١. وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ: تحدى يسوع الجُمُوعٌ الكَثِيرَةٌ (لوقا ٢٥:١٤) بشأن التلمذة والالتزام. وهذا التحدي لم يبعد الناس، بل على العكس تمامًا، جذبهم إلى يسوع.
٢. فَكَلَّمَهُمْ بِهَذَا الْمَثَلِ قَائِلًا: هذا الإصحاح من الإصحاحات المحببة في العهد الجديد، ويتكون من الأمثال التي ترد على التهمة: «هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ!».
• قال يسوع هذه الأمثال ليرد على تَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ. فقد قَسَمَ القادة اليهود في زمن يسوع البشرية إلى فئتين: النَجِّسُ والبار. وقرروا العيش بانفصال تام عن الأنجاس (غير الطاهرين) بقدر الإمكان. حتى أن بعضهم رفض تعليم النجس كلمة الله. (موريس Morris)
• علّقَ بايت (Pate): “لا تصاحب الشرير، ولا حتى تشتكيه للشرطة.”
• قال يسوع هذه الأمثال للْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ، ولكن على مسمع الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ الذين كانوا يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ.
١. وَأَضَاعَ وَاحِدًا مِنْهَا: ليس بالأمر الغريب أن يضيع خروف أو أن يسعى الراعي وراءه للبحث عنه. ولكن الغريب أن يُعرض الراعي الـ ٩٩% للخطر كي ينقذ الـ ١٪. فالهدف من المَثَل هو الفرح، وليس إِهمال ٩٩٪ من أجل ١٪.
• لا يوجد كائن يضل بسهولة كالخروف، كما لا يوجد من هو أكثر تهورًا. وإن ضل، لا يعرف كيف يجد طريقه للعودة إلى باقي القطيع. كتب كلارك (Clarke): “لاحظت أن الخروف يستمر في الأنين بينما يركض في الإتجاه المعاكس بعيدًا عن القطيع.”
٢. وَيَذْهَبَ لِأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ: لا يستطيع الخروف الضال أن يخلص نفسه أو أن يجد الراعي. وإن لم يتصرف الراعي، فسيهلك الخروف حتمًا.
• آمن معظم معلمي اليهود في ذلك الوقت أن الله يقبل الخاطي الذي يأتي إليه بالطريقة الصحيحة. ولكن في مَثَل الراعي والخراف، عَلّمَ يسوع أن الله يسعى لإيجاد الضال، ولا يقبله على مضض؛ بل يبحث عنه. فالله يبحث عن الإنسان أكثر من بحث الإنسان عن الله.
• كتب باركلي (Barclay): “اعترف باحث يهودي معروف بأن هذا هو الشيء الجديد الوحيد الذي علمه يسوع عن الله – أن الله يبحث عن الإنسان فعلًا.”
٣. يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ: عندما يجد يسوع شعبه يحملهم على كَتِفَيهِ. ولمّا كُنّا ضُعَفاءَ، ماتَ المَسيحُ مِنْ أجلِ الخاطِئينَ في الوَقتِ الذي حَدّدَهُ اللهُ (رومية ٦:٥).
٤. فَرِحًا … افْرَحُوا مَعِي … فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ: التركيز في هذا المَثَل ليس على النسبة، ولكن على الفرح عند إيجاد الضال. وهذا كان الخطأ الذي ارتكبه الفريسيين والكتبة حين تذمروا، ولم يفرحوا عندما اقترب العشارين والخطاة من يسوع.
٥. بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ: رغم أن الخروف لا يفعل شيئًا لخلاص نفسه أو طلب التوبة، إلا أن يسوع يشير إلى أهمية التوبة في الكلمات القليلة الأخيرة من هذه القصة القصيرة. وكأنه يقول: “صحيح أن الخروف لا يطلب التوبة، ولكنه سيفعل عندما يجده الله.”
١. أَوْ أَيَّةُ امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، إِنْ أَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا: إذا كان الراعي مهتمًا في واحد من بين مئة، فمن المنطقي أن تهتم المرأة بواحد من عشرة. فلم تعتبر أن فقدان الدرهم لم يكن مهمًا.
• اقترح بروس (Bruce) أن هذا الدرهم ربما كان جزءًا من سلسلة مصنوعة من الفضة تُلبس على الرأس كعلامة للمرأة المتزوجة. وكانت زخرفة ثمينة للمرأة، مما جعل فقدانه صعب.
• بمعنى أو بآخر، الضال ينتمي إلى الله سواء كان يعرف ذلك أم لا. كتب سبيرجن (Spurgeon): “رغم أن الدرهم كان مفقودًا إلا أنها طالبت فيه. فعندما فقدته لم تفقد حقها به؛ ولم يصبح لشخص آخر عندما سقط على الأرض.”
٢. أَلَا تُوقِدُ سِرَاجًا وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟: أول ما فعلته المرأة كان إحضار السراج؛ ثم كنست ونظفت وبحثت بِاجْتِهَادٍ. واستمرت في البحث إلى أن وجدت الدرهم.
• هكذا تبحث الكنيسة الُمقادة بالروح القدس عن النفوس الضالة. أولًا توقد السراج (نور كلمة الله)، ثم تكنس وتنظف الكنيسة، وتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَ النفوس الضالة.
• كتب موريسون (Morrison): “من أهم الأشياء التي يجب أن تأسر قلوبنا هي قيمة الفرد. ذهب الراعي للبحث عن خروف واحد فقط. وقامت المرأة وكنست كل البيت بحثًا عن درهم واحد.”
٣. افْرَحْنَ مَعِي: فرحت المرأة كثيرًا عندما عثرت على الدرهم أخيرًا. وبنفس الطريقة، يفرح الله عندما يتوب الخطاة، على النقيض تمامًا من القادة اليهود الذين اشتكوا عندما اقترب جامعي الضرائب والخطاة من يسوع وأرادوا سماعه.
• لا نتخيل عادة أن الله قد يفرح، ولكننا نرى هذا بوضوح في هذا المقطع، ونرى الظروف التي أدت لهذا الفرح. وكما تقول الآية في (إشعياء ٥:٦٢) وَكَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلَهُكِ. وأيضًا: الرَّبُّ إِلَهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ. يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحًا. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ (صفنيا ١٧:٣).
• وفقًا لباركلي (Barclay)، فكر العديد من المتدينين في زمن يسوع بطريقة مختلفة، وكان لديهم قول مأثور: “سيكون هناك فرح في السماء بخاطئ واحد يزول من أمام الله.” علينا كمؤمنين أن نحذر من هذا التفكير، وخاصة في حديثنا المستمر ضد الخطية في مجتمعنا.
٤. بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ: يستحيل بالطبع أن يتوب الدراهم المفقودة، لهذا أضاف يسوع هذه الفكرة ليسمع كل من القادة اليهود والخطاة ويعرفون أهمية التوبة.
١. إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ: رغم أن المثل الثالث معظمه عن الِابْن الأصغر، إلا أنه يشير إلى الأخ الأكبر في نهاية المثل.
٢. أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ: علّقَ جيلدنهويس (Geldenhuys):” كان الأب في تلك الأيام يمنح أولاده الميراث قبل موته أو بعده، ولكن عادة ما كان يحصل ذلك بعد الموت.” طلب الِابْنُ الأصغر استثناءًا خاصًا، مدفوعًا بالحماقة والجشع.
• من الواضح أن الأب يمثل محبة الله. وقد سمحت محبته بالتمرد واحترمت إرادة الإنسان. عرف الأب أن طلب الِابْنُ كان غبيًا ويدل على جشعه، ومع ذلك سمح له بالذهاب إلى طَريقَهُ.
٣. وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ: غادر الِابْنُ بلدته ليصبح مستقلًا عن الأب وليعيش حياة مُسرفة (طائشة، تافهة، باهظة). ولا شك أنها كانت حياة ممتعة في البداية.
٤. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ: كان الِابْنُ هو المسؤول عن الحياة المبذرة والطائشة. ولكنه لم يكن المسؤول عن المجاعة الشديدة، ومع ذلك تأثر بها.
٥. فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ… فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ: قَبِلَ الِابْنُ، بسبب الجوع والحاجة، أن يعمل في وظيفة لم تكن مقبولة ومهينة لأي يهودي صالح لأن الخنازير كانت نجسة حسب الناموس (سفر اللاويين ٧:١١).
٦. فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ: تتحرك مشاعرنا من بؤس الِابْنُ الضال. ولكن بؤسه دفعه لاِتِّخاذ القرار الصحيح المذكور في الآية التالية.
ب) الآيات (١٧-١٩): قرر الِابْنُ الضال العودة إلى أبيه
١. فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ: استطاع الِابْنُ الضال في بؤسه أن يفكر أخيرًا بوضوح. ويمكننا القول أنه لم يكن على طبيعته قبلًا، وأما الآن فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ.
• لم يكن على طبيعته في فترة تمرده وعصيانه. ويُعلّق موريسون (Morrison): “في سنوات الشغب لم يكن الِابْنُ الضال على طبيعته. ولم يكن حقيقيًا. فالتائب هو الشخص الحقيقي وليس الضال.”
• عندما رجع إلى نَفْسِهِ، لم يفكر بتحسين ظروفه في زريبة الخنازير، ولم يلقي اللوم على والده أو أخيه أو أصدقائه أو رئيسه أو الخنازير. أدرك بؤسه ولكنه صب كل اهتمامه على أبيه.
٢. أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي: لم يقل يسوع أن الرجل فكر في قريته أو بيته، بل فكر في أبيه. عندما عاد الِابْنُ إلى الأب، عاد أيضًا إلى القرية وإلى البيت؛ ولكن كان تركيزه الرجوع إلى الأب.
• وهذا ما علينا فعله أولًا: أن نرجع إلى الله الآب قبل كل شيء، قبل أن الكنيسة أو الأصدقاء المؤمنين.
٣. أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ: في الخطاب الذي أعده لأبيهب، أظهر الِابْنُ إحساسه الكامل بعدم الاستحقاق واعترف بخطيته بكل صدق. وطلب من أبيه أن يُعامل كأجير وليس كابْن.
• “أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ” تُظهر هذه الجملة تغيير كامل في التفكير. لم يفكر هكذا من قبل. ولم يبذل أي مجهود لتبرير خطاياه أو خلق الأعذار لتصرفاته.
• علّقَ باركلي (Barclay): “كان العبد محبوبًا من الأسرة، أما الأجير فكان يمكن أن يطرد دون سابق إنذار، ولم تعتبره الأسرة فردًا من أفرادها.”
• أظهر الِابْنُ الضال التوبة التي تكلم عنها يسوع في الأمثال عن الخروف الضال والدرهم المفقود. فبعد أن أدرك بؤسه، فكر بأبيه وبنفسه وبيته بطريقة مختلفة تمامًا. طلب الِابْنُ أمرين: الأول “يَا أَبِي أَعْطِنِي” ثم ” يَا أَبِي اِجْعَلْنِي.” ولكن ما جلب الفرح لقلب الأب كان الطلب الثاني.
ج ) الآيات (٢٠-٢٤): فرح الأب باستقبال الِابْنُ الضال
١. فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ: أول أمر فعله الِابْنُ الضال أنه فكر، ولكنه لم يكتفي بالتفكير؛ ولم يشعر بالندم أو فكر بالتوبة فقط، بل فعل شيء حيالها.
• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “البعض منكم الآن يفكر ويفكر ويفكر ولكني أخشى أنه سيستمر في التفكير إلى أن يصل الجحيم. أصلي، بنعمة الله، أن تتحول من التفكير إلى الإيمان، وإلا ستصبح أفكارك هي الدودة التي لن تموت في عذابك.”
• وأضافَ سبيرجن: “لم يذهب إلى أهل تلك البلد ويقول: ’إن لم تزيدوا أُجرتي ساستقيل.‘ لأنه إن تفاوض معهم لضاع أكثر؛ ولكنه لم يعطي سيده القديم أي إشعار، بل لاَّذ بالفرار. أصلي أن يكسر الخطاة ولائهم مع الموت، وينتهكون عهودهم مع الجحيم، وأن ينقذوا حياتهم بالمجيء إلى يسوع الذي يقبل كل الفارين.”
٢. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ: محبة الأب انتظرت ولم تنسى أبدًا. كانت محبته كاملة، ولم يضع الِابْن تحت المراقبة. وكان هذا رائع خاصة وأن الِابْن جلب العار على العائلة بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ.
• علّقَ بايت (Pate): “عُمق توبة الِابْنُ لا يضاهيها سوى عمق محبة الأب.”
٣. وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ: ظَهَرَ شوق الأب القوي في حقيقة أنه رَكَضَ (هذا تصرف غير طبيعي لرجل في سنه من تلك الثقافة) وَقَبَّلَهُ مرارًا وتكرارًا (هذا ما تعبر عنه اللغة الأصلية وفقًا لموريس).
٤. يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ: بدأ الِابْنُ بإلقاء الخطبة التي أعدها؛ ولكن يبدو أن الأب لم يستمع لكلمة واحدة. بل أمر أن يُعامل الضال كابْن وليس كخادم.
٥. أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الْأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ: لم تكن الأشياء التي جلبوها إلى الِابْنُ الضال التائب ضرورية؛ وكان القصد منها تكريم الِابْنُ ليدرك كم هو محبوب. فعل الأب أكثر بكثير من مجرد تلبية احتياجات اِبنه.
٦. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ: العثور على الخروف الضال والدرهم المفقود كان مُفرحًا. ولكن كانت الفرحة الكبرى العثور على الِابْنُ الضال. عملوا احتفالًا رائعًا وارتدوا الملابس الخاصة والمجوهرات وقدموا الطعام الفاخر. فلم يكن الاحتفال بمجرد عودة اِبنٍ ضال، بل وكأنه كان ميتًا فعاش.
١. وَكَانَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ: لم يعيش الِابْنُ الأكبر حياة الضياع، ولكنه كان يعمل بجد فِي الْحَقْلِ حتى وقت رجوع الِابْنُ الأصغر إلى البيت. سَمِعَ صَوْتَ آلَاتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا، وعَلِمَ من الخدم أن أخوه قد عاد إلى البيت.
٢. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ: لم يكن الِابْنُ الأكبر سعيدًا بالِاستقبال المبهج لأخيه. اشتكى ورأى أنها كانت إهانة لطاعته وإخلاصه.
• لَمْ أَتَجَاوَزْ .. لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ: هذه مبالغات طبيعية لمن يشعرون بالمرارة. كشف الِابْنُ الأكبر أخيرًا عن مرارة قلبه للأب، بعد تركت أضرارها بداخله على مدى سنوات عدة.
• لم يُقَدِّرُ الأخ الأكبر ما كان لديه. كتب موريسون (Morrison): “كان كل يوم يتمتع بالشركة مع أبيه ومع أهل بيته المبارك. وكانت محبة الأب حوله باستمرار، وكل ما كان للأب كان له.” ويضيف موريس (Morris): “من يفتخر ببره الذاتي يشعر دائمًا بعدم تقدير الآخرين له.”
• رغم أن الِابْنُ الأكبر كان مطيعًا، إلا أنه كان بعيدًا عن قلب الأب. وكان هذا مثلًا رائعًا للقادة اليهود الذين غضبوا من قبول يسوع للعشارين والخطاة. كتب مورغان (Morgan): “كشفت قصته عن إمكانية العيش في بيت الآب ولكن الفشل في فهم قلبه.”
٤. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ: أجاب هذا عن شكوى القادة في بداية الإصحاح. فلم يملكوا أي سبب للشكوى بل كل الأسباب للفرح.
• كانت الرسالة الواضحة الموجهة للعشارين والخطاة في هذه الأمثال: التوبة والعودة إلى بيت الآب. وكانت الرسالة الواضحة الموجهة للقادة اليهود: كونوا سعداء عند العثور على المفقودين وعند توبتهم وعودتهم إلى بيت الآب.
• وبشكل عام، يمكننا القول بأن هذه الأمثال تظهر سعي ابن الراعي، والروح القدس (الذي يعمل من خلال الكنيسة)، والآب السماوي وراء الضالين.
• ويُعلّق سبيرجن (Spurgeon): “هذا هو بيت القصيد: يد الرحمة تمتد إلى البائس، وتقبل النعمة الخطاة، وتتعامل مع الشعور بالنقص وعدم الاستحقاق ومع بعدم القيمة؛ فالله لا يتعاطف مع من يعتقدون أنهم أبرار، بل يتعاطف مع غير الأبرار والمذنبين وغير المستحقين، ومع من يستحق رحمته؛ وباختصار، الخلاص بالنعمة وليس بالاستحقاق.”
إنجيل لوقا – الإصحاح ١٥ – الفرح بإيجاد المفقود
أولًا. الخروف الضال … الدرهم المفقود
أ ) الآيات (١-٣): رد يسوع على اتِّهامات الفريسيين
١وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ. ٢فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: «هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ!». ٣فَكَلَّمَهُمْ بِهَذَا الْمَثَلِ قَائِلًا:
١. وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ: تحدى يسوع الجُمُوعٌ الكَثِيرَةٌ (لوقا ٢٥:١٤) بشأن التلمذة والالتزام. وهذا التحدي لم يبعد الناس، بل على العكس تمامًا، جذبهم إلى يسوع.
٢. فَكَلَّمَهُمْ بِهَذَا الْمَثَلِ قَائِلًا: هذا الإصحاح من الإصحاحات المحببة في العهد الجديد، ويتكون من الأمثال التي ترد على التهمة: «هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ!».
• قال يسوع هذه الأمثال ليرد على تَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ. فقد قَسَمَ القادة اليهود في زمن يسوع البشرية إلى فئتين: النَجِّسُ والبار. وقرروا العيش بانفصال تام عن الأنجاس (غير الطاهرين) بقدر الإمكان. حتى أن بعضهم رفض تعليم النجس كلمة الله. (موريس Morris)
• علّقَ بايت (Pate): “لا تصاحب الشرير، ولا حتى تشتكيه للشرطة.”
• قال يسوع هذه الأمثال للْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ، ولكن على مسمع الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ الذين كانوا يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ.
ب) الآيات (٤-٧): العثور على الخروف الضال
٤«أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَأَضَاعَ وَاحِدًا مِنْهَا، أَلَا يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَيَذْهَبَ لِأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ ٥وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحًا، ٦وَيَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو الْأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ قَائِلًا لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي، لِأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ! ٧أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ.
١. وَأَضَاعَ وَاحِدًا مِنْهَا: ليس بالأمر الغريب أن يضيع خروف أو أن يسعى الراعي وراءه للبحث عنه. ولكن الغريب أن يُعرض الراعي الـ ٩٩% للخطر كي ينقذ الـ ١٪. فالهدف من المَثَل هو الفرح، وليس إِهمال ٩٩٪ من أجل ١٪.
• لا يوجد كائن يضل بسهولة كالخروف، كما لا يوجد من هو أكثر تهورًا. وإن ضل، لا يعرف كيف يجد طريقه للعودة إلى باقي القطيع. كتب كلارك (Clarke): “لاحظت أن الخروف يستمر في الأنين بينما يركض في الإتجاه المعاكس بعيدًا عن القطيع.”
٢. وَيَذْهَبَ لِأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ: لا يستطيع الخروف الضال أن يخلص نفسه أو أن يجد الراعي. وإن لم يتصرف الراعي، فسيهلك الخروف حتمًا.
• آمن معظم معلمي اليهود في ذلك الوقت أن الله يقبل الخاطي الذي يأتي إليه بالطريقة الصحيحة. ولكن في مَثَل الراعي والخراف، عَلّمَ يسوع أن الله يسعى لإيجاد الضال، ولا يقبله على مضض؛ بل يبحث عنه. فالله يبحث عن الإنسان أكثر من بحث الإنسان عن الله.
• كتب باركلي (Barclay): “اعترف باحث يهودي معروف بأن هذا هو الشيء الجديد الوحيد الذي علمه يسوع عن الله – أن الله يبحث عن الإنسان فعلًا.”
٣. يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ: عندما يجد يسوع شعبه يحملهم على كَتِفَيهِ. ولمّا كُنّا ضُعَفاءَ، ماتَ المَسيحُ مِنْ أجلِ الخاطِئينَ في الوَقتِ الذي حَدّدَهُ اللهُ (رومية ٦:٥).
٤. فَرِحًا … افْرَحُوا مَعِي … فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ: التركيز في هذا المَثَل ليس على النسبة، ولكن على الفرح عند إيجاد الضال. وهذا كان الخطأ الذي ارتكبه الفريسيين والكتبة حين تذمروا، ولم يفرحوا عندما اقترب العشارين والخطاة من يسوع.
٥. بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ: رغم أن الخروف لا يفعل شيئًا لخلاص نفسه أو طلب التوبة، إلا أن يسوع يشير إلى أهمية التوبة في الكلمات القليلة الأخيرة من هذه القصة القصيرة. وكأنه يقول: “صحيح أن الخروف لا يطلب التوبة، ولكنه سيفعل عندما يجده الله.”
ج) الآيات (٨-١٠): إيجاد الدرهم المفقود
٨«أَوْ أَيَّةُ امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، إِنْ أَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا، أَلَا تُوقِدُ سِرَاجًا وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟ ٩وَإِذَا وَجَدَتْهُ تَدْعُو الصَّدِيقَاتِ وَالْجَارَاتِ قَائِلَةً: افْرَحْنَ مَعِي لِأَنِّي وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ. ١٠هَكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ.
١. أَوْ أَيَّةُ امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، إِنْ أَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا: إذا كان الراعي مهتمًا في واحد من بين مئة، فمن المنطقي أن تهتم المرأة بواحد من عشرة. فلم تعتبر أن فقدان الدرهم لم يكن مهمًا.
• اقترح بروس (Bruce) أن هذا الدرهم ربما كان جزءًا من سلسلة مصنوعة من الفضة تُلبس على الرأس كعلامة للمرأة المتزوجة. وكانت زخرفة ثمينة للمرأة، مما جعل فقدانه صعب.
• بمعنى أو بآخر، الضال ينتمي إلى الله سواء كان يعرف ذلك أم لا. كتب سبيرجن (Spurgeon): “رغم أن الدرهم كان مفقودًا إلا أنها طالبت فيه. فعندما فقدته لم تفقد حقها به؛ ولم يصبح لشخص آخر عندما سقط على الأرض.”
٢. أَلَا تُوقِدُ سِرَاجًا وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟: أول ما فعلته المرأة كان إحضار السراج؛ ثم كنست ونظفت وبحثت بِاجْتِهَادٍ. واستمرت في البحث إلى أن وجدت الدرهم.
• هكذا تبحث الكنيسة الُمقادة بالروح القدس عن النفوس الضالة. أولًا توقد السراج (نور كلمة الله)، ثم تكنس وتنظف الكنيسة، وتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَ النفوس الضالة.
• كتب موريسون (Morrison): “من أهم الأشياء التي يجب أن تأسر قلوبنا هي قيمة الفرد. ذهب الراعي للبحث عن خروف واحد فقط. وقامت المرأة وكنست كل البيت بحثًا عن درهم واحد.”
٣. افْرَحْنَ مَعِي: فرحت المرأة كثيرًا عندما عثرت على الدرهم أخيرًا. وبنفس الطريقة، يفرح الله عندما يتوب الخطاة، على النقيض تمامًا من القادة اليهود الذين اشتكوا عندما اقترب جامعي الضرائب والخطاة من يسوع وأرادوا سماعه.
• لا نتخيل عادة أن الله قد يفرح، ولكننا نرى هذا بوضوح في هذا المقطع، ونرى الظروف التي أدت لهذا الفرح. وكما تقول الآية في (إشعياء ٥:٦٢) وَكَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلَهُكِ. وأيضًا: الرَّبُّ إِلَهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ. يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحًا. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ (صفنيا ١٧:٣).
• وفقًا لباركلي (Barclay)، فكر العديد من المتدينين في زمن يسوع بطريقة مختلفة، وكان لديهم قول مأثور: “سيكون هناك فرح في السماء بخاطئ واحد يزول من أمام الله.” علينا كمؤمنين أن نحذر من هذا التفكير، وخاصة في حديثنا المستمر ضد الخطية في مجتمعنا.
٤. بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ: يستحيل بالطبع أن يتوب الدراهم المفقودة، لهذا أضاف يسوع هذه الفكرة ليسمع كل من القادة اليهود والخطاة ويعرفون أهمية التوبة.
ثانيًا: عودة الِابْنُ الضال
أ ) الآيات (١١-١٦): كيف صار الِابْنُ ضالًا
١١وَقَالَ: «إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ. ١٢فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لِأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ. ١٣وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الِابْنُ الْأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. ١٤فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ. ١٥فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. ١٦وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ.
١. إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ: رغم أن المثل الثالث معظمه عن الِابْن الأصغر، إلا أنه يشير إلى الأخ الأكبر في نهاية المثل.
٢. أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ: علّقَ جيلدنهويس (Geldenhuys):” كان الأب في تلك الأيام يمنح أولاده الميراث قبل موته أو بعده، ولكن عادة ما كان يحصل ذلك بعد الموت.” طلب الِابْنُ الأصغر استثناءًا خاصًا، مدفوعًا بالحماقة والجشع.
• من الواضح أن الأب يمثل محبة الله. وقد سمحت محبته بالتمرد واحترمت إرادة الإنسان. عرف الأب أن طلب الِابْنُ كان غبيًا ويدل على جشعه، ومع ذلك سمح له بالذهاب إلى طَريقَهُ.
٣. وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ: غادر الِابْنُ بلدته ليصبح مستقلًا عن الأب وليعيش حياة مُسرفة (طائشة، تافهة، باهظة). ولا شك أنها كانت حياة ممتعة في البداية.
٤. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ: كان الِابْنُ هو المسؤول عن الحياة المبذرة والطائشة. ولكنه لم يكن المسؤول عن المجاعة الشديدة، ومع ذلك تأثر بها.
٥. فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ… فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ: قَبِلَ الِابْنُ، بسبب الجوع والحاجة، أن يعمل في وظيفة لم تكن مقبولة ومهينة لأي يهودي صالح لأن الخنازير كانت نجسة حسب الناموس (سفر اللاويين ٧:١١).
٦. فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ: تتحرك مشاعرنا من بؤس الِابْنُ الضال. ولكن بؤسه دفعه لاِتِّخاذ القرار الصحيح المذكور في الآية التالية.
ب) الآيات (١٧-١٩): قرر الِابْنُ الضال العودة إلى أبيه
١٧فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لِأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا! ١٨أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، ١٩وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ.
١. فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ: استطاع الِابْنُ الضال في بؤسه أن يفكر أخيرًا بوضوح. ويمكننا القول أنه لم يكن على طبيعته قبلًا، وأما الآن فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ.
• لم يكن على طبيعته في فترة تمرده وعصيانه. ويُعلّق موريسون (Morrison): “في سنوات الشغب لم يكن الِابْنُ الضال على طبيعته. ولم يكن حقيقيًا. فالتائب هو الشخص الحقيقي وليس الضال.”
• عندما رجع إلى نَفْسِهِ، لم يفكر بتحسين ظروفه في زريبة الخنازير، ولم يلقي اللوم على والده أو أخيه أو أصدقائه أو رئيسه أو الخنازير. أدرك بؤسه ولكنه صب كل اهتمامه على أبيه.
٢. أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي: لم يقل يسوع أن الرجل فكر في قريته أو بيته، بل فكر في أبيه. عندما عاد الِابْنُ إلى الأب، عاد أيضًا إلى القرية وإلى البيت؛ ولكن كان تركيزه الرجوع إلى الأب.
• وهذا ما علينا فعله أولًا: أن نرجع إلى الله الآب قبل كل شيء، قبل أن الكنيسة أو الأصدقاء المؤمنين.
٣. أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ: في الخطاب الذي أعده لأبيهب، أظهر الِابْنُ إحساسه الكامل بعدم الاستحقاق واعترف بخطيته بكل صدق. وطلب من أبيه أن يُعامل كأجير وليس كابْن.
• “أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ” تُظهر هذه الجملة تغيير كامل في التفكير. لم يفكر هكذا من قبل. ولم يبذل أي مجهود لتبرير خطاياه أو خلق الأعذار لتصرفاته.
• علّقَ باركلي (Barclay): “كان العبد محبوبًا من الأسرة، أما الأجير فكان يمكن أن يطرد دون سابق إنذار، ولم تعتبره الأسرة فردًا من أفرادها.”
• أظهر الِابْنُ الضال التوبة التي تكلم عنها يسوع في الأمثال عن الخروف الضال والدرهم المفقود. فبعد أن أدرك بؤسه، فكر بأبيه وبنفسه وبيته بطريقة مختلفة تمامًا. طلب الِابْنُ أمرين: الأول “يَا أَبِي أَعْطِنِي” ثم ” يَا أَبِي اِجْعَلْنِي.” ولكن ما جلب الفرح لقلب الأب كان الطلب الثاني.
ج ) الآيات (٢٠-٢٤): فرح الأب باستقبال الِابْنُ الضال
٢٠فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ. ٢١فَقَالَ لَهُ الِابْنُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. ٢٢فَقَالَ الْأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الْأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، ٢٣وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ، ٢٤لِأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًّا فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ.
١. فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ: أول أمر فعله الِابْنُ الضال أنه فكر، ولكنه لم يكتفي بالتفكير؛ ولم يشعر بالندم أو فكر بالتوبة فقط، بل فعل شيء حيالها.
• علّقَ سبيرجن (Spurgeon): “البعض منكم الآن يفكر ويفكر ويفكر ولكني أخشى أنه سيستمر في التفكير إلى أن يصل الجحيم. أصلي، بنعمة الله، أن تتحول من التفكير إلى الإيمان، وإلا ستصبح أفكارك هي الدودة التي لن تموت في عذابك.”
• وأضافَ سبيرجن: “لم يذهب إلى أهل تلك البلد ويقول: ’إن لم تزيدوا أُجرتي ساستقيل.‘ لأنه إن تفاوض معهم لضاع أكثر؛ ولكنه لم يعطي سيده القديم أي إشعار، بل لاَّذ بالفرار. أصلي أن يكسر الخطاة ولائهم مع الموت، وينتهكون عهودهم مع الجحيم، وأن ينقذوا حياتهم بالمجيء إلى يسوع الذي يقبل كل الفارين.”
٢. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ: محبة الأب انتظرت ولم تنسى أبدًا. كانت محبته كاملة، ولم يضع الِابْن تحت المراقبة. وكان هذا رائع خاصة وأن الِابْن جلب العار على العائلة بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ.
• علّقَ بايت (Pate): “عُمق توبة الِابْنُ لا يضاهيها سوى عمق محبة الأب.”
٣. وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ: ظَهَرَ شوق الأب القوي في حقيقة أنه رَكَضَ (هذا تصرف غير طبيعي لرجل في سنه من تلك الثقافة) وَقَبَّلَهُ مرارًا وتكرارًا (هذا ما تعبر عنه اللغة الأصلية وفقًا لموريس).
٤. يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ: بدأ الِابْنُ بإلقاء الخطبة التي أعدها؛ ولكن يبدو أن الأب لم يستمع لكلمة واحدة. بل أمر أن يُعامل الضال كابْن وليس كخادم.
٥. أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الْأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ: لم تكن الأشياء التي جلبوها إلى الِابْنُ الضال التائب ضرورية؛ وكان القصد منها تكريم الِابْنُ ليدرك كم هو محبوب. فعل الأب أكثر بكثير من مجرد تلبية احتياجات اِبنه.
٦. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ: العثور على الخروف الضال والدرهم المفقود كان مُفرحًا. ولكن كانت الفرحة الكبرى العثور على الِابْنُ الضال. عملوا احتفالًا رائعًا وارتدوا الملابس الخاصة والمجوهرات وقدموا الطعام الفاخر. فلم يكن الاحتفال بمجرد عودة اِبنٍ ضال، بل وكأنه كان ميتًا فعاش.
د ) الآيات (٢٥-٣٢): مرارة واستياء الِابْنُ الأكبر
٢٥وَكَانَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، سَمِعَ صَوْتَ آلَاتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا. ٢٦فَدَعَا وَاحِدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا؟ ٢٧فَقَالَ لَهُ: أَخُوكَ جَاءَ فَذَبَحَ أَبُوكَ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ، لِأَنَّهُ قَبِلَهُ سَالِمًا. ٢٨فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ. ٢٩فَأَجَابَ وَقَالَ لِأَبِيهِ: هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هَذَا عَدَدُهَا، وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ، وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لِأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي. ٣٠وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هَذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ! ٣١فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ. ٣٢وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لِأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًّا فَوُجِدَ».
١. وَكَانَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ: لم يعيش الِابْنُ الأكبر حياة الضياع، ولكنه كان يعمل بجد فِي الْحَقْلِ حتى وقت رجوع الِابْنُ الأصغر إلى البيت. سَمِعَ صَوْتَ آلَاتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا، وعَلِمَ من الخدم أن أخوه قد عاد إلى البيت.
٢. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ: لم يكن الِابْنُ الأكبر سعيدًا بالِاستقبال المبهج لأخيه. اشتكى ورأى أنها كانت إهانة لطاعته وإخلاصه.
• لَمْ أَتَجَاوَزْ .. لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ: هذه مبالغات طبيعية لمن يشعرون بالمرارة. كشف الِابْنُ الأكبر أخيرًا عن مرارة قلبه للأب، بعد تركت أضرارها بداخله على مدى سنوات عدة.
• لم يُقَدِّرُ الأخ الأكبر ما كان لديه. كتب موريسون (Morrison): “كان كل يوم يتمتع بالشركة مع أبيه ومع أهل بيته المبارك. وكانت محبة الأب حوله باستمرار، وكل ما كان للأب كان له.” ويضيف موريس (Morris): “من يفتخر ببره الذاتي يشعر دائمًا بعدم تقدير الآخرين له.”
• رغم أن الِابْنُ الأكبر كان مطيعًا، إلا أنه كان بعيدًا عن قلب الأب. وكان هذا مثلًا رائعًا للقادة اليهود الذين غضبوا من قبول يسوع للعشارين والخطاة. كتب مورغان (Morgan): “كشفت قصته عن إمكانية العيش في بيت الآب ولكن الفشل في فهم قلبه.”
٣. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ .. يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ: أحب الأب الِابْنُ الأكبر أيضًا وخرج مناشدًا إياه.
٤. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ: أجاب هذا عن شكوى القادة في بداية الإصحاح. فلم يملكوا أي سبب للشكوى بل كل الأسباب للفرح.
• كانت الرسالة الواضحة الموجهة للعشارين والخطاة في هذه الأمثال: التوبة والعودة إلى بيت الآب. وكانت الرسالة الواضحة الموجهة للقادة اليهود: كونوا سعداء عند العثور على المفقودين وعند توبتهم وعودتهم إلى بيت الآب.
• وبشكل عام، يمكننا القول بأن هذه الأمثال تظهر سعي ابن الراعي، والروح القدس (الذي يعمل من خلال الكنيسة)، والآب السماوي وراء الضالين.
• ويُعلّق سبيرجن (Spurgeon): “هذا هو بيت القصيد: يد الرحمة تمتد إلى البائس، وتقبل النعمة الخطاة، وتتعامل مع الشعور بالنقص وعدم الاستحقاق ومع بعدم القيمة؛ فالله لا يتعاطف مع من يعتقدون أنهم أبرار، بل يتعاطف مع غير الأبرار والمذنبين وغير المستحقين، ومع من يستحق رحمته؛ وباختصار، الخلاص بالنعمة وليس بالاستحقاق.”