١. وَنَظَرَ يَسُوعُ فَرَأى الأغنِياءَ يَضَعُونَ عَطاياهُمْ فِي صُندُوقِ التَّبَرُّعاتِ: لاحظ يسوع وهو في الهيكل كيف يقف الأغنياء في خط طويل لتقديم عطاياهم، وربما كانوا يبالغون في وضع مال كثير وذلك للفت الأنظار إليهم.
• وجود خط طويل عند صندوق التقديمات والافتخار الذي كان يظهره الأغنياء أثناء تقديمهم للعطايا أو لأنهم كانوا يملكون صندوق للعطاء بدلًا من أكياس، لا يعني بالضرورة أنهم كانوا أكثر روحانية. فالمسألة لا تتعلق بأي طريقة هي الأصح، ولكن بمساعدة الناس على تقديم عطاياهم دون لفت الأنظار لعطاياهم.
٢. وَرَأى أرمَلَةً فَقِيرَةً تَضَعُ فِلْسَيْنِ: لا بد وأن رؤية هذه الأرملة الفقيرة كان مُبهجًا ليسوع المُتعب، الذي تحّمل عاصفة من الأسئلة من أعدائه.
• وَرَأى: يسوع يرانا عندما نُعطي. ويلاحظ مقدار عطائنا، ولكن ما يهمه حقًا هو الإيمان والدافع والقلب وراء العطاء وليس الكمية.
٣. فِلْسَيْنِ: وفقًا لحسابات بوول (Poole)، يمكن تحديد قيمة الفلس هكذا: كان الدينار أجر يوم واحد، ويساوي ٦ ميا (عُملة محلية)؛ والميا يساوي اثنين من البونديون؛ والبونديون يساوي إثنين من الأسارين؛ والأسارين يساوي ٨ فلس. وهذا يعني أن الفلس يساوي ١% من الدينار – ١% من أجر اليوم.
• تعني الكلمة اليونانية القديمة “ليبتون Lepton” حرفيًا الشيء الضئيل جدًا. وبالتالي تم ترجمتها في اللغة الإنجليزية القديمة ’ميت mite‘ أي الصغير جدًا، وتأتي من كلمة “الفُتات” أو “اللقمة الصغير جدًا.”
• قدمت فِلْسَيْنِ، وليس فلس واحد. كان بإمكان الأرملة أن تحتفظ بفلس لنفسها، ولن يلومها أحد في الواقع إن فعلت. فتقديمها للفلس الواحد كان يعني تقديمها لنصف ما تملك. ولكنها أعطت بكرم مذهل.
١. هَذِهِ الْأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ: لم يقل يسوع أنها ألقت أكثر من أي واحد منهم. بل قال إنها ألقت أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ – أي مجموع ما قدموه معًا. فالكل أعطى مِنْ فَضْلَتِهِمْ، أما هي فأعطت مِنْ إِعْوَازِهَا.
• المبدأ الذي أراد يسوع أن يوضحه هنا هو أن روح العطاء يحدد قيمة العطية أكثر من كميتها. فلا يريد الله منا أن نُعطي على مضض أو بمرارة أو كشعورٍ بالذنب. فالمُعطي المسرور يحبه الله.
• كما وتُظهر عطية الأرملة وتعليق يسوع عليها أن ما يحدد قيمة العطية هو تكلفتها أو مقدار التضحية فيها. وهذا ما جعل عطية الأرملة قيّمة للغاية. رفض داود أن يقدم لله تَقْدِماتٍ لَمْ تُكَلِّفْه شيئًا (صموئيل الثاني ٢٤:٢٤).
• يبين مبدأ يسوع هنا أن الله لا يحتاج إلى أموالنا. إن كان الله يحتاجها، فسوف ينصب اهتمامه الأول على الكمية وليس على حالة القلب أثناء العطاء. عوضًا عن ذلك، لنا الشرف أن نقدم لله. فالعطاء جيد لنا ونحن من نستفيد وليس الله.
٢. مِنْ إِعْوَازِهَا: كانت المرأة فقيرة لأنها كانت أرملة ولم يكن لها زوج يعيلها. وربما كان هذا الحدث مهم لأن يسوع قد انتهى لتوه من انتقد الكتبة الذين كانوا يَنْهَبُونَ مَالَ الْأَرَامِلِ (لوقا ٤٧:٢٠). ثم تأتي هذه الأرملة وتقدم هذه التقدمة الرائعة. فربما قام أحد الكتبة بنهب أموالها.
• لقد تحدت الأرملة العقلية التي تقول: “سأعطي عندما أملك المزيد.” لم تملك الأرملة أي شيء تقريبًا، ومع ذلك أعطت كل ما لها. وهذا يعني أنه بإمكاننا إرضاء الله بعطايانا تمامًا كعطايا أغنى رجل في العالم. يرى الله عندما نُقدم بسخاء وبتضحية ويُسر بهذا.
١. وَإِذْ كَانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ عَنِ الْهَيْكَلِ: قام كل من عزرا وزربابل بإعادة بناء هذا الهيكل (عزرا ١٥:٦)، أما هيرودس فقام بتوسيعه وتحسينه. بقي الهيكل مركز الحياة اليهودية لما يقرب من ألف سنة. ووضعه الناس في مكانة مرموقة جدًا، وكان من الطبيعي أن يحلفوا به (متى ١٦:٢٣). وأي كلام ضد الهيكل كان يعتبر تجديفًا (أعمال الرسل ١٣:٦).
• وسع الملك هيرودس الهيكل إلى أكثر من الضِعْف، وأصبحت مساحته حوالي ٠٠٠ر١٥٠ متر مربع. بدأ هيرودس بإعادة بناء الهيكل في العام ١٩ قبل الميلاد، وأكمل العمل في العام ٦٣م، أي استغرق العمل فيه أكثر من ٨٠ عامًا. وانتهى العمل فيه قبل ٧ سنوات فقط من تدميره.
٢. مُزَيَّنٌ بِحِجَارَةٍ حَسَنَةٍ وَتُحَفٍ: لم يكن الهيكل ضخمًا فقط، بل كان جميلًا للغاية. قال المؤرخ اليهودي يوسيفوس بأن الهيكل كان مُغطى بألواح من الذهب وكلما بزغت الشمس، أرسلت أشعتها النورانية على الذهب فترتد الأشعة بضياء وهاج لا يستطيع الإنسان النظر إليه. وكانت الأقبية والأروقة مصنوعة من الرخام الأبيض النقي، وكان يُخيل للناظر الغريب أن للهيكل قمة تكسوه الثلوج البيضاء والناصعة.
• رغم عظمة الهيكل، لم يتردد يسوع في الادّعاء بأنه كان أعظم من الهيكل (متى ١٢:٥). وبالنسبة للعديد من اليهود في ذلك اليوم، صار الهيكل كإله يُعبد، وكان أهم من الله نفسه.
• يمكن للأشياء الجيدة أن تصبح صنم في حياتنا أو ربما أسوأ؛ ولهذا قد يأخذ الله أحيانًا الأشياء الجيدة في حياتنا أو يهزها حتى لا نحولها إلى أصنام.
٣. لَا يُتْرَكُ فِيهَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لَا يُنْقَضُ: بعد حوالي ٤٠ عامًا من هذا الكلام، ثار الشعب اليهودي ضد الرومان على نطاق واسع وفي كل أرجاء فلسطين. في البداية نجح المتمردون ولكن سرعان ما سحقت روما التمرد. وهكذا دُمرت أورشليم بالكامل، بما في ذلك الهيكل – تمامًا كما قال يسوع.
• يقال أنه عند دمار أورشليم، هرب ما بقي من اليهود إلى الهيكل، لأنه كان من أقوى المباني وأكثرها أمانًا. فقام الجنود الرومان بتطويقه، ولكن جندي سكران أشعل النيران فيه وسرعان ما انتشرت في كل المبنى. فذابت الزخارف المذهبة من السقف إلى أسفل في الشقوق بين الجدران الحجرية للهيكل، ولكي يستردوا الذهب، أمر القائد الروماني أن يفكك الهيكل حجر بحجر. وبسبب الدمار الشامل الذي حل بالهيكل، أصبح من الصعب اليوم تحديد موقعه بالضبط.
١. يَا مُعَلِّمُ، مَتَى يَكُونُ هَذَا؟: رغم تعجب التلاميذ من نبوة يسوع حول دمار الهيكل، سألوه سؤالًا منطقيًا. وكان السؤال هو البداية لأعظم وأشهر تعليم قدمه يسوع، وغالبًا ما يسمى بالموعظة على الجبل لأن متى (٣:٢٤) ذكر أن يسوع قدمها وهو جالس على جبل الزيتون.
• يبدو أن متى في الإصحاح ٢٤ سجل العظة بأكملها، وهذا مفيد للرد على الأسئلة التي ستثيرها رواية لوقا.
• يوضح كل من متى ولوقا أن يسوع تكلم عن خراب أورشليم وعن عودته المجيدة في آخر الأيام. والأمرين مرتبطين من الناحية النبوية على الرغم من أن عدة قرون تفصل بينهما.
• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “حصار أورشليم وخراب الهيكل هما عَيِّنة فقط لما سيأتي لاحقًا.”
٢. مَا هِيَ الْعَلَامَةُ عِنْدَمَا يَصِيرُ هَذَا؟: رد يسوع على هذه الأسئلة، المدون في متى ٢٤ أو لوقا ٢١، يشمل الدمار القادم على أورشليم في الزمن القريب وعودة يسوع الثاني في نهاية الأيام. ولكن يركز لوقا على الجانب الأول.
• قدم متى إجابة بتفاصيل أكثر، مشيرًا إلى ما دعاه يسوع برِجْسَةَ الْخَرَابِ (متى ١٥:٢٤ وما يليه).
ج ) الآية (٨): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، لا تتبع المعلمين الكذبة
١. انْظُرُوا! لَا تَضِلُّوا: حذر يسوع التلاميذ منذ البداية من الضلال أثناء انتظارهم لعودته. وهذا ما حدث بالفعل، مرت الكنيسة عبر التاريخ بأوقات زادت فيه النبوات وصدقها الكثيرون، مما أدى إلى خيبة أمل كبيرة لدى البعض، وتخلى البعض الآخر عن الإيمان وعن الكنيسة.
• ومن الأمثلة البارزة عن تلك التوقعات النبوية كان في عام ١٨٤٦ بقيادة شخص يدعى ويليام ميلر في الولايات المتحدة. وبسبب تفسيراته النبوية وحساباته ومنشوراته، اقتنع مئات الآلاف من الناس بأن يسوع سيأتي ثانية في العام ١٨٤٦. وعندما لم يأتِ، كان هناك خيبة أمل كبيرة، وكثيرين تركوا إيمانهم، كما وظهرت بعض الهرطقات كنتيجة لهذه الحُمى النبوية.
٢. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي: عرف يسوع أن كثيرين سيأتوا بعده مدّعين أنهم المسيا السياسي والعسكري لإسرائيل. ومن الأمثلة الصارخة على هذا كان رجلًا يدعى بار كوخبا، الذي جاء بعد ١٠٠ سنة من زمن يسوع واعتبره الكثير من اليهود أنه المسيا. وبدأ ثورة واسعة النطاق ضد الرومان ونجح في البداية، ولكن سرعان ما سحقوه.
٣. فَلَا تَذْهَبُوا وَرَاءَهُمْ: والمأساة أن الذين رفضوا يسوع كالمسيا، اِنتَهَى بهم المطاف باِتِّباع مسحاء كذبة لم يقودوهم سوى للموت والدمار. فمن رفض الحق، صار أكثر عرضة لخداع أكبر.
• كان تعلّيق بايت (Pate) عندما هجم الرومان على أورشليم: “يخبرنا يوسيفوس عن ستة آلاف لاَجِئ لقوا مصرعهم حرقًا في الهيكل بسبب سيرهم وراء نبي كذاب، والذي أعلن في ذلك اليوم للشعب في المدينة أن الله أمرهم أن يذهبوا إلى الهيكل، ليأخذوا مجازاة تحريرهم (يوسيفس J.W. ٦.٢٨٥). قد انخدعوا وساروا وراء أشخاص زعموا أنهم من عند الله.”
د ) الآيات (٩-١١): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، لا تخافوا من الكوارث التي ترتبط عادة بآخر الأيام.
١. فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلَاقِلٍ فَلَا تَجْزَعُوا: ما قاله يسوع هنا ينطبق على خراب أورشليم القادم وعلى مجيء يسوع الثاني في نهاية الأيام.
• كان هناك العديد من الحروب قبل خراب أورشليم، ودخل الرومان في حروب مستمرة مع اليهود والسامريين والسوريين وغيرهم في تلك الفترة. وحدثت زَلَازِلُ عَظِيمَة ملحوظة في الإمبراطورية الرومانية الأوسع قبل خراب أورشليم. كما وكان هناك مَجَاعَات، كتلك المذكورة في أعمال الرسل ٢٨:١١. ووقعت أحداثٌ مُخِيفَة(مَخَاوِفُ)في الإمبراطورية الرومانية الكبرى مثل دمار بومبي الذي حدث قبل سبع سنوات فقط من خراب أورشليم. وظهرت عَلَامَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، مثل المُذّنب الذي كان يشبه السيف فوق أورشليم قبل خرابها.
٢. لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلًا، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعًا: أكد يسوع أن هذه الأمور ليست هي العلامات على مجيئه الثاني. ويصف متى ٨:٢٤ أن هذه الأمور هي مجرد بداية الأوجاع. والمعنى الحرفي لمبتدأ الأوجاع: هي بداية آلام الولادة. وكما الحال وقت مخاض الولادة، علينا توقع حدوث حُرُوبٌ ومَجَاعَاتٌ وزَلَازِلٌ بشكل أكثر حدة وأكثر كثافة قبل مجيء يسوع الثاني، ولكن لن تكون أيًا من هذه العلامات هي العلامة المحددة على النهاية.
• لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلًا: علّقَ جيلدنهويس (Geldenhuys): “لا بد لهذه الأشياء أن تحدث لأنها جزء من البرنامج النبوي لنهاية الأيام، فهي قرار أبدي، ولن تعلن عن النهاية الفورية. فسقوط أورشليم والأحداث التي أدت لسقوطها كان أخلاقيًا، وليس له علاقة بالترتيب الزمني لأحداث نهاية الأيام، ولكن له خصائص شبيهة بعلم الأخرويات (اسكاتولوجي Eschatology).”
هـ) الآيات (١٢-١٥): يصف يسوع الاضطهاد الآتي على التلاميذ
١. وَقَبْلَ هَذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ: سينطبق هذا الكلام على الوقت الذي سيسبق خراب أورشليم والوقت الذي سيسبق مجيء يسوع الثاني على حدٍّ سواء. سيتعرض التلاميذ للاضطهاد لا محالة، ولكن مهما كانت شدة المعاناة، لا يجب أن يعتبروا ذلك علامة على نهاية الأيام.
٢. وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعَ وَسُجُونٍ: إشارة إلى الاضطهاد الذي سيأتي من الجهات الدينية والعلمانية على السَّواء. فعلى تلاميذ يسوع أن يتوقعوا الاضطهاد من كليهما.
٣. فَيَؤُولُ ذَلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً (فَتَكونُ لَكُمْ فُرصَةٌ لِتَشهَدُوا عَنِّي):منذ زمن بداية الكنيسة الأولى في أعمال الرُّسُل، واجه التلاميذ العديد من الاضطهادات ولكنهم حولوها إلى فرصة للتبشير ولمشاركة الآخرين عن اختبارهم الشخصي، وهكذا ِاستطاعوا توصيل رسالة الخلاص للمُلُوكٍ وَالوُلَاةٍ.
٤. لِأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لَا يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا: وعد يسوع أن يُعطي أولاده نعمة ومعونة خاصة وقت الاضطهاد.
• فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لَا تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا (فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أنْ لا تَهتَمُّوا مُسبَقًا كَيفَ سَتُدافِعُونَ عَنْ أنفُسِكُمْ): كتب بايت (Pate): “الكلمة اليونانية ’لا تهتموا من قبل‘ تستخدم للإشارة إلى التدريب قبل إلقاء خطاب رسمي.”
و ) الآيات (١٦-١٩): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، ثابروا واثْبُتُوا حتى وإن ترككم الجميع
١. وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ: لا يجب على المؤمنين أن يتوقعوا الاضطهاد من الأعداء خارج الكنيسة فحسب، بل من خيانة مؤمنين آخرين أيضًا (الْوَالِدِينَ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَقْرِبَاءِ وَالْأَصْدِقَاءِ). وبسببهم سيموت البعض (وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ).
٢. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي: من الغريب أن نفكر أن الرجال والنساء سيَكُونُونَ مُبْغَضِينَ من أجل خاطر يسوع، الذي كان ولا يزال مُحب وصالح. ومع ذلك، هذا ما سيحدث تمامًا.
٣. بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ: كلمة الصبر هنا هي الكلمة اليونانية هوبومون hupomone. وتعني الثبات والمثابرة بقوة، وليس الانتظار السلبي. نحن نثبت على رجاء وعد يسوع أنه في النهاية، ومن المنظور الأبدي، شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لَا تَهْلِكُ.
ز ) الآيات (٢٠-٢٤أ): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، أهربوا من أورشليم عندما تحيطها الجيوش
١. وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ: ركز يسوع في هذا التحذير على النبوة التي كانت ستَتَحقق قريبًا والتي كانت جزءً من النبوة الأكبر. ولكن الشعب اليهودي تجاهلها حتى عندما أحاطت الجيوش الرومانية مدينة أورشليم في العام ٧٠م.
٢. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ: توقع العديد من اليهود أن المسيا سيأتي عندما تحيط الجيوش الأممية مدينة أورشليم. ومع ذلك، عرف المؤمنين في أورشليم ما قاله يسوع وأطاعوه، وبالفعل هربوا عبر نهر الأردن، وفي الغالب إلى مدينة بيلا (طبقة الفحل). لهذا لم يمت سوى عدد قليل جدًا من المؤمنين حينما سقطت أورشليم.
• اقتبس موريس (Morris) من كتاب تاريخ الكنيسة (٣.٥.٣): “كتب المؤرخ المسيحي القديم يوسيبيوس أن معظم المسيحيين فروا إلى مدينة بيلا تجاوبًا مع “نبوة الوحي.”
٣. لِأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ: اِكتَمَلَ الغزو الروماني لأورشليم في العام ٧٠م. ويسجل التاريخ أن ١ر١ مليون يهودي قتلوا، وأُخذ أكثر من ٠٠٠ر٩٧ منهم أسيرًا في واحدة من أسوأ الكوارث التي تعرض لها الشعب اليهودي على الإطلاق. وقد حذرهم يسوع من تجنب كل هذا.
• عندما دمر الرومان أورشليم في العام ٧٠م، لم يُترك يهودي واحد على قيد الحياة في المدينة. وفي النهاية، أعاد الرومان تسمية المدينة لتصبح إيليا كابيتولينا، ولم يسمحوا لدخول أي يهودي إليها لعدة سنوات، إلا في يوم واحد في السنة – وهي الذكرى السنوية لسقوط المدينة وتدمير الهيكل. وكان يُسمح لليهود بدخول المدينة لرثائها والبكاء عليها فقط.
• كتب جيلدنهويس (Geldenhuys): “حذر الله الأمة اليهودية منذ بدايتها، ومن خلال العديد من خدامه، إن لم يتركوا طرقهم الردية فإنهم سيحصدون ثمر عصيانهم. راجع الكلمات القوية من سفر التثنية ١٥:٢٨-٦٨. فسفر التثنية ذكر تقريبًا كل الكوارث التي مر بها الشعب اليهودي خلال حربهم مع الدولة الرومانية.”
• عندما قال يسوع لِأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ كان يعي تمامًا ما يقوله. لهذا بكى على أورشليم (لوقا ٤١:١٩-٤٤)، لأنه اِستَطاعَ أن يرى الدمار الهائل الذي سيحل على المدينة التي أحبها، ولهذا حذر كل من سمع كلامه أن يهرب من الدمار الآتي.
١. وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الْأُمَمِ: بعد دمار أورشليم وتشتت الشعب اليهودي الذي تنبأ عنه يسوع في الآيات السابقة، ستسيطر الْأُمَمِ على أورشليم لفترة طويلة جدًا.
• وبعد آلاف السنين في المنفى، أُقيمت دولة إسرائيل مرة أخرى بطريقة معجزية في العام ١٩٤٨. ولكن لم تسيطر إسرائيل بالكامل على أورشليم حتى العام عام ١٩٦٨، والجزء المهم في المدينة – جبل الهيكل – لا يزال تحت حكم الأمم (السلطة الفلسطينية). ويمكننا القول ومن الناحية النبوية، أنه لا تزال أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الْأُمَمِ.
٢. حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الْأُمَمِ: يعتقد المؤلف أنه عندما تنتهي أَزْمِنَةُ الْأُمَمِ، ستبدأ فترة السبع سنوات المتبقية للشعب اليهودي حسب سفر دانيال الإصحاح ٩. وفي هذه الفترة ستأتي الكوارث الموصوفة في الآيات التالية.
• كتب تراب (Trapp): “لن يتخلى الأمم عن أورشليم بسهولة.”
• وكتب بايت (Pate): “على الأغلب قصد يسوع بهذه العبارة أن يشير إلى الوقت الذي لن تكون فيه أورشليم مُلكًا للأمم. فعندما تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الْأُمَمِ، ستستعيد أمة إسرائيل أراضيها.”
ط) الآيات (٢٥-٢٨): عندما تضرب الكارثة الأخيرة العالم، أنظروا نحو السماء – لِأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ
١. وَتَكُونُ عَلَامَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الْأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بحَيْرَةٍ: لم يكن العام ٧٠ م أو ما بعده مباشرة تحقيقًا كافيًا لهذه الكلمات. بل نظر يسوع هنا إلى المظاهر اللاحقة للتحقيق الكامل لمجيئه ثانية ولنهاية الأيام.
• يصف سفر رؤيا يوحنا التفاصيل المروعة لهذه الفوضى والكوارث (رؤيا يوحنا ٦، ٨-٩، و١٥-١٨). وكل هذا سيتوج بعودة يسوع الرائعة مع كنيسته لهذه الأرض.
٢. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الْإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ: بدأ يسوع كلامه بوصف أحداث ستقع في المستقبل بالنسبة لعصره ولكنها ستكون في الماضي بالنسبة لنا (الاحتلال الروماني لأورشليم في العام ٧٠م). ولكن نلاحظ بهذه الكلمات أنه تحول ليصف أحداث ستحصل في المستقبل في عصرنا – أي عودته المجيدة.
٣. وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هَذِهِ تَكُونُ، فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لِأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ: وصف لوقا الأشياء التي ستبدأ في الحدوث (لوقا ٢٥:٢١-٢٧). وطلب يسوع من المؤمنين على الأرض أن يكونوا مستعدين، لأن زمن الضيقة العظيمة التي اختبروها لن تدوم إلى الأبد، ولكن سيأتي يسوع بمجد وقوة قريبًا.
ي) الآيات (٢٩-٣٣): عندما ترى هذا العلامات (الذي تحدث عنها لوقا ٢٥:٢١-٢٧)، ستعرف أن النهاية قد اقتربت
١. اُنْظُرُوا إِلَى شَجَرَةِ التِّينِ: إن شجرة التين هي مجرد مثال على الشجرة التي تزهر قبل الصيف؛ وهي ليست إشارة مخصصة للشعب اليهودي فقط (كما تشير الكلمات، بل وَكُلِّ الْأَشْجَارِ). فقد كان من المعروف أنه عندما تبدأ أوراق شجرة التين بالظهور، فإن النتيجة حتمية – الصيف قريب، وسيأتي الثمر. وبنفس الطريقة، عندما نرى هذه العلامات، فإن النتيجة حتمية – سيأتي يسوع مع كنيسته قريبًا.
٢. لَا يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ: لم یشیر یسوع هنا إلى جیله أو إلى جيل التلاميذ، وإنما إلى الْجِيلُ الذي یرى تلك العلامات، لأنهم سيرون النهاية أيضًا. فقد وعد الله أن الضيقة العظيمة، كما دعاها يسوع، لن تدوم طويلًا (متى ٢١:٢٤).
• وهناك نقطة هامة علينا إضافتها: عندما قال يسوع هَذَا الْجِيلُ فإنه كان يقصد الشعب اليهودي، وهذا يعني أنهم لن يهلكوا كأمة حتى اِكتِمال هذه الأمور (على الرغم من الاضطهاد والإبادة التي تعرضوا لها).
• كتب بايت (Pate): “تعني كلمة جيل Genea ثلاثة أمور: ١) أحفاد جد مشترك؛ ٢) مجموعة من الناس ولدوا في نفس الوقت؛ ٣) الفترة الزمنية التي تشغلها مجموعة من الناس ثم يليهم مجموعة أخرى.”
٣. اَلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ، وَلَكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ: لا يمكن لإنسان أن يقول هذا الكلام. قال يسوع أن كلامه هو كلام الله – وهذا صحيح.
١. فَاحْتَرِزُوا لِأَنْفُسِكُمْ: علينا أن ننتبه لئلا تؤثر علينا أمور ما وتجعلنا غير مستعدين، ومثال على ذلك: خُمَارٍ (سهرات الخمر) وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ. كل واحدة من هذه الأمور تجعلنا غير مستعدين لمجيء يسوع… وتَثْقُلَ قُلُوبُنا.
• وفقًا لموريس (Morris)، تشير كلمة خُمَارٍ إلى الدوار الذي ينتج من آثار الخمرة.
٢. لِأَنَّهُ كَالْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْجَالِسِينَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ: يتكلم يسوع هنا عن مجيئه من زاوية مختلفة. ففي لوقا ٢٥:٢١-٢٦ يتكلم يسوع عن حدوث زلزال عظيم يهز الأرض قبل مجيئه. وفي لوقا:٣٤:٢١-٣٦ تكلم يسوع أنه سيأتي فجأة، كَالْفَخِّ – وشدد على أهمية الاسْتِعْدَاد.
• هذا لأن مجيء يسوع الثاني له جانبان متميزان، يفصل بينهما وقت ملموس. فالجانب الأول سيأتي فجأة، وبشكل غير متوقع، كَالْفَخِّ، في وقت يعمه السلام والأمان. والثاني سيأتي بتوقع كبير لعالمٍ مدمر تقريبًا من دينونة الله، وسينزل يسوع من السماء إلى الأرض مع شعبه.
• أولئك الذين كانوا على استعداد للجانب الأول من مجيئه يحسبون أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، أي الكوارث التي ستحل على الأرض. وسيقفون قُدَّامَ ابْنِ الْإِنْسَانِ. هؤلاء سيخطفون فِي السُّحُبِ، لِمُلَاقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ (تسالونيكي الأولى ١٧:٤)، وسيهربون من الضيقة التي ستأتي على الأرض.
• كلام يسوع في هذا الجزء من الموعظة على الجبل ينطبق عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ، وليس فقط على الذين يعيشون في أورشليم أو في اليهودية. ويتحدث هنا عن ما هو أصعب بكثير مما حدث لأورشليم في ٧٠م.
٣. اِسْهَرُوا إِذًا: ولأن لهذا صلة بكُلِّ الْأَرْضِ، فعلينا أن نسهر. كل من يسهر لن يقع في الفخ. الفشل في السهر يمنعنا من أن نكون مستعدين.
٤. وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ: طلب يسوع من أتباعه أن يتضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، كي يكونوا أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ. والخبر السار أنه في يسوع سننجو من كل الكوارث القادمة. وسيأخذ كل من كان مستعدًا قبل أن وقوع الكوارث.
• في المعنى الأقرب والعاجل، أولئك الذين سمعوا كلام يسوع فيما يخص خراب أورشليم وأطاعوه، نجو من الدمار الذي حل على المدينة لاحقًا.
• وفي المعنى الأبعد، أولئك الذين سمعوا كلام يسوع فيما يخص الدمار الذي سيحدث لكل الأرض وأطاعوه، سينجون من الدمار القادم.
١. وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ: يركز لوقا على خدمة يسوع العلنية، حيث كان فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ في أكثر الأماكن العامة في أورشليم. لم يختبئ يسوع في الأيام القليلة الباقية قبل الخيانه والاِعْتِقالِ والصلب.
٢. وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ: مثل العديد من الجليليين الذين جاءوا إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح، كان يسوع يبيت في جبل الزيتون في الأيام التي سبقت عيد الفصح.
إنجيل لوقا – الإصحاح ٢١ – يحذر يسوع من سقوط أورشليم وعودته
أولًا. عطية الأرملة
أ ) الآيات (١-٢): يراقب يسوع أرملة تقدم عطاياها
١وَنَظَرَ يَسُوعُ فَرَأى الأغنِياءَ يَضَعُونَ عَطاياهُمْ فِي صُندُوقِ التَّبَرُّعاتِ فِي الهَيكَلِ،٢وَرَأى أرمَلَةً فَقِيرَةً تَضَعُ فِلْسَيْنِ فِي الصُّندُوقِ.
١. وَنَظَرَ يَسُوعُ فَرَأى الأغنِياءَ يَضَعُونَ عَطاياهُمْ فِي صُندُوقِ التَّبَرُّعاتِ: لاحظ يسوع وهو في الهيكل كيف يقف الأغنياء في خط طويل لتقديم عطاياهم، وربما كانوا يبالغون في وضع مال كثير وذلك للفت الأنظار إليهم.
• وجود خط طويل عند صندوق التقديمات والافتخار الذي كان يظهره الأغنياء أثناء تقديمهم للعطايا أو لأنهم كانوا يملكون صندوق للعطاء بدلًا من أكياس، لا يعني بالضرورة أنهم كانوا أكثر روحانية. فالمسألة لا تتعلق بأي طريقة هي الأصح، ولكن بمساعدة الناس على تقديم عطاياهم دون لفت الأنظار لعطاياهم.
٢. وَرَأى أرمَلَةً فَقِيرَةً تَضَعُ فِلْسَيْنِ: لا بد وأن رؤية هذه الأرملة الفقيرة كان مُبهجًا ليسوع المُتعب، الذي تحّمل عاصفة من الأسئلة من أعدائه.
• وَرَأى: يسوع يرانا عندما نُعطي. ويلاحظ مقدار عطائنا، ولكن ما يهمه حقًا هو الإيمان والدافع والقلب وراء العطاء وليس الكمية.
٣. فِلْسَيْنِ: وفقًا لحسابات بوول (Poole)، يمكن تحديد قيمة الفلس هكذا: كان الدينار أجر يوم واحد، ويساوي ٦ ميا (عُملة محلية)؛ والميا يساوي اثنين من البونديون؛ والبونديون يساوي إثنين من الأسارين؛ والأسارين يساوي ٨ فلس. وهذا يعني أن الفلس يساوي ١% من الدينار – ١% من أجر اليوم.
• تعني الكلمة اليونانية القديمة “ليبتون Lepton” حرفيًا الشيء الضئيل جدًا. وبالتالي تم ترجمتها في اللغة الإنجليزية القديمة ’ميت mite‘ أي الصغير جدًا، وتأتي من كلمة “الفُتات” أو “اللقمة الصغير جدًا.”
• قدمت فِلْسَيْنِ، وليس فلس واحد. كان بإمكان الأرملة أن تحتفظ بفلس لنفسها، ولن يلومها أحد في الواقع إن فعلت. فتقديمها للفلس الواحد كان يعني تقديمها لنصف ما تملك. ولكنها أعطت بكرم مذهل.
ب) الآيات (٣-٤): يسوع يُقَيّم عطية الأرملة.
٣فَقَالَ: «بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ، ٤لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا فِي قَرَابِينِ اللهِ، وَأَمَّا هَذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا، أَلْقَتْ كُلَّ الْمَعِيشَةِ الَّتِي لَهَا».
١. هَذِهِ الْأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ: لم يقل يسوع أنها ألقت أكثر من أي واحد منهم. بل قال إنها ألقت أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ – أي مجموع ما قدموه معًا. فالكل أعطى مِنْ فَضْلَتِهِمْ، أما هي فأعطت مِنْ إِعْوَازِهَا.
• المبدأ الذي أراد يسوع أن يوضحه هنا هو أن روح العطاء يحدد قيمة العطية أكثر من كميتها. فلا يريد الله منا أن نُعطي على مضض أو بمرارة أو كشعورٍ بالذنب. فالمُعطي المسرور يحبه الله.
• كما وتُظهر عطية الأرملة وتعليق يسوع عليها أن ما يحدد قيمة العطية هو تكلفتها أو مقدار التضحية فيها. وهذا ما جعل عطية الأرملة قيّمة للغاية. رفض داود أن يقدم لله تَقْدِماتٍ لَمْ تُكَلِّفْه شيئًا (صموئيل الثاني ٢٤:٢٤).
• يبين مبدأ يسوع هنا أن الله لا يحتاج إلى أموالنا. إن كان الله يحتاجها، فسوف ينصب اهتمامه الأول على الكمية وليس على حالة القلب أثناء العطاء. عوضًا عن ذلك، لنا الشرف أن نقدم لله. فالعطاء جيد لنا ونحن من نستفيد وليس الله.
٢. مِنْ إِعْوَازِهَا: كانت المرأة فقيرة لأنها كانت أرملة ولم يكن لها زوج يعيلها. وربما كان هذا الحدث مهم لأن يسوع قد انتهى لتوه من انتقد الكتبة الذين كانوا يَنْهَبُونَ مَالَ الْأَرَامِلِ (لوقا ٤٧:٢٠). ثم تأتي هذه الأرملة وتقدم هذه التقدمة الرائعة. فربما قام أحد الكتبة بنهب أموالها.
• لقد تحدت الأرملة العقلية التي تقول: “سأعطي عندما أملك المزيد.” لم تملك الأرملة أي شيء تقريبًا، ومع ذلك أعطت كل ما لها. وهذا يعني أنه بإمكاننا إرضاء الله بعطايانا تمامًا كعطايا أغنى رجل في العالم. يرى الله عندما نُقدم بسخاء وبتضحية ويُسر بهذا.
ثانيًا. يتحدث يسوع عن أحداث مستقبلية
أ ) الآيات (٥-٦): نبوة يسوع عن الهَيكَل
٥وَإِذْ كَانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ عَنِ الْهَيْكَلِ إِنَّهُ مُزَيَّنٌ بِحِجَارَةٍ حَسَنَةٍ وَتُحَفٍ، قَالَ: ٦«هَذِهِ الَّتِي تَرَوْنَهَا، سَتَأْتِي أَيَّامٌ لَا يُتْرَكُ فِيهَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لَا يُنْقَضُ».
١. وَإِذْ كَانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ عَنِ الْهَيْكَلِ: قام كل من عزرا وزربابل بإعادة بناء هذا الهيكل (عزرا ١٥:٦)، أما هيرودس فقام بتوسيعه وتحسينه. بقي الهيكل مركز الحياة اليهودية لما يقرب من ألف سنة. ووضعه الناس في مكانة مرموقة جدًا، وكان من الطبيعي أن يحلفوا به (متى ١٦:٢٣). وأي كلام ضد الهيكل كان يعتبر تجديفًا (أعمال الرسل ١٣:٦).
• وسع الملك هيرودس الهيكل إلى أكثر من الضِعْف، وأصبحت مساحته حوالي ٠٠٠ر١٥٠ متر مربع. بدأ هيرودس بإعادة بناء الهيكل في العام ١٩ قبل الميلاد، وأكمل العمل في العام ٦٣م، أي استغرق العمل فيه أكثر من ٨٠ عامًا. وانتهى العمل فيه قبل ٧ سنوات فقط من تدميره.
٢. مُزَيَّنٌ بِحِجَارَةٍ حَسَنَةٍ وَتُحَفٍ: لم يكن الهيكل ضخمًا فقط، بل كان جميلًا للغاية. قال المؤرخ اليهودي يوسيفوس بأن الهيكل كان مُغطى بألواح من الذهب وكلما بزغت الشمس، أرسلت أشعتها النورانية على الذهب فترتد الأشعة بضياء وهاج لا يستطيع الإنسان النظر إليه. وكانت الأقبية والأروقة مصنوعة من الرخام الأبيض النقي، وكان يُخيل للناظر الغريب أن للهيكل قمة تكسوه الثلوج البيضاء والناصعة.
• رغم عظمة الهيكل، لم يتردد يسوع في الادّعاء بأنه كان أعظم من الهيكل (متى ١٢:٥). وبالنسبة للعديد من اليهود في ذلك اليوم، صار الهيكل كإله يُعبد، وكان أهم من الله نفسه.
• يمكن للأشياء الجيدة أن تصبح صنم في حياتنا أو ربما أسوأ؛ ولهذا قد يأخذ الله أحيانًا الأشياء الجيدة في حياتنا أو يهزها حتى لا نحولها إلى أصنام.
٣. لَا يُتْرَكُ فِيهَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لَا يُنْقَضُ: بعد حوالي ٤٠ عامًا من هذا الكلام، ثار الشعب اليهودي ضد الرومان على نطاق واسع وفي كل أرجاء فلسطين. في البداية نجح المتمردون ولكن سرعان ما سحقت روما التمرد. وهكذا دُمرت أورشليم بالكامل، بما في ذلك الهيكل – تمامًا كما قال يسوع.
• يقال أنه عند دمار أورشليم، هرب ما بقي من اليهود إلى الهيكل، لأنه كان من أقوى المباني وأكثرها أمانًا. فقام الجنود الرومان بتطويقه، ولكن جندي سكران أشعل النيران فيه وسرعان ما انتشرت في كل المبنى. فذابت الزخارف المذهبة من السقف إلى أسفل في الشقوق بين الجدران الحجرية للهيكل، ولكي يستردوا الذهب، أمر القائد الروماني أن يفكك الهيكل حجر بحجر. وبسبب الدمار الشامل الذي حل بالهيكل، أصبح من الصعب اليوم تحديد موقعه بالضبط.
ب) الآية (٧): السؤال عن خراب الهيكل
٧فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، مَتَى يَكُونُ هَذَا؟ ومَا هِيَ الْعَلَامَةُ عِنْدَمَا يَصِيرُ هَذَا؟».
١. يَا مُعَلِّمُ، مَتَى يَكُونُ هَذَا؟: رغم تعجب التلاميذ من نبوة يسوع حول دمار الهيكل، سألوه سؤالًا منطقيًا. وكان السؤال هو البداية لأعظم وأشهر تعليم قدمه يسوع، وغالبًا ما يسمى بالموعظة على الجبل لأن متى (٣:٢٤) ذكر أن يسوع قدمها وهو جالس على جبل الزيتون.
• يبدو أن متى في الإصحاح ٢٤ سجل العظة بأكملها، وهذا مفيد للرد على الأسئلة التي ستثيرها رواية لوقا.
• يوضح كل من متى ولوقا أن يسوع تكلم عن خراب أورشليم وعن عودته المجيدة في آخر الأيام. والأمرين مرتبطين من الناحية النبوية على الرغم من أن عدة قرون تفصل بينهما.
• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “حصار أورشليم وخراب الهيكل هما عَيِّنة فقط لما سيأتي لاحقًا.”
٢. مَا هِيَ الْعَلَامَةُ عِنْدَمَا يَصِيرُ هَذَا؟: رد يسوع على هذه الأسئلة، المدون في متى ٢٤ أو لوقا ٢١، يشمل الدمار القادم على أورشليم في الزمن القريب وعودة يسوع الثاني في نهاية الأيام. ولكن يركز لوقا على الجانب الأول.
• قدم متى إجابة بتفاصيل أكثر، مشيرًا إلى ما دعاه يسوع برِجْسَةَ الْخَرَابِ (متى ١٥:٢٤ وما يليه).
ج ) الآية (٨): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، لا تتبع المعلمين الكذبة
٨فَقَالَ: «انْظُرُوا! لَا تَضِلُّوا. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: إِنِّي أَنَا هُوَ! وَالزَّمَانُ قَدْ قَرُبَ! فَلَا تَذْهَبُوا وَرَاءَهُمْ.
١. انْظُرُوا! لَا تَضِلُّوا: حذر يسوع التلاميذ منذ البداية من الضلال أثناء انتظارهم لعودته. وهذا ما حدث بالفعل، مرت الكنيسة عبر التاريخ بأوقات زادت فيه النبوات وصدقها الكثيرون، مما أدى إلى خيبة أمل كبيرة لدى البعض، وتخلى البعض الآخر عن الإيمان وعن الكنيسة.
• ومن الأمثلة البارزة عن تلك التوقعات النبوية كان في عام ١٨٤٦ بقيادة شخص يدعى ويليام ميلر في الولايات المتحدة. وبسبب تفسيراته النبوية وحساباته ومنشوراته، اقتنع مئات الآلاف من الناس بأن يسوع سيأتي ثانية في العام ١٨٤٦. وعندما لم يأتِ، كان هناك خيبة أمل كبيرة، وكثيرين تركوا إيمانهم، كما وظهرت بعض الهرطقات كنتيجة لهذه الحُمى النبوية.
٢. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي: عرف يسوع أن كثيرين سيأتوا بعده مدّعين أنهم المسيا السياسي والعسكري لإسرائيل. ومن الأمثلة الصارخة على هذا كان رجلًا يدعى بار كوخبا، الذي جاء بعد ١٠٠ سنة من زمن يسوع واعتبره الكثير من اليهود أنه المسيا. وبدأ ثورة واسعة النطاق ضد الرومان ونجح في البداية، ولكن سرعان ما سحقوه.
٣. فَلَا تَذْهَبُوا وَرَاءَهُمْ: والمأساة أن الذين رفضوا يسوع كالمسيا، اِنتَهَى بهم المطاف باِتِّباع مسحاء كذبة لم يقودوهم سوى للموت والدمار. فمن رفض الحق، صار أكثر عرضة لخداع أكبر.
• كان تعلّيق بايت (Pate) عندما هجم الرومان على أورشليم: “يخبرنا يوسيفوس عن ستة آلاف لاَجِئ لقوا مصرعهم حرقًا في الهيكل بسبب سيرهم وراء نبي كذاب، والذي أعلن في ذلك اليوم للشعب في المدينة أن الله أمرهم أن يذهبوا إلى الهيكل، ليأخذوا مجازاة تحريرهم (يوسيفس J.W. ٦.٢٨٥). قد انخدعوا وساروا وراء أشخاص زعموا أنهم من عند الله.”
د ) الآيات (٩-١١): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، لا تخافوا من الكوارث التي ترتبط عادة بآخر الأيام.
٩فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلَاقِلٍ فَلَا تَجْزَعُوا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلًا، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعًا». ١٠ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، ١١وَتَكُونُ زَلَازِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ، وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلَامَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ.
١. فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلَاقِلٍ فَلَا تَجْزَعُوا: ما قاله يسوع هنا ينطبق على خراب أورشليم القادم وعلى مجيء يسوع الثاني في نهاية الأيام.
• كان هناك العديد من الحروب قبل خراب أورشليم، ودخل الرومان في حروب مستمرة مع اليهود والسامريين والسوريين وغيرهم في تلك الفترة. وحدثت زَلَازِلُ عَظِيمَة ملحوظة في الإمبراطورية الرومانية الأوسع قبل خراب أورشليم. كما وكان هناك مَجَاعَات، كتلك المذكورة في أعمال الرسل ٢٨:١١. ووقعت أحداثٌ مُخِيفَة (مَخَاوِفُ) في الإمبراطورية الرومانية الكبرى مثل دمار بومبي الذي حدث قبل سبع سنوات فقط من خراب أورشليم. وظهرت عَلَامَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، مثل المُذّنب الذي كان يشبه السيف فوق أورشليم قبل خرابها.
٢. لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلًا، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعًا: أكد يسوع أن هذه الأمور ليست هي العلامات على مجيئه الثاني. ويصف متى ٨:٢٤ أن هذه الأمور هي مجرد بداية الأوجاع. والمعنى الحرفي لمبتدأ الأوجاع: هي بداية آلام الولادة. وكما الحال وقت مخاض الولادة، علينا توقع حدوث حُرُوبٌ ومَجَاعَاتٌ وزَلَازِلٌ بشكل أكثر حدة وأكثر كثافة قبل مجيء يسوع الثاني، ولكن لن تكون أيًا من هذه العلامات هي العلامة المحددة على النهاية.
• لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلًا: علّقَ جيلدنهويس (Geldenhuys): “لا بد لهذه الأشياء أن تحدث لأنها جزء من البرنامج النبوي لنهاية الأيام، فهي قرار أبدي، ولن تعلن عن النهاية الفورية. فسقوط أورشليم والأحداث التي أدت لسقوطها كان أخلاقيًا، وليس له علاقة بالترتيب الزمني لأحداث نهاية الأيام، ولكن له خصائص شبيهة بعلم الأخرويات (اسكاتولوجي Eschatology).”
هـ) الآيات (١٢-١٥): يصف يسوع الاضطهاد الآتي على التلاميذ
١٢وَقَبْلَ هَذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعَ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلَاةٍ لِأَجْلِ اسْمِي. ١٣فَيَؤُولُ ذَلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً. ١٤فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لَا تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا، ١٥لِأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لَا يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا.
١. وَقَبْلَ هَذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ: سينطبق هذا الكلام على الوقت الذي سيسبق خراب أورشليم والوقت الذي سيسبق مجيء يسوع الثاني على حدٍّ سواء. سيتعرض التلاميذ للاضطهاد لا محالة، ولكن مهما كانت شدة المعاناة، لا يجب أن يعتبروا ذلك علامة على نهاية الأيام.
٢. وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعَ وَسُجُونٍ: إشارة إلى الاضطهاد الذي سيأتي من الجهات الدينية والعلمانية على السَّواء. فعلى تلاميذ يسوع أن يتوقعوا الاضطهاد من كليهما.
٣. فَيَؤُولُ ذَلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً (فَتَكونُ لَكُمْ فُرصَةٌ لِتَشهَدُوا عَنِّي): منذ زمن بداية الكنيسة الأولى في أعمال الرُّسُل، واجه التلاميذ العديد من الاضطهادات ولكنهم حولوها إلى فرصة للتبشير ولمشاركة الآخرين عن اختبارهم الشخصي، وهكذا ِاستطاعوا توصيل رسالة الخلاص للمُلُوكٍ وَالوُلَاةٍ.
٤. لِأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لَا يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا: وعد يسوع أن يُعطي أولاده نعمة ومعونة خاصة وقت الاضطهاد.
• فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لَا تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا (فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أنْ لا تَهتَمُّوا مُسبَقًا كَيفَ سَتُدافِعُونَ عَنْ أنفُسِكُمْ): كتب بايت (Pate): “الكلمة اليونانية ’لا تهتموا من قبل‘ تستخدم للإشارة إلى التدريب قبل إلقاء خطاب رسمي.”
و ) الآيات (١٦-١٩): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، ثابروا واثْبُتُوا حتى وإن ترككم الجميع
١٦وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَقْرِبَاءِ وَالْأَصْدِقَاءِ، وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ. ١٧وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. ١٨وَلَكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لَا تَهْلِكُ. ١٩بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ. ٢٠وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا.
١. وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ: لا يجب على المؤمنين أن يتوقعوا الاضطهاد من الأعداء خارج الكنيسة فحسب، بل من خيانة مؤمنين آخرين أيضًا (الْوَالِدِينَ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَقْرِبَاءِ وَالْأَصْدِقَاءِ). وبسببهم سيموت البعض (وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ).
٢. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي: من الغريب أن نفكر أن الرجال والنساء سيَكُونُونَ مُبْغَضِينَ من أجل خاطر يسوع، الذي كان ولا يزال مُحب وصالح. ومع ذلك، هذا ما سيحدث تمامًا.
٣. بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ: كلمة الصبر هنا هي الكلمة اليونانية هوبومون hupomone. وتعني الثبات والمثابرة بقوة، وليس الانتظار السلبي. نحن نثبت على رجاء وعد يسوع أنه في النهاية، ومن المنظور الأبدي، شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لَا تَهْلِكُ.
ز ) الآيات (٢٠-٢٤أ): كي تنجو من هذه الأوقات الخطرة، أهربوا من أورشليم عندما تحيطها الجيوش
٢٠وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا. ٢١حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسْطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجًا، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلَا يَدْخُلُوهَا، ٢٢لِأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ. ٢٣وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ! لِأَنَّهُ يَكُونُ ضِيقٌ عَظِيمٌ عَلَى الْأَرْضِ وَسُخْطٌ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ. ٢٤وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ،
١. وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ: ركز يسوع في هذا التحذير على النبوة التي كانت ستَتَحقق قريبًا والتي كانت جزءً من النبوة الأكبر. ولكن الشعب اليهودي تجاهلها حتى عندما أحاطت الجيوش الرومانية مدينة أورشليم في العام ٧٠م.
٢. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ: توقع العديد من اليهود أن المسيا سيأتي عندما تحيط الجيوش الأممية مدينة أورشليم. ومع ذلك، عرف المؤمنين في أورشليم ما قاله يسوع وأطاعوه، وبالفعل هربوا عبر نهر الأردن، وفي الغالب إلى مدينة بيلا (طبقة الفحل). لهذا لم يمت سوى عدد قليل جدًا من المؤمنين حينما سقطت أورشليم.
• اقتبس موريس (Morris) من كتاب تاريخ الكنيسة (٣.٥.٣): “كتب المؤرخ المسيحي القديم يوسيبيوس أن معظم المسيحيين فروا إلى مدينة بيلا تجاوبًا مع “نبوة الوحي.”
٣. لِأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ: اِكتَمَلَ الغزو الروماني لأورشليم في العام ٧٠م. ويسجل التاريخ أن ١ر١ مليون يهودي قتلوا، وأُخذ أكثر من ٠٠٠ر٩٧ منهم أسيرًا في واحدة من أسوأ الكوارث التي تعرض لها الشعب اليهودي على الإطلاق. وقد حذرهم يسوع من تجنب كل هذا.
• عندما دمر الرومان أورشليم في العام ٧٠م، لم يُترك يهودي واحد على قيد الحياة في المدينة. وفي النهاية، أعاد الرومان تسمية المدينة لتصبح إيليا كابيتولينا، ولم يسمحوا لدخول أي يهودي إليها لعدة سنوات، إلا في يوم واحد في السنة – وهي الذكرى السنوية لسقوط المدينة وتدمير الهيكل. وكان يُسمح لليهود بدخول المدينة لرثائها والبكاء عليها فقط.
• كتب جيلدنهويس (Geldenhuys): “حذر الله الأمة اليهودية منذ بدايتها، ومن خلال العديد من خدامه، إن لم يتركوا طرقهم الردية فإنهم سيحصدون ثمر عصيانهم. راجع الكلمات القوية من سفر التثنية ١٥:٢٨-٦٨. فسفر التثنية ذكر تقريبًا كل الكوارث التي مر بها الشعب اليهودي خلال حربهم مع الدولة الرومانية.”
• عندما قال يسوع لِأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ كان يعي تمامًا ما يقوله. لهذا بكى على أورشليم (لوقا ٤١:١٩-٤٤)، لأنه اِستَطاعَ أن يرى الدمار الهائل الذي سيحل على المدينة التي أحبها، ولهذا حذر كل من سمع كلامه أن يهرب من الدمار الآتي.
ح ) الآية (٢٤ب): ستَبْقَى أُورُشَلِيمُ مدوسة من الأُمَمُ إِلَى أَنْ تَكْتَمِلَ الأزمِنَةُ المُحَدَّدَةُ لَهُمْ
• وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الْأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الْأُمَمِ.
١. وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الْأُمَمِ: بعد دمار أورشليم وتشتت الشعب اليهودي الذي تنبأ عنه يسوع في الآيات السابقة، ستسيطر الْأُمَمِ على أورشليم لفترة طويلة جدًا.
• وبعد آلاف السنين في المنفى، أُقيمت دولة إسرائيل مرة أخرى بطريقة معجزية في العام ١٩٤٨. ولكن لم تسيطر إسرائيل بالكامل على أورشليم حتى العام عام ١٩٦٨، والجزء المهم في المدينة – جبل الهيكل – لا يزال تحت حكم الأمم (السلطة الفلسطينية). ويمكننا القول ومن الناحية النبوية، أنه لا تزال أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الْأُمَمِ.
٢. حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الْأُمَمِ: يعتقد المؤلف أنه عندما تنتهي أَزْمِنَةُ الْأُمَمِ، ستبدأ فترة السبع سنوات المتبقية للشعب اليهودي حسب سفر دانيال الإصحاح ٩. وفي هذه الفترة ستأتي الكوارث الموصوفة في الآيات التالية.
• كتب تراب (Trapp): “لن يتخلى الأمم عن أورشليم بسهولة.”
• وكتب بايت (Pate): “على الأغلب قصد يسوع بهذه العبارة أن يشير إلى الوقت الذي لن تكون فيه أورشليم مُلكًا للأمم. فعندما تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الْأُمَمِ، ستستعيد أمة إسرائيل أراضيها.”
ط) الآيات (٢٥-٢٨): عندما تضرب الكارثة الأخيرة العالم، أنظروا نحو السماء – لِأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ
٢٥«وَتَكُونُ عَلَامَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الْأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بحَيْرَةٍ. اَلْبَحْرُ وَالْأَمْوَاجُ تَضِجُّ، ٢٦وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ، لِأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. ٢٧وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الْإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. ٢٨وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هَذِهِ تَكُونُ، فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لِأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ».
١. وَتَكُونُ عَلَامَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الْأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بحَيْرَةٍ: لم يكن العام ٧٠ م أو ما بعده مباشرة تحقيقًا كافيًا لهذه الكلمات. بل نظر يسوع هنا إلى المظاهر اللاحقة للتحقيق الكامل لمجيئه ثانية ولنهاية الأيام.
• يصف سفر رؤيا يوحنا التفاصيل المروعة لهذه الفوضى والكوارث (رؤيا يوحنا ٦، ٨-٩، و١٥-١٨). وكل هذا سيتوج بعودة يسوع الرائعة مع كنيسته لهذه الأرض.
٢. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الْإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ: بدأ يسوع كلامه بوصف أحداث ستقع في المستقبل بالنسبة لعصره ولكنها ستكون في الماضي بالنسبة لنا (الاحتلال الروماني لأورشليم في العام ٧٠م). ولكن نلاحظ بهذه الكلمات أنه تحول ليصف أحداث ستحصل في المستقبل في عصرنا – أي عودته المجيدة.
٣. وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هَذِهِ تَكُونُ، فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لِأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ: وصف لوقا الأشياء التي ستبدأ في الحدوث (لوقا ٢٥:٢١-٢٧). وطلب يسوع من المؤمنين على الأرض أن يكونوا مستعدين، لأن زمن الضيقة العظيمة التي اختبروها لن تدوم إلى الأبد، ولكن سيأتي يسوع بمجد وقوة قريبًا.
ي) الآيات (٢٩-٣٣): عندما ترى هذا العلامات (الذي تحدث عنها لوقا ٢٥:٢١-٢٧)، ستعرف أن النهاية قد اقتربت
٢٩وَقَالَ لَهُمْ مَثَلًا: «اُنْظُرُوا إِلَى شَجَرَةِ التِّينِ وَكُلِّ الْأَشْجَارِ. ٣٠مَتَى أَفْرَخَتْ تَنْظُرُونَ وَتَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَنَّ الصَّيْفَ قَدْ قَرُبَ. ٣١هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى رَأَيْتُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ صَائِرَةً، فَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ قَرِيبٌ. ٣٢اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَا يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. ٣٣اَلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ، وَلَكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ.
١. اُنْظُرُوا إِلَى شَجَرَةِ التِّينِ: إن شجرة التين هي مجرد مثال على الشجرة التي تزهر قبل الصيف؛ وهي ليست إشارة مخصصة للشعب اليهودي فقط (كما تشير الكلمات، بل وَكُلِّ الْأَشْجَارِ). فقد كان من المعروف أنه عندما تبدأ أوراق شجرة التين بالظهور، فإن النتيجة حتمية – الصيف قريب، وسيأتي الثمر. وبنفس الطريقة، عندما نرى هذه العلامات، فإن النتيجة حتمية – سيأتي يسوع مع كنيسته قريبًا.
٢. لَا يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ: لم یشیر یسوع هنا إلى جیله أو إلى جيل التلاميذ، وإنما إلى الْجِيلُ الذي یرى تلك العلامات، لأنهم سيرون النهاية أيضًا. فقد وعد الله أن الضيقة العظيمة، كما دعاها يسوع، لن تدوم طويلًا (متى ٢١:٢٤).
• وهناك نقطة هامة علينا إضافتها: عندما قال يسوع هَذَا الْجِيلُ فإنه كان يقصد الشعب اليهودي، وهذا يعني أنهم لن يهلكوا كأمة حتى اِكتِمال هذه الأمور (على الرغم من الاضطهاد والإبادة التي تعرضوا لها).
• كتب بايت (Pate): “تعني كلمة جيل Genea ثلاثة أمور: ١) أحفاد جد مشترك؛ ٢) مجموعة من الناس ولدوا في نفس الوقت؛ ٣) الفترة الزمنية التي تشغلها مجموعة من الناس ثم يليهم مجموعة أخرى.”
٣. اَلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ، وَلَكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ: لا يمكن لإنسان أن يقول هذا الكلام. قال يسوع أن كلامه هو كلام الله – وهذا صحيح.
ك) الآيات (٣٤-٣٦): كيف نعيش في الأيام الأخيرة
٣٤«فَاحْتَرِزُوا لِأَنْفُسِكُمْ لِئَلَّا تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ، فَيُصَادِفَكُمْ ذَلِكَ الْيَوْمُ بَغْتَةً. ٣٥لِأَنَّهُ كَالْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْجَالِسِينَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ. ٣٦اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، وَتَقِفُوا قُدَّامَ ابْنِ الْإِنْسَانِ».
١. فَاحْتَرِزُوا لِأَنْفُسِكُمْ: علينا أن ننتبه لئلا تؤثر علينا أمور ما وتجعلنا غير مستعدين، ومثال على ذلك: خُمَارٍ (سهرات الخمر) وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ. كل واحدة من هذه الأمور تجعلنا غير مستعدين لمجيء يسوع… وتَثْقُلَ قُلُوبُنا.
• وفقًا لموريس (Morris)، تشير كلمة خُمَارٍ إلى الدوار الذي ينتج من آثار الخمرة.
٢. لِأَنَّهُ كَالْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْجَالِسِينَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ: يتكلم يسوع هنا عن مجيئه من زاوية مختلفة. ففي لوقا ٢٥:٢١-٢٦ يتكلم يسوع عن حدوث زلزال عظيم يهز الأرض قبل مجيئه. وفي لوقا:٣٤:٢١-٣٦ تكلم يسوع أنه سيأتي فجأة، كَالْفَخِّ – وشدد على أهمية الاسْتِعْدَاد.
• هذا لأن مجيء يسوع الثاني له جانبان متميزان، يفصل بينهما وقت ملموس. فالجانب الأول سيأتي فجأة، وبشكل غير متوقع، كَالْفَخِّ، في وقت يعمه السلام والأمان. والثاني سيأتي بتوقع كبير لعالمٍ مدمر تقريبًا من دينونة الله، وسينزل يسوع من السماء إلى الأرض مع شعبه.
• أولئك الذين كانوا على استعداد للجانب الأول من مجيئه يحسبون أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، أي الكوارث التي ستحل على الأرض. وسيقفون قُدَّامَ ابْنِ الْإِنْسَانِ. هؤلاء سيخطفون فِي السُّحُبِ، لِمُلَاقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ (تسالونيكي الأولى ١٧:٤)، وسيهربون من الضيقة التي ستأتي على الأرض.
• كلام يسوع في هذا الجزء من الموعظة على الجبل ينطبق عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ، وليس فقط على الذين يعيشون في أورشليم أو في اليهودية. ويتحدث هنا عن ما هو أصعب بكثير مما حدث لأورشليم في ٧٠م.
٣. اِسْهَرُوا إِذًا: ولأن لهذا صلة بكُلِّ الْأَرْضِ، فعلينا أن نسهر. كل من يسهر لن يقع في الفخ. الفشل في السهر يمنعنا من أن نكون مستعدين.
٤. وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ: طلب يسوع من أتباعه أن يتضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، كي يكونوا أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ. والخبر السار أنه في يسوع سننجو من كل الكوارث القادمة. وسيأخذ كل من كان مستعدًا قبل أن وقوع الكوارث.
• في المعنى الأقرب والعاجل، أولئك الذين سمعوا كلام يسوع فيما يخص خراب أورشليم وأطاعوه، نجو من الدمار الذي حل على المدينة لاحقًا.
• وفي المعنى الأبعد، أولئك الذين سمعوا كلام يسوع فيما يخص الدمار الذي سيحدث لكل الأرض وأطاعوه، سينجون من الدمار القادم.
ل) الآيات (٣٧-٣٨): طبيعة خدمة يسوع العلنية
٣٧وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ، وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ. ٣٨وَكَانَ كُلُّ الشَّعْبِ يُبَكِّرُونَ إِلَيْهِ فِي الْهَيْكَلِ لِيَسْمَعُوهُ.
١. وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ: يركز لوقا على خدمة يسوع العلنية، حيث كان فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ في أكثر الأماكن العامة في أورشليم. لم يختبئ يسوع في الأيام القليلة الباقية قبل الخيانه والاِعْتِقالِ والصلب.
٢. وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ: مثل العديد من الجليليين الذين جاءوا إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح، كان يسوع يبيت في جبل الزيتون في الأيام التي سبقت عيد الفصح.