• عبارة “بلا لوم” واسعة جدًا بالنسبة لشخص مشهود له بحياة التقوى. فلا يمكن لأحد أن يتهمه عن حق بإرتكابه خطيئة شنيعة.
• كونه بلا لوم هو أمر ضروري جدًا لأنه مُوكلٌ (وَكِيل) على عمل الله. وكلما ازدادت عظمة السيد، كلما ازدادت التوقعات من خدامه.
٢. بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ: الفكرة هي أن يكون القائد مرتبطًا بامرأة واحدة فقط. ولكن هذا لا يعني أن القائد يجب أن يكون متزوجًا، فلو صح ذلك، لما كان كلًا من يسوع وبولس مؤهلين للقيادة. وليست الفكرة عدم إمكانية زواج القائد ثانية في حال وفاة زوجته أو طلاقه منها بطريقة كتابية. فالفكرة هنا أنه إن كان متزوجًا فيجب أن يهتم بامرأة واحدة فقط وهي زوجته.
٣. لَهُ أَوْلاَدٌ مُؤْمِنُونَ: ينبغي للقائد أن يربي أولاده جيدًا. فمقدرته على قيادة عائلة الله يجب أولًا أن يظهرها من خلال مقدرته على قيادة أولاده. والتشديد في هذا العدد هو على فكرة أن أولاده هم أيضًا مؤمنون.
• “فلو بقي أولاده وثنيون لأَثار الأمر تساؤلًا حول مقدرة الأب في قيادة الآخرين إلى الإيمان” هايبرت (Hiebert). “إن الأب الحكيم هو من يربح أهل بيته للمسيح ومن ثم يمنحهم فرصة لينمو في الإيمان قبل أن يسمح لهم بالالتحاق بكلية اللاهوت. ولو تم اتباع تلك السياسة لكنا وفرنا على أنفسنا الكثير من المصائب في الخدمة.” ويرزبي (Wiersbe)
• “الأمر الجدير بالاهتمام هو أن المتطلبات الأخلاقية لأولاد الراعي قد ذُكرت بأقل تشديد في تيموثاوس الأولى ٤:٣، ٥، ١٢. ففي رسالة تيموثاوس الأولى تم التشديد على مقدرة الراعي في تدبير شؤون بيته، بينما هنا في تيطس تم التشديد على خضوع أولاد الراعي للتأديب وكبح جماح التمرد.” وايت (White)
• “يجب أن تسلك عائلة الشيخ أو الراعي بأسلوب لائق لا يسمح لأي كان باتهام أفرادها بسلوك غير أخلاقي (شِكَايَةِ الْخَلاَعَةِ). استخدمت الكلمة اليونانية ’أسوتيا‘ (asotia) في لوقا ١٣:١٥ لوصف العيش المستهتر للابن الضال. فالشخص المستهتر ’أسوتوس‘ (asotos) هو شخص غير مدبر بل مسرف، فيبذر ثروته بإفراط على ملذاته الشخصية ويبدد ممتلكاته وفي النهاية يدمر نفسه.” باركلي (Barclay)
٤. غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ (مُتَكَبِّر): إن الأشخاص الأنانيين هم بالأساس ليسوا مؤهلين للقيادة. فهم يظهرون إعجابهم بأنفسهم من خلال غرورهم وعنادهم وتركيزهم المتعجرف على الذات.
• “إنه الشخص المتفرد باتخاذ القرارات في كل الأمور ويحكم على الآخرين وفقًا لمقاييسه الخاصة ويتوقع خضوع الجميع لآرائه.” كلارك (Clarke)
٥. وَلاَ غَضُوبٍ: الشخص الغضوب هو غير مؤهل أيضًا للقيادة، كما هو الحال بالنسبة للسكير (مُدْمِنِ الْخَمْرِ) والضَرَّابٍ والطَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ.
• وَلاَ غَضُوبٍ: تشير الكلمة اليونانية القديمة المستخدمة هنا (أورغيلوس) إلى حالة من الغضب المستمر أكثر من الغضب العرضي الذي قد يصيب المرء بين الحين والآخر. فالكلمة تصف شخصًا مهتاجًا بالغضب على الدوام ويصب هذا الغضب على الجميع حوله. والمعنى قريب من فكرة رجل يشعر بالمرارة.
• الضَرَّابٍ: “قد وسع اليونانيون معنى هذه الكلمة لتشمل ليس فقط العنف الجسدي بل أيضًا العنف اللفظي. فيصبح معنى الكلمة، الشخص الميال إلى العنف الذي يُرهب الآخرين بالصياح أو العبوس، ربما كان من الأفضل ترجمتها هكذا في هذا المقطع.” باركلي (Barclay)
• الطَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ: “لا توجد هنا أية قواعد خاصة بالشمامسة، لذا يمكننا أن نستنتج أن الشيوخ في كريت في ذلك الزمن كانوا يؤدون كافة الوظائف الكنسية. وبالتالي عليهم أن يتحلوا بالفضائل الملائمة لوظيفة الشمامسة (كما هو مذكور في تيموثاوس الأولى ٨:٣).” وايت (White)
٦. بَلْ مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ: على القائد في الكنيسة أن يكون مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ ومُحِبًّا لِلْخَيْرِ. فالأشخاص المحبين لأمور العالم الوضيعة والدنيئة هم ليسوا مؤهلين أيضًا ليكونوا قادة في الكنيسة.
٧. مُتَعَقِّلًا (حَكِيمًا): تصف هذه الكلمة شخصًا قادرًا على التفكير الصافي والواضح. شخصًا لا يستخدم الدعابة باستمرار بل يعلم كيف يتعامل مع المواضيع الجادة بأسلوب جاد.
• يعلق ويرزبي (Wiersbe) على كلمة ’مُتَعَقِّلًا‘ كالتالي: “لا تعني عدم امتلاك القائد لحس الدعابة أو أن عليه أن يكون دومًا جديًا ورسميًا. بل تعني أنه يدرك قيمة الأمور ولا يُرَخّص من خدمته أو من رسالة الإنجيل بتصرفات حمقاء.” (نقلا عن تفسير ويرزبي لرسالة تيموثاوس الأولى)
• كانت هذه الخاصية مهمة جدًا بالنسبة لبولس. وقد استخدم هذه الكلمة عشر مرات في رسائله القصيرة لتيموثاوس وتيطس.
٨. بَارًّا، وَرِعًا، ضَابِطًا لِنَفْسِهِ: على الراعي أو قائد الكنيسة أن يكون بَارًّا (يسلك باستقامة أمام الناس)، وَرِعًا (يسلك باستقامة أمام الله)، ويكون ضَابِطًا لِنَفْسِهِ (يسلك باستقامة أمام نفسه).
• “العاجزين عن ضبط أنفسهم هم غير مؤهلين لضبط الكنيسة.” ماثيو هنري (Matthew Henry)
ثالثًا. ماذا على قادة الكنيسة أن يفعلوا؟
أ ) الآية (٩أ): على تيطس أن يعين شيوخًا ملازمين لكلمة الله.
٩مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ.
١. مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ: على القائد قبل كل شيء أن يعرف الْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ جيدًا، وعندما يعظ الناس بكلمة الله عليه أن يقدمها بكل ثقة وسلطان ولا يخلط الكلمة مع التخمينات اللاهوتية والشكوك الأكاديمية.
• “ليس هناك حاجة لكلمات مزخرفة، بل الحادة لأذهان قوية ومعرفة جيدة للكلمة المقدسة وأفكار مؤثرة.” يوحنا ذهبي الفم (Chrysostom)
٢. مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ: هذا يعني أيضًا أن على القائد أن يلتصق بكلمة الله بدلًا من التركيز على نشاطات وبرامج الكنيسة. فإن لم يلتصق القائد بالكلمة أولًا فإنه لن يكون ملتزمًا بها، وبالتالي لا يصلح لقيادة الكنيسة.
٣. الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ: يعني هذا أن على القائد أن يكون قد تعلم على يد شخص آخر. فالقائد المؤهل لا يحتاج بالضرورة للدراسة في كلية اللاهوت بل يجب أن يتتلمذ ويتعلم على يد شخص آخر، فدراسته الشخصية لا تكفي.
ب ) الآية (٩ب): على تيطس أن يعين قادة سيستخدمون الكلمة بشكل صحيح.
• لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ.
١. لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ… وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ: إن القائد التقي سوف يستخدم أساسه الصلب في كلمة الله ليعظ (يشجع) أولئك الذين يسيرون على الطريق الصحيح، وسوف يستخدم الكلمة ليوبخ (يحبط) الخارجين عن الطريق الصحيح أي الْمُنَاقِضِينَ (المُقَاوِمِينَ).
• “فالواعظ يجب أن يكون جنديًا وراعيًا. وعليه أن يطعم ويدافع ويعلم. وعليه أن يمتلك أسنانًا في فمه وقدرة على أن يعض ويقاتل.” لوثر (Luther)
٢. بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ: القائد التقي يتعامل مع الْمُنَاقِضِينَ بتقديم التَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ. وهو لا يفعل ذلك بأسلوب متسلط مغرور ولا بأسلوب سياسة الطعن بالظهر. بل يُقوّم الخطأ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ.
• إن لم يمتلك القائد أساسًا كتابيًا صحيحًا ليَعِظ وَيُوَبِّخَ شخصًا ما، فعليه ربما الامتناع عن فعل ذلك. لذلك يحتاج القادة أن يكونوا راسخين في أسس الكلمة.
رابعًا. أهمية تعيين تيطس لهؤلاء القادة الأكفاء
أ ) الآيات (١٠-١١): أولئك الذين يجب مواجهتهم وكيفية إيقافهم.
١٠فَإِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ، وَلاَسِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ، ١١الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا، مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ.
١. فَإِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ: تشير كلمة مُتَمَرِّدِينَ إلى أشخاص لن يخضعوا لترتيب الله بخصوص السلطة. فالكلمة اليونانية القديمة المترجمة “مُتَمَرِّدِين” تحمل المعنى السلبي لكلمة يخضع، فالشخص المتمرد هو شخص لن يخضع.
• لقد أسس الله ترتيبًا للسلطة في العديد من نواحي الحياة. فيوجد ترتيب للسلطة في المنزل وفي الكنيسة وفي مكان العمل وفي المجتمع. فالله يريدنا أن نميز نواحي حياتنا التي رتب فيها سلطات، ومن ثم أن نخضع لتلك السلطات.
• فإن كان هناك العديد من المشاكسين ومثيري النزاع بين شعب الله في زمن بولس، وقد ظهر هؤلاء بعد فترة وجيزة من وجود الرسول نفسه بينهم، فينبغي علينا نحن أن نتوقع أيضًا ظهور مثل هؤلاء في يومنا الحاضر. فما زال هناك كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ.
٢. يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ: ستنكشف هوية هؤلاء الأشخاص مثيري النزاع من خلال خداعهم وكلامهم الخالي من الحكمة.
• يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ: “إن الفكرة الرئيسية هنا تدور حول العبادة التي لا تنتج صلاحًا في الحياة. فهؤلاء الأشخاص الذين في كريت كانوا يتكلمون بطلاقة ولكن دون أي تفكير، ولكن كلامهم لم يفلح في تقريب الناس خطوة واحدة باتجاه الصلاح.” باركلي (Barclay)
٣. وَلاَسِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ: كان بولس مهتمًا بالأخص بتأثير بعض المؤمنين من خلفية يهودية، ممن اعتقدوا أن مفتاح قبولهم أمام الله هو حفظهم لناموس موسى.
• إن استخدام كلمتي ’مُتَمَرِّدِينَ‘ و’الْخِتَانِ‘ تدلان على أنهم كانوا مؤمنين من خلفية يهودية أو على الأقل مسيحيين إسميين.
• “لقد حاول هؤلاء إقناع المؤمنين بأن قصة حياة يسوع البسيطة وصلبه ليسوا كافين، وإذا ابتغى المؤمنون الحكمة فعلًا، فإنهم يحتاجون للقصص الدقيقة والأنساب الطويلة ولاستعارات معلمي اليهود المتقنة. وعلاوة على ذلك، حاولوا تعليم المؤمنين بأن النعمة ليست كافية، وأنه إذا أرادوا أن يكونوا صالحين فعلًا، فعليهم أن يحفظوا كل القواعد واللوائح حول الأطعمة والغسلات التي كانت تميز اليهودية.” باركلي (Barclay)
• وهكذا يمكننا أن نفهم صعوبة تحول اليهود إلى المسيحية وسبب ميلهم لأن يكونوا مصدرًا للمشاكل في الكنيسة الأولى. فالمؤمنين من خلفيات وثنية يعرفون على الفور أن عليهم رفض وترك كل معتقداتهم عن آلهتهم. بينما يترتب على اليهود المتحولين إلى المسيحية أخذ بعض الأشياء وترك أشياء أخرى، وهذا غالبًا أكثر صعوبة.
٤. الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ: كان على تيطس أن يدرب الشيوخ الذين اختارهم كي يسدوا أفواه مثيري النزاع. فيجب ألا يسمح لهم بالكلام، لأنه لو سمح لهم بالكلام سيدمرون عائلات بأكملها (يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا).
• الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ: “لا يتضمن ذلك إسكاتهم يعنف أو اضطهادهم… لأن كلمة سد أفواه صارت كلمة عادية، تصف إسكات شخص ما بالحجة.” باركلي (Barclay)
٥. مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ: هنالك على الأقل ثلاثة أمور لاَ يَجِب أن تُعلم بين المؤمنين. أولًا: العقائد المضلة. ثانيًا: التمرد. وثالثًا: الأمور غير النافعة.
• يحذر بولس تيموثاوس في رسالته الأولى ٤:١ بألا يصغي لِخُرَافَاتٍ وَسَلَاسِلِ نَسَبٍ لَا تَنْتَهِي. فَهَذِهِ أُمُورٌ تُعَزِّزُ المُشَاجَرَاتِ، لَا خُطَطَ اللهِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِالإيمَانِ. فهناك مواضيع روحية معينة لا تبني ولا تنفع، بل تؤدي فقط إلى مجادلات وتخمينات. لذلك كان على تيطس إيقاف كل شخص يُعَلِّم مَا لاَ يَجِبُ.
٦. مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيحِ: كان المُحرِّض الأساسي لمثيري المشاكل هو الرِّبْحِ. وبولس هنا يتكلم عن الربح المالي القبيح، وفي يومنا الحاضر يوجد العديد ممن تنطبق عليهم تلك المواصفات. ومع ذلك، لا يبتغي البعض ربحًا ماديًا من الإنجيل بل ربحًا عاطفيًا. فهم يخدمون لينالوا ربحًا من خلال اعتراف الآخرين بهم أو الإعجاب بهم كقادة روحيين.
ب) الآيات (١٢-١٤): ما سبب صعوبة المسألة، وكيف يجب معالجتها.
١٢قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ: «الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ. بُطُونٌ بَطَّالَةٌ». ١٣هذِهِ الشَّهَادَةُ صَادِقَةٌ. فَلِهذَا السَّبَبِ وَبِّخْهُمْ بِصَرَامَةٍ لِكَيْ يَكُونُوا أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَانِ، ١٤لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ.
١. «الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ. بُطُونٌ بَطَّالَةٌ»: تأتي صعوبة المسألة من السمات العامة لشخصية الكريتيين. فحتى أنبياء أهل كريت كانوا قد وصفوهم بأنهم: كَذَّابُونَ ووُحُوشٌ شِرِّيرَةٌ وشَرِهُونَ وَكُسَالَى، مما يدل أن لديهم مشاكل في الشخصية.
• فإذا كانت هذه هي سمات شخصية الكريتيين الأساسية، فسوف يتضح لنا كم هو مهم جدًا لتيطس تعيين شيوخ ليقودوا الكنيسة. لأنه لو تُرِكَت مجموعات المؤمنين تقود نفسها، لعَمَّت الفوضى وساد التعليم المضل في كنائسهم.
• وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ: لا يقصد بولس أن يقول أن هذا النبي هو نبي مرسل من الله. بل يقصد بأن ذلك الكاتب أصاب في وصفه لشخصية أهل كريت. وكما كتب بولس: هذِهِ الشَّهَادَةُ بالتحديد، وليس كل كلامه، كانت صَادِقَة.
• “كان هناك نبي كريتي أخبر حقائق واضحة لأهل بلده. ويظهر هذا الشعر، بحسب جيروم، في أعمال إبيمينديس، الذي كان مواطنًا من كنوسيوس في كريت” وايت (White)
• “كان الكريتيون رديئوا السمعة لدرجة جعلت اليونانيين يصيغوا فعل: ’كريتيزين‘ (kretizein) ليصبح ’كريتايز‘ (cretize) ومعناه يكذب ويغش؛ ولدى اليونانيين عبارة ظرفية ضد الكريتيين هي: “أكاذيب تتطابق مع أكاذيب، والتي تشبه عبارة: الألماس يقطع الألماس.” باركلي (Barclay)
• لم يقل بولس لتيطس، “إن الكريتيون كذابون وغشاشون وشرهون وسمعتهم أسوأ من سمعة أي جماعة من الناس في الإمبراطورية الرومانية. فعليك يا تيطس أن تبحث عن جماعة أسهل لتخدم بينهم.” بدلًا من ذلك قال له: “أنا أعلم كم هم سيئين، اذهب وغَيِّرهُم بفضل قوة يسوع ولأجل مجده.”
٢. فَلِهذَا السَّبَبِ وَبِّخْهُمْ بِصَرَامَةٍ: بسبب القساوة التي تميز شخصيات أهل كريت بشكل عام، يجب مواجهتم مباشرة. إذ يجب على تيطس نفسه أن يُوبِّخْهُم بِصَرَامَة لِكَيْ يَكُونُوا أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَانِ، ويجب عليه أيضًا أن يعين قادة يفعلون مثله.
٣. لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ: كما ذكرنا سابقًا (فيما يخص أهل الختان، تيطس ١٠:١) فإن نقطة الخلاف في كنائس كريت كانت حول الطقوس اليهودية. ولكن هذه الطقوس لا تستند على كلمة الله، بل على خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ.
ج ) الآيات (١٥-١٦): خصائص شخصية هؤلاء الناس الصعبي المراس.
١٥كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ. ١٦يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ، إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ.
١. كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ: يبدو أن هؤلاء الأشخاص آمنوا بأنه ليس هناك شيء طاهر، لهذا كان على تيطس مواجهة الذين انجذبوا وراء الوصايا البشرية. فأنكروا المتع المسيحية الأساسية والتي ترضي الله ولا تُعتبر خطية.
• كان على تيموثاوس التعامل مع نفس هذه النوعية من الناس. فحذَّره بولس من أولئك المَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ (تيموثاوس الأولى ٣:٤). فقد عرف بولس أن المؤمن إذا سلك بطهارة، فإن هذه الأشياء تكون طاهرة بالنسبة له. أما بالنسبة لذوي الفكر الناموسي (لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ)، فيبدو أنهم يؤمنون بعدم طهارة أي شيء. فالمشكلة لا تكمن في الأشياء بحد ذاتها، بل في أذهانهم غير المؤمنة وضمائرهم النجسة.
• كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ: طبعًا لا يعني هذا أن الأشياء الخاطئة بوضوح مثل (المواد الإباحية والمخدرات المحرمة وما شابه ذلك) هي طاهرة. فما يدور في ذهن بولس هنا هو تلك الأشياء التي سمح بها الكتاب المقدس ولكن الناموسيين حرَّموها في محاولة خاطئة منهم لكسب رضى الله.
• “كان بولس يدحض تعاليم هؤلاء الناموسيين الكاذبة المختصة بالطعام. فهم كانوا يُعلِّمون أن قوانين الحمية اليهودية ما زالت تُطبَّق على المؤمنين.” ويرزبي (Wiersbe)
• “تشير عبارة ’كُلُّ شَيْءٍ‘ إلى كل ما هو غير أخلاقي؛ مثل الشهية والطعام، الرغبة والزواج، التبادل والتجارة، الضجر والاستجمام، وغيرها من أمور الحياة المتنوعة. فهذه الأمور هي طاهرة للطاهر وسيحافظ عليها بطهارة. أما بالنسبة لغير الطاهرين، فكل واحد منهم يمكن أن يجعل من نفسه أداة وفرصة ملائمة لعدم الطهارة.” مورجان (Morgan)
٢. يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ: الناحية الأكثر صعوبة بالنسبة لتيطس في التعامل مع هؤلاء الناس هو استخدامهم لمصطلحات المؤمنين. فهم يؤكدون أنهم يعرفون الله، ولكن بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ. فلا يمكننا أن نقبل ما يقوله الأشخاص فقط بل علينا أيضًا أن نرى أفعالهم.
• “لقد تصرفوا كما لو أن ذاك الكائن الأسمى هو مجرد فكرة تجريدية خارقة، لا يمت بأي صلة للحياة البشرية، كما لو أنه ليس مخلصًا ولا ديانًا.” برنارد (J.H. Bernard) اقْتُبِسَ من قبل وايت (White)
٣. إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ: يا لها من كلمات قوية، ولكن بولس عنى ما قاله. فهؤلاء الناس الصعبي المراس ربما كانوا يتظاهرون بروحانية أعلى من تيطس أو غيره من القادة الأتقياء، لكن بولس رأى الحقيقة وراء مظهرهم الخادع وأراد لتيطس وكل المؤمنين في كريت رؤية الحقيقة أيضًا.
• إن كلمة رَجِسُون تحمل في طياتها فكرة شخص ملوَّث بعبادة الأوثان.
• غَيْرُ طَائِعِين: تُستخدم كلمة غير طائعين “أدوكيموس” (adokimos)اليونانية القديمة بعدة طرق متنوعة:
• استُخدِمَت لوصف العملة المزيفة.
• استُخدِمَت لوصف الجندي الجبان الذي يفشل في المعركة.
• استُخدِمَت لوصف فشل المرشح في حملته الانتخابية.
• استُخدِمَت للتعبير عن حجر رفضه البناؤون. فإذا كان الحجر يحتوي على عيب كاف، كانت توضع عليه علامة “أ” (أول حرف في كلمة أدوكيموس) ويُلقى جانبًا كحجر غير صالح للاستعمال.