١. النَّامُوسَ يَسُود: أخبرنا بولس في رومية ١٤:٦ “أَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ.” وبعد مناقشة الآثار العملية لهذا في رومية ١٥:٦-٢٣ يشرح بولس الآن بشكل أعمق كيف أننا لم نعد تحت سيادة الناموس.
٢. أَنَّ النَّامُوسَ يَسُودُ عَلَى الإِنْسَانِ: الصيغة اليونانية القديمة لكلمة “الناموس” ليست مُعرفة بـ ’ال التعريف‘ مما يعني أن بولس يتحدث عن مبدأ أوسع من ناموس موسى. فالناموس الذي يسود على الإنسان يشمل ناموس موسى، ولكن هناك المبدأ الأوسع للناموس ندركه من خلال الخليقة والضمير اللذان لهما أيضًا سيادة على الإنسان.
٣. أَنَّ النَّامُوسَ يَسُودُ عَلَى الإِنْسَانِ مَا دَامَ حَيًّا؟: يشير بولس إلى أن الموت يُنهي جميع الالتزامات والعقود. فالزوجة لا تظل ملتزمة تجاه زوجها إن مات لأن الموت ينهي عقد الزواج. إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ.
١. أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ مُتُّمْ لِلنَّامُوسِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ: شرح بولس بعناية في رومية ٣:٦-٨ أننا قد متنا مع يسوع وقمنا أيضًا معه، مع أنه يتحدث هنا فقط عن موتنا عن الخطية. أما الآن فيوضح أننا قد متنا أيضًا لِلنَّامُوسِ.
• قد يقول البعض: “نعم، قد خلصنا بالنعمة، لكن ما زال علينا أن نحيا بالناموس لإرضاء الله.” ولكن بولس يوضح هنا أن المؤمنين قد ماتوا للناموس الذي يمثل مبدأ للعيش أو مكان للوقوف باستقامةأمام الله.
• “لقد انتهت علاقة المؤمنين بالناموس فلم يعد بالنسبة لهم خيارًا كوسيلة للخلاص، وهم لا يسعون إلى أن يعملوا الصالح والحق في عيني الله بإطاعة شكل من أشكال الناموس كما يفعل أتباع معظم الديانات تقريبًا.” موريس (Morris)
٢. نحن لم نتحرر من الناموس لكي نحيا لذواتنا بل لكي نصير ليسوع ونثمر لله.
١. وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ: يلخص بولس هنا الفكرة الأساسية في رومية ١:٧-٥. فعندما متنا مع يسوع على الصليب فنحن قد متنا عن الناموس وتَحَرَّرْنَا من سيادته علينا كمبدأ للتبرير أو التقديس.
• الناموس لا يبررنا ولا يصحح علاقتنا مع الله، كما أنه لا يقدسنا ولا يُدخلنا إلى العمق معه أو يجعلنا أكثر قداسة أمامه.
٢. حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ: لم نتحرر حتى نتوقف عن عبادة الله ولكن لكي نتمكن من عبادته بشكل أفضل وَفْقًا لِلنِّظَامِ الرُّوحِيِّ الْجَدِيدِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ.
• هل تعبد الله وفقًا للنظام الروحي الجديد (جِدَّةِ الرُّوحِ)؟ من العار أن نرى كثيرين يعبدون الخطية أو الناموس بإخلاص أكثر من أولئك الذين يعبدون الله بِجِدَّةِ الرُّوح. ومن المؤسف أن يكون دافعنا لذلك الخوف أكثر من الحب.
١. هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟: إذا تابعنا تسلسل الأفكار يمكننا أن نفهم كيف يمكن لشخص أن يستنتج ذلك. فقد شدد بولس على ضرورة موتنا عن الناموس إن أردنا أن نُثمر لله. وهكذا قد يظن البعض أنه يوجد خطـأ ما في الناموس!
١. لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ: يشبه الناموس جهاز الأشعة السينية (X-ray) الذي يكشف ما هو موجود بالداخل لكنه غير ظاهر للعيان. فلا يجب أن نُلقى باللوم على صورة الأشعة بسبب ما تكشفه لنا.
٢. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ»: يشبه الناموس جهاز ’تحديد السرعة‘ الذي ينبهنا متى تعدينا السرعة المُقررة. وهكذا هو حالنا مع الناموس، قد لا نعرف أبدًا أننا نخطئ (مثل الشهوة) إذا لم يُظهر لنا الناموس ذلك بالتحديد.
١. لكِنَّ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ:يصف بولس هنا كيف أن التحذير بألا نفعل شيء يتحول إلى دعوة لفعله بسبب قلوبنا المتمردة الخاطئة، فليس الخطأ في الْوَصِيَّة بل فينا.
• في كتابه بعنوان ’اعترافات‘ وصف أوغسطينوس، عالِم اللاهوت العظيم في الكنيسة القديمة، كيف تعرض لذلك في حياته كشاب قائلًا: “كانت هناك شجرة إجاص (كمثرى) مثمرة جدًا بالقرب من كرمنا. وفي إحدى الليالي العاصفة، قمت أنا وبعض من أصدقائي بسرقة كل ثمارها، ليس من أجل عمل وليمة بل لإلقائها للخنازير، مع أننا أكلنا ما يكفي لنستمتع بالثمرة المحرمة. وكان طعمها لذيذ، ولكنه لم تكن الأفضل، فقد كان لدي ما هو أفضل منها بكثير في المنزل، والشيء الوحيد الذي جعلني استمتع كثيرًا بهذه الثمرة هو سرقتها. فما الذي أحببته في السرقة؟ هل أحببت فكرة كسر القانون؟ فقد استيقظت بداخلي رغبتي في السرقة فجأة لأن السرقة كانت ممنوعة.”
• ما أن يرسم الله حدودًا لنا، نشعر برغبة فورية في تجاوزها وكسرها – فالخطأ هنا ليس في الله أو في الحد الموضوع بل في قلوبنا الخاطئة.
٢. الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ: لا يكمن ضعف الناموس في الناموس ذاته بل فينا، فقلوبنا شريرة لدرجة أنها يمكن أن تجد فُرْصَة لكل شَهْوَةٍ حتى في شيء صالح مثل ناموس الله.
• “كلمة ’فُرْصَة‘ هي في الأصل مصطلح عسكري يعني قاعدة العمليات. فالممنوع يعتبر القاعدة التي تنطلق منها الخطية.” هاريسون (Harrison)
• كانت إدارة أحد الفنادق المواجهة للمياه في فلوريدا قلقة من أن يحاول النزلاء صيد الأسماك من الشرفات فوضعوا لافتات تقول: “ممنوع الصيد من الشرفات”. ولكن واجهتهم مشاكل مستمرة مع النزلاء الذين يمارسون صيد الأسماك من الشرفات، وكان ثقل كرات الصنانير تكسر النوافذ وتزعج الناس في الغرف السفلية. وفي النهاية قاموا بحل هذه المشكلة ببساطة عن طريق إزالة اللافتات، وهكذا لم يفكر أحد في الصيد من الشرفات. فبسبب طبيعتنا الساقطة، يمكن للناموس أن يكون بمثابة دعوة للخطية.
٣. بِدُونِ النَّامُوسِ الْخَطِيَّةُ مَيِّتَةٌ: يدل هذا على مدى عِظم شر الخطية، فقد تأخذ شيئًا صالحًا ومقدسًا مثل الناموس وتُحرفه ليدعم الشر. فالخطية تغلف الحب بالشهوة، والرغبة الصادقة في توفير احتياجات الأسرة من خلال الطمع، والناموس بالترويج للخطية.
د ) الآية (٩): حالة البراءة التي كان بولس عليها قبل أن يعرف الناموس.
١. كُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلًا: يمكن للأطفال أن يكونوا أبرياء قبل أن يعرفوا أو يفهموا ما يتطلبه القانون، وهذا هو ما يشير إليه بولس عندما يقول أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلًا.
• “لم يكن عائشًا الحياة التي تحدث عنها كُتاب العهد الجديد، بل كان عائشًا بمعنى أنه لم يمت أبدًا كنتيجة لمواجهته مع الناموس.” موريس (Morris)
• “لقد كان آمنًا تمامًا يعيش مع خطاياه وإثمه. وكان عائشًا بمعنى أن الضربة القاضية لم تقتله بعد. فقد كان يجلس آمنًا في منزل جهله، كإنسان يعيش على بركان فيما يعتقد أن كل شيء على ما يرام.” لينسكي (Lenski)
٢. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا: عندما نعرف الناموس فإنه يُظهر لنا ذنبنا ويهيج تمردنا ويُنتج المزيد من الخطية والموت.
هـ) الآيات (١٠-١٢): الخطية تفسد الناموس وتُحبط غرضه لمنح الحياة، وعندما يفسد الناموس بالخطية فإنه يجلب الموت.
٢. لأَنَّ الْخَطِيَّة …. خَدَعَتْنِي: ليس الناموس هو الذي يخدعنا بل الخطية التي تستخدم الناموس كفرصة للتمرد. لهذا قال يسوع «وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ»(يوحنا ٣٢:٨). فالحق يحررنا من خداع الخطية.
٣. وَقَتَلَتْنِي: عندما نتبع الخطية فهي تقودنا إلى الموت وليس الحياة. وإحدى أعظم خدع الشيطان هي أن يجعلنا نفكر في الخطية كشيء صالح يريد الإله المزعج أن يحرمنا منه. ولكن الحقيقة هي أنه عندما يحذّرنا الله من الخطية، فهو يحذّرنا من شيء سوف يقتلنا.
٤. إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ: يدرِك بولس أن البعض قد يعتقد أنه ضد الناموس، لكنه ليس كذلك على الإطلاق. ومن الصحيح أنه يجب أن نموت عن الخطية (رومية ٢:٦) وأنه يجب أن نموت للناموس (رومية ٤:٧)، لكن هذا لا يعني أن بولس يُساوي بين الخطية والناموس. فالمشكلة فينا، وليست في الناموس. ومع ذلك، فإن الخطية تفسد عمل أو تأثير الناموس، ولذا يجب أن نموت عن كليهما.
١. الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا: على الرغم من أن الناموس يثير طبيعتنا الخاطئة، لكننا نستطيع أن نستخدم هذا للخير، لأنه يفضَح إثمنا العميق. ففي نهاية المطاف، إن كانت الخطية تستطيع أن تستخدم شيئًا جيدًا مثل الناموس في الترويج للشر، فهذا يُظهر مدى شر الخطية.
• نحن بحاجة إلى أن تَظْهَرَ الخَطِيَّةً كخطية فعلًا، فهي تريد دائمًا أن تختبئ بداخلنا لتخفي حقيقة عمقها وقوتها. “هذه واحدة من أكثر نتائج الخطية بؤسًا لإنها تؤذينا كثيرًا عندما تسلبنا القدرة على إدراك مدى الضرر الذي أصابنا. فهي تُضعف بِنية الإنسان، وعلى الرغم من ذلك تقوده إلى التفاخر بصحته التي لا تكل؛ وتُفقِره وتقول له أنه غني؛ وتُجرده من ثيابه وتجعله يتباهى بملابسه الفاخرة.” سبيرجن (Spurgeon)
• “الناموس إذًاهو الأداة الكُبرى في أيدي خادم أمين لتنبيه وإيقاظ الخطاة.” كلارك (Clarke)
٢. لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّةِ: في ضوء ما جاء بالناموس تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بطريقتين. الأولى، أن الناموس يُظهِر كم أن الخطية خاطئة جدًا. والثانية، لأن الناموس يثير طبيعتها الشريرة.
• “بدلًا من أن يكون الناموس هو المحرك الذي يمنحنا القوة على الغلبة، يُصبِح هو المغناطيس الذي يُخرِج كل أنواع الخطية والفساد التي بداخلنا.” ويرزبي (Wiersbe)
• خَاطِئَةً جِدًّا: “لماذا لم يقل بولس “سوداء جدًا” أو “رهيبة جدًا أو “مُميتة جدًا”؟ لأنه لا يوجد في العالم ما هو أسوأ من الخطية. فعندما أراد أن يستخدم أسوأ كلمة يمكنه أن يُطلقها على الخطية، أطلق عليها اسمها وكرره: الخطية خاطئة جدًا.” سبيرجن (Spurgeon)
ب) الآية (١٤): لا يمكن للناموس الروحي أن يُقيد إنسان جسدي.
١. أَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ: إن كلمة جَسَدِيٌّ تعني ببساطة “الجسد.” فبولس يعترف هنا أن الناموس الروحي لا يمكن أن يساعد الإنسان الجَسَدِيٌّ.
• تستخدم كلمة جَسَدِيٌّ الكلمة اليونانية القديمة sarkikos والتي تعني “يتميز بالأعمال الجسدية أو الشهوانية.” وفي هذا النص تتحدث الكلمة عن شخص يمكنه وينبغي عليه أن يتصرف بشكل مختلف لكنه لا يفعل ذلك. فيرى بولس هذا الإنسان الجسدي الشهواني في ذاته ويعرف أن النَّامُوسَ بالرغم من كونه رُوحِيٌّ ليس لديه إجابة لطبيعته الجسدية الشهوانية.
٢. مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ: بولس عبد تَحْتَ الْخَطِيَّةِ ولا يستطيع النَّامُوسَ مساعدته. فهو مثل إنسان تم إلقاء القبض عليه واُلقي في السجن من أجل جريمة ارتكبها. فلن يستطيع القانون أن يساعده إلا إذا كان بريئًا. أما بولس فهو يعرف أنه مُذنب وأن الناموس سيترافع ضده وليس عنه.
٣. على الرغم من قول بولس أنه جَسَدِيٌّ، إلا إن هذا لا يعني أنه ليس مؤمنًا، فإدراكه لكونه جَسَدِيٌّ يدل على أن الله غير حياته.
• قال لوثر (Luther) تعليقًا على عبارة بولس “أَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ: “هذا دليل على أن الإنسان روحي وحكيم. فهو يعرف أنه جسدي ومستاء من نفسه؛ بل هو في الواقع يكره نفسه ويمدح ناموس الله الذي يستطيع أن يميزه لأنه إنسان روحي. ولكن الدليل على أن الإنسان جسدي وأحمق هو أنه يعتبر نفسه إنسانًا روحيًا ويرضى عن نفسه.”
١. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ: ليست مشكلة بولس افتقاره للرغبة، فهو يريدأن يفعل الصواب (لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ). وليست مشكلته المعرفة لأنه يعرفما هو الصواب. إنما مشكلته تكمن في افتقاره للقوة: أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. فهو يفتقر إلى القوة لأن الناموس لا يمنح أي قوة.
• يقول الناموس: “ها هي القواعد ويجب أن تحفظها.” لكنه لا يمنحنا القوة لحفظها.
٢. لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ: هل ينكر بولس مسئوليته كخاطئ؟ لا، فهو يدرك أنه عندما يخطئ فإنه يعمل ضد طبيعته كإنسان جديد في يسوع المسيح. ويجب على المؤمن أن يعترف بخطيته، بينما يدرك أن الدافع للخطية لا ينبع من حقيقتنا كمؤمنين في يسوع المسيح.
• “لكي يُخَلص الإنسان من الخطية، يجب عليه أن يمتلكها وفي نفس الوقت أن يتبرأ منها؛ هذا هو التناقض الذي ينعكس في هذه الآية. قد يقولها مؤمن حقيقي في لحظة من لحظات الشغف، لكن من الأفضل للخاطئ ألا يتخذها كمبدأ.” ويست (Wuest)
١. أَجِدُ النَّامُوسَ لِي، أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي (الترجمة العربية المبسطة: ٢١وَهَكَذَا، تَعَلَّمْتُ هَذِهِ القَاعِدةَ: عِنْدَمَا أُريدُ أنْ أفعَلَ شَيْئًا صَالِحًا، أجِدُ أنَّ الشَّرَّ دَائِمًا عِندِي!): أي شخص حاول من قبل أن يفعل الخير يعي تمامًا هذا الصراع، فنحن لا نعرف أبدًا مدى صعوبة التوقف عن فعل الخطية إلا عندما نحاول. “لا أحد يعرف إلى أي مدى هو شخص سيء حتى يحاول أن يكون صالحًا.” سي. إس. لويس (C.S. Lewis)
٢. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ: يعرف بولس أن إِنْسَانِه الْبَاطِنِ (أو أعْمَاقِ كَيَانِه) يسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ ويفهم أن الدافع وراء الخطية يأتي من نَامُوس آخَرَ فِي أَعْضَائِه. فبولس يعرف أن “الذات الحقيقية” هي التي تسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ.
• الإنسان القديم ليس هو بولس الحقيقي؛ فالإنسان القديم قد مات. والجسد ليس هو بولس الحقيقي، فالجسد مقدر له أن يموت ويقوم. وأما الإنسان الجديد فهو بولس الحقيقي؛ والآن يواجه بولس التحدي أن يعيش كما خلقه الله.
• هناك جدل بين المؤمنين حول ما إذا كان بولس مؤمنًا وقت التجربة التي وصفها. فالبعض يرى أن صراعه مع الخطية لا بد أنه كان قبل ولادته الثانية. ويعتقد آخرون أنه مجرد مؤمن يصارع الخطية. وفي الحقيقة إن هذا سؤال لا علاقة له بالموضوع، لأن هذا الصراع هو صراع كل من يحاول أن يطيع الله بقوته الخاصة، وهذه التجربة من الصراع والهزيمة قد يختبرها المؤمن، ولا يمكن لغير المؤمن أن يختبرها.
• قال موريس (Morris) نقلًا عن جريفيث توماس (Thomas Griffith): “تصف هذه النصوص إنسانًا يحاول أن يكون صالحًا ومقدسًا بجهوده الخاصة ويُهزم في كل مرة بقوة الخطية المستقرة بداخله؛ وبالتالي فهو يشير إلى أي شخص سواء كان قد ولد ثانية أم لا.”
٣. يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، ويسبني إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ: الخطية قادرة على الحرب داخل بولس والفوز لأنه لا توجد قوة في نفسه غير ذاته توقفه عن فعل الخطية. وهكذا أُمسك بولس في محاولة عاجزة يائسة لمحاربة الخطية بقوة الذات.
١. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!:تعني كلمة شَّقِيُّ حرفيًا في اليونانية القديمة “بائس بسبب إرهاق العمل الشاق.” فبولس كان منهكًا وبائسًا تمامًا بسبب جهوده غير الناجحة لإرضاء الله تحت مبدأ الناموس.
• “يجدر بنا أن نضع في اعتبارنا أن القديسين العظماء عبر العصور لم يروا أنفسهم صالحين بل كانوا يميلون إلى النوح بسبب إثمهم.” موريس (Morris)
• التقيد بالناموس يأتي بالإنسان دائمًا إلى مواجهة بؤسه، وإذا ظل متقيدًا بالناموس، سوف يتفاعل بإحدى الطريقتين؛ إما أن ينكر بؤسه ويصير فريسي ذاتي البر أو ييأس بسبب بؤسه ويتخلى عن إتباع الله.
٢. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! تُظهر هذه العبارة يأس بولس من النجاة وشعوره بالعجز والإثم. يجب أن نأتي نحن أيضًا إلى نفس منطقة اليأس لنجد النُصرة.
• يجب أن تكون رغبتك أكثر من مجرد أمل مُبهم بأن تكون أفضل. فعليك أن تصرخ ضد ذاتك وتصرخ لله بذات اليأس الذي كان لدى بولس.
٣. مَنْ يُنْقِذُنِي: يتحول نظر بولس في النهاية إلى شيء (في الواقع إلى شخص) خارج ذاته. فقد أشار بولس إلى ذاته ٤٠ مرة منذ رومية ١٣:٧. وفي جوف صراعه الفاشل ضد الخطية، صب بولس كل اهتمامه على ذاته التي كان مهووسًا بها. فهذا هو المكان الذي يعيش فيه أي مؤمن تحت الناموس، فينظر إلى الذات وإلى أدائه الشخصي بدلًا من النظر أولًا إلى يسوع.
• تشير عبارة “مَنْ يُنْقِذُنِي” إلى أن بولس قد تخلى عن ذاته وبدأ يسأل “مَنْ يُنْقِذُنِي؟” بدلًا من أن يسأل “كيف أُخلص ذاتي؟”
• “هذا ليس تعبير شخص يائس أو شكاك بل هو تعبير شخص يلهث وراء الخلاص.” بوله (Poole)
٤. مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟: يرى بعض المُفسرين في وصف بولس لجَسَدِ هذَا الْمَوْتِ إشارة إلى الملوك القدماء الذين كانوا يعذبون سجناءهم بتقييدهم إلى جثث متحللة. فقد كان بولس يتوق إلى التحرر مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ العالق به.
• “كانت العادة عند الطغاة القدماء عندما كانوا يريدون معاقبة إنسان عقابًا مخيفًا، أن يقيدوا ظهره بشكل وثيق بظهر جثة متعفنة وفاسدة، وكان عليه أن يسحبها معه أينما ذهب. والآن، هذا ما يجب على المؤمن أن يفعله؛ فلديه في داخله حياة جديدة ومبدأ حي وضعه الروح القدس بداخله، لكنه يشعر أنه في كل يوم عليه أن يسحب معه هذا الجسد الميت، هذا الجسد الكريه والشنيع والبغيض إلى حياته الجديدة، كما ترافق جثة ميتة كريهة إنسان حي.” سبيرجن (Spurgeon)
• يرى آخرون في هذا الوصف إشارة إلى الخطية بشكل عام، مثل موراي (Murray): “إن كلمة جسد تعني كتلة، وجسد الموت يعني الكتلة الكلية للخطية. وبالتالي كان بولس يتوق أن يُنقذ من خطيته بكل جوانبها وعواقبها.”
• تعني جملة “جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ” الكتلة الكلية للخطية أو تلك المكونات التي يتكون منها الإنسان الكامل؛ باستثناء أنه لا يتبقى منها فيه سوى البقايا بسبب قيود الأسر التي كان ممسوكًا بها.” كالفن (Calvin)
ب) الآية (٢٥): ينظر بولس في النهاية إلى خارج ذاته؛ إلى يسوع.
١. أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا: وجه بولس نظره في النهاية إلى يسوع، وما أن فعل ذلك حتى بدأ يَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.
• تعني كلمة “بِيَسُوعَ“أن بولس يرى يسوع يقف بينه وبين الله ليسد الفجوة ويفتح الطريق إلى الله. وتعني كلمة رَبِّنَا أن بولس قد وضع يسوع في المكان الصحيح؛ كــرَب وسيد على حياته.
٢. إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ: يعترف بولس بحالة الصراع لكنه يشكر الله على الانتصار في يسوع. فبولس لا يدّعي أن النظر إلى يسوع يزيل الصراع – فيسوع يعمل من خلالنا وليس نيابةً عنافي المعركة ضد الخطية.
• تظل الحقيقة المجيدة أنه يوجدانتصار في يسوع! فقد جاء يسوع إلى الأرض ومات لا ليعطينا قوانينًا أفضل، ولكن لكي يحقق انتصاره من خلال أولئك الذين يؤمنون. فرسالة الإنجيل هي أنه يوجد انتصار على الخطية والكراهية والموت وكل أنواع الشرور عندما نُسلم حياتنا ليسوع وندعه يحقق الانتصار من خلالنا.
٢. بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا: يوضح بولس أنه على الرغم من أن الناموس مجيد وصالح إلا أنه لا يستطيع أن يُنقذنا وأننا بحاجة إلى مخلص. فلم يجد بولس أبدًا أي سلام أو تمجيد لله إلا عندما نظر خارج ذاته وبعيدًا عن الناموس، نظر إلى مخلصه يسوع المسيح.
• اعتقدت أن مشكلتك تكمن في أنك لم تكن تعرف ما يجب فعلهلإنقاذ نفسك – لكن الناموس جاء كمعلم، كي يعلمك ما يجب عليك فعله وما زلت لا تستطيع فعله. فأنت لست بحاجة إلى معلم بل أنت بحاجة إلى مخلص.
• اعتقدت أن مشكلتك تكمن في أنك لم تكن متحمسًا بالقدر الكافي، لكن الناموس جاء كمدرب ليشجعك على القيام بما تحتاج إليه ولكنك لم تستطع أن تفعله. فأنت لست بحاجة إلى مدرب أو متحدث تحفيزي بل أنت بحاجة إلى مخلص.
• اعتقدت أن مشكلتك تكمن في أنك لم تكن تعرف ذاتك جيدًا، لكن الناموس جاء كطبيب وشخّص تمامًا مشكلة خطيتك، لكنه لم يستطع أن يشفيك. فأنت لست بحاجة إلى طبيب بل أنت بحاجة إلى مخلص.
رسالة رومية – الإصحاح ٧ – الكشف عن ضعف الناموس
أولًا. الموت للناموس
أ ) الآيات (١-٣): الناموس له سلطة على الأحياء فقط
١أَمْ تَجْهَلُونَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ لأَنِّي أُكَلِّمُ الْعَارِفِينَ بِالنَّامُوسِ أَنَّ النَّامُوسَ يَسُودُ عَلَى الإِنْسَانِ مَا دَامَ حَيًّا؟ ٢فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَحْتَ رَجُل هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ بِالرَّجُلِ الْحَيِّ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَقَدْ تَحَرَّرَتْ مِنْ نَامُوسِ الرَّجُلِ. ٣فَإِذًا مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيًّا تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُل آخَرَ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ، حَتَّى إِنَّهَا لَيْسَتْ زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُل آخَرَ.
١. النَّامُوسَ يَسُود: أخبرنا بولس في رومية ١٤:٦ “أَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ.” وبعد مناقشة الآثار العملية لهذا في رومية ١٥:٦-٢٣ يشرح بولس الآن بشكل أعمق كيف أننا لم نعد تحت سيادة الناموس.
٢. أَنَّ النَّامُوسَ يَسُودُ عَلَى الإِنْسَانِ: الصيغة اليونانية القديمة لكلمة “الناموس” ليست مُعرفة بـ ’ال التعريف‘ مما يعني أن بولس يتحدث عن مبدأ أوسع من ناموس موسى. فالناموس الذي يسود على الإنسان يشمل ناموس موسى، ولكن هناك المبدأ الأوسع للناموس ندركه من خلال الخليقة والضمير اللذان لهما أيضًا سيادة على الإنسان.
٣. أَنَّ النَّامُوسَ يَسُودُ عَلَى الإِنْسَانِ مَا دَامَ حَيًّا؟: يشير بولس إلى أن الموت يُنهي جميع الالتزامات والعقود. فالزوجة لا تظل ملتزمة تجاه زوجها إن مات لأن الموت ينهي عقد الزواج. إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ.
ب) الآية (٤): موتنا مع يسوع يحررنا من الناموس.
٤إِذًا يَا إِخْوَتِي أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ مُتُّمْ لِلنَّامُوسِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ، لِكَيْ تَصِيرُوا لآخَرَ، لِلَّذِي قَدْ أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لِنُثْمِرَ للهِ.
١. أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ مُتُّمْ لِلنَّامُوسِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ: شرح بولس بعناية في رومية ٣:٦-٨ أننا قد متنا مع يسوع وقمنا أيضًا معه، مع أنه يتحدث هنا فقط عن موتنا عن الخطية. أما الآن فيوضح أننا قد متنا أيضًا لِلنَّامُوسِ.
• قد يقول البعض: “نعم، قد خلصنا بالنعمة، لكن ما زال علينا أن نحيا بالناموس لإرضاء الله.” ولكن بولس يوضح هنا أن المؤمنين قد ماتوا للناموس الذي يمثل مبدأ للعيش أو مكان للوقوف باستقامة أمام الله.
• “لقد انتهت علاقة المؤمنين بالناموس فلم يعد بالنسبة لهم خيارًا كوسيلة للخلاص، وهم لا يسعون إلى أن يعملوا الصالح والحق في عيني الله بإطاعة شكل من أشكال الناموس كما يفعل أتباع معظم الديانات تقريبًا.” موريس (Morris)
٢. نحن لم نتحرر من الناموس لكي نحيا لذواتنا بل لكي نصير ليسوع ونثمر لله.
ج ) الآية (٥): مشكلة الناموس.
٥لأَنَّهُ لَمَّا كُنَّا فِي الْجَسَدِ كَانَتْ أَهْوَاءُ الْخَطَايَا الَّتِي بِالنَّامُوسِ تَعْمَلُ فِي أَعْضَائِنَا، لِكَيْ نُثْمِرَ لِلْمَوْتِ.
١. لَمَّا كُنَّا فِي الْجَسَدِ: تحت الناموس لم نُثمر لله بل كنا نُثْمِرَ لِلْمَوْتِ لأن الناموس جعل أَهْوَاءُ الخطايا تَعْمَلُ في داخلنا.
٢. لِكَيْ نُثْمِرَ لِلْمَوْتِ: سوف يشرح بولس مشكلة الناموس بإسهاب في رومية ٧:٧-١٤. ولكننا الآن نفهم فكرته – أننا نُثمر لله فقط عندما نتحرر من الناموس.
د ) الآية (٦): تحررنا من الناموس.
٦وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ، إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ، حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ.
١. وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ: يلخص بولس هنا الفكرة الأساسية في رومية ١:٧-٥. فعندما متنا مع يسوع على الصليب فنحن قد متنا عن الناموس وتَحَرَّرْنَا من سيادته علينا كمبدأ للتبرير أو التقديس.
• الناموس لا يبررنا ولا يصحح علاقتنا مع الله، كما أنه لا يقدسنا ولا يُدخلنا إلى العمق معه أو يجعلنا أكثر قداسة أمامه.
٢. حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ: لم نتحرر حتى نتوقف عن عبادة الله ولكن لكي نتمكن من عبادته بشكل أفضل وَفْقًا لِلنِّظَامِ الرُّوحِيِّ الْجَدِيدِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ.
• هل تعبد الله وفقًا للنظام الروحي الجديد (جِدَّةِ الرُّوحِ)؟ من العار أن نرى كثيرين يعبدون الخطية أو الناموس بإخلاص أكثر من أولئك الذين يعبدون الله بِجِدَّةِ الرُّوح. ومن المؤسف أن يكون دافعنا لذلك الخوف أكثر من الحب.
ثانيًا. مشكلتنا مع ناموس الله الكامل
أ ) الآية (٧ أ): يسأل بولس: هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ أو (مساوٍ لها)؟
٧فَمَاذَا نَقُولُ؟ هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟
١. هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟: إذا تابعنا تسلسل الأفكار يمكننا أن نفهم كيف يمكن لشخص أن يستنتج ذلك. فقد شدد بولس على ضرورة موتنا عن الناموس إن أردنا أن نُثمر لله. وهكذا قد يظن البعض أنه يوجد خطـأ ما في الناموس!
ب) الآية (٧ ب) الناموس صالح لأنه يكشف لنا الخطية.
• حَاشَا! بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ».
١. لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ: يشبه الناموس جهاز الأشعة السينية (X-ray) الذي يكشف ما هو موجود بالداخل لكنه غير ظاهر للعيان. فلا يجب أن نُلقى باللوم على صورة الأشعة بسبب ما تكشفه لنا.
٢. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ»: يشبه الناموس جهاز ’تحديد السرعة‘ الذي ينبهنا متى تعدينا السرعة المُقررة. وهكذا هو حالنا مع الناموس، قد لا نعرف أبدًا أننا نخطئ (مثل الشهوة) إذا لم يُظهر لنا الناموس ذلك بالتحديد.
ج ) الآية (٨): الخطية تفسد الوصية (ناموس).
٨وَلكِنَّ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ أَنْشَأَتْ فِيَّ كُلَّ شَهْوَةٍ. لأَنْ بِدُونِ النَّامُوسِ الْخَطِيَّةُ مَيِّتَةٌ.
١. لكِنَّ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ: يصف بولس هنا كيف أن التحذير بألا نفعل شيء يتحول إلى دعوة لفعله بسبب قلوبنا المتمردة الخاطئة، فليس الخطأ في الْوَصِيَّة بل فينا.
• في كتابه بعنوان ’اعترافات‘ وصف أوغسطينوس، عالِم اللاهوت العظيم في الكنيسة القديمة، كيف تعرض لذلك في حياته كشاب قائلًا: “كانت هناك شجرة إجاص (كمثرى) مثمرة جدًا بالقرب من كرمنا. وفي إحدى الليالي العاصفة، قمت أنا وبعض من أصدقائي بسرقة كل ثمارها، ليس من أجل عمل وليمة بل لإلقائها للخنازير، مع أننا أكلنا ما يكفي لنستمتع بالثمرة المحرمة. وكان طعمها لذيذ، ولكنه لم تكن الأفضل، فقد كان لدي ما هو أفضل منها بكثير في المنزل، والشيء الوحيد الذي جعلني استمتع كثيرًا بهذه الثمرة هو سرقتها. فما الذي أحببته في السرقة؟ هل أحببت فكرة كسر القانون؟ فقد استيقظت بداخلي رغبتي في السرقة فجأة لأن السرقة كانت ممنوعة.”
• ما أن يرسم الله حدودًا لنا، نشعر برغبة فورية في تجاوزها وكسرها – فالخطأ هنا ليس في الله أو في الحد الموضوع بل في قلوبنا الخاطئة.
٢. الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ: لا يكمن ضعف الناموس في الناموس ذاته بل فينا، فقلوبنا شريرة لدرجة أنها يمكن أن تجد فُرْصَة لكل شَهْوَةٍ حتى في شيء صالح مثل ناموس الله.
• “كلمة ’فُرْصَة‘ هي في الأصل مصطلح عسكري يعني قاعدة العمليات. فالممنوع يعتبر القاعدة التي تنطلق منها الخطية.” هاريسون (Harrison)
• كانت إدارة أحد الفنادق المواجهة للمياه في فلوريدا قلقة من أن يحاول النزلاء صيد الأسماك من الشرفات فوضعوا لافتات تقول: “ممنوع الصيد من الشرفات”. ولكن واجهتهم مشاكل مستمرة مع النزلاء الذين يمارسون صيد الأسماك من الشرفات، وكان ثقل كرات الصنانير تكسر النوافذ وتزعج الناس في الغرف السفلية. وفي النهاية قاموا بحل هذه المشكلة ببساطة عن طريق إزالة اللافتات، وهكذا لم يفكر أحد في الصيد من الشرفات. فبسبب طبيعتنا الساقطة، يمكن للناموس أن يكون بمثابة دعوة للخطية.
٣. بِدُونِ النَّامُوسِ الْخَطِيَّةُ مَيِّتَةٌ: يدل هذا على مدى عِظم شر الخطية، فقد تأخذ شيئًا صالحًا ومقدسًا مثل الناموس وتُحرفه ليدعم الشر. فالخطية تغلف الحب بالشهوة، والرغبة الصادقة في توفير احتياجات الأسرة من خلال الطمع، والناموس بالترويج للخطية.
د ) الآية (٩): حالة البراءة التي كان بولس عليها قبل أن يعرف الناموس.
٩أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلًا. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا.
١. كُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلًا: يمكن للأطفال أن يكونوا أبرياء قبل أن يعرفوا أو يفهموا ما يتطلبه القانون، وهذا هو ما يشير إليه بولس عندما يقول أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلًا.
• “لم يكن عائشًا الحياة التي تحدث عنها كُتاب العهد الجديد، بل كان عائشًا بمعنى أنه لم يمت أبدًا كنتيجة لمواجهته مع الناموس.” موريس (Morris)
• “لقد كان آمنًا تمامًا يعيش مع خطاياه وإثمه. وكان عائشًا بمعنى أن الضربة القاضية لم تقتله بعد. فقد كان يجلس آمنًا في منزل جهله، كإنسان يعيش على بركان فيما يعتقد أن كل شيء على ما يرام.” لينسكي (Lenski)
٢. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا: عندما نعرف الناموس فإنه يُظهر لنا ذنبنا ويهيج تمردنا ويُنتج المزيد من الخطية والموت.
هـ) الآيات (١٠-١٢): الخطية تفسد الناموس وتُحبط غرضه لمنح الحياة، وعندما يفسد الناموس بالخطية فإنه يجلب الموت.
١٠فَوُجِدَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ. ١١لأَنَّ الْخَطِيَّةَ، وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ، خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي. ١٢إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ.
١. الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ: تفعل الخطية هذا بالخداع. فالخطية تخدعنا:
• لأن الخطية تَعِد كذبًا بالشِبَع.
• لأن الخطية تعطي أعذارًا كافية مزيفة.
• لأن الخطية تَعِد كذبًا بالهروب من العقاب.
٢. لأَنَّ الْخَطِيَّة …. خَدَعَتْنِي: ليس الناموس هو الذي يخدعنا بل الخطية التي تستخدم الناموس كفرصة للتمرد. لهذا قال يسوع «وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» (يوحنا ٣٢:٨). فالحق يحررنا من خداع الخطية.
٣. وَقَتَلَتْنِي: عندما نتبع الخطية فهي تقودنا إلى الموت وليس الحياة. وإحدى أعظم خدع الشيطان هي أن يجعلنا نفكر في الخطية كشيء صالح يريد الإله المزعج أن يحرمنا منه. ولكن الحقيقة هي أنه عندما يحذّرنا الله من الخطية، فهو يحذّرنا من شيء سوف يقتلنا.
٤. إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ: يدرِك بولس أن البعض قد يعتقد أنه ضد الناموس، لكنه ليس كذلك على الإطلاق. ومن الصحيح أنه يجب أن نموت عن الخطية (رومية ٢:٦) وأنه يجب أن نموت للناموس (رومية ٤:٧)، لكن هذا لا يعني أن بولس يُساوي بين الخطية والناموس. فالمشكلة فينا، وليست في الناموس. ومع ذلك، فإن الخطية تفسد عمل أو تأثير الناموس، ولذا يجب أن نموت عن كليهما.
ثالثًا. غرض الناموس وسماته.
أ ) الآية (١٣): يكشف الناموس الخطية ويضخمها.
١٣فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتًا؟ حَاشَا! بَلِ الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا، لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّةِ.
١. الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا: على الرغم من أن الناموس يثير طبيعتنا الخاطئة، لكننا نستطيع أن نستخدم هذا للخير، لأنه يفضَح إثمنا العميق. ففي نهاية المطاف، إن كانت الخطية تستطيع أن تستخدم شيئًا جيدًا مثل الناموس في الترويج للشر، فهذا يُظهر مدى شر الخطية.
• نحن بحاجة إلى أن تَظْهَرَ الخَطِيَّةً كخطية فعلًا، فهي تريد دائمًا أن تختبئ بداخلنا لتخفي حقيقة عمقها وقوتها. “هذه واحدة من أكثر نتائج الخطية بؤسًا لإنها تؤذينا كثيرًا عندما تسلبنا القدرة على إدراك مدى الضرر الذي أصابنا. فهي تُضعف بِنية الإنسان، وعلى الرغم من ذلك تقوده إلى التفاخر بصحته التي لا تكل؛ وتُفقِره وتقول له أنه غني؛ وتُجرده من ثيابه وتجعله يتباهى بملابسه الفاخرة.” سبيرجن (Spurgeon)
• “الناموس إذًا هو الأداة الكُبرى في أيدي خادم أمين لتنبيه وإيقاظ الخطاة.” كلارك (Clarke)
٢. لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّةِ: في ضوء ما جاء بالناموس تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بطريقتين. الأولى، أن الناموس يُظهِر كم أن الخطية خاطئة جدًا. والثانية، لأن الناموس يثير طبيعتها الشريرة.
• “بدلًا من أن يكون الناموس هو المحرك الذي يمنحنا القوة على الغلبة، يُصبِح هو المغناطيس الذي يُخرِج كل أنواع الخطية والفساد التي بداخلنا.” ويرزبي (Wiersbe)
• خَاطِئَةً جِدًّا: “لماذا لم يقل بولس “سوداء جدًا” أو “رهيبة جدًا أو “مُميتة جدًا”؟ لأنه لا يوجد في العالم ما هو أسوأ من الخطية. فعندما أراد أن يستخدم أسوأ كلمة يمكنه أن يُطلقها على الخطية، أطلق عليها اسمها وكرره: الخطية خاطئة جدًا.” سبيرجن (Spurgeon)
ب) الآية (١٤): لا يمكن للناموس الروحي أن يُقيد إنسان جسدي.
١٤فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ.
١. أَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ: إن كلمة جَسَدِيٌّ تعني ببساطة “الجسد.” فبولس يعترف هنا أن الناموس الروحي لا يمكن أن يساعد الإنسان الجَسَدِيٌّ.
• تستخدم كلمة جَسَدِيٌّ الكلمة اليونانية القديمة sarkikos والتي تعني “يتميز بالأعمال الجسدية أو الشهوانية.” وفي هذا النص تتحدث الكلمة عن شخص يمكنه وينبغي عليه أن يتصرف بشكل مختلف لكنه لا يفعل ذلك. فيرى بولس هذا الإنسان الجسدي الشهواني في ذاته ويعرف أن النَّامُوسَ بالرغم من كونه رُوحِيٌّ ليس لديه إجابة لطبيعته الجسدية الشهوانية.
٢. مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ: بولس عبد تَحْتَ الْخَطِيَّةِ ولا يستطيع النَّامُوسَ مساعدته. فهو مثل إنسان تم إلقاء القبض عليه واُلقي في السجن من أجل جريمة ارتكبها. فلن يستطيع القانون أن يساعده إلا إذا كان بريئًا. أما بولس فهو يعرف أنه مُذنب وأن الناموس سيترافع ضده وليس عنه.
٣. على الرغم من قول بولس أنه جَسَدِيٌّ، إلا إن هذا لا يعني أنه ليس مؤمنًا، فإدراكه لكونه جَسَدِيٌّ يدل على أن الله غير حياته.
• قال لوثر (Luther) تعليقًا على عبارة بولس “أَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ: “هذا دليل على أن الإنسان روحي وحكيم. فهو يعرف أنه جسدي ومستاء من نفسه؛ بل هو في الواقع يكره نفسه ويمدح ناموس الله الذي يستطيع أن يميزه لأنه إنسان روحي. ولكن الدليل على أن الإنسان جسدي وأحمق هو أنه يعتبر نفسه إنسانًا روحيًا ويرضى عن نفسه.”
رابعًا. صراع الطاعة بقوتنا الشخصية.
أ ) الآيات (١٥-١٩): يصف بولس إحساسه بالعجز.
١٥لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. ١٦فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. ١٧فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. ١٨فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. ١٩لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ.
١. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ: ليست مشكلة بولس افتقاره للرغبة، فهو يريد أن يفعل الصواب (لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ). وليست مشكلته المعرفة لأنه يعرف ما هو الصواب. إنما مشكلته تكمن في افتقاره للقوة: أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. فهو يفتقر إلى القوة لأن الناموس لا يمنح أي قوة.
• يقول الناموس: “ها هي القواعد ويجب أن تحفظها.” لكنه لا يمنحنا القوة لحفظها.
٢. لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ: هل ينكر بولس مسئوليته كخاطئ؟ لا، فهو يدرك أنه عندما يخطئ فإنه يعمل ضد طبيعته كإنسان جديد في يسوع المسيح. ويجب على المؤمن أن يعترف بخطيته، بينما يدرك أن الدافع للخطية لا ينبع من حقيقتنا كمؤمنين في يسوع المسيح.
• “لكي يُخَلص الإنسان من الخطية، يجب عليه أن يمتلكها وفي نفس الوقت أن يتبرأ منها؛ هذا هو التناقض الذي ينعكس في هذه الآية. قد يقولها مؤمن حقيقي في لحظة من لحظات الشغف، لكن من الأفضل للخاطئ ألا يتخذها كمبدأ.” ويست (Wuest)
ب) الآيات (٢٠-٢٣) المعركة بين طبيعتين.
٢٠فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. ٢١إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. ٢٢فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. ٢٣وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي.
١. أَجِدُ النَّامُوسَ لِي، أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي (الترجمة العربية المبسطة: ٢١وَهَكَذَا، تَعَلَّمْتُ هَذِهِ القَاعِدةَ: عِنْدَمَا أُريدُ أنْ أفعَلَ شَيْئًا صَالِحًا، أجِدُ أنَّ الشَّرَّ دَائِمًا عِندِي!): أي شخص حاول من قبل أن يفعل الخير يعي تمامًا هذا الصراع، فنحن لا نعرف أبدًا مدى صعوبة التوقف عن فعل الخطية إلا عندما نحاول. “لا أحد يعرف إلى أي مدى هو شخص سيء حتى يحاول أن يكون صالحًا.” سي. إس. لويس (C.S. Lewis)
٢. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ: يعرف بولس أن إِنْسَانِه الْبَاطِنِ (أو أعْمَاقِ كَيَانِه) يسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ ويفهم أن الدافع وراء الخطية يأتي من نَامُوس آخَرَ فِي أَعْضَائِه. فبولس يعرف أن “الذات الحقيقية” هي التي تسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ.
• الإنسان القديم ليس هو بولس الحقيقي؛ فالإنسان القديم قد مات. والجسد ليس هو بولس الحقيقي، فالجسد مقدر له أن يموت ويقوم. وأما الإنسان الجديد فهو بولس الحقيقي؛ والآن يواجه بولس التحدي أن يعيش كما خلقه الله.
• هناك جدل بين المؤمنين حول ما إذا كان بولس مؤمنًا وقت التجربة التي وصفها. فالبعض يرى أن صراعه مع الخطية لا بد أنه كان قبل ولادته الثانية. ويعتقد آخرون أنه مجرد مؤمن يصارع الخطية. وفي الحقيقة إن هذا سؤال لا علاقة له بالموضوع، لأن هذا الصراع هو صراع كل من يحاول أن يطيع الله بقوته الخاصة، وهذه التجربة من الصراع والهزيمة قد يختبرها المؤمن، ولا يمكن لغير المؤمن أن يختبرها.
• قال موريس (Morris) نقلًا عن جريفيث توماس (Thomas Griffith): “تصف هذه النصوص إنسانًا يحاول أن يكون صالحًا ومقدسًا بجهوده الخاصة ويُهزم في كل مرة بقوة الخطية المستقرة بداخله؛ وبالتالي فهو يشير إلى أي شخص سواء كان قد ولد ثانية أم لا.”
٣. يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، ويسبني إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ: الخطية قادرة على الحرب داخل بولس والفوز لأنه لا توجد قوة في نفسه غير ذاته توقفه عن فعل الخطية. وهكذا أُمسك بولس في محاولة عاجزة يائسة لمحاربة الخطية بقوة الذات.
خامسًا. الانتصار في يسوع المسيح
أ ) الآية (٢٤): يأس بولس ووجهة نظره.
٢٤وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟ وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟
١. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!: تعني كلمة شَّقِيُّ حرفيًا في اليونانية القديمة “بائس بسبب إرهاق العمل الشاق.” فبولس كان منهكًا وبائسًا تمامًا بسبب جهوده غير الناجحة لإرضاء الله تحت مبدأ الناموس.
• “يجدر بنا أن نضع في اعتبارنا أن القديسين العظماء عبر العصور لم يروا أنفسهم صالحين بل كانوا يميلون إلى النوح بسبب إثمهم.” موريس (Morris)
• التقيد بالناموس يأتي بالإنسان دائمًا إلى مواجهة بؤسه، وإذا ظل متقيدًا بالناموس، سوف يتفاعل بإحدى الطريقتين؛ إما أن ينكر بؤسه ويصير فريسي ذاتي البر أو ييأس بسبب بؤسه ويتخلى عن إتباع الله.
٢. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! تُظهر هذه العبارة يأس بولس من النجاة وشعوره بالعجز والإثم. يجب أن نأتي نحن أيضًا إلى نفس منطقة اليأس لنجد النُصرة.
• يجب أن تكون رغبتك أكثر من مجرد أمل مُبهم بأن تكون أفضل. فعليك أن تصرخ ضد ذاتك وتصرخ لله بذات اليأس الذي كان لدى بولس.
٣. مَنْ يُنْقِذُنِي: يتحول نظر بولس في النهاية إلى شيء (في الواقع إلى شخص) خارج ذاته. فقد أشار بولس إلى ذاته ٤٠ مرة منذ رومية ١٣:٧. وفي جوف صراعه الفاشل ضد الخطية، صب بولس كل اهتمامه على ذاته التي كان مهووسًا بها. فهذا هو المكان الذي يعيش فيه أي مؤمن تحت الناموس، فينظر إلى الذات وإلى أدائه الشخصي بدلًا من النظر أولًا إلى يسوع.
• تشير عبارة “مَنْ يُنْقِذُنِي” إلى أن بولس قد تخلى عن ذاته وبدأ يسأل “مَنْ يُنْقِذُنِي؟” بدلًا من أن يسأل “كيف أُخلص ذاتي؟”
• “هذا ليس تعبير شخص يائس أو شكاك بل هو تعبير شخص يلهث وراء الخلاص.” بوله (Poole)
٤. مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟: يرى بعض المُفسرين في وصف بولس لجَسَدِ هذَا الْمَوْتِ إشارة إلى الملوك القدماء الذين كانوا يعذبون سجناءهم بتقييدهم إلى جثث متحللة. فقد كان بولس يتوق إلى التحرر مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ العالق به.
• “كانت العادة عند الطغاة القدماء عندما كانوا يريدون معاقبة إنسان عقابًا مخيفًا، أن يقيدوا ظهره بشكل وثيق بظهر جثة متعفنة وفاسدة، وكان عليه أن يسحبها معه أينما ذهب. والآن، هذا ما يجب على المؤمن أن يفعله؛ فلديه في داخله حياة جديدة ومبدأ حي وضعه الروح القدس بداخله، لكنه يشعر أنه في كل يوم عليه أن يسحب معه هذا الجسد الميت، هذا الجسد الكريه والشنيع والبغيض إلى حياته الجديدة، كما ترافق جثة ميتة كريهة إنسان حي.” سبيرجن (Spurgeon)
• يرى آخرون في هذا الوصف إشارة إلى الخطية بشكل عام، مثل موراي (Murray): “إن كلمة جسد تعني كتلة، وجسد الموت يعني الكتلة الكلية للخطية. وبالتالي كان بولس يتوق أن يُنقذ من خطيته بكل جوانبها وعواقبها.”
• تعني جملة “جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ” الكتلة الكلية للخطية أو تلك المكونات التي يتكون منها الإنسان الكامل؛ باستثناء أنه لا يتبقى منها فيه سوى البقايا بسبب قيود الأسر التي كان ممسوكًا بها.” كالفن (Calvin)
ب) الآية (٢٥): ينظر بولس في النهاية إلى خارج ذاته؛ إلى يسوع.
٢٥أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ.
١. أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا: وجه بولس نظره في النهاية إلى يسوع، وما أن فعل ذلك حتى بدأ يَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.
• تعني كلمة “بِيَسُوعَ“ أن بولس يرى يسوع يقف بينه وبين الله ليسد الفجوة ويفتح الطريق إلى الله. وتعني كلمة رَبِّنَا أن بولس قد وضع يسوع في المكان الصحيح؛ كــرَب وسيد على حياته.
٢. إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ: يعترف بولس بحالة الصراع لكنه يشكر الله على الانتصار في يسوع. فبولس لا يدّعي أن النظر إلى يسوع يزيل الصراع – فيسوع يعمل من خلالنا وليس نيابةً عنا في المعركة ضد الخطية.
• تظل الحقيقة المجيدة أنه يوجد انتصار في يسوع! فقد جاء يسوع إلى الأرض ومات لا ليعطينا قوانينًا أفضل، ولكن لكي يحقق انتصاره من خلال أولئك الذين يؤمنون. فرسالة الإنجيل هي أنه يوجد انتصار على الخطية والكراهية والموت وكل أنواع الشرور عندما نُسلم حياتنا ليسوع وندعه يحقق الانتصار من خلالنا.
٢. بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا: يوضح بولس أنه على الرغم من أن الناموس مجيد وصالح إلا أنه لا يستطيع أن يُنقذنا وأننا بحاجة إلى مخلص. فلم يجد بولس أبدًا أي سلام أو تمجيد لله إلا عندما نظر خارج ذاته وبعيدًا عن الناموس، نظر إلى مخلصه يسوع المسيح.
• اعتقدت أن مشكلتك تكمن في أنك لم تكن تعرف ما يجب فعله لإنقاذ نفسك – لكن الناموس جاء كمعلم، كي يعلمك ما يجب عليك فعله وما زلت لا تستطيع فعله. فأنت لست بحاجة إلى معلم بل أنت بحاجة إلى مخلص.
• اعتقدت أن مشكلتك تكمن في أنك لم تكن متحمسًا بالقدر الكافي، لكن الناموس جاء كمدرب ليشجعك على القيام بما تحتاج إليه ولكنك لم تستطع أن تفعله. فأنت لست بحاجة إلى مدرب أو متحدث تحفيزي بل أنت بحاجة إلى مخلص.
• اعتقدت أن مشكلتك تكمن في أنك لم تكن تعرف ذاتك جيدًا، لكن الناموس جاء كطبيب وشخّص تمامًا مشكلة خطيتك، لكنه لم يستطع أن يشفيك. فأنت لست بحاجة إلى طبيب بل أنت بحاجة إلى مخلص.