١. وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا: كلف يسوع بطرس ويوحنا أن يكونوا سفراء خاصين عن المسيح واعترف المسيحيون الأوائل بهم كـرُّسُل. تخبرنا الآية في أعمال الرسل ٤٣:٢ كَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ. الإصحاح ٣ ما هو إلا مجرد مثل واحد عن العجائب الكثيرة التي قاموا بها.
• ثمة ثلاثة أسباب على الأقل دفعت لوقا ليكتب عن هذه المعجزة بالتحديد. أولًا: ليقدم لنا مثالًا عما ذكره في الآية ٤٣ من الإصحاح الثاني. ثانيًا: لتكون كمبرر ليخبرنا عن عظة بطرس الثانية. ثالثًا: ليظهر لنا سبب اضطهاد المؤمنين الأوائل. فالاضطهاد سيكون نهاية هذه القصة الرائعة.
٢. فِي سَاعَةِ الصَّلَاةِ: يبدو أن بطرس ويوحنا لم يجدا أية مشكلة في المداومة على الصلاة في ساعات معينة من اليوم حسب التقاليد اليهودية.
• يشير مورغان (Morgan) إلى أن بطرس ويوحنا لم يذهبا إلى الهيكل ساعة تقديم الذبيحة بل سَاعَةِ الصَّلَاةِ والتي كانت تتبع تقديم الذبيحة المسائية. وعَلِما جيدًا أن يسوع تمم كل نظام الذبائح عندما قدم نفسه كذبيحة كاملة على الصليب.
• كشف كالفن (Calvin) عن نية بطرس ويوحنا المُبشرين بتصرفهم هذا: “قد يقول البعض أن سبب ذهاب الرسل إلى الهيكل كان لأداء الصلاة حسب الناموس ولكني لا اعتقد أن هذه كانت نيتهم، فقد صعدوا إلى الهيكل لكي ينشروا الإنجيل في كل مكان.”
• علق هيوز (Hughes) على سَاعَةِ الصَّلَاةِ التَّاسِعَةِ: “لعل لهذه الساعة أهمية خاصة بالنسبة لهم لأنها كانت الساعة التي صرخ فيها يسوع وهو على الصليب ’قَدْ أُكْمِلَ‘ (يوحنا ٣٠:١٩).
٣. عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ»: وصف المؤرخ اليهودي يوسيفوس هذا الباب عند جبل الهيكل المصنوع من البرونز الكورنثي بارتفاع ٣٠ متر مع أبواب مزدوجة ضخمة وقال: “فاق في جماله الأبواب المصنوعة من الفضة ومزينة بالذهب.” (نقلًا عن ستوت Stott).
٤. وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ … لِيَسْأَلَ صَدَقَةً: أراد الرجل الأعرج أن ينال الدعم من الآخرين بسبب حالته الجسدية. ولكن الله أعد له ما هو أفضل بكثير؛ أراد يسوع أن يغير حالته بالكامل.
• لم يعتقد الأعرج أن أمامه أي خيار آخر سوى الاعتماد على الآخرين وبكل تأكيد كان هذا أفضل بالنسبة له من الموت جوعًا.
• بالإضافة إلى ذلك كان يملك الرجل سببًا وجيهًا في الاعتقاد أن التسول عند باب الْجَمِيلُ سيوفر له احتياجاته حتمًا. فقد كان هناك (ولا يزال) تقليد سائد في اليهودية لإعطاء الصدقة للفقراء وخاصة المتسولين منهم بهدف إظهار برهم الذاتي.
١. فَتَفَرَّسَ فِيهِ: لا بد أن الرجل شعر بسعادة غامرة لأن بطرس ويوحنا تَفَرَّسَا فيه. فالأشخاص الذين يريدون تجاهل المتسولين يحرصون عادة على تجنب النظر اليهم. فعندما نظروا إلى الرجل الأعرج بكل اهتمام ربما اعتقد أنه سيحصل على مبلغ كبير منهم.
٢. فَلَاحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا: تطلّع الرجل الأعرج إليهما وربما مد يده ليأخذ الصدقة.
• كان الرجل الأعرج مُحقًا حينما انتظر أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا ولكنه نال أكثر من مجرد صدقة مالية كانت سترضيه وقتيًا.
• كثيرون لم يصلوا بعد إلى مرحلة التوقع من الله. ولكن الإيمان بكل بساطة أن يتوقع المرء شيئًا حتى لو كان بسيطًا مما ينوي الله أن يعطيه فعلًا.
• علينا دائمًا أن نتوقع الأفضل من الله. فغالبًا ما نكون مستعدين للحصول على ما هو أقل بكثير مما يريد الله أن يعطينا إياه فعلًا وهذه التوقعات القليلة غالبًا ما تسلب منا بركات كثيرة.
٣. لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ: لم يملك بطرس أية نقود ولكنه كان يملك سلطان من يسوع المسيح على شفاء المرضى (وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ). اختبر بطرس من قبل استخدام الله له في شفاء الآخرين لأن يسوع دربه على ذلك (لوقا ١:٩-٦).
• تعتبر جملة ’لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ‘ بالنسبة للبعض أَسْوَأُ جملة يمكن للمرء أن يقولها على الإِطلاق. ويعتقدون أن الكنيسة ستنهار إن قالت: ’لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ.‘ ولكن الأسوأ أن لا تملك الكنيسة القدرة الروحية على القول: ’بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!‘
• هناك قصة لا نعلم إن كانت حقيقية أم لا عن راهب بسيط في العصور الوسطى كان يتمشى مع رجل دين كاثوليكي في روما عندما كانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في ذروة سلطتها ومكانتها وغناها. ثم أشار رجل الدين إلى الممتلكات الفخمة من حوله وقال للراهب: “لسنا بحاجة الآن أن نقول ’لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ.‘” فأجابه الراهب: “ولكنك لا تستطيع الآن أن تقول أيضًا: ’بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!‘
• نستطيع أن نتخيل كيف تذمر الرجل الأعرج عندما لم يقدم بطرس ويوحنا له المساعدة المالية ونستطيع أن نتخيل أنه قال لهما شيء كهذا: “أنتم لا تكترثون لأمري. أنظروا لحالتي! ألن تساعدوني؟” ولكنهما أرادا أن يقدما له ما هو أفضل بكثير من مجرد الإحسان المادي. أرادوا أن يغيروا حياته بالكامل بقوة يسوع المسيح المُقام.
• كتب لاسور (LaSor): “ليس دور الكنيسة في هذا العالم أن تجعل الظروف الحالية أكثر احتمالًا بل مهمة الكنيسة على الأرض أن تنشر الأخبار السارة عن عمل الرب يسوع المسيح المُخلص على الصليب.”
٤. وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: أعطى بطرس الرجل الأعرج القوة في اسم يسوع المسيح لأنها كان يملكها وما كان يمكنه فعل ذلك إن لم يختبر هذه القوة في حياته الخاصة. الكثيرون يرغبون في أن يقولوا: “قُمْ وَامْشِ” دون أن يقبلوا قوة يسوع المغيرة في حياتهم.
• كتب هيوز (Hughes) تعليقًا على الآية بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ: “كان يسوع من مدينة الناصرة وكان ناصريًا واعتاد اليهود على استخدام هذا اللقب لإهانة يسوع طوال حياته على الأرض. ولكن بطرس استخدم هذا اللقب الآن ونادى به بأعلى صوته وبكل فخر.”
١. وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ: أن تقول الجملة “قُمْ وَامْشِ” شيئًا وأن تمسك بيد الرجل وتقيمه على قدميه بكل جراءة شيء آخر. استقبل بطرس في هذه اللحظة عطية الإيمان الموصوفة في كورنثوس الأولى ٩:١٢ – قدرة معجزية على الثقة بالله في وضع معين.
• لم يتصرف بطرس على هواه أو كوسيلة للشهرة بل تصرف بدافع من الروح القدس. فقد أعطى الله بطرس القدرة على الثقة به ليفعل شيء خارج عن الطبيعة.
٢. فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلَاهُ وَكَعْبَاهُ: لم يشعر الرجل بالقوة إلا عندما قال له بطرس: قُمْ وَامْشِ ثم أَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ.
• كتب مورغان (Morgan): “لن يفهم معنى هذه الكلمات سوى من يعملون بالمجال الطبي لأنها تبدو كلمات غريبة وتقنية بالنسبة لشخص عادي. لم يستخدم أحد الكلمة المترجمة رِجْلَاهُ إلا لوقا ولا نراها في أي مقطع آخر في الكتاب المقدس وذكرها ليميز بين الأجزاء المختلفة لرِجْل الإنسان. ومصطلح كَعْبَاهُ طبيٌ أيضًا ولا نجده في أي مكان آخر. وتصف كلمة “وَثَبَ” إلى رجوع المفاصل إلى مكانها الطبيعي. يبدو أن لوقا قدم وصفًا طبيًا دقيقًا جدًا لما حدث مع هذا الرجل.”
٣. وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ: فعل الرجل الأعرج ثلاثة أشياء مهمة بعد أن نال الشفاء. أولًا اِلتَصَقَ بالرُسل (وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ) وثانيًا ابتدأ يستخدم ما أعطاه الله في الحال (يَمْشِي وَيَطْفُرُ) وأخيرًا ابتدأ يشكر وَيُسَبِّحُ اللهَ.
٤. وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ: كان عمر الرجل أكثر من ٤٠ سنة (أعمال الرسل ٢٢:٤) وكان مَشلولًا مُنذُ وِلادَتِهِ كما وكان معروفًا للجميع لأنه كانَ يَجلِسُ مُستَعطِيًا عِندَ البَوّابَةِ الجَمِيلَةِ (أعمال الرسل ١٠:٣). لا بد أن يسوع مر قربه أكثر من مرة ولكنه لم يشفيه.
• نستطيع القول أن هذا الرجل كان من بين الأشخاص الذين لم يشفيهم يسوع لأن توقيت الله مساوٍ في الأهمية مع مشيئته. فشفاء يسوع للرجل وهو في السماء عن طريق التلاميذ كان سيعطي مجد أعظم لله.
١. مُتَمَسِّكًا بِبُطْرُسَ وَيُوحَنَّا: لم يتمسك الرجل ببطرس ويوحنا لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ فقد أصبح قادرًا على السير الآن ويمكنه الاعتناء بنفسه. ولكنه ربما تَمَسَّكَ بهما كعِرْفانٍ بِالجَميل أو لأن مشاعره كانت خليط من مشاعر الخوف والدهشة.
٢. فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذَلِكَ أَجَابَ الشَّعْبَ: اِستَغَلَّ بطرس بحكمة تَجَمَّعَ الناس من حولهم ولهذا أجاب الشعب. ولكنه كان يعلم جيدًا أن المعجزات لن تجذب الكثيرين إلى الإيمان بيسوع بل ستثير دهشتهم فقط. واندهاشهم لن يكون كافيًا لخلاصهم.
• ربما كان الوقت ملائمًا ليشارك هذا الرجل اختبار شفاءه مع الآخرين ولكن عرف بطرس أن ما يحتاج إليه الناس فعلًا هو سماع الأخبار السارة عن يسوع المسيح وأن يقدم لهم دعوة للتوبة وللإيمان فهذين الأمرين أهم بكثير من شهادة الرجل. لم يملك الرجل ما يكفي بعد لمشاركة الآخرين ولهذا تكلم بطرس بدلًا عنه.
• عرف بطرس أيضًا أن الإيمان الذي يُخلص لا يأتي برؤية المعجزات أو بالسماع عنها بل الْإِيمَانُ بِالْخَبَرِ وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ (رومية ١٧:١٠).
٣. وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هَذَا يَمْشِي؟ رفض بطرس أن ينسب الشفاء لقوتهم أو تقواهم.
• العديد من المبشرين والوعاظ اليوم رغم أنهم لا ينسبون الشفاء إلى قوتهم الخاصة إلا أنهم يعطوا الانطباع بأن الشفاء حدث لأنهم روحانيين جدًا وقريبين من الله أو لأنهم أتقياء. ولكن عرف بطرس جيدًا أن سبب الشفاء كان شخص يسوع المسيح وليس آخر.
٤. مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا؟ كانت نقطة بطرس بسيطة للغاية هنا وكأنه يقول: شفى يسوع الكثير من الناس أثناء وجوده على الأرض فلماذا تتعجبون أنه لا يزال يشفي وهو في السماء؟
١. إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ: ابتدأ بطرس عظته بهذه الكلمات ليثبت لهم أنه يتكلم عن إله إسرائيل إِلَهَ آبَائِنَا المذكور في الكتب المقدسة.
٢. فَتَاهُ يَسُوعَ (خادِمَهُ يَسُوعَ): عظمة عظة بطرس أنها كانت تدور حول شخص يسوع المسيح. فلم يكن تركيز العظة على بطرس أو على أعماله بل على شخص الرب يسوع المسيح.
• أول أمر فعله بطرس في هذه العظة هو لفت الانتباه إلى يسوع خادم الرب (فَتَاهُ) الذي تنبأت عنه الكتب المقدسة العبرية (مثل إشَعْياء ٤٢ و١٣:٥٢-١٢:٥٣). علّقَ بويس (Boice): “كان مفهوم ’خادم الرب‘ مألوفًا جدًا بالنسبة للشعب اليهودي بسبب سفر إشَعْياء ٥٣ بالإضافة إلى نصوص أخرى عديدة.”
٣. الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ: وضع بطرس تهمة قتل يسوع في مكانها الصحيح بجراءة. فقد أراد بِيلَاطُسَ الحاكم الروماني أن يحكم بِإِطْلَاقِهِ ولكن الحشد أصرَّ على صلب يسوع (يوحنا ٢٩:١٨-١٦:١٩).
• لا يعني هذا أن الشعب اليهودي في ذلك اليوم هو وحده المسؤول عن موت يسوع. فالرومان الأمم يتحملون أيضًا كامل المسؤولية. لن يصلب الرومان يسوع لولا إصرار القادة اليهود ولن يصلب اليهود يسوع دون موافقة الرومان. وقد حرص الله على أن يتحمل كل من الأمم واليهود ذنب موت يسوع. فلم يكن السبب في صلب يسوع مؤامرة سياسية أو ظروف سيئة بل خطايانا. فإذا كنت تريد أن تعرف من صلب يسوع أنظر إلى نفسك أو أنظر في المرآة.
• لم يخشى بطرس مواجهة خطاياهم بل أظهر في الواقع شجاعة كبيرة. كتب مورغان (Morgan) تعليقًا على ذلك: “قال أحد الشُراح أن المعجزة التي قام بها بطرس من خلال العظة كانت تفوق بكثير معجزة شفاء الرجل الأعرج الَّذِي كانَ يَجلِسُ مُستَعطِيًا عِندَ البَوّابَةِ الجَمِيلَةِ.”
• ولكن لاحظ التناقض هنا. فحسب تقدير الله كان يسوع هو فَتَاهُ (خادمه) الممجد الذي وعد به قبل قرون في الكتب المقدسة. ولكن حسب التقدير البشري كان يسوع يستحق الألم والصلب.
٤. الْقُدُّوسَ: يعظم بطرس يسوع هنا ويدعوه الله. استخدمت كلمة الْقُدُّوسَ في العهد القديم أكثر من ٤٠ مرة كلقب لتعظيم وتمجيد يهوه إله العهد لشعب إسرائيل.
٥. وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ: يا للسخرية! رفض الحشد يسوع وطلب أن يوهب لهم رجل مجرم وقاتل يدعى باراباس (لوقا ١٣:٢٣-٢٥، يوحنا ٣٩:١٨-٤٠). لم يخشى بطرس من مواجهة جمهوره.
• استخدم بطرس كلمة أَنْتُمْ عدة مرات عندما تكلم عن الخطية ولكنه استخدمها مرة واحدة فقط في عظته يوم الخمسين (أعمال الرسل ٢٣:٢).
١. وَبِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هَذَا: قال بطرس أن اسْمُ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي شفى الأعرج. فاسم ’يسوع‘ يحمل الكثير من المعاني في طياته من مجرد نطقه. أدرك بطرس تمامًا أنه فعل ذلك بسلطان وقوة يسوع وليس بسلطانه أو قوته الخاصة ورفض حتى أن يأخذ الفَضْل في شفاء هذا الرجل بل قال أن إيمانه هو الذي منحه الشفاء الكامل (الْإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هَذِهِ الصِّحَّةَ).
• كتب لونجنيكر (Longenecker): ” لا يحدد الاسم ويميز صاحبه فحسب حسب الثقافة السامية بل يُعّبر عن طبيعته أيضًا وبالتالي قوة الشخص تكمن في اسمه.”
٢. وَبِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ: عندما يصنع أولاد الله الخير في هذا العالم فإنهم يفعلونه بِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ. ولكننا جميعًا مُعرضون للوقوع في تجربة وضع الثقة بالأشياء أو بالأشخاص.
• وضع الثقة بالنوايا الحسنة.
• وضع الثقة بالمواهب والعطايا.
• وضع الثقة بالموارد المادية.
• وضع الثقة بالسمعة والنجاحات السابقة.
• وضع الثقة بالعمل الدؤوب أو الذكاء.
• علينا عوضًا عن ذلك أن نضع ثقتنا بِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ ونصنع الخير على هذا الأساس فقط.
١. وَالآنَ أيُّها الإخوَةُ: رغم أن بطرس واجههم بخطاياهم بجراءة لكنه لم يكرههم البتة ولم يقل: “والآن أيها الخطاة البائسين” بل نراه يخاطبهم قائلًا: أيُّها الإخوَةُ. لاحظوا أن بطرس اِتَّهَمَهم بإنكار يسوع مرتين (١٣:٣، ١٤) وهو الأمر الذي فعله أيضًا.
٢. أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ: عَرِفَ بطرس أن طلبهم بصلب يسوع كان جهلهم لخطة الله الأبدية. ولكن هذا لم يبررهم بل حدد طبيعة ذنبهم. فإن فعلنا خطية عن جهل تبقى خطية ولكنها تختلف عن الخطية التي نفعلها بكامل إرادتنا.
٣. قَدْ تَمَّمَهُ هَكَذَا (لَكِنَّ اللهَ بِهَذَا أَتَمَّ): رغم كل الشر الذي كان ضد يسوع فإن خطة الله لم تتغير أو تحيد عن مسارها. فالله قادر على تحويل أسوأ الشرور للخير. ولهذا استطاع يوسف أن يقول لإخوته: “أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا” (تكوين ٢٠:٥٠). هذا هو نفس المبدأ الذي كان يعمل أثناء صلب يسوع ولا يزال يعمل في حياتنا اليوم (رومية ٢٨:٨).
١. فَتُوبُوا: وكما فعل في عظته الأولى (أعمال الرسل ٣٨:٢) دعا بطرس الحشد إلى التوبة وطلب منهم أن يغيروا اِتِّجَاه القلب والفكر والتصرفات.
• تكلم بطرس بجراءة معهم بشأن خطاياهم ليس بهدف أن يشعروا بالسوء فقط بل أن يتوبوا ويؤمنوا.
• لا تعني التوبة الشعور بالأسف بل تغيير الاتجاه. وكما فعل في الإصحاح الثاني نراه يستخدم التوبة ثانية ككلمة مليئة بالرجاء. واجههم بالخطأ الذي ارتكبوه ولكن بالرغم من ذلك كان بإمكانهم تغيير الاتجاه والتصالح مع الله.
٢. وَارْجِعُوا: عَرف بطرس أهمية التغيير وأهمية عمل الله في حياتهم. فالحياة المسيحية لا تعني “قلب صفحة جديدة” فحسب بل تعني أن نصبح خليقة جديدة في المسيح يسوع (كورنثوس الثانية ١٧:٥).
• أشار بويس (Boice) أن أفضل ترجمة لكلمة ارْجِعُوا هي ’الهروب نحو الله‘ وربطها بصورة مدن الملجأ في العهد القديم. وأشار أيضًا أن بطرس أراد أن يحث الشعب على الهروب نحو يسوع الملجأ.
٣. لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ: هذه هي أول فائدة للتوبة التي قدمها بطرس لهم. فالذي يتوب ويرجع تُغفر خطاياه ويُمحى الصك عنه تمامًا.
• تحمل كلمة تُمْحَى فكرة مسح الحبر عن الورقة. فالحبر في الكتابات القديمة لم يحتوي على مواد حمضية يجعله يتفاعل مع الورق. فإذا أراد الكاتب أن يمحو سطر ما عليه سوى أن يبلل إسفنجة ويمحوه ببساطة. وهذا تمامًا ما قاله بطرس فالله يمحو خطايا الإنسان عند التوبة بهذه البساطة.
٤. لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ: هذه هي الفائدة الثانية للتوبة والرجوع إلى الله. فعندما أشار بطرس إلى أَوْقَاتُ الْفَرَجِ فإنه يشير إلى الوقت الذي سيأتي فيه يسوع ثانية ويحكم الأرض بالبر. ذهب بطرس إلى حد القول: أن الله الآب سيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ ثانية إذا تاب شعب إسرائيل كأمة.
• وضح بطرس أن يسوع لاَبُدَّ أَنْ يَبْقَى فِي السَّمَاءِ حَتَّى يَأْتِيَ الزَّمَنُ الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ الإِصْلاحُ الشَّامِلُ لِكُلِّ شَيْءٍ وبما أن توبة شعب إسرائيل هي واحدة من تلك الأشياء إذًا فعودة المسيح لن تتم إلا عند توبة الشعب اليهودي.
• وبشكل أساسي عرض بطرس على الشعب اليهودي فرصة لتسريع عودة يسوع عن طريق قبولهم له بالإيمان كأُمة وهذا ما يجب أن يحدث قبل مجيء يسوع الثاني (كما هو الحال في إنجيل متّى ٣٧:٢٣-٣٩ ورومية ٢٥:١١-٢٧).
• ربما يتساءل أحدهم: “إن آمن الشعب اليهودي بالكامل في تلك الأيام بالبشارة فهل كان سيأتي يسوع ثانية حينها؟” نستطيع القول من الناحية النظرية أنه هذا كان يمكن أن يحدث فعلًا ولكن ليس هناك أي داعٍ لمثل هذه التكهنات لأنها لم تحدث.
• يريد الله أن يعطي شعبه اليوم أوقات للرّاحَةِ (أَوْقَاتُ الفَرَج) إذًا علينا أن نصلي طالبين من الله بالإيمان أن يُرسل مواسم للانتعاش وللراحة.
١. فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلْآبَاءِ: كان الشعب اليهودي في تلك الأيام يعرفون هذه النبوة جيدًا (فهي مُسجلة في تثنية ١٥:١٨ و١٨:١٨-١٩) ولكن اِعتقد البعض أن النَّبِيِّ هنا يشير إلى شخص يختلف عن المسيا. ولكن بطرس وضح لهم أن النبي المذكور هنا هو شخص يسوع المسيح وليس آخر.
٢. وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَا تَسْمَعُ لِذَلِكَ النَّبِيِّ تُبَادُ: الدمار المذكور في هذه النبوة سيصبح إرثًا لهذا الجيل من اليهود والعديد من هذا الجيل (بالتأكيد ليس الكل) قد رفض يسوع بالفعل مرتين.
• هذه هي البركة الثالثة التي تأتي من التوبة والرجوع إلى الله: النجاة من الدينونة القادمة.
٣. وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللهُ آبَاءَنَا قَائِلًا لِإِبْراهِيمَ: توجد في طيات الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم بِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرْضِ وبعبارة إِلَيْكُمْ أَوَّلًا فكرة لم تكتمل بعد وتُشير إلى توصيل البشارة إلى كل الأرض وهذا يشمل الأمم.
٤. أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ: هذه هي البركة الرابعة التي تأتي من التوبة والرجوع إلى الله. فالمسيح يباركنا من السماء ويفعل ذلك بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ منا عن خطاياه. فالله يريد أن يباركنا ويعطينا كل ما هو صالح وهذا يشمل رغبته في أن يرد كل واحد منا عن شروره.
• أراد الرجل الأعرج عند البَوّابَةِ الجَمِيلَة شيئًا ولكن الله أراد أن يمنحه شيئًا أعظم بكثير. وهذا ينطبق بشكل عام على الشعب اليهودي الذي وعظه بطرس. فقد كانوا يتوقعون مجيء المسيا بطريقة معينة ولكن الله أعطاهم ما فاق توقعاتهم. كانوا يبحثون عن مخلص سياسي وعسكري وليس شخص يردِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهم عَنْ شُرُورِهِ. وهذا يُظهر أهمية أن نتوقع الأشياء الصحيحة من يد الله.
أعمال الرسل – الإصحاح ٣ – شفاء الأعرج
أولًا. شفاء المشلول عند باب يُدعى الْجَمِيل
أ ) الآيات (٣-١): طلبة الشَّحَّاذ المشلول
١وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلَاةِ التَّاسِعَةِ. ٢وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ. ٣فَهَذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلَا الْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً.
١. وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا: كلف يسوع بطرس ويوحنا أن يكونوا سفراء خاصين عن المسيح واعترف المسيحيون الأوائل بهم كـرُّسُل. تخبرنا الآية في أعمال الرسل ٤٣:٢ كَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ. الإصحاح ٣ ما هو إلا مجرد مثل واحد عن العجائب الكثيرة التي قاموا بها.
• ثمة ثلاثة أسباب على الأقل دفعت لوقا ليكتب عن هذه المعجزة بالتحديد. أولًا: ليقدم لنا مثالًا عما ذكره في الآية ٤٣ من الإصحاح الثاني. ثانيًا: لتكون كمبرر ليخبرنا عن عظة بطرس الثانية. ثالثًا: ليظهر لنا سبب اضطهاد المؤمنين الأوائل. فالاضطهاد سيكون نهاية هذه القصة الرائعة.
٢. فِي سَاعَةِ الصَّلَاةِ: يبدو أن بطرس ويوحنا لم يجدا أية مشكلة في المداومة على الصلاة في ساعات معينة من اليوم حسب التقاليد اليهودية.
• يشير مورغان (Morgan) إلى أن بطرس ويوحنا لم يذهبا إلى الهيكل ساعة تقديم الذبيحة بل سَاعَةِ الصَّلَاةِ والتي كانت تتبع تقديم الذبيحة المسائية. وعَلِما جيدًا أن يسوع تمم كل نظام الذبائح عندما قدم نفسه كذبيحة كاملة على الصليب.
• كشف كالفن (Calvin) عن نية بطرس ويوحنا المُبشرين بتصرفهم هذا: “قد يقول البعض أن سبب ذهاب الرسل إلى الهيكل كان لأداء الصلاة حسب الناموس ولكني لا اعتقد أن هذه كانت نيتهم، فقد صعدوا إلى الهيكل لكي ينشروا الإنجيل في كل مكان.”
• علق هيوز (Hughes) على سَاعَةِ الصَّلَاةِ التَّاسِعَةِ: “لعل لهذه الساعة أهمية خاصة بالنسبة لهم لأنها كانت الساعة التي صرخ فيها يسوع وهو على الصليب ’قَدْ أُكْمِلَ‘ (يوحنا ٣٠:١٩).
٣. عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ»: وصف المؤرخ اليهودي يوسيفوس هذا الباب عند جبل الهيكل المصنوع من البرونز الكورنثي بارتفاع ٣٠ متر مع أبواب مزدوجة ضخمة وقال: “فاق في جماله الأبواب المصنوعة من الفضة ومزينة بالذهب.” (نقلًا عن ستوت Stott).
٤. وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ … لِيَسْأَلَ صَدَقَةً: أراد الرجل الأعرج أن ينال الدعم من الآخرين بسبب حالته الجسدية. ولكن الله أعد له ما هو أفضل بكثير؛ أراد يسوع أن يغير حالته بالكامل.
• لم يعتقد الأعرج أن أمامه أي خيار آخر سوى الاعتماد على الآخرين وبكل تأكيد كان هذا أفضل بالنسبة له من الموت جوعًا.
• بالإضافة إلى ذلك كان يملك الرجل سببًا وجيهًا في الاعتقاد أن التسول عند باب الْجَمِيلُ سيوفر له احتياجاته حتمًا. فقد كان هناك (ولا يزال) تقليد سائد في اليهودية لإعطاء الصدقة للفقراء وخاصة المتسولين منهم بهدف إظهار برهم الذاتي.
ب) الآيات (٦-٤): كلام بطرس للرجل الأعرج
٤فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا، وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَيْنَا!». ٥فَلَاحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا. ٦فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ، وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!».
١. فَتَفَرَّسَ فِيهِ: لا بد أن الرجل شعر بسعادة غامرة لأن بطرس ويوحنا تَفَرَّسَا فيه. فالأشخاص الذين يريدون تجاهل المتسولين يحرصون عادة على تجنب النظر اليهم. فعندما نظروا إلى الرجل الأعرج بكل اهتمام ربما اعتقد أنه سيحصل على مبلغ كبير منهم.
٢. فَلَاحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا: تطلّع الرجل الأعرج إليهما وربما مد يده ليأخذ الصدقة.
• كان الرجل الأعرج مُحقًا حينما انتظر أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا ولكنه نال أكثر من مجرد صدقة مالية كانت سترضيه وقتيًا.
• كثيرون لم يصلوا بعد إلى مرحلة التوقع من الله. ولكن الإيمان بكل بساطة أن يتوقع المرء شيئًا حتى لو كان بسيطًا مما ينوي الله أن يعطيه فعلًا.
• علينا دائمًا أن نتوقع الأفضل من الله. فغالبًا ما نكون مستعدين للحصول على ما هو أقل بكثير مما يريد الله أن يعطينا إياه فعلًا وهذه التوقعات القليلة غالبًا ما تسلب منا بركات كثيرة.
٣. لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ: لم يملك بطرس أية نقود ولكنه كان يملك سلطان من يسوع المسيح على شفاء المرضى (وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ). اختبر بطرس من قبل استخدام الله له في شفاء الآخرين لأن يسوع دربه على ذلك (لوقا ١:٩-٦).
• تعتبر جملة ’لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ‘ بالنسبة للبعض أَسْوَأُ جملة يمكن للمرء أن يقولها على الإِطلاق. ويعتقدون أن الكنيسة ستنهار إن قالت: ’لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ.‘ ولكن الأسوأ أن لا تملك الكنيسة القدرة الروحية على القول: ’بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!‘
• هناك قصة لا نعلم إن كانت حقيقية أم لا عن راهب بسيط في العصور الوسطى كان يتمشى مع رجل دين كاثوليكي في روما عندما كانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في ذروة سلطتها ومكانتها وغناها. ثم أشار رجل الدين إلى الممتلكات الفخمة من حوله وقال للراهب: “لسنا بحاجة الآن أن نقول ’لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ.‘” فأجابه الراهب: “ولكنك لا تستطيع الآن أن تقول أيضًا: ’بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!‘
• نستطيع أن نتخيل كيف تذمر الرجل الأعرج عندما لم يقدم بطرس ويوحنا له المساعدة المالية ونستطيع أن نتخيل أنه قال لهما شيء كهذا: “أنتم لا تكترثون لأمري. أنظروا لحالتي! ألن تساعدوني؟” ولكنهما أرادا أن يقدما له ما هو أفضل بكثير من مجرد الإحسان المادي. أرادوا أن يغيروا حياته بالكامل بقوة يسوع المسيح المُقام.
• كتب لاسور (LaSor): “ليس دور الكنيسة في هذا العالم أن تجعل الظروف الحالية أكثر احتمالًا بل مهمة الكنيسة على الأرض أن تنشر الأخبار السارة عن عمل الرب يسوع المسيح المُخلص على الصليب.”
٤. وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: أعطى بطرس الرجل الأعرج القوة في اسم يسوع المسيح لأنها كان يملكها وما كان يمكنه فعل ذلك إن لم يختبر هذه القوة في حياته الخاصة. الكثيرون يرغبون في أن يقولوا: “قُمْ وَامْشِ” دون أن يقبلوا قوة يسوع المغيرة في حياتهم.
• كتب هيوز (Hughes) تعليقًا على الآية بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ: “كان يسوع من مدينة الناصرة وكان ناصريًا واعتاد اليهود على استخدام هذا اللقب لإهانة يسوع طوال حياته على الأرض. ولكن بطرس استخدم هذا اللقب الآن ونادى به بأعلى صوته وبكل فخر.”
ج ) الآيات (١٠-٧): شفاء الرجل الأعرج
٧وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلَاهُ وَكَعْبَاهُ، ٨فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ. ٩وَأَبْصَرَهُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَهُوَ يَمْشِي وَيُسَبِّحُ اللهَ. ١٠وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ الْهَيْكَلِ الْجَمِيلِ، فَامْتَلَأُوا دَهْشَةً وَحَيْرَةً مِمَّا حَدَثَ لَهُ.
١. وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ: أن تقول الجملة “قُمْ وَامْشِ” شيئًا وأن تمسك بيد الرجل وتقيمه على قدميه بكل جراءة شيء آخر. استقبل بطرس في هذه اللحظة عطية الإيمان الموصوفة في كورنثوس الأولى ٩:١٢ – قدرة معجزية على الثقة بالله في وضع معين.
• لم يتصرف بطرس على هواه أو كوسيلة للشهرة بل تصرف بدافع من الروح القدس. فقد أعطى الله بطرس القدرة على الثقة به ليفعل شيء خارج عن الطبيعة.
٢. فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلَاهُ وَكَعْبَاهُ: لم يشعر الرجل بالقوة إلا عندما قال له بطرس: قُمْ وَامْشِ ثم أَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ.
• كتب مورغان (Morgan): “لن يفهم معنى هذه الكلمات سوى من يعملون بالمجال الطبي لأنها تبدو كلمات غريبة وتقنية بالنسبة لشخص عادي. لم يستخدم أحد الكلمة المترجمة رِجْلَاهُ إلا لوقا ولا نراها في أي مقطع آخر في الكتاب المقدس وذكرها ليميز بين الأجزاء المختلفة لرِجْل الإنسان. ومصطلح كَعْبَاهُ طبيٌ أيضًا ولا نجده في أي مكان آخر. وتصف كلمة “وَثَبَ” إلى رجوع المفاصل إلى مكانها الطبيعي. يبدو أن لوقا قدم وصفًا طبيًا دقيقًا جدًا لما حدث مع هذا الرجل.”
٣. وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ: فعل الرجل الأعرج ثلاثة أشياء مهمة بعد أن نال الشفاء. أولًا اِلتَصَقَ بالرُسل (وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ) وثانيًا ابتدأ يستخدم ما أعطاه الله في الحال (يَمْشِي وَيَطْفُرُ) وأخيرًا ابتدأ يشكر وَيُسَبِّحُ اللهَ.
٤. وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ: كان عمر الرجل أكثر من ٤٠ سنة (أعمال الرسل ٢٢:٤) وكان مَشلولًا مُنذُ وِلادَتِهِ كما وكان معروفًا للجميع لأنه كانَ يَجلِسُ مُستَعطِيًا عِندَ البَوّابَةِ الجَمِيلَةِ (أعمال الرسل ١٠:٣). لا بد أن يسوع مر قربه أكثر من مرة ولكنه لم يشفيه.
• نستطيع القول أن هذا الرجل كان من بين الأشخاص الذين لم يشفيهم يسوع لأن توقيت الله مساوٍ في الأهمية مع مشيئته. فشفاء يسوع للرجل وهو في السماء عن طريق التلاميذ كان سيعطي مجد أعظم لله.
ثانيًا. بطرس يعظ الجُمُوع
أ ) الآيات (١٢-١١) المقدمة: لماذا تعتقدون أننا صنعنا عجبًا؟
١١وَبَيْنَمَا كَانَ الرَّجُلُ الْأَعْرَجُ الَّذِي شُفِيَ مُتَمَسِّكًا بِبُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، تَرَاكَضَ إِلَيْهِمْ جَمِيعُ الشَّعْبِ إِلَى الرِّوَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «رِوَاقُ سُلَيْمَانَ» وَهُمْ مُنْدَهِشُونَ. ١٢فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذَلِكَ أَجَابَ الشَّعْبَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا؟ وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هَذَا يَمْشِي؟
١. مُتَمَسِّكًا بِبُطْرُسَ وَيُوحَنَّا: لم يتمسك الرجل ببطرس ويوحنا لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ فقد أصبح قادرًا على السير الآن ويمكنه الاعتناء بنفسه. ولكنه ربما تَمَسَّكَ بهما كعِرْفانٍ بِالجَميل أو لأن مشاعره كانت خليط من مشاعر الخوف والدهشة.
٢. فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذَلِكَ أَجَابَ الشَّعْبَ: اِستَغَلَّ بطرس بحكمة تَجَمَّعَ الناس من حولهم ولهذا أجاب الشعب. ولكنه كان يعلم جيدًا أن المعجزات لن تجذب الكثيرين إلى الإيمان بيسوع بل ستثير دهشتهم فقط. واندهاشهم لن يكون كافيًا لخلاصهم.
• ربما كان الوقت ملائمًا ليشارك هذا الرجل اختبار شفاءه مع الآخرين ولكن عرف بطرس أن ما يحتاج إليه الناس فعلًا هو سماع الأخبار السارة عن يسوع المسيح وأن يقدم لهم دعوة للتوبة وللإيمان فهذين الأمرين أهم بكثير من شهادة الرجل. لم يملك الرجل ما يكفي بعد لمشاركة الآخرين ولهذا تكلم بطرس بدلًا عنه.
• عرف بطرس أيضًا أن الإيمان الذي يُخلص لا يأتي برؤية المعجزات أو بالسماع عنها بل الْإِيمَانُ بِالْخَبَرِ وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ (رومية ١٧:١٠).
٣. وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هَذَا يَمْشِي؟ رفض بطرس أن ينسب الشفاء لقوتهم أو تقواهم.
• العديد من المبشرين والوعاظ اليوم رغم أنهم لا ينسبون الشفاء إلى قوتهم الخاصة إلا أنهم يعطوا الانطباع بأن الشفاء حدث لأنهم روحانيين جدًا وقريبين من الله أو لأنهم أتقياء. ولكن عرف بطرس جيدًا أن سبب الشفاء كان شخص يسوع المسيح وليس آخر.
٤. مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا؟ كانت نقطة بطرس بسيطة للغاية هنا وكأنه يقول: شفى يسوع الكثير من الناس أثناء وجوده على الأرض فلماذا تتعجبون أنه لا يزال يشفي وهو في السماء؟
ب) الآيات (١٥-١٣): عظة بطرس عن يسوع
١٣إِنَّ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلَهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلَاطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقِهِ. ١٤وَلَكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. ١٥وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الْأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذَلِكَ. ١٦وَبِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هَذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالْإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هَذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ.
١. إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ: ابتدأ بطرس عظته بهذه الكلمات ليثبت لهم أنه يتكلم عن إله إسرائيل إِلَهَ آبَائِنَا المذكور في الكتب المقدسة.
٢. فَتَاهُ يَسُوعَ (خادِمَهُ يَسُوعَ): عظمة عظة بطرس أنها كانت تدور حول شخص يسوع المسيح. فلم يكن تركيز العظة على بطرس أو على أعماله بل على شخص الرب يسوع المسيح.
• أول أمر فعله بطرس في هذه العظة هو لفت الانتباه إلى يسوع خادم الرب (فَتَاهُ) الذي تنبأت عنه الكتب المقدسة العبرية (مثل إشَعْياء ٤٢ و١٣:٥٢-١٢:٥٣). علّقَ بويس (Boice): “كان مفهوم ’خادم الرب‘ مألوفًا جدًا بالنسبة للشعب اليهودي بسبب سفر إشَعْياء ٥٣ بالإضافة إلى نصوص أخرى عديدة.”
٣. الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ: وضع بطرس تهمة قتل يسوع في مكانها الصحيح بجراءة. فقد أراد بِيلَاطُسَ الحاكم الروماني أن يحكم بِإِطْلَاقِهِ ولكن الحشد أصرَّ على صلب يسوع (يوحنا ٢٩:١٨-١٦:١٩).
• لا يعني هذا أن الشعب اليهودي في ذلك اليوم هو وحده المسؤول عن موت يسوع. فالرومان الأمم يتحملون أيضًا كامل المسؤولية. لن يصلب الرومان يسوع لولا إصرار القادة اليهود ولن يصلب اليهود يسوع دون موافقة الرومان. وقد حرص الله على أن يتحمل كل من الأمم واليهود ذنب موت يسوع. فلم يكن السبب في صلب يسوع مؤامرة سياسية أو ظروف سيئة بل خطايانا. فإذا كنت تريد أن تعرف من صلب يسوع أنظر إلى نفسك أو أنظر في المرآة.
• لم يخشى بطرس مواجهة خطاياهم بل أظهر في الواقع شجاعة كبيرة. كتب مورغان (Morgan) تعليقًا على ذلك: “قال أحد الشُراح أن المعجزة التي قام بها بطرس من خلال العظة كانت تفوق بكثير معجزة شفاء الرجل الأعرج الَّذِي كانَ يَجلِسُ مُستَعطِيًا عِندَ البَوّابَةِ الجَمِيلَةِ.”
• ولكن لاحظ التناقض هنا. فحسب تقدير الله كان يسوع هو فَتَاهُ (خادمه) الممجد الذي وعد به قبل قرون في الكتب المقدسة. ولكن حسب التقدير البشري كان يسوع يستحق الألم والصلب.
٤. الْقُدُّوسَ: يعظم بطرس يسوع هنا ويدعوه الله. استخدمت كلمة الْقُدُّوسَ في العهد القديم أكثر من ٤٠ مرة كلقب لتعظيم وتمجيد يهوه إله العهد لشعب إسرائيل.
٥. وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ: يا للسخرية! رفض الحشد يسوع وطلب أن يوهب لهم رجل مجرم وقاتل يدعى باراباس (لوقا ١٣:٢٣-٢٥، يوحنا ٣٩:١٨-٤٠). لم يخشى بطرس من مواجهة جمهوره.
• استخدم بطرس كلمة أَنْتُمْ عدة مرات عندما تكلم عن الخطية ولكنه استخدمها مرة واحدة فقط في عظته يوم الخمسين (أعمال الرسل ٢٣:٢).
• أَنْتُمْ الَّذِين أَسْلَمْتُمُوهُ وَأَنْكَرْتُمُوهُ.
• أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ.
• (أَنْتُمْ) طَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ.
• (أَنْتُمْ) قَتَلْتم رَئِيسُ الْحَيَاةِ.
٦. ورَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ: كان من المستحيل بالطبع أن يبقى رَئِيسُ الْحَيَاةِ في القبر واتحد الرُسل في شهادتهم على حقيقة القيامة.
ج) الآية (١٦): كيف شُفِيَ الرجل.
١٦وَبِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هَذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالْإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هَذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ.
١. وَبِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هَذَا: قال بطرس أن اسْمُ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي شفى الأعرج. فاسم ’يسوع‘ يحمل الكثير من المعاني في طياته من مجرد نطقه. أدرك بطرس تمامًا أنه فعل ذلك بسلطان وقوة يسوع وليس بسلطانه أو قوته الخاصة ورفض حتى أن يأخذ الفَضْل في شفاء هذا الرجل بل قال أن إيمانه هو الذي منحه الشفاء الكامل (الْإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هَذِهِ الصِّحَّةَ).
• كتب لونجنيكر (Longenecker): ” لا يحدد الاسم ويميز صاحبه فحسب حسب الثقافة السامية بل يُعّبر عن طبيعته أيضًا وبالتالي قوة الشخص تكمن في اسمه.”
٢. وَبِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ: عندما يصنع أولاد الله الخير في هذا العالم فإنهم يفعلونه بِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ. ولكننا جميعًا مُعرضون للوقوع في تجربة وضع الثقة بالأشياء أو بالأشخاص.
• وضع الثقة بالنوايا الحسنة.
• وضع الثقة بالمواهب والعطايا.
• وضع الثقة بالموارد المادية.
• وضع الثقة بالسمعة والنجاحات السابقة.
• وضع الثقة بالعمل الدؤوب أو الذكاء.
• علينا عوضًا عن ذلك أن نضع ثقتنا بِالْإِيمَانِ بِاسْمِهِ ونصنع الخير على هذا الأساس فقط.
د ) الآيات (١٨-١٧): تفسير آلام المسيح
١٧«وَالْآنَ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضًا. ١٨وَأَمَّا اللهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ، قَدْ تَمَّمَهُ هَكَذَا.
١. وَالآنَ أيُّها الإخوَةُ: رغم أن بطرس واجههم بخطاياهم بجراءة لكنه لم يكرههم البتة ولم يقل: “والآن أيها الخطاة البائسين” بل نراه يخاطبهم قائلًا: أيُّها الإخوَةُ. لاحظوا أن بطرس اِتَّهَمَهم بإنكار يسوع مرتين (١٣:٣، ١٤) وهو الأمر الذي فعله أيضًا.
٢. أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ: عَرِفَ بطرس أن طلبهم بصلب يسوع كان جهلهم لخطة الله الأبدية. ولكن هذا لم يبررهم بل حدد طبيعة ذنبهم. فإن فعلنا خطية عن جهل تبقى خطية ولكنها تختلف عن الخطية التي نفعلها بكامل إرادتنا.
٣. قَدْ تَمَّمَهُ هَكَذَا (لَكِنَّ اللهَ بِهَذَا أَتَمَّ): رغم كل الشر الذي كان ضد يسوع فإن خطة الله لم تتغير أو تحيد عن مسارها. فالله قادر على تحويل أسوأ الشرور للخير. ولهذا استطاع يوسف أن يقول لإخوته: “أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا” (تكوين ٢٠:٥٠). هذا هو نفس المبدأ الذي كان يعمل أثناء صلب يسوع ولا يزال يعمل في حياتنا اليوم (رومية ٢٨:٨).
هـ) الآيات (٢١-١٩): دعوتهم إلى التوبة
١٩فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. ٢٠وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ. ٢١الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ.
١. فَتُوبُوا: وكما فعل في عظته الأولى (أعمال الرسل ٣٨:٢) دعا بطرس الحشد إلى التوبة وطلب منهم أن يغيروا اِتِّجَاه القلب والفكر والتصرفات.
• تكلم بطرس بجراءة معهم بشأن خطاياهم ليس بهدف أن يشعروا بالسوء فقط بل أن يتوبوا ويؤمنوا.
• لا تعني التوبة الشعور بالأسف بل تغيير الاتجاه. وكما فعل في الإصحاح الثاني نراه يستخدم التوبة ثانية ككلمة مليئة بالرجاء. واجههم بالخطأ الذي ارتكبوه ولكن بالرغم من ذلك كان بإمكانهم تغيير الاتجاه والتصالح مع الله.
٢. وَارْجِعُوا: عَرف بطرس أهمية التغيير وأهمية عمل الله في حياتهم. فالحياة المسيحية لا تعني “قلب صفحة جديدة” فحسب بل تعني أن نصبح خليقة جديدة في المسيح يسوع (كورنثوس الثانية ١٧:٥).
• أشار بويس (Boice) أن أفضل ترجمة لكلمة ارْجِعُوا هي ’الهروب نحو الله‘ وربطها بصورة مدن الملجأ في العهد القديم. وأشار أيضًا أن بطرس أراد أن يحث الشعب على الهروب نحو يسوع الملجأ.
٣. لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ: هذه هي أول فائدة للتوبة التي قدمها بطرس لهم. فالذي يتوب ويرجع تُغفر خطاياه ويُمحى الصك عنه تمامًا.
• تحمل كلمة تُمْحَى فكرة مسح الحبر عن الورقة. فالحبر في الكتابات القديمة لم يحتوي على مواد حمضية يجعله يتفاعل مع الورق. فإذا أراد الكاتب أن يمحو سطر ما عليه سوى أن يبلل إسفنجة ويمحوه ببساطة. وهذا تمامًا ما قاله بطرس فالله يمحو خطايا الإنسان عند التوبة بهذه البساطة.
٤. لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ: هذه هي الفائدة الثانية للتوبة والرجوع إلى الله. فعندما أشار بطرس إلى أَوْقَاتُ الْفَرَجِ فإنه يشير إلى الوقت الذي سيأتي فيه يسوع ثانية ويحكم الأرض بالبر. ذهب بطرس إلى حد القول: أن الله الآب سيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ ثانية إذا تاب شعب إسرائيل كأمة.
• وضح بطرس أن يسوع لاَبُدَّ أَنْ يَبْقَى فِي السَّمَاءِ حَتَّى يَأْتِيَ الزَّمَنُ الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ الإِصْلاحُ الشَّامِلُ لِكُلِّ شَيْءٍ وبما أن توبة شعب إسرائيل هي واحدة من تلك الأشياء إذًا فعودة المسيح لن تتم إلا عند توبة الشعب اليهودي.
• وبشكل أساسي عرض بطرس على الشعب اليهودي فرصة لتسريع عودة يسوع عن طريق قبولهم له بالإيمان كأُمة وهذا ما يجب أن يحدث قبل مجيء يسوع الثاني (كما هو الحال في إنجيل متّى ٣٧:٢٣-٣٩ ورومية ٢٥:١١-٢٧).
• ربما يتساءل أحدهم: “إن آمن الشعب اليهودي بالكامل في تلك الأيام بالبشارة فهل كان سيأتي يسوع ثانية حينها؟” نستطيع القول من الناحية النظرية أنه هذا كان يمكن أن يحدث فعلًا ولكن ليس هناك أي داعٍ لمثل هذه التكهنات لأنها لم تحدث.
• يريد الله أن يعطي شعبه اليوم أوقات للرّاحَةِ (أَوْقَاتُ الفَرَج) إذًا علينا أن نصلي طالبين من الله بالإيمان أن يُرسل مواسم للانتعاش وللراحة.
و ) الآيات (٢٦-٢٢): حذر بطرس من خطر رفض يسوع
٢٢فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلْآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ. ٢٣وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَا تَسْمَعُ لِذَلِكَ النَّبِيِّ تُبَادُ مِنَ الشَّعْبِ. ٢٤وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا مِنْ صَمُوئِيلَ فَمَا بَعْدَهُ، جَمِيعُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا، سَبَقُوا وَأَنْبَأُوا بِهَذِهِ الْأَيَّامِ. ٢٥أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللهُ آبَاءَنَا قَائِلًا لِإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرْضِ. ٢٦إِلَيْكُمْ أَوَّلًا، إِذْ أَقَامَ اللهُ فَتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ».
١. فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلْآبَاءِ: كان الشعب اليهودي في تلك الأيام يعرفون هذه النبوة جيدًا (فهي مُسجلة في تثنية ١٥:١٨ و١٨:١٨-١٩) ولكن اِعتقد البعض أن النَّبِيِّ هنا يشير إلى شخص يختلف عن المسيا. ولكن بطرس وضح لهم أن النبي المذكور هنا هو شخص يسوع المسيح وليس آخر.
٢. وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَا تَسْمَعُ لِذَلِكَ النَّبِيِّ تُبَادُ: الدمار المذكور في هذه النبوة سيصبح إرثًا لهذا الجيل من اليهود والعديد من هذا الجيل (بالتأكيد ليس الكل) قد رفض يسوع بالفعل مرتين.
• هذه هي البركة الثالثة التي تأتي من التوبة والرجوع إلى الله: النجاة من الدينونة القادمة.
٣. وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللهُ آبَاءَنَا قَائِلًا لِإِبْراهِيمَ: توجد في طيات الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم بِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرْضِ وبعبارة إِلَيْكُمْ أَوَّلًا فكرة لم تكتمل بعد وتُشير إلى توصيل البشارة إلى كل الأرض وهذا يشمل الأمم.
٤. أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ: هذه هي البركة الرابعة التي تأتي من التوبة والرجوع إلى الله. فالمسيح يباركنا من السماء ويفعل ذلك بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ منا عن خطاياه. فالله يريد أن يباركنا ويعطينا كل ما هو صالح وهذا يشمل رغبته في أن يرد كل واحد منا عن شروره.
• أراد الرجل الأعرج عند البَوّابَةِ الجَمِيلَة شيئًا ولكن الله أراد أن يمنحه شيئًا أعظم بكثير. وهذا ينطبق بشكل عام على الشعب اليهودي الذي وعظه بطرس. فقد كانوا يتوقعون مجيء المسيا بطريقة معينة ولكن الله أعطاهم ما فاق توقعاتهم. كانوا يبحثون عن مخلص سياسي وعسكري وليس شخص يردِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهم عَنْ شُرُورِهِ. وهذا يُظهر أهمية أن نتوقع الأشياء الصحيحة من يد الله.