١. مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ: أوضح بولس بعناية في رومية ٢ إن امتلاك الناموس أو الختان لن يخلص اليهودي. ولكن إذا كان هذا هو الحال، فما الفائدة إذًا من كونه “شعب الله المُختار؟”
• في النهاية، إذا لم يكن عند الله محاباة (رومية ١١:٢) فما هي فائدة أن تكون يهوديًا؟
٢. كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ!: يعرف بولس أن هناك العديد من الامتيازات التي منحها الله للشعب اليهودي. فلقد ائتمنهم على أَقْوَالِه، أي وحي الله المكتوب قبل زمَن يسوع. أعطى الله للشعب اليهودي كلمته، وهذه عَطية لا توصف.
• “كان هذا امتيازهم الرئيسي، كونهم حافظي كتب الله، وقد ائتُمنوا على هذا الكنز السماوي.” تراب (Trapp)
• سيسهب بولس فيما بعد في شرح فَضْل الشعب اليهودي في رومية ٤:٩، موضحًا أن إسرائيل كان لهم أيضًا التبني والمجد والعهود والناموس وخدمة الله والوعود.
ب) الآيات (٣-٤): عدم إيمان وأمانة اليهود لا يجعل الله مخطئًا.
١. فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟: حقيقة أن الشعب اليهودي قد رفض الإنجيل لا تعني أن أمانة الله لهم وعمله معهم باطل أو بلا فائدة.
• “علي أن أتفق مع بولس وأقول: ’فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يؤمنوا؟‘ هذا ليس أمرًا جديدًا، لأنه دائمًا ما كان يوجد بعض الرافضين لوحي الله. ولكن، ماذا بعد؟ فمن الأفضل لنا أن نستمر في الإيمان فاحصين أنفسنا حتى نُبرهن على أمانة الله ونحيا مثل السيد المسيح، حتى وإن ظهر المزيد والمزيد من المُشككين. فالإنجيل ليس فاشلًا كما يعرِف الكثيرون منا.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا: يُذكرنا بولس أن الله سيتبرر في جميع أعماله. ففي نهاية المطاف، حتى إثمنا سوف يُبَرهِن بطريقة ما على بره ومجده، حتى ولو من خلال الدينونة.
• “إن قال أحد إن وعد الله قد أخفق من نحوه، فليفحص قلبه وطرقه وسيجد أنه قد حاد عن الطريق الذي يستطيع الله فيه أن يحقق الوعد بما يتفق مع قداسته وحقه.” كلارك (Clarke)
• قال سبيرجن تعليقًا على الآية لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا: “يا له من تعبير غريب وقوي. ولكن إن قال الله شيئًا، وقال العالم كله شيئًا آخر، فكلمة الله حق وكل كلام العالم باطل. فالله يتكلم بالحَق ولا يستطيع أن يكذب. والله لا يتغير وكلمته مثله، غير قابلة للتغيير. وعلينا أن نصدق حق الله حتى وإن لم يصدقه أي شخصٍ آخر. فالإجماع العام على رأي ما لا يعني شيء بالنسبة للشخص المؤمن. فهو يؤمن بكلمة الله، وهي بالنسبة له تعلو فوق رأي العالم أجمَع.”
١. لكِنْ إِنْ كَانَ إِثْمُنَا يُبَيِّنُ بِرَّ اللهِ، فَمَاذَا نَقُولُ؟: يأتي بولس بالحجة المضادة للمُعترض: “إن كان إثمي سيُظهِر بر الله، فكيف يمكن لله أن يدينني في النهاية إذا كانت خطيتي تزيد من مَجده!”
٢. أَلَعَلَّ اللهَ الَّذِي يَجْلِبُ الْغَضَبَ ظَالِمٌ؟: كان بولس على دراية بطريقة التفكير التي تقول: “بما أن الله هو المسيطر على كل شيء، فحتى إرادتي الشريرة ستُظهر بره في نهاية الأمر. وبذلك يكون الله ظَالِمًا إذا جلب عليَّ غَضَبَه، لأني مُجَرَد أداة في يده.”
• من الناحية النظرية، من أكثر الأمثلة المأساوية لأي شخص يطرح مثل هذا السؤال هو يهوذا. أيمكنك أن تتخيله وهو يدافع عن قضيته قائلًا: “يا رب، أنا أعلم أني خنت يسوع، لكنك استخدمت ذلك للخير. وحقيقة الأمر، إن لم أكُن قد فعلت ذلك، لَما ذهب يسوع للصليب مطلقًا. فما فعلته قد أتَم ما جاء بالكلمة المقدسة. فكيف يمكنك أن تدينني؟” قد يكون الجواب على يهوذا كالتالي: “نعم، لقد استخدم الله شَرَك ولكنه يبَقى شرك أنت. فلم يكن هناك أي صلاح أو دافع نقي في قلبك على الإطلاق. وليس لك أي فضل في أن الله جلب خيرًا من فعلك الشرير. فأنت مذنب أمام الله”.
٣. أَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ: هذا لا يعني أن بولس لا يتكلم بوحي الروح القدس أو بالسلطة الرسولية، لكنه يوضح أن الإنسان الخاطئ فقط هو من يجرؤ على التشكيك في عدل الله.
١. حَاشَا! فَكَيْفَ يَدِينُ اللهُ الْعَالَمَ؟: يفند بولس سؤال الخِصم بسهولة. فإن سارت الأمور مثلما قدمها مَن يعترض، فلن يستطيع الله أن يدين أحدًا قط.
• صحيح أن الله يستخدم حتى إثم الإنسان لكي يُتمم عمله ويُمَجِد اسمه – وتُعتبر خيانة يهوذا ليسوع هي خير مثال على ذلك. ومع هذا، فإن إحدى الطُرُق التي يمجد الله بها ذاته، هي عن طريق دينونته العادلة للإثم.
٢. كَيْفَ يَدِينُ اللهُ الْعَالَمَ؟: كان بولس وقراؤه على يقين أن يوم الدينونة قادم، وفيه يُبَرأ البعض ويُدان البعض الآخر. فلم يكن بولس بحاجة إلى الخوض في هذا الأمر لأنه كان مفهومًا تمامًا بالنسبة لتلك الثقافة.
• أدرك بولس أن الله سيَدِينُ الْعَالَمَ، سواء اليهود أو الأمم. ففي أيام بولس ظن الكثير من اليهود أن الله سيدين الأمم على خطيتهم وأنه سيخلص اليهود بالرغم من خطيتهم.
٣. فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟ يكرر بولس اعتراض السائل الوهمي: “فإن كان الله سيُمَجِد ذاته من خلال كذبي، فكيف له أن يدينني بما أنني سأزيد من مجده بطريقة غير مباشرة؟”
٤. لِنَفْعَلِ السَيِّئَاتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ: كان هذا انحرافًا عن عقيدة بولس عن التبرير بالإيمان، وامتدادًا لاعتراض السائل الوهمي الذي اخترعه بولس. وإذا فكرت مليًا في اعتراض هذا الخصم الوهمي لبولس، فستقول في النهاية: “دعونا نخطئ بقدر ما نستطيع حتى يزداد مجد الله.” وهذا يوضح لنا أن إحدى الطرق التي بها نستطيع فَحص أي تعليم، هو أن نوسع معناه وعواقبه حتى نرى إلى أين يقود في النهاية.
• بالطبع، «لِنَفْعَلِ السَيِّئَاتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ» لم يكن هذا ما علم به بولس، ولكن كان يُفْتَرَى عَلَيْه بأنه يعلم بهذا الكلام. ومع ذلك، يمكننا بسهولة أن نرى كيف اتهموا بولس بهذا عندما كان يعظ عن الغفران والخلاص بالنعمة من خلال الإيمان بيسوع كعطية مجانية وليس بالأعمال.
• معظم كنائسنا اليوم لا تُعلم عن هذه النعمة المجانية التي كان بولس يُبَشِر بها، وبالتالي من المستحيل أن يفتروا علينا ويزعمون أننا نعلم: «لِنَفْعَلِ السَيِّئَاتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ». ولكن إذا وجدنا أنفسنا متهمين بأننا نعظ بإنجيل “منفتح جدًا” يُركِز بشكل خاص على الإيمان والنعمة وعلى عمل الله، فحينئذٍ سنجد أنفسنا شركاء لبولس.
٥. دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ: لن يجيب بولس على مثل هذا التحريف العبثي لإنجيله. فيقول ببساطة عن أولئك الذين يعلّمون مثل هذه الأشياء أو يتهمونه بتعليمها أن دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ. فالله يدين بحق كل من يُعلم أو يؤمن بشيء من هذا القبيل.
• إن تحوير العطية المجانية المجيدة التي وهبها لنا الله في يسوع إلى رخصة للخطية يعتبر ذروة الفساد البشري. فهذا تحريف وسخرية وانحراف عن أجمل عطايا الله. فبولس أخر الحديث عنه للنهاية، لأنه يفوق الفساد الوثني (رومية ٢٤:١-٣٢)، والرياء الأخلاقي (رومية ١:٢-٥)، وثقة اليهودي المزيفة (رومية ١٧:٢-٢٩).
١. أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَ الْبَتَّةَ!: بما أن بولس كان يهوديًا بالمولِد والجنس (فيلبي ٤:٣-٦)، فإنه عندما يقول “نَحْنُ” فهو يعني “نَحْنُ اليهود.” والفكرة أن اليهودي بالطبيعة، ليس مُبررًا أمام الله أكثر من الوثني أو الأخلاقي. ويوضح بولس أن الوثني والأخلاقي واليهودي هم جميعًا تَحْتَ الْخَطِيَّةِ وتحت الدينونة.
٢. تَحْتَ الْخَطِيَّةِ: يا لها من عبارة قوية. فهذه الجملة تتكلم عن عبودية الخطية، وتعني حرفيًا “مباع تَحْتَ الْخَطِيَّةِ.” فكل شخص بالطبيعة يعرف معنى أن يكون عبدًا للخطية، الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّونَ على السواء.
• “تحت سلطان الخطية، ولكن على وجه الخصوص تحت إثم الخطية.” بوله (Poole).
• كتب موريس (Morris) تعليقًا على تَحْتَ الْخَطِيَّةِ كالتالي: “إنه يعتبر الخطية مثل الحاكم الطاغية الذي يضع الخطاة تحت سيادته (في ترجمة أورشليم للكتاب المقدس: “تحت سيادة الخطية”) فلا يستطيعون الخلاص.”
ب) الآيات (١٠-١٨): العهد القديم يشهد على فساد وإثم البشرية.
١. أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ: هذه الاقتباسات من سفر المزامير (مزامير ١:١٤-٣، ٩:٥، ٣:١٤٠، ٧:١٠ و١:٣٦) ومن إشعياء ٧:٥٩-٨ وكلها تدعم هذه العبارة الافتتاحية.
• ينظر بولس إلى الحالة البشرية من أعلى إلى أسفل. فيبدأ بالرأس ثم ينتقل إلى القدمين. وقد قال وارين ويرزبي (Warren Wiersbe) عن هذا المقطع أنه: “دراسة بالأشعة السينية (أشعة أكس) على الخاطئ الضال، من الرأس إلى القدم”.
• هذه النظرة إلى الحالة البشرية تبعث على الكآبة، فما هو المغزى منها؟ المغزى هو أن الرسول بولس يريدنا أن ندرك عجزنا التام عن خلاص أنفسنا. فالسقوط يمس كل جزء في الكيان البشري، وأجزاء الجسم التي أفسدها السقوط تبرهن على ذلك.
٢. أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ: عندما يقول الله أنه ليس بارٌ ولا واحد، فهذا لأنه لا يوجد بالفعل شخص بار واحد. فالأمر ليس وكأن هناك البعض ولكن الله لم يراهم. فليس هناك رجلًا بارًا حقًا غير يسوع المسيح. “حتى آدم لم يكن بارًا: لقد كان بريئًا – لا يعرف الخير والشر.” نيويل ( (Newell
٣. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ: نحن نخدع أنفسنا حينما نظن أن الإنسان، بمفرده، يبحث حقًا عن الله. وقد يقول قائل ألا يُظهِر الدين والطقوس والممارسات منذ بداية الزمن أن الإنسان يبحث عن الله؟ كلا، على الاطلاق. فإن شرع الإنسان في البحث فإنه لا يبحَث عن الإله الحقيقي، إله الكتاب المقدس، بل يسعى إلى معبود يصنعه بنفسه.
• “ربما تكون قد اختبرت شكلًا من العبادة، ولكنك لم تكن تبحَث عن الله. فقد تعبت من هذا التدين الفارغ الذي نشاهده في كل مكان. فهو ليس شركة مع الله ولا يجعلنا نَصِل إلى الله، والواقع أن الله غير موجود به على الإطلاق.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. فَسَدُوا مَعًا (صَارُوا بِلَا جَدوَى): كلمة فَسَدُوا تحمل فكرة الفاكهة المتعفنة، فهي تتحدث عن شيء فاسد وبالتالي فهو بلا فائدة.
٥. حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ: بهذه الإشارات من سفر المزامير، يدعو بولس كل جزء من جسد الإنسان كمذنب: الحنجرة واللسان والشفاه والفم والقدمين والعينين ممتلئون بالخطية والتمرد ضد الله.
• أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ: “لمزيد من التفاصيل، اقرأ الصحف اليومية!” نيويل (Newell). فعلى سبيل المثال، ذكرت صحيفة لوس أنجيلوس تايمز أنه في عام ١٩٩٢ وصل عدد جرائم القتل في مقاطعة لوس أنجيلوس إلى ٨٠٠ جريمة وهو رقم قياسي.
٦. لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ: هذه الجملة تلخص الفكرة كلها. فكل خطية وتمرد ضد الله إنما هو بسبب أننا لا نكن له الاحترام الصحيح. فأينما توجد الخطية، لا يوجد خوف الله.
• قال جون كالفن (John Calvin) عن خَوْفُ الله: “خوف الله باختصار، هو كاللجام الذي يكبح شرنا، فحينما يغيب، نشعر بحرية الانغماس في كل دَرب من دروب الفسق.”
ج ) الآيات (١٩-٢٠): الخلاصة: لن يستطيع الناموس أن يخلصنا من خطيتنا ومن العقوبة التي نستحقها.
١. كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ: يوضِح بولس أن هذا الوصف المروع لخطية الإنسان يأتي إلينا في سياق أقوال النَّامُوسِ، والمعنيون به هُم الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ، لسد فم كل ناقد ولإظهار إثم البشرية – لِكَيْ يَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ.
• “يُمكِننا أن نضيف أنه على الرغم من أن كل الرذائل الواردة هنا قد لا توجد بشكل واضح في كل فرد، إلا أنها تُنسب بعدل وحق للطبيعة البشرية، كما لاحظنا بالفعل.” كالفن (Calvin)
٢. فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ: إذا كان الله قد تكلم هكذا لأولئك الذين كان لديهم الناموس وحاولوا العمل به، فمن الواضح أنه بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ.
• تذكر أن العديد من اليهود في أيام بولس، كانوا يأخذون كل مقاطع العهد القديم، التي تَصِف الشر، ويطبقونها على الأمم فقط وليس على أنفسهم. بينما يوضح بولس أن الله يتحدث إلى هؤلاء الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ.
٣. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ: لن يستطيع الناموس أن يخلصنا ولن يبرر أحدًا. فهو فقط يفيدنا في مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ، ولكنه لن يخلصنا.
• منذ زمن آدم وحواء، والناس يحاولون تبرير أنفسهم بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. ففي جنة عدن، حاول آدم أن يغطي جسده بصُنع أغطية من أوراق التين -ولكنه فشل. وفي سفر أيوب، أقدم أسفار الكتاب المقدس، تم عرض المشكلة بوضوح: “كيف يتبرر الإنسان عند الله؟” (سفر أيوب ٢:٩). ويوضِح الله جزء من الجواب هنا من خلال بولس: أنه ليس بالأعمال الصالحة، أي أَعْمَالِ النَّامُوسِ.
• كم نحتاج أن نفهم هذا جيدًا: أَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ.
• هذا يعني أن الناموس، بعد كسره، لا يمكنه إلا أن يديننا ولا يستطيع أبدًا أن يخلصنا.
• هذا يعني أنه حتى لو استطعنا أن نبدأ الآن في حفظ ناموس الله بالكامِل، فهذا لن يعوض عن عصيان الماضي أو يزيل الإثم الحاضر.
• هذا يعني أن حفظ الناموس ليس هو طريق الله للخلاص أو للحصول على البركة تحت العهد الجديد.
٤. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ: يعيد جي. بي. فيليب (J.B. Phillip) صياغة هذه العبارة بأسلوب مُدهش، فيكتب: “إن استقامة الناموس هي التي تُبين لنا مدى اعوجاجنا.”
• “لئلا يعتقد أيًا منّا أن الناموس هكذا بلا نَفع، يستمر بولس في توضيح فائدته، لكنها فائدة تختلف تمامًا عما كانوا يقصدون.” بوله (Poole)
١. وَأَمَّا الآنَ: هذه الكلمات تقدم أروع انتقال من الدينونة في رومية ٢٠:٣ إلى التبرير في رومية ٢١:٣.
• وَأَمَّا الآنَ: تتحدث عن الحياة الجديدة في يسوع المسيح، فهذا هو حقًا العهد الجديد. وجملة: مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ تُذكرنا بأن الله لا يزال يعمل.
٢. بِدُونِ النَّامُوسِ: لا يقدِر الناموس أن يخلصنا، لكن الله يكشف عن البِرُّ الذي سيخلصنا بِدُونِ النَّامُوسِ (بعيدًا عن الناموس). فهذا هو جوهر خطة الله للخلاص في يسوع المسيح. إنه خلاص يقدم بِدُونِ النَّامُوسِ، دون أن نربحه أو نستحقه وبلا أي مؤهلات.
٣. مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ: هذا البِرُّ ليس بجديد، لم “يخترعه” بولس. فقد تم التنبؤ به منذ زمن بعيد ومَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ. وقد قال العهد القديم إن هذا البِرُّ سوف يأتي.
٤. بِدُونِ النَّامُوسِ: ليس الأمر أن بِرُّ اللهِ ظهر بمنأى عن العهد القديم، لكنه ظهر بمعزل عن الناموس. فالبر مستقل عن الناموس أي العلاقة القانونية مع الله، ومبني على فكرة الكسب والاستحقاق أمامه.
• “يضع الشخص اليوناني هذه العبارة العظيمة، بدون الناموس (choris nomou) في المقدمة. وهذا يوضح بقوة الانفصال الكامل لهذا البر الإلهي عن أي أعمال يقوم بها الإنسان بحسب الناموس.” نيويل (Newell)
• إن بِر الله لا يُقدَّم لنا لكي نتحدى معياره الكامل بقدرتنا على حِفظ الناموس، ولا يُعطى لنا لتكميل برنا الخاص، بل هو مُعطى كليًا لنا بِدُونِ محاولاتنا لتبرير أنفسنا.
١. إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ: يُخبرنا بولس في رومية ٢١:٣ كيف لا يأتي هذا البر من خلال أعمال الناموس بل بمعزل عن الناموس. والآن، يخبرنا بولس كيف يأتي هذا البر المُخلص، بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ.
٢. بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ: نحن لا نَحصُل على بِر الله بسبب الإيمان ولكنه لنا بِالإِيمَانِ. فنحن لا نربح البر بإيماننا، بل نَتَسَلَم البر بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.
• بِالإِيمَانِ:“تشير إلى حقيقة أن الإيمان لا يجعلنا نربَح الخلاص عن استحقاق. فالإيمان ليس أكثر من وسيلة من خلالها تُمنح الهبه.” موريس (Morris)
• “لكن الإيمان لا يعني أن ’نثق‘ أو ’نتوقع‘ من الله أن يفعل شيئًا، بل أن نعتمد على شهادته المتعلقة بشخص المسيح كابنه، وبعمل المسيح من أجلنا على الصليب… فبعد الإيمان المُخَلِص، تبدأ حياة الثقة. والثقة هي التطَلُع الدائم إلى ما سيفعله الله؛ لكن الإيمان يرى أن ما يقوله الله قد تم بالفعل، ويصَدِق كلمة الله ويوقِن أنها صادقة نحونا.” نيويل (Newell)
٣. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ: لا توجد طريقة أخرى للحصول على هذا البر. فهذا البر لا يُربح من خلال طاعة الناموس بل هو بر يُربح من خلال الإيمان بيسوع المسيح.
• “هناك كتاب صغير بعنوان: ’كل إنسان هو محامي نفسه الخاص.‘ فيظُن البَعض في هذه الأيام أن كل إنسان هو مخلص نفسه، ولكن لو كان لدي على سبيل المثال، اثنا عشر إنجيل، وكان علي أن أفرزها وأعطي الإنجيل المناسب للشخص المناسب، فأنا في ورطة! لأني أعتقد أنه في كثير من الأحيان، علي أن أعطي إنجيلك لشخص آخر، وأن أعطيك أنت إنجيل الشخص الآخر؛ ياله من تشويش! ولكننا الآن نملك علاج واحد عالمي… دم يسوع المسيح وبره سوف يخلصان كل إنسان يثق به، ’لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ.‘” سبيرجن (Spurgeon)
ج) الآيات (٢٣-٢٤): الاحتياج العام للإنسان والعرض الذي يقدمه الله للعالم.
١. مُتَبَرِّرِينَ: يبني بولس تعليمه عن الخلاص حول ثلاثة مواضيع:
• التبرير هو صورة من محكمة الناموس.
• الفداء هو صورة من سوق العبيد.
• الكفارة هي صورة من عالم الدين الذي يسترضي الله من خلال الذبيحة.
• يحل التبرير مشكلة إثم الإنسان أمام قاضٍ بار. ويحل الفداء مشكلة عبودية الإنسان للخطية والعالم والشيطان. وتحل الكفارة مشكلة الإساءة إلى خالقنا.
٢. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله: يتم الرد على هذا البيان العالمي من خلال عرض عالمي: كي نصبح كلنا مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ. وهذا عرض متاح لكل من يؤمن.
• يقتبس موريس (Morris) من موول (Moule) قائلًا: “الزاني والكذاب والقاتل يعوزهم مجد الله، وهذا ينطبق عليك أنت أيضًا. فربما هم يقفون في قاع منجم وأنت على قمة الألب، لكنك مثلهم لا تستطيع أن تَلمِس النجوم.” الجميع زاغوا، لكن الجميع يمكنهم أن يكونوا مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ.
٣. وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله: يتعذر علينا وصف كل الطرق التي من خلالها نعجز في أن نعطي الله المجد الذي يستحقه، لكن ها هي أربعة طرق هامة:
• نحن نعجز في أن نعطي الله المجد الذي يستحقه من خلال كلامنا وأفكارنا وأفعالنا.
• نحن نعجز في أن نبقى مؤهلين وننمو كأولاد لله، وبالتالي نرفض المجد والمكافأة التي يمنحها الله للخدام الأمناء.
• نحن نعجز في أن نعكس مجد الله كما ينبغي من خلال رفضنا للتغيير لنصبح على صورته.
• نحن نعجز في الحصول على المجد الأخير الذي سيهبه الله لشعبه في نهاية الأزمنة.
٤. مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ: الطريقة الوحيدة لكي نتبرر من حالة الخطية هي أن نتبرر مجانًا. فلا يمكننا شراء البر بأعمال صالحة. فإن لم يعطَ لنا مَجانًا، لن نتمكن من الحصول عليه. لذلك فنحن مُتَبَرِّرِونَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ أي إحسانه المُعطى لنا دون استحقاق. وهي عطية مقدمة من المعطي نفسه ولا يتعلق بالشخص الذي يستقبل العطية.
• مَجَّانًا هي الكلمة اليونانية القديمة (dorean). ونستطيع أن نفهم معنى الكلمة من خلال مُلاحظة طريقة استخدامها في مقاطع أخرى من العهد الجديد. فمثلًا في إنجيل متى ٨:١٠ (مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا) وفي سفر الرؤيا ١٧:٢٢ (ومن يُرد فليأخذ ماء حياة مجانًا) تَرِد الكلمة بمعنى مجان بالتمام، وليس “بتخفيض أو بسعر رخيص.” وربما أكثر استخدام لافت للنظر للكلمة اليونانية القديمة dorean نجده في يوحنا ٢٥:١٥: أبغضوني بلا سبب (dorean). فكما كان يسوع لا يستحق بغض الإنسان، هكذا نحن لا نستحق التبرير – فكل الأمر يتعلق بالله.
• يقول كالفن (Calvin) عن استخدام كلمتي مَجَّانًا والنعمة: “إنه يكرر الكلمة لإظهار أن الكل هو من الله ولا شيء منا … ولِئَلاّ نتصور النعمة غير مكتملة، فهو يؤكد بقوة ما يعنيه عن طريق التكرار، ويُرجع مجد برنا فقط إلى رحمة الله “.
٥. بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ: مرة أخرى، يتمركّز إنجيل بولس حول يَسُوعَ الْمَسِيح. فالخلاص ممكن بسبب الْفِدَاء الذي بيسوع. ولا يستطيع الله أن يعطينا بره بدون يسوع المسيح.
٦. الْفِدَاءِ: نجد هنا فكرة استرداد شيء ما عن طريق دَفع التكلفة. ولكن الله هو الذي يقوم بعملية الدفع وهكذا نُصبِح مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا.
• أصل الكلمة التي تُرجمت ’الْفِدَاءِ‘ كانت تستخدم لوصف الإفراج عن أسرى الحرب بدفع ثمن كان يُعرَف “بالفدية.” ومع مرور الزمن، أصبح معنى الكلمة أوسع لتشمل تحرير العبيد، ومرة أخرى عن طريق دفع ثمن.
• فكرة الْفِدَاء تعني أن يسوع اشترانا؛ لذلك نحن ننتمي إليه. وقد عبر بولس عن هذا الفكر في رسالة أخرى: لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيِ للهِ. (كورنثوس الأولى ٢٠:٦).
د ) الآيات (٢٥-٢٦): كيف يرضي موت يسوع دينونة الله العادلة.
١. الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً: يسوع، بموته (بِدَمِهِ) كان كَفَّارَةً (ذبيحة بديلة) لنا. وبإدانته بدلًا عنا، تمكن الآب من إِظْهَارِ بِرِّهِ في إدانة الخطية، بينما صفح عمن يستحقون الدينونة.
• قال وييست (Wuest) عن الكَفَّارَةً: “كانت الكلمة تُستَخدَم في شكلها الأصلي لتَصِف فِعل استرضاء آلهة اليونان عن طريق الذبيحة… وبعبارة أخرى، كانت الذبيحة تقدم كثمن لرد غضب الإله”.
• تُرجمت كلمة كَفَّارَةً في نسخة الترجمة الدولية الحديثة للكتاب المقدس NIV كذبيحة كفارية sacrifice of atonement، وفي ترجمة كتاب الحياة The Living Bible جاءت: يأخذ العقاب عن خطايانا.
٢. كَفَّارَةً: استخدمت الكلمة اليونانية القديمة كَفَّارَةً (hilasterion) في الترجمة السبعينية أيضًا لتصِف كرسي الرحمة، غطاء تابوت العهد، الذي كان يُرش عليه دم الذبيحة للتكفير عن الخطية. وبينما يُمكِن القول إن هذا المقطع يعني أن “يسوع هو كرسي الرحمة بالنسبة لنا” إلا أن الفكرة الأكثر دقة للكَفَّارَةً هي الذبيحة البديلة.
• في الوقت ذاته، لا ينبغي تجاهل فكرة “كرسي الرحمة” كمثال توضيحي للكفارة. فبداخل تابوت العهد كان هناك الدليل على خطية الإنسان العظمى: لوحي الشريعة، والمَن الذي قوبل بعدم الامتنان، وعصا هارون التي أفرخت، مما يُظهِر رفض الإنسان لقيادة الله. وفوق تابوت العهد كان هناك اثنان من الكروبيم الذهبي الجميل كرمز للحضور المقدس للإله المتوج. وبين الإثنين يوجد كرسي الرحمة، حيث كان يُرش دم الذبيحة في يوم الكفارة (سفر اللاويين ١٦) لرَد غضب الله لأن بديلًا قد ذُبِح نيابةً عن الخطاة الذين يأتون بالإيمان. ويمكننا حقًا أن نقول أن يسوع هو “كرسي الرحمة” بالنسبة لنا، واقفًا بين الخطاة المذنبين وبين قداسة الله.
٣. الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً: هذا يدل على أن يسوع لم يكن يُحاول استرضاء أب يرفض ويكره أن يرد غضبه. بل أن الله الآب هو الذي أقدَم على الكفارة: الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ.
٤. مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا: الله، بِإِمْهَالِه، صَّفْح عن خطايا قديسي العهد القديم الذين آمنوا بالمسيا المنتظر. وفي الصليب، لم يتم الصَّفْحِ عن تلك الخطايا، بل دُفع ثمنها أخيرًا.
• الفكرة هي أنه من خلال الذبيحة الحيوانية في العهد القديم، أولئك الذين ترقبوا بإيمان المسيا المنتظر تمت “تغطية” خطاياهم بما يُشبه الإيصالات أو الكمبيالات. ولكن تم استبدال هذا الغطاء المؤقَت بالتسوية الكاملة التي دُفِعَت على الصليب.
• قام عمل يسوع على الصليب بتبرئة الله من تهمة الصفح عن الخطايا التي ارتُكبت قبل الصليب. فتلك الخطايا كان قد صُفح عنها لفترة لكنها قد سُددت أخيرًا.
٥. لِيَكُونَ بَارًّا (عادلًا) وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ: عند الصليب، أظهر الله بره من خلال تقديم التبرير للإنسان (حكم قانوني بأنه “غير مذنب”)، مع بقائه عادلًا (لأن العقوبة العادلة للخطية قد سُددت عند الصليب).
• من السهل أن نرى كيف يمكن لشخص أن يكون بارًا (عادلًا) فقط – أي من يقوم ببساطة بإرسال كل خاطئ مُذنب إلى الجحيم، كما يفعل القاضي العادل. ومن السهل أن نرى كيف يمكن لشخص ما أن يكون المُبَرِر (رحيمًا) فقط – أي من يبرر الجميع ويقول ببساطة لكل خاطئ مُذنب: “أعلن العفو عنك. أنت الآن ’غير مذنب.‘” ولكن الله الوحيد القادر أن يجد طريقة ليكون الإثنين معًا، بَارًّا (عادل) وَيُبَرِّرَ (رحيم)لكل من يؤمن بيسوع.
• “نتعلم هنا كيف أظهر الله بوضوح كل من عدالته ورحمته. فعدله طلب ذبيحة ورفض منح الخلاص لعالم ضال بأي وسيلة أخرى. ورحمته قدمت الذبيحة التي تتطلبها عدالته.” كلارك (Clarke)
هـ) الآية (٢٧): التفاخر بالخلاص الذي يأتي من خلال إنجيل يسوع المسيح.
١. فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟: لا يجب أن يكون له وجود. ولأننا مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ، لا مجال لتهنئة الذات أو التفاخر.
٢. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟: لا مكان للتباهي والتفاخر ليس لأن هناك مقطع معين في الناموس يُحَذِر ضدهم، بل لأن التفاخر يتعارض تمامًا مع الخلاص الذي صار لنا مجانًا بالإيمان. فالتفاخر ينتهي بِنَامُوسِ الإِيمَانِ.
٣. بِنَامُوسِ الإِيمَانِ: لا مجال للتفاخر! ولهذا السبب يكره الإنسان الطبيعي أن يكون متبررًا مجانًا بنعمة الله. فالنعمة ترفض تمامًا الاعتراف بالاستحقاق (المزعوم) ولا تعطي مكانًا للتفاخر على الإطلاق.
و ) الآيات (٢٨-٣٠): لقد وُجد التبرير (تبرئة في محكمة الله)، لكلٍ من اليهود والأمم، بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ.
١. يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ: ليس الأمر أننا متبررون بالإيمان بالإضافة إلى أعمال الناموس التي نستطيع القيام بها. بل نحن نتبرر بالإيمان وحده، بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ.
• “فسر لوثر (Luther) هذا كالتالي: بما أن جميع أعمال الناموس محظورة، فإنه لا يبقى لنا سوى الإيمان وحده. ومنذ زمن لوثر أصبحت عبارة Sola Fide أي ’الإيمان وحده‘ شعارًا.” لينسكي (Lenski)
٢. بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ: ألا يُناقض يعقوب هذا في رسالته ١٤:٢-٢٦؟ كيف يمكننا القول بإن الإيمان وحده هو الذي يخلص، بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ؟
• صحيح أن الإيمان وحده يخلص، ولكن الإيمان الحقيقي المُخَلِص له سمات مميزة. فهو لا يتفق فقط مع حقائق معينة، ولكنه يوجه العقل والإرادة ليتناغموا مع الله. فالغرض من سفر يعقوب بأكمله هو وصف سمات هذا الإيمان المُخلص.
• يوضح كالفن (Calvin): “ما يقوله يعقوب، بأن الإنسان لا يتبرر بالإيمان وحده بل بالأعمال أيضًا لا يتعارض مطلقًا مع وجهة النظر السابقة (الخاصة بالتبرير بالإيمان وحده). ويعتمد التوفيق بين الرأيين بشكل رئيسي على مسار المناقشة التي اتبعها يعقوب. فهو لا يسأل كيف يتبرر الإنسان أمام الله بل كيف يُثبِت للآخرين أنه قد تبرر؛ لأن هدفه كان دحض المرائين الذين كانوا يتفاخرون عبثًا بإيمانهم. فكان قصد يعقوب أن يوضح أن الإنسان لا يتبرر أو يثبُت بره بالإيمان المتظاهر أو الميت بل يجب عليه أن يُوثِق بره بأعماله.
٣. بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا: هذا البر يُقدَّم إلى كلٍ من اليهود والأمم. ويظهر الطابع العالمي لهذا العَرض بحقيقة بسيطة: أَلَيْسَ اللهُ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بالطبع هو كذلك. إن كان هناك إلهًا واحدًا فقط، فإن الله هو إله الأمم بقدر ما هو إله اليهود. والأمر متروك للأمم أن يعرفوه ويؤمنوا به كإله.
٤. لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ: وكما أن هذا البر متاح لكلٍ من اليهود والأمم، فهو يُعطى لكل منهم أيضًا بنفس الطريقة. فبما أن إله واحد هو الذي يُبرر اليهود والأمم، فهو يبررهم بنفس الطريقة: بِالإِيمَانِ… من خلال الإيمان.
١. أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟: قد يسأل أحدهم: “إن كان الناموس لا يُبررنا، فما فائدته؟ يا بولس، أنت قد جعلت الناموس باطلًا وتخالف ناموس الله.”
٢. حَاشَا!: بالطبع لم يجعل بولس الناموس باطلًا. فالرسول سيوضح في الإصحَاح ٤ أن الناموس توقع مجيء إنجيل التبرير بالإيمان بدون أعمال. لذلك، فإن الإنجيل يُرسخ الناموس مُحققًا نبواته.
رسالة رومية – الإصحاح ٣ – متبررون مجانًا بنعمته
أولًا. استقامة أحكام الله
أ ) الآيات (١-٢): أفضلية الشعب اليهودي.
١إِذًا مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ، أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟ ٢كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ! أَمَّا أَوَّلًا فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ.
١. مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ: أوضح بولس بعناية في رومية ٢ إن امتلاك الناموس أو الختان لن يخلص اليهودي. ولكن إذا كان هذا هو الحال، فما الفائدة إذًا من كونه “شعب الله المُختار؟”
• في النهاية، إذا لم يكن عند الله محاباة (رومية ١١:٢) فما هي فائدة أن تكون يهوديًا؟
٢. كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ!: يعرف بولس أن هناك العديد من الامتيازات التي منحها الله للشعب اليهودي. فلقد ائتمنهم على أَقْوَالِه، أي وحي الله المكتوب قبل زمَن يسوع. أعطى الله للشعب اليهودي كلمته، وهذه عَطية لا توصف.
• “كان هذا امتيازهم الرئيسي، كونهم حافظي كتب الله، وقد ائتُمنوا على هذا الكنز السماوي.” تراب (Trapp)
• سيسهب بولس فيما بعد في شرح فَضْل الشعب اليهودي في رومية ٤:٩، موضحًا أن إسرائيل كان لهم أيضًا التبني والمجد والعهود والناموس وخدمة الله والوعود.
ب) الآيات (٣-٤): عدم إيمان وأمانة اليهود لا يجعل الله مخطئًا.
٣فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟ ٤حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي كَلاَمِكَ، وَتَغْلِبَ مَتَى حُوكِمْتَ».
١. فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟: حقيقة أن الشعب اليهودي قد رفض الإنجيل لا تعني أن أمانة الله لهم وعمله معهم باطل أو بلا فائدة.
• “علي أن أتفق مع بولس وأقول: ’فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يؤمنوا؟‘ هذا ليس أمرًا جديدًا، لأنه دائمًا ما كان يوجد بعض الرافضين لوحي الله. ولكن، ماذا بعد؟ فمن الأفضل لنا أن نستمر في الإيمان فاحصين أنفسنا حتى نُبرهن على أمانة الله ونحيا مثل السيد المسيح، حتى وإن ظهر المزيد والمزيد من المُشككين. فالإنجيل ليس فاشلًا كما يعرِف الكثيرون منا.” سبيرجن (Spurgeon)
٢. حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا: يُذكرنا بولس أن الله سيتبرر في جميع أعماله. ففي نهاية المطاف، حتى إثمنا سوف يُبَرهِن بطريقة ما على بره ومجده، حتى ولو من خلال الدينونة.
• “إن قال أحد إن وعد الله قد أخفق من نحوه، فليفحص قلبه وطرقه وسيجد أنه قد حاد عن الطريق الذي يستطيع الله فيه أن يحقق الوعد بما يتفق مع قداسته وحقه.” كلارك (Clarke)
• قال سبيرجن تعليقًا على الآية لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا: “يا له من تعبير غريب وقوي. ولكن إن قال الله شيئًا، وقال العالم كله شيئًا آخر، فكلمة الله حق وكل كلام العالم باطل. فالله يتكلم بالحَق ولا يستطيع أن يكذب. والله لا يتغير وكلمته مثله، غير قابلة للتغيير. وعلينا أن نصدق حق الله حتى وإن لم يصدقه أي شخصٍ آخر. فالإجماع العام على رأي ما لا يعني شيء بالنسبة للشخص المؤمن. فهو يؤمن بكلمة الله، وهي بالنسبة له تعلو فوق رأي العالم أجمَع.”
ج ) الآية (٥): اعتراض على إثم الانسان وبر الله.
٥وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِثْمُنَا يُبَيِّنُ بِرَّ اللهِ، فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ اللهَ الَّذِي يَجْلِبُ الْغَضَبَ ظَالِمٌ؟ أَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ.
١. لكِنْ إِنْ كَانَ إِثْمُنَا يُبَيِّنُ بِرَّ اللهِ، فَمَاذَا نَقُولُ؟: يأتي بولس بالحجة المضادة للمُعترض: “إن كان إثمي سيُظهِر بر الله، فكيف يمكن لله أن يدينني في النهاية إذا كانت خطيتي تزيد من مَجده!”
٢. أَلَعَلَّ اللهَ الَّذِي يَجْلِبُ الْغَضَبَ ظَالِمٌ؟: كان بولس على دراية بطريقة التفكير التي تقول: “بما أن الله هو المسيطر على كل شيء، فحتى إرادتي الشريرة ستُظهر بره في نهاية الأمر. وبذلك يكون الله ظَالِمًا إذا جلب عليَّ غَضَبَه، لأني مُجَرَد أداة في يده.”
• من الناحية النظرية، من أكثر الأمثلة المأساوية لأي شخص يطرح مثل هذا السؤال هو يهوذا. أيمكنك أن تتخيله وهو يدافع عن قضيته قائلًا: “يا رب، أنا أعلم أني خنت يسوع، لكنك استخدمت ذلك للخير. وحقيقة الأمر، إن لم أكُن قد فعلت ذلك، لَما ذهب يسوع للصليب مطلقًا. فما فعلته قد أتَم ما جاء بالكلمة المقدسة. فكيف يمكنك أن تدينني؟” قد يكون الجواب على يهوذا كالتالي: “نعم، لقد استخدم الله شَرَك ولكنه يبَقى شرك أنت. فلم يكن هناك أي صلاح أو دافع نقي في قلبك على الإطلاق. وليس لك أي فضل في أن الله جلب خيرًا من فعلك الشرير. فأنت مذنب أمام الله”.
٣. أَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ: هذا لا يعني أن بولس لا يتكلم بوحي الروح القدس أو بالسلطة الرسولية، لكنه يوضح أن الإنسان الخاطئ فقط هو من يجرؤ على التشكيك في عدل الله.
د ) الآيات (٦-٨): جواب بولس على الاعتراض المقدم.
٦حَاشَا! فَكَيْفَ يَدِينُ اللهُ الْعَالَمَ إِذْ ذَاكَ؟ ٧فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟ ٨أَمَا كَمَا يُفْتَرَى عَلَيْنَا، وَكَمَا يَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّنَا نَقُولُ: «لِنَفْعَلِ السَّيِّآتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ»؟ الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ.
١. حَاشَا! فَكَيْفَ يَدِينُ اللهُ الْعَالَمَ؟: يفند بولس سؤال الخِصم بسهولة. فإن سارت الأمور مثلما قدمها مَن يعترض، فلن يستطيع الله أن يدين أحدًا قط.
• صحيح أن الله يستخدم حتى إثم الإنسان لكي يُتمم عمله ويُمَجِد اسمه – وتُعتبر خيانة يهوذا ليسوع هي خير مثال على ذلك. ومع هذا، فإن إحدى الطُرُق التي يمجد الله بها ذاته، هي عن طريق دينونته العادلة للإثم.
٢. كَيْفَ يَدِينُ اللهُ الْعَالَمَ؟: كان بولس وقراؤه على يقين أن يوم الدينونة قادم، وفيه يُبَرأ البعض ويُدان البعض الآخر. فلم يكن بولس بحاجة إلى الخوض في هذا الأمر لأنه كان مفهومًا تمامًا بالنسبة لتلك الثقافة.
• أدرك بولس أن الله سيَدِينُ الْعَالَمَ، سواء اليهود أو الأمم. ففي أيام بولس ظن الكثير من اليهود أن الله سيدين الأمم على خطيتهم وأنه سيخلص اليهود بالرغم من خطيتهم.
٣. فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟ يكرر بولس اعتراض السائل الوهمي: “فإن كان الله سيُمَجِد ذاته من خلال كذبي، فكيف له أن يدينني بما أنني سأزيد من مجده بطريقة غير مباشرة؟”
٤. لِنَفْعَلِ السَيِّئَاتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ: كان هذا انحرافًا عن عقيدة بولس عن التبرير بالإيمان، وامتدادًا لاعتراض السائل الوهمي الذي اخترعه بولس. وإذا فكرت مليًا في اعتراض هذا الخصم الوهمي لبولس، فستقول في النهاية: “دعونا نخطئ بقدر ما نستطيع حتى يزداد مجد الله.” وهذا يوضح لنا أن إحدى الطرق التي بها نستطيع فَحص أي تعليم، هو أن نوسع معناه وعواقبه حتى نرى إلى أين يقود في النهاية.
• بالطبع، «لِنَفْعَلِ السَيِّئَاتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ» لم يكن هذا ما علم به بولس، ولكن كان يُفْتَرَى عَلَيْه بأنه يعلم بهذا الكلام. ومع ذلك، يمكننا بسهولة أن نرى كيف اتهموا بولس بهذا عندما كان يعظ عن الغفران والخلاص بالنعمة من خلال الإيمان بيسوع كعطية مجانية وليس بالأعمال.
• معظم كنائسنا اليوم لا تُعلم عن هذه النعمة المجانية التي كان بولس يُبَشِر بها، وبالتالي من المستحيل أن يفتروا علينا ويزعمون أننا نعلم: «لِنَفْعَلِ السَيِّئَاتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ». ولكن إذا وجدنا أنفسنا متهمين بأننا نعظ بإنجيل “منفتح جدًا” يُركِز بشكل خاص على الإيمان والنعمة وعلى عمل الله، فحينئذٍ سنجد أنفسنا شركاء لبولس.
٥. دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ: لن يجيب بولس على مثل هذا التحريف العبثي لإنجيله. فيقول ببساطة عن أولئك الذين يعلّمون مثل هذه الأشياء أو يتهمونه بتعليمها أن دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ. فالله يدين بحق كل من يُعلم أو يؤمن بشيء من هذا القبيل.
• إن تحوير العطية المجانية المجيدة التي وهبها لنا الله في يسوع إلى رخصة للخطية يعتبر ذروة الفساد البشري. فهذا تحريف وسخرية وانحراف عن أجمل عطايا الله. فبولس أخر الحديث عنه للنهاية، لأنه يفوق الفساد الوثني (رومية ٢٤:١-٣٢)، والرياء الأخلاقي (رومية ١:٢-٥)، وثقة اليهودي المزيفة (رومية ١٧:٢-٢٩).
ثانيًا. النتيجة: الذنب العام للبشرية أمام الله
أ ) الآية (٩): ذنب كل من اليهود والأمم أمام الله.
٩فَمَاذَا إِذًا؟ أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَ الْبَتَّةَ! لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ.
١. أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَ الْبَتَّةَ!: بما أن بولس كان يهوديًا بالمولِد والجنس (فيلبي ٤:٣-٦)، فإنه عندما يقول “نَحْنُ” فهو يعني “نَحْنُ اليهود.” والفكرة أن اليهودي بالطبيعة، ليس مُبررًا أمام الله أكثر من الوثني أو الأخلاقي. ويوضح بولس أن الوثني والأخلاقي واليهودي هم جميعًا تَحْتَ الْخَطِيَّةِ وتحت الدينونة.
٢. تَحْتَ الْخَطِيَّةِ: يا لها من عبارة قوية. فهذه الجملة تتكلم عن عبودية الخطية، وتعني حرفيًا “مباع تَحْتَ الْخَطِيَّةِ.” فكل شخص بالطبيعة يعرف معنى أن يكون عبدًا للخطية، الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّونَ على السواء.
• “تحت سلطان الخطية، ولكن على وجه الخصوص تحت إثم الخطية.” بوله (Poole).
• كتب موريس (Morris) تعليقًا على تَحْتَ الْخَطِيَّةِ كالتالي: “إنه يعتبر الخطية مثل الحاكم الطاغية الذي يضع الخطاة تحت سيادته (في ترجمة أورشليم للكتاب المقدس: “تحت سيادة الخطية”) فلا يستطيعون الخلاص.”
ب) الآيات (١٠-١٨): العهد القديم يشهد على فساد وإثم البشرية.
١٠كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. ١١لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. ١٢الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. ١٣حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. ١٤وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. ١٥أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. ١٦فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. ١٧وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. ١٨لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ».
١. أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ: هذه الاقتباسات من سفر المزامير (مزامير ١:١٤-٣، ٩:٥، ٣:١٤٠، ٧:١٠ و١:٣٦) ومن إشعياء ٧:٥٩-٨ وكلها تدعم هذه العبارة الافتتاحية.
• ينظر بولس إلى الحالة البشرية من أعلى إلى أسفل. فيبدأ بالرأس ثم ينتقل إلى القدمين. وقد قال وارين ويرزبي (Warren Wiersbe) عن هذا المقطع أنه: “دراسة بالأشعة السينية (أشعة أكس) على الخاطئ الضال، من الرأس إلى القدم”.
• هذه النظرة إلى الحالة البشرية تبعث على الكآبة، فما هو المغزى منها؟ المغزى هو أن الرسول بولس يريدنا أن ندرك عجزنا التام عن خلاص أنفسنا. فالسقوط يمس كل جزء في الكيان البشري، وأجزاء الجسم التي أفسدها السقوط تبرهن على ذلك.
٢. أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ: عندما يقول الله أنه ليس بارٌ ولا واحد، فهذا لأنه لا يوجد بالفعل شخص بار واحد. فالأمر ليس وكأن هناك البعض ولكن الله لم يراهم. فليس هناك رجلًا بارًا حقًا غير يسوع المسيح. “حتى آدم لم يكن بارًا: لقد كان بريئًا – لا يعرف الخير والشر.” نيويل ( (Newell
٣. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ: نحن نخدع أنفسنا حينما نظن أن الإنسان، بمفرده، يبحث حقًا عن الله. وقد يقول قائل ألا يُظهِر الدين والطقوس والممارسات منذ بداية الزمن أن الإنسان يبحث عن الله؟ كلا، على الاطلاق. فإن شرع الإنسان في البحث فإنه لا يبحَث عن الإله الحقيقي، إله الكتاب المقدس، بل يسعى إلى معبود يصنعه بنفسه.
• “ربما تكون قد اختبرت شكلًا من العبادة، ولكنك لم تكن تبحَث عن الله. فقد تعبت من هذا التدين الفارغ الذي نشاهده في كل مكان. فهو ليس شركة مع الله ولا يجعلنا نَصِل إلى الله، والواقع أن الله غير موجود به على الإطلاق.” سبيرجن (Spurgeon)
٤. فَسَدُوا مَعًا (صَارُوا بِلَا جَدوَى): كلمة فَسَدُوا تحمل فكرة الفاكهة المتعفنة، فهي تتحدث عن شيء فاسد وبالتالي فهو بلا فائدة.
٥. حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ: بهذه الإشارات من سفر المزامير، يدعو بولس كل جزء من جسد الإنسان كمذنب: الحنجرة واللسان والشفاه والفم والقدمين والعينين ممتلئون بالخطية والتمرد ضد الله.
• أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ: “لمزيد من التفاصيل، اقرأ الصحف اليومية!” نيويل (Newell). فعلى سبيل المثال، ذكرت صحيفة لوس أنجيلوس تايمز أنه في عام ١٩٩٢ وصل عدد جرائم القتل في مقاطعة لوس أنجيلوس إلى ٨٠٠ جريمة وهو رقم قياسي.
٦. لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ: هذه الجملة تلخص الفكرة كلها. فكل خطية وتمرد ضد الله إنما هو بسبب أننا لا نكن له الاحترام الصحيح. فأينما توجد الخطية، لا يوجد خوف الله.
• قال جون كالفن (John Calvin) عن خَوْفُ الله: “خوف الله باختصار، هو كاللجام الذي يكبح شرنا، فحينما يغيب، نشعر بحرية الانغماس في كل دَرب من دروب الفسق.”
ج ) الآيات (١٩-٢٠): الخلاصة: لن يستطيع الناموس أن يخلصنا من خطيتنا ومن العقوبة التي نستحقها.
١٩وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ، لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ. ٢٠لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ.
١. كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ: يوضِح بولس أن هذا الوصف المروع لخطية الإنسان يأتي إلينا في سياق أقوال النَّامُوسِ، والمعنيون به هُم الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ، لسد فم كل ناقد ولإظهار إثم البشرية – لِكَيْ يَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ.
• “يُمكِننا أن نضيف أنه على الرغم من أن كل الرذائل الواردة هنا قد لا توجد بشكل واضح في كل فرد، إلا أنها تُنسب بعدل وحق للطبيعة البشرية، كما لاحظنا بالفعل.” كالفن (Calvin)
٢. فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ: إذا كان الله قد تكلم هكذا لأولئك الذين كان لديهم الناموس وحاولوا العمل به، فمن الواضح أنه بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ.
• تذكر أن العديد من اليهود في أيام بولس، كانوا يأخذون كل مقاطع العهد القديم، التي تَصِف الشر، ويطبقونها على الأمم فقط وليس على أنفسهم. بينما يوضح بولس أن الله يتحدث إلى هؤلاء الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ.
٣. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ: لن يستطيع الناموس أن يخلصنا ولن يبرر أحدًا. فهو فقط يفيدنا في مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ، ولكنه لن يخلصنا.
• منذ زمن آدم وحواء، والناس يحاولون تبرير أنفسهم بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. ففي جنة عدن، حاول آدم أن يغطي جسده بصُنع أغطية من أوراق التين -ولكنه فشل. وفي سفر أيوب، أقدم أسفار الكتاب المقدس، تم عرض المشكلة بوضوح: “كيف يتبرر الإنسان عند الله؟” (سفر أيوب ٢:٩). ويوضِح الله جزء من الجواب هنا من خلال بولس: أنه ليس بالأعمال الصالحة، أي أَعْمَالِ النَّامُوسِ.
• كم نحتاج أن نفهم هذا جيدًا: أَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ.
• هذا يعني أن الناموس، بعد كسره، لا يمكنه إلا أن يديننا ولا يستطيع أبدًا أن يخلصنا.
• هذا يعني أنه حتى لو استطعنا أن نبدأ الآن في حفظ ناموس الله بالكامِل، فهذا لن يعوض عن عصيان الماضي أو يزيل الإثم الحاضر.
• هذا يعني أن حفظ الناموس ليس هو طريق الله للخلاص أو للحصول على البركة تحت العهد الجديد.
٤. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ: يعيد جي. بي. فيليب (J.B. Phillip) صياغة هذه العبارة بأسلوب مُدهش، فيكتب: “إن استقامة الناموس هي التي تُبين لنا مدى اعوجاجنا.”
• “لئلا يعتقد أيًا منّا أن الناموس هكذا بلا نَفع، يستمر بولس في توضيح فائدته، لكنها فائدة تختلف تمامًا عما كانوا يقصدون.” بوله (Poole)
ثالثًا. إعلان بر الله
أ ) الآية (٢١): إعلان البر.
٢١وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ.
١. وَأَمَّا الآنَ: هذه الكلمات تقدم أروع انتقال من الدينونة في رومية ٢٠:٣ إلى التبرير في رومية ٢١:٣.
• وَأَمَّا الآنَ: تتحدث عن الحياة الجديدة في يسوع المسيح، فهذا هو حقًا العهد الجديد. وجملة: مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ تُذكرنا بأن الله لا يزال يعمل.
٢. بِدُونِ النَّامُوسِ: لا يقدِر الناموس أن يخلصنا، لكن الله يكشف عن البِرُّ الذي سيخلصنا بِدُونِ النَّامُوسِ (بعيدًا عن الناموس). فهذا هو جوهر خطة الله للخلاص في يسوع المسيح. إنه خلاص يقدم بِدُونِ النَّامُوسِ، دون أن نربحه أو نستحقه وبلا أي مؤهلات.
٣. مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ: هذا البِرُّ ليس بجديد، لم “يخترعه” بولس. فقد تم التنبؤ به منذ زمن بعيد ومَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ. وقد قال العهد القديم إن هذا البِرُّ سوف يأتي.
٤. بِدُونِ النَّامُوسِ: ليس الأمر أن بِرُّ اللهِ ظهر بمنأى عن العهد القديم، لكنه ظهر بمعزل عن الناموس. فالبر مستقل عن الناموس أي العلاقة القانونية مع الله، ومبني على فكرة الكسب والاستحقاق أمامه.
• “يضع الشخص اليوناني هذه العبارة العظيمة، بدون الناموس (choris nomou) في المقدمة. وهذا يوضح بقوة الانفصال الكامل لهذا البر الإلهي عن أي أعمال يقوم بها الإنسان بحسب الناموس.” نيويل (Newell)
• إن بِر الله لا يُقدَّم لنا لكي نتحدى معياره الكامل بقدرتنا على حِفظ الناموس، ولا يُعطى لنا لتكميل برنا الخاص، بل هو مُعطى كليًا لنا بِدُونِ محاولاتنا لتبرير أنفسنا.
ب) الآية (٢٢): كيف يتم توصيل هذا البر للإنسان.
٢٢بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ.
١. إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ: يُخبرنا بولس في رومية ٢١:٣ كيف لا يأتي هذا البر من خلال أعمال الناموس بل بمعزل عن الناموس. والآن، يخبرنا بولس كيف يأتي هذا البر المُخلص، بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ.
٢. بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ: نحن لا نَحصُل على بِر الله بسبب الإيمان ولكنه لنا بِالإِيمَانِ. فنحن لا نربح البر بإيماننا، بل نَتَسَلَم البر بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.
• بِالإِيمَانِ: “تشير إلى حقيقة أن الإيمان لا يجعلنا نربَح الخلاص عن استحقاق. فالإيمان ليس أكثر من وسيلة من خلالها تُمنح الهبه.” موريس (Morris)
• “لكن الإيمان لا يعني أن ’نثق‘ أو ’نتوقع‘ من الله أن يفعل شيئًا، بل أن نعتمد على شهادته المتعلقة بشخص المسيح كابنه، وبعمل المسيح من أجلنا على الصليب… فبعد الإيمان المُخَلِص، تبدأ حياة الثقة. والثقة هي التطَلُع الدائم إلى ما سيفعله الله؛ لكن الإيمان يرى أن ما يقوله الله قد تم بالفعل، ويصَدِق كلمة الله ويوقِن أنها صادقة نحونا.” نيويل (Newell)
٣. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ: لا توجد طريقة أخرى للحصول على هذا البر. فهذا البر لا يُربح من خلال طاعة الناموس بل هو بر يُربح من خلال الإيمان بيسوع المسيح.
• “هناك كتاب صغير بعنوان: ’كل إنسان هو محامي نفسه الخاص.‘ فيظُن البَعض في هذه الأيام أن كل إنسان هو مخلص نفسه، ولكن لو كان لدي على سبيل المثال، اثنا عشر إنجيل، وكان علي أن أفرزها وأعطي الإنجيل المناسب للشخص المناسب، فأنا في ورطة! لأني أعتقد أنه في كثير من الأحيان، علي أن أعطي إنجيلك لشخص آخر، وأن أعطيك أنت إنجيل الشخص الآخر؛ ياله من تشويش! ولكننا الآن نملك علاج واحد عالمي… دم يسوع المسيح وبره سوف يخلصان كل إنسان يثق به، ’لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ.‘” سبيرجن (Spurgeon)
ج) الآيات (٢٣-٢٤): الاحتياج العام للإنسان والعرض الذي يقدمه الله للعالم.
٢٣إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، ٢٤مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ،
١. مُتَبَرِّرِينَ: يبني بولس تعليمه عن الخلاص حول ثلاثة مواضيع:
• التبرير هو صورة من محكمة الناموس.
• الفداء هو صورة من سوق العبيد.
• الكفارة هي صورة من عالم الدين الذي يسترضي الله من خلال الذبيحة.
• يحل التبرير مشكلة إثم الإنسان أمام قاضٍ بار. ويحل الفداء مشكلة عبودية الإنسان للخطية والعالم والشيطان. وتحل الكفارة مشكلة الإساءة إلى خالقنا.
٢. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله: يتم الرد على هذا البيان العالمي من خلال عرض عالمي: كي نصبح كلنا مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ. وهذا عرض متاح لكل من يؤمن.
• يقتبس موريس (Morris) من موول (Moule) قائلًا: “الزاني والكذاب والقاتل يعوزهم مجد الله، وهذا ينطبق عليك أنت أيضًا. فربما هم يقفون في قاع منجم وأنت على قمة الألب، لكنك مثلهم لا تستطيع أن تَلمِس النجوم.” الجميع زاغوا، لكن الجميع يمكنهم أن يكونوا مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ.
٣. وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله: يتعذر علينا وصف كل الطرق التي من خلالها نعجز في أن نعطي الله المجد الذي يستحقه، لكن ها هي أربعة طرق هامة:
• نحن نعجز في أن نعطي الله المجد الذي يستحقه من خلال كلامنا وأفكارنا وأفعالنا.
• نحن نعجز في أن نبقى مؤهلين وننمو كأولاد لله، وبالتالي نرفض المجد والمكافأة التي يمنحها الله للخدام الأمناء.
• نحن نعجز في أن نعكس مجد الله كما ينبغي من خلال رفضنا للتغيير لنصبح على صورته.
• نحن نعجز في الحصول على المجد الأخير الذي سيهبه الله لشعبه في نهاية الأزمنة.
٤. مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ: الطريقة الوحيدة لكي نتبرر من حالة الخطية هي أن نتبرر مجانًا. فلا يمكننا شراء البر بأعمال صالحة. فإن لم يعطَ لنا مَجانًا، لن نتمكن من الحصول عليه. لذلك فنحن مُتَبَرِّرِونَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ أي إحسانه المُعطى لنا دون استحقاق. وهي عطية مقدمة من المعطي نفسه ولا يتعلق بالشخص الذي يستقبل العطية.
• مَجَّانًا هي الكلمة اليونانية القديمة (dorean). ونستطيع أن نفهم معنى الكلمة من خلال مُلاحظة طريقة استخدامها في مقاطع أخرى من العهد الجديد. فمثلًا في إنجيل متى ٨:١٠ (مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا) وفي سفر الرؤيا ١٧:٢٢ (ومن يُرد فليأخذ ماء حياة مجانًا) تَرِد الكلمة بمعنى مجان بالتمام، وليس “بتخفيض أو بسعر رخيص.” وربما أكثر استخدام لافت للنظر للكلمة اليونانية القديمة dorean نجده في يوحنا ٢٥:١٥: أبغضوني بلا سبب (dorean). فكما كان يسوع لا يستحق بغض الإنسان، هكذا نحن لا نستحق التبرير – فكل الأمر يتعلق بالله.
• يقول كالفن (Calvin) عن استخدام كلمتي مَجَّانًا والنعمة: “إنه يكرر الكلمة لإظهار أن الكل هو من الله ولا شيء منا … ولِئَلاّ نتصور النعمة غير مكتملة، فهو يؤكد بقوة ما يعنيه عن طريق التكرار، ويُرجع مجد برنا فقط إلى رحمة الله “.
٥. بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ: مرة أخرى، يتمركّز إنجيل بولس حول يَسُوعَ الْمَسِيح. فالخلاص ممكن بسبب الْفِدَاء الذي بيسوع. ولا يستطيع الله أن يعطينا بره بدون يسوع المسيح.
٦. الْفِدَاءِ: نجد هنا فكرة استرداد شيء ما عن طريق دَفع التكلفة. ولكن الله هو الذي يقوم بعملية الدفع وهكذا نُصبِح مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا.
• أصل الكلمة التي تُرجمت ’الْفِدَاءِ‘ كانت تستخدم لوصف الإفراج عن أسرى الحرب بدفع ثمن كان يُعرَف “بالفدية.” ومع مرور الزمن، أصبح معنى الكلمة أوسع لتشمل تحرير العبيد، ومرة أخرى عن طريق دفع ثمن.
• فكرة الْفِدَاء تعني أن يسوع اشترانا؛ لذلك نحن ننتمي إليه. وقد عبر بولس عن هذا الفكر في رسالة أخرى: لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيِ للهِ. (كورنثوس الأولى ٢٠:٦).
د ) الآيات (٢٥-٢٦): كيف يرضي موت يسوع دينونة الله العادلة.
٢٥الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. ٢٦لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ.
١. الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً: يسوع، بموته (بِدَمِهِ) كان كَفَّارَةً (ذبيحة بديلة) لنا. وبإدانته بدلًا عنا، تمكن الآب من إِظْهَارِ بِرِّهِ في إدانة الخطية، بينما صفح عمن يستحقون الدينونة.
• قال وييست (Wuest) عن الكَفَّارَةً: “كانت الكلمة تُستَخدَم في شكلها الأصلي لتَصِف فِعل استرضاء آلهة اليونان عن طريق الذبيحة… وبعبارة أخرى، كانت الذبيحة تقدم كثمن لرد غضب الإله”.
• تُرجمت كلمة كَفَّارَةً في نسخة الترجمة الدولية الحديثة للكتاب المقدس NIV كذبيحة كفارية sacrifice of atonement، وفي ترجمة كتاب الحياة The Living Bible جاءت: يأخذ العقاب عن خطايانا.
٢. كَفَّارَةً: استخدمت الكلمة اليونانية القديمة كَفَّارَةً (hilasterion) في الترجمة السبعينية أيضًا لتصِف كرسي الرحمة، غطاء تابوت العهد، الذي كان يُرش عليه دم الذبيحة للتكفير عن الخطية. وبينما يُمكِن القول إن هذا المقطع يعني أن “يسوع هو كرسي الرحمة بالنسبة لنا” إلا أن الفكرة الأكثر دقة للكَفَّارَةً هي الذبيحة البديلة.
• في الوقت ذاته، لا ينبغي تجاهل فكرة “كرسي الرحمة” كمثال توضيحي للكفارة. فبداخل تابوت العهد كان هناك الدليل على خطية الإنسان العظمى: لوحي الشريعة، والمَن الذي قوبل بعدم الامتنان، وعصا هارون التي أفرخت، مما يُظهِر رفض الإنسان لقيادة الله. وفوق تابوت العهد كان هناك اثنان من الكروبيم الذهبي الجميل كرمز للحضور المقدس للإله المتوج. وبين الإثنين يوجد كرسي الرحمة، حيث كان يُرش دم الذبيحة في يوم الكفارة (سفر اللاويين ١٦) لرَد غضب الله لأن بديلًا قد ذُبِح نيابةً عن الخطاة الذين يأتون بالإيمان. ويمكننا حقًا أن نقول أن يسوع هو “كرسي الرحمة” بالنسبة لنا، واقفًا بين الخطاة المذنبين وبين قداسة الله.
٣. الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً: هذا يدل على أن يسوع لم يكن يُحاول استرضاء أب يرفض ويكره أن يرد غضبه. بل أن الله الآب هو الذي أقدَم على الكفارة: الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ.
٤. مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا: الله، بِإِمْهَالِه، صَّفْح عن خطايا قديسي العهد القديم الذين آمنوا بالمسيا المنتظر. وفي الصليب، لم يتم الصَّفْحِ عن تلك الخطايا، بل دُفع ثمنها أخيرًا.
• الفكرة هي أنه من خلال الذبيحة الحيوانية في العهد القديم، أولئك الذين ترقبوا بإيمان المسيا المنتظر تمت “تغطية” خطاياهم بما يُشبه الإيصالات أو الكمبيالات. ولكن تم استبدال هذا الغطاء المؤقَت بالتسوية الكاملة التي دُفِعَت على الصليب.
• قام عمل يسوع على الصليب بتبرئة الله من تهمة الصفح عن الخطايا التي ارتُكبت قبل الصليب. فتلك الخطايا كان قد صُفح عنها لفترة لكنها قد سُددت أخيرًا.
٥. لِيَكُونَ بَارًّا (عادلًا) وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ: عند الصليب، أظهر الله بره من خلال تقديم التبرير للإنسان (حكم قانوني بأنه “غير مذنب”)، مع بقائه عادلًا (لأن العقوبة العادلة للخطية قد سُددت عند الصليب).
• من السهل أن نرى كيف يمكن لشخص أن يكون بارًا (عادلًا) فقط – أي من يقوم ببساطة بإرسال كل خاطئ مُذنب إلى الجحيم، كما يفعل القاضي العادل. ومن السهل أن نرى كيف يمكن لشخص ما أن يكون المُبَرِر (رحيمًا) فقط – أي من يبرر الجميع ويقول ببساطة لكل خاطئ مُذنب: “أعلن العفو عنك. أنت الآن ’غير مذنب.‘” ولكن الله الوحيد القادر أن يجد طريقة ليكون الإثنين معًا، بَارًّا (عادل) وَيُبَرِّرَ (رحيم) لكل من يؤمن بيسوع.
• “نتعلم هنا كيف أظهر الله بوضوح كل من عدالته ورحمته. فعدله طلب ذبيحة ورفض منح الخلاص لعالم ضال بأي وسيلة أخرى. ورحمته قدمت الذبيحة التي تتطلبها عدالته.” كلارك (Clarke)
هـ) الآية (٢٧): التفاخر بالخلاص الذي يأتي من خلال إنجيل يسوع المسيح.
٢٧فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ.
١. فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟: لا يجب أن يكون له وجود. ولأننا مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ، لا مجال لتهنئة الذات أو التفاخر.
٢. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟: لا مكان للتباهي والتفاخر ليس لأن هناك مقطع معين في الناموس يُحَذِر ضدهم، بل لأن التفاخر يتعارض تمامًا مع الخلاص الذي صار لنا مجانًا بالإيمان. فالتفاخر ينتهي بِنَامُوسِ الإِيمَانِ.
٣. بِنَامُوسِ الإِيمَانِ: لا مجال للتفاخر! ولهذا السبب يكره الإنسان الطبيعي أن يكون متبررًا مجانًا بنعمة الله. فالنعمة ترفض تمامًا الاعتراف بالاستحقاق (المزعوم) ولا تعطي مكانًا للتفاخر على الإطلاق.
و ) الآيات (٢٨-٣٠): لقد وُجد التبرير (تبرئة في محكمة الله)، لكلٍ من اليهود والأمم، بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ.
٢٨إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ. ٢٩أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا ٣٠لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ.
١. يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ: ليس الأمر أننا متبررون بالإيمان بالإضافة إلى أعمال الناموس التي نستطيع القيام بها. بل نحن نتبرر بالإيمان وحده، بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ.
• “فسر لوثر (Luther) هذا كالتالي: بما أن جميع أعمال الناموس محظورة، فإنه لا يبقى لنا سوى الإيمان وحده. ومنذ زمن لوثر أصبحت عبارة Sola Fide أي ’الإيمان وحده‘ شعارًا.” لينسكي (Lenski)
٢. بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ: ألا يُناقض يعقوب هذا في رسالته ١٤:٢-٢٦؟ كيف يمكننا القول بإن الإيمان وحده هو الذي يخلص، بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ؟
• صحيح أن الإيمان وحده يخلص، ولكن الإيمان الحقيقي المُخَلِص له سمات مميزة. فهو لا يتفق فقط مع حقائق معينة، ولكنه يوجه العقل والإرادة ليتناغموا مع الله. فالغرض من سفر يعقوب بأكمله هو وصف سمات هذا الإيمان المُخلص.
• يوضح كالفن (Calvin): “ما يقوله يعقوب، بأن الإنسان لا يتبرر بالإيمان وحده بل بالأعمال أيضًا لا يتعارض مطلقًا مع وجهة النظر السابقة (الخاصة بالتبرير بالإيمان وحده). ويعتمد التوفيق بين الرأيين بشكل رئيسي على مسار المناقشة التي اتبعها يعقوب. فهو لا يسأل كيف يتبرر الإنسان أمام الله بل كيف يُثبِت للآخرين أنه قد تبرر؛ لأن هدفه كان دحض المرائين الذين كانوا يتفاخرون عبثًا بإيمانهم. فكان قصد يعقوب أن يوضح أن الإنسان لا يتبرر أو يثبُت بره بالإيمان المتظاهر أو الميت بل يجب عليه أن يُوثِق بره بأعماله.
٣. بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا: هذا البر يُقدَّم إلى كلٍ من اليهود والأمم. ويظهر الطابع العالمي لهذا العَرض بحقيقة بسيطة: أَلَيْسَ اللهُ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بالطبع هو كذلك. إن كان هناك إلهًا واحدًا فقط، فإن الله هو إله الأمم بقدر ما هو إله اليهود. والأمر متروك للأمم أن يعرفوه ويؤمنوا به كإله.
٤. لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ: وكما أن هذا البر متاح لكلٍ من اليهود والأمم، فهو يُعطى لكل منهم أيضًا بنفس الطريقة. فبما أن إله واحد هو الذي يُبرر اليهود والأمم، فهو يبررهم بنفس الطريقة: بِالإِيمَانِ… من خلال الإيمان.
ز ) الآية (٣١): ماذا عن الناموس إذن؟
٣١أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ.
١. أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟: قد يسأل أحدهم: “إن كان الناموس لا يُبررنا، فما فائدته؟ يا بولس، أنت قد جعلت الناموس باطلًا وتخالف ناموس الله.”
٢. حَاشَا!: بالطبع لم يجعل بولس الناموس باطلًا. فالرسول سيوضح في الإصحَاح ٤ أن الناموس توقع مجيء إنجيل التبرير بالإيمان بدون أعمال. لذلك، فإن الإنجيل يُرسخ الناموس مُحققًا نبواته.