١. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ: يخبرنا لوقا بوضوح أنه دوَّن تاريخًا حقيقيًا وأحداثًا واقعية. هذا ليس ’كان يا ما كان.‘ وليست هذه قصصًا خيالية عن زيوس أو أبولّو على جبل أوليمبوس. هذا واقعٌ حقيقي.
٢. صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ: بدأت قصة ميلاد يسوع في عهد أحد أبرز رجال التاريخ القديم.
• وُلِدَ حاملًا اسم أُكتافِيَان، تيمُّنًا باسم والده. وكانت جدَّتُه أخت يوليوس قيصر، وبسبب ما كان يتمتع به من موهبةٍ وذكاءٍ لفت أُكتافِيَان انتباه عمّه الأكبر، يوليوس قيصر، الذي تبنّاه في نهاية الأمر وجعله وارثه الرسمي سنة ٤٥ ق.م. وخلال عامٍ واحدٍ قُتِلَ قيصر، فانضم أُكتافِيَان إلى اثنين آخرين، هما مرقس أنطونيوس وليبيدوس، لتقاسم السيطرة على روما ثلاثيًا. وعلى مدى عقودٍ كان عالمُ البحر المتوسط غارقًا في الحروب والعنف، وفي ظل الحكم الثلاثي، ازداد الوضع سوءًا، إذ شهدت روما والأقاليم سنواتٍ من القتال الدموي الوحشي من أجل السلطة والمال.
• سرعان ما استبعد أُكتافِيَان وأنطونيوس ليبيدوس من المشهد. وعلى الرغم من أن أخت أُكتافِيَان تزوجت أنطونيوس، فقد ظل أُكتافِيَان وأنطونيوس، طوال ثلاث عشرة سنة، خصمين، إلى سنة ٣١ ق.م. وعلى مدى عامٍ كامل تجمَّعت جيوشهما الضخمة واتخذت مواقعها. فجاء أنطونيوس، بمساعدة كليوباترا، بخمسمئة سفينةٍ حربية، ومئة ألفٍ من المشاة، واثني عشر ألف فارس. وردّ أُكتافِيَان بأربعمئة سفينةٍ حربية، وثمانين ألفًا من المشاة، واثني عشر ألف فارس. وكان لأُكتافِيَان التخطيط الأفضل والسفن الأكثر خفة ومناورة، فهزم القوات المشتركة لأنطونيوس وملكة مصر كليوباترا في معركة أكتيوم. وهكذا صار أُكتافِيَان الحاكم الأوحد للعالم الروماني، واتخذ لقب أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ.
٣. كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. وعلى مدى عقودٍ، كان العالَمُ الذي عاش فيه أُوغُسْطُس، والذي وُلِدَ فيه يسوع لاحقًا، أي عالمُ حوض البحر الأبيض المتوسط، مدمرًا بالحروب والخراب والوحشية والانحلال الأخلاقي.
• “لقد أُنهكت شبهُ الجزيرة المتوسِّطة، المتحللة بالشهوات، عشرون سنةً من الحرب الأهلية. أُهمِلت مزارعها، ونُهبت مدنها أو حوصرت، وسُرِقَ أو دُمِّرَ جانبٌ كبيرٌ من ثرواتها. انهارت سلطة الدولة وتلاشى الأمن؛ فجعل اللصوص كل شارعٍ غير آمنٍ ليلًا؛ وجاب قُطّاعُ الطرق يختطفون المسافرين ويبيعونهم عبيدًا. تراجعت التجارة، وتوقَّف الاستثمار، وارتفعت أسعار الفائدة، وانخفضت قيم الممتلكات. أمّا الأخلاق، التي أفسدها الغِنى والترف، فلم يُصلِحها العَوَز والفوضى، إذ لا شيء يُفسد أكثر من فقرٍ يأتي بعد ثراء. كانت روما تعجّ برجالٍ فقدوا استقرارهم الاقتصادي ثم الأخلاقي: جنودٍ ذاقوا طعم المغامرة وتعلّموا القتل؛ ومواطنين رأوا مدَّخراتهم تلتهمها ضرائبُ الحرب والتضخّم، فانتظروا عبثًا موجةً تعيدهم من جديد إلى اليسر؛ ونساءً أذهلتهن الحرية، فتضاعفت حالات الطلاق والإجهاض والزنا.” دورانت (Durant)
٤. صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ: بدا أن سُلطة هذا الرجل غيّرت فوضى ذلك الزمان تغييرًا دراميًا. فقد جلب ثلاث أمور قلبت الموازين على نحوٍ يكاد يكون معجزيًا. أولًا، أرسى السلام لأنه هزم جميع خصومه. ثانيًا، امتلك مهارة سياسية وإدارية، بل وربما براعة لافتة. ثالثًا، وفّر مبالغ طائلة من مصر لدفع رواتب الجنود ولدعم الاقتصاد الروماني.
• “وُلِدَ يسوع في عهد أُوغُسْطُس. وبعد فترةٍ طويلةٍ من الحروب التي مزقت البحر الأبيض المتوسط وسواحله، تحققت الوحدة السياسية، وصارت الإمبراطورية الرومانية تكاد تشمل حوض البحر المتوسط بأكمله، ثم سرعان ما توسعت خارجه. وكان أُوغُسْطُس أول إمبراطور؛ فبناءً على الأسس التي وضعها عمّه يوليوس قيصر، أرسى السلام، وحكم دولةً كانت روما تبنيها عبر أجيال، متسترًا بلقب المواطن الأول لجمهورية مُعاد ترميمها. وقد دام السلام والنظام الداخليان اللذان حققهما أُوغُسْطُس، مع انقطاعات عرضية، قرابة قرنين من الزمان. ولم يحدث من قبل أن خضعت جميعُ سواحل البحر المتوسط لسلطةٍ واحدة، ولم تنعم قط بمثل ذلك الازدهار. وقد أسهم السلام الروماني (باكس رومانا) في انتشار الأفكار والديانات عبر الرقعة التي ساد فيها.” لاتوريت (Latourette)
• كن، برغم عظمة أُوغُسْطُس قيصر، لم يكن سوى إنسان. فالإنسان الذي جلب الحلول فرض أيضًا ثمنًا باهظًا لذلك؛ إذ طالب بسلطةٍ مطلقة على الإمبراطورية الرومانية. وعلى مدى مئات السنين كانت روما تفخر بكونها جمهورية، أمةً تُحكم بالقوانين لا بالأشخاص. وكان المبدأ الراسخ أن لا أحد فوق القانون، وأن مجلس الشيوخ الروماني والجيش وقادة السياسة عملوا معًا ضمن نظامٍ سياسيٍّ معقّد كثيرًا ما اتّسم بالتوتر. لكن أُكتافِيَان كان على وشك أن يغيّر كل ذلك. ففي سنة ٢٧ ق.م. دبّر أن يمنحه مجلس الشيوخ لقب ’أُوغُسْطُس،‘ أي ’الممجَّد‘ و’المقدَّس.‘ عندئذٍ لم تعد روما جمهورية تُحكم بالقوانين، بل صارت إمبراطورية يحكمها إمبراطور. وكان أول أباطرة روما هذا القيصر نفسه، أُوغُسْطُس.
• علّق دورانت (Durant) على لقب ’أُوغُسْطُس‘ قائلًا: “حتى ذلك الحين لم تكن هذه الكلمة تُطلق إلا على الأشياء والأماكن المقدسة، وعلى بعض الآلهة المرتبطة بالخلق والنمو؛ وحين أُطلقت على أُكتافِيَان ألبسته هالةً من القداسة، وأحاطته بحماية الدين والآلهة.”
• كان أحد ألقابه المبكرة إمبيراطور (imperator)، أي القائد الأعلى للقوات المسلحة في الدولة. لكنه جعل هذا اللقب يعني لاحقًا إمبراطورًا (emperor).
• يقول هذا شيئًا مهمًا عن العالم الذي وُلِدَ فيه يسوع. فقد كان عالمًا متعطشًا لمخلّص، وعالمًا يعيش في ظل مُخلّص سياسي – أُوغُسْطُس قَيْصَر – لكن ذلك لم يكن كافيًا.
• “في القرن الذي سبق ميلاد المسيح كانت دلائل التفكك واضحة إلى حدٍ ملموس في الحروب، وفي زوال النظام القديم، وفي الفساد الأخلاقي، حتى إن المفكرين خافوا انهيارًا وشيكًا. ومن هذه الكارثة أُنقِذَ حوضُ البحر المتوسط على يد يوليوس قيصر وأُوغُسْطُس قَيْصَر… لكن ينبغي أن نلاحظ أن النظام الإمبراطوري الذي ابتكره أُوغُسْطُس لم يُشفِ المرض الذي كانت الثقافة اليونانية-الرومانية تعاني منه، بل أوقف مساره مؤقتًا.” لاتوريت (Latourette)
• “لم يعالج أُوغُسْطُس وخلفاؤه المشكلات الأساسية لعالم البحر المتوسط، بل أخفَوْها. فبدلًا من معالجة ما بدا فشلًا في الحُكم، استبدلوه بمزيدٍ من الحُكم، ولم يكن الحُكم هو الجواب.” لاتوريت (Latourette)
ب) الآية (٢): وَالِي الإقليم الإداري الروماني القريب من الجليل.
١. الِاكْتِتَابُ: لم يكن التسجيلُ والإحصاء (الِاكْتِتَابُ) الموصوفان مجرد تدوينٍ للسجلات أو جمعٍ للإحصاءات، بل كانا يهدفان إلى فرض الضرائب على جميع سُكان الإمبراطورية الرومانية بكفاءة وفاعلية.
• بحسب ليون موريس (Leon Morris)، كتب يوستينوس الشهيد في منتصف القرن الثاني أنه في زمنه (بعد أكثر من مئة عام على زمن يسوع) كان من الممكن الرجوع إلى سجل الإحصاء نفسه الذي ذكره لوقا.
٢. الِاكْتِتَابُ الْأَوَّلُ: الفكرة في اللغة الأصلية هي أن هذا كان ’الِاكْتِتَابُ الْأَوَّلُ (التسجيل).‘ وبما أن استخدام الإحصاء لفرض الضرائب كان أمرًا شائعًا في روما القديمة، سمّى لوقا هذا الإحصاء ’الِاكْتِتَابُ الْأَوَّلُ‘ ليميزه عن الإحصاء المعروف الذي جرى سنة ٦م، والذي أشار إليه لاحقًا في أعمال الرسل ٣٧:٥.
٣. إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ: هذا مرساةٌ تاريخيةٌ أخرى تُثبّت رواية لوقا بربطها بعهدِ شخصياتٍ تاريخيةٍ معروفة ويمكن التحقّق منها.
ج) الآية (٣): يستجيب العالم لأمر أُوغُسْطُس قَيْصَر.
١. فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا: إنها فكرة مهيبة فعلًا، رجلٌ واحد، جالسٌ في قصور روما العاجيّة، أصدر أمرًا واحدًا، فاستجاب له العالم كلّه. وربما لم يكن قد وُجد حتى ذلك الحين إنسان امتلك سلطانًا على حياة عددٍ من البشر يفوق ما كان لأُوغُسْطُس قَيْصَر من نفوذ.
• بوجهٍ عام، كان أُوغُسْطُس قَيْصَر حاكمًا صالحًا. فقد وسّع حدود الإمبراطورية الرومانية، وحقق الكثير لشعبه. لكن أشدّ آلام حياته جاءت من بيته، إذ كانت له ابنة متهوّرة، ولم يكن له ابن، كما أن جميع أبناء إخوته وأحفاده، وابن زوجته المفضّل، ماتوا في سنٍ مبكرة. لكن كغيره من الرجال ذوي الطموح والنفوذ، كان معتدًّا بنفسه. ومن السهل أن نتخيّل مدى شعوره بالقوة حين أصدر مرسومًا… بأن يُكتتب كل العالم لأجل الجباية. وليس من الصعب أن يفكر قائلًا: أنا آمر، وكل العالم الروماني عليه أن يطيع.
• لكن أُوغُسْطُس لم يكن في الحقيقة صاحب سلطانٍ حقيقي. وفي يوحنا ١٠:١٩-١١، واجه يسوع رجلًا رومانيًا آخر كان يعتقد أنه يملك السلطان. فَقَالَ لَهُ بِيلَاطُسُ: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟». أَجَابَ يَسُوعُ: «لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ». وينطبق المبدأ نفسه على أُوغُسْطُس قَيْصَر. فأيّ سلطانٍ كان له لم يكن ذاتيًا، بل سلطانًا مُعطىً من الله.
• وبينما كان يجلس في قصره ويُصدر مرسومه، كان يعتقد أن ذلك أسمى تعبير عن إرادته، وأوضح استعراض لقوته. لكنه لم يكن سوى أداةٍ في يد الله. فقد وعدَ الله في ميخا ٢:٥ بأن المسيّا سيولد في بيت لحم، وهذا الوعد سيتحقّق. فكيف يمكن إذًا دفع زوجين شابّين إلى النزول من الناصرة إلى بيت لحم، إن لم يكونا راغبين في السفر؟ ببساطة، اِعْمَلْ من خلال ’مخلّص العالم‘ السياسي، واستخدمه أداةً في خطّتك.
• ونرى أيضًا أن أُوغُسْطُس، رغم كلّ إنجازاته، لم يكن في الحقيقة هو الحل. فقد سمح الله له أن يصل إلى مستوى من السلطان لم يبلغه غيره لأسباب كثيرة. في نهاية القصة، المهم هو يسوع. فمن الذي يعرفه العالم اليوم أكثر: يسوع أم أُوغُسْطُس قَيْصَر؟ ومن له الأثر الأعمق والأبقى؟
٢. كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ: لا يوجد في السجلات التاريخية غير الدينية ما يذكر أن أُوغُسْطُس أصدر هذا الاكتتاب وأمر بتنفيذه بهذه الطريقة، لكن ذلك ينسجم مع ما نعرفه عنه من التاريخ. كان أُوغُسْطُس معروفًا بحساسيته الشديدة تجاه المشاعر القومية لرعاياه، ولذلك أمرهم أن يعودوا إلى مدن أصولهم العائلية لأجل الاكتتاب.
• يستشهد وليم باركلي وآخرون بمرسومٍ حكوميٍ صادرٍ عن تعدادٍ رومانيٍ أُجري في مصر في الحقبة نفسها، ينصّ أن على كل شخص أن يذهب إلى مدينته للتسجيل في الاكتتاب.
• وبهذه الطريقة خفف أُوغُسْطُس وطأة الأمر على كثيرين. نعم، كان عليهم أن يسافروا، وكان عليهم أن يدفعوا الضرائب، لكنهم في المقابل كانوا يجتمعون مع عائلاتهم، ويرون أقارب ربما لم يلتقوا بهم منذ زمن طويل.
ثانيًا. ميلاد يسوع
أ) الآيات (٤-٧): وصول يوسف ومريم إلى بيت لحم وولادة يسوع.
١. فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ: تبلغ المسافة من الناصرة إلى بيت لحم، القريبة من أورشليم، نحو ١٢٩ كيلومترًا. ولم تكن هذه مسافة قصيرة في تلك الأيام، بل كانت رحلة شاقة تتطلب وقتًا وجهدًا وتكلفة مالية.
٢. مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى: غالبًا ما نتصور أن مريم كانت قريبة من موعد ولادتها عندما قاما بهذه الرحلة، لكن قد لا يكون الأمر كذلك على الإطلاق. وربما كان يوسف حريصًا على إخراجها من الناصرة لتجنّب الفضيحة. ويخبرنا لوقا أن الولادة لم تحدث إلا بعد وصولهما إلى بيت لحم، إذ يقول: وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ.
• بحسب القانون الروماني، لم يكن على مريم أن ترافق يوسف في اكتتاب الضرائب، لكن كان من المنطقي أن تذهب معه، ولا سيما أنها كانت في المراحل الأخيرة من حَمْلٍ مثيرٍ للجدل، وكان بلا شك موضوعًا لكثيرٍ من القيل والقال في الناصرة.
• “من المحتمل أنه استخدم أمر الإمبراطور وسيلةً لإبعاد مريم عن القيل والقال، وما قد يسببه ذلك من معاناةٍ نفسية في قريتها. فقد كان قد قبلها زوجةً له بالفعل (متى ٢٤:١)، لكنه، على ما يبدو، استمرّ في فترة الخطوبة (لوقا ٥:٢)، أي ملتزمًا بالزواج، إلى ما بعد الولادة.” ليفيلد (Liefeld)
٣. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ: من الأمور اللافتة في رواية لوقا بساطتها الشديدة، على الرغم من عظمة الأحداث التي يرويها. ففي عصرنا الحديث، كثيرًا ما نُضخم أحداث صغيرة بالإفراط في الوصف، وتُقدم على أنها أهم مما هي عليه في الواقع. أما لوقا، وتحت إرشاد الروح القدس، فقد عرض هذا الحدث المذهل بأسلوب هادئ غير متكلّف.
٤. فَوَلَدَتِ: هذه العبارة مملوءة بالعجب. فلا يخبرنا النص أن أحدًا ساعد مريم في الولادة، مع أن ذلك ربما حدث. وعلى أي حال، كانت هذه الشابة منفصلة تمامًا عن أسرتها وكل أصدقائها الداعمين، الذين كانوا يقيمون في الناصرة.
• “تجري الرواية وكأن مريم قامت بهذه الأمور بنفسها، ومن هنا استنتج آباء الكنيسة ولادةً بلا ألم” بروس (Bruce). “كونُ مريم هي التي قَمَّطَت الطفل بنفسها يشير إلى ولادةٍ جرت في عزلة.” موريس (Morris)
• متى حدث هذا؟ إن تاريخ ٢٥ كانون الأول/ديسمبر غير مرجّح، لكنه ليس مستحيلًا، وقد شاع هذا التاريخ في الكنيسة للمرة الأولى خلال القرن الرابع.
• أين يحدث هذا؟ في نحو ١٥٠م قال يوستينوس الشهيد إن الموضع الذي وُلِدَ فيه يسوع كان مغارة في بيت لحم. ولاحقًا، في سنة ٣٣٠م، بُنيت كنيسة فوق تلك المغارة في عهد قسطنطين الكبير، وهو ما يراه كثيرون حتى اليوم أرجح موضعٍ لميلاد يسوع.
٥. ابْنَهَا الْبِكْرَ: هذا يقود إلى استنتاج منطقي مفاده أن مريم أنجبت أولادًا آخرين بعد ولادتها يسوع، رغم تعليم الكنيسة الكاثوليك القائل بدوام بتوليّة مريم.
٦. وَقَمَّطَتْهُ: هذه أقمطة ملفوفة بإحكام. غير أن الأشد لفتًا للنظر من الأقمطة هو أنه وُضع فِي الْمِذْوَدِ، أي معلفٍ يُقدم فيه العلف للحيوانات.
• يشير تراب (Trapp) إلى أن الكلمة المترجمة ’أَقمِطَة‘ مشتقّة من كلمة يونانية قديمة تعني ’يُمزِّق،‘ ما يدلّ على أنها كانت شرائط قماشٍ ممزقة لُفَّت حول يسوع.
٧. إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ: حدث هذا في مكان عام، وسط مسافرين وسكّان آخرين. “كان الرجال منشغلين بأعمالهم، والأطفال الصغار يلعبون، والنساء يتبادلن الحديث عند البئر، وإذا بملكوت السموات قد حضر بينهم.” موريسون (Morrison)
• “جُملة ’لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ‘ كانت رمزًا لما سيحدث ليسوع لاحقًا. فالمكان الوحيد الذي وُجد له فيه مَوْضِع كان على الصليب.” باركلي (Barclay)
١. وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ: كان رعاة بيت لحم مشهورين برعاية قطعان الهيكل. وربما كان هؤلاء يحرسون ويعتنون بالحملان المُعدّة لذبائح الهيكل.
٢. يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ: قال كثيرون إن تاريخًا متأخرًا في كانون الأول/ديسمبر غير ممكن، لأن الرعاة لم يكونوا يبيتون في الحقول ليلًا في ذلك الوقت من السنة. ومع ذلك، ففصول الشتاء الدافئة ليست أمرًا غير مألوف في اليهودية.
١. وَإِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ: قاطع هدوء هذه الليلة المظلمة حضور ملاكٍ مشرق، وَمَجْدُ الرَّبّ. وقد حمل هذا الملاك بشرى سارة لهؤلاء الرعاة الذين كانوا منبوذين اجتماعيًا.
• “كان الرعاة، بوصفهم فئة، معروفين بسمعة سيئة… وكان يُؤخذ عليهم أنهم لا يميزون دائمًا بين ما هو لهم وما هو لغيرهم أثناء تجوالهم. لذلك كان يُنظر إليهم على أنهم غير موثوقين، ولم يكن يُسمح لهم بالشهادة أمام المحاكم.” موريس (Morris)
• “كان أول من بشّر برسالة الإنجيل ملاكًا. أمّا الآن فقد نزع الله هذا الشرف من الملائكة، وأعطاه للخدّام، الذين تُطلق عليهم الأسفار المقدسة اسم ملائكة، كما في رؤيا ١:٢.” تراب (Trapp)
٢. أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ: أعلنوا ميلاد مُخَلِّص، وهو ما كان، وما يزال، حاجة البشر الحقيقية. فنحن لا نحتاج إلى مستشارٍ آخر، ولا إلى مُصلِح، ولا إلى لجنة، بل إلى مُخَلِّص.
٣. وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلَاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ: بعد إعلان مَلَاك الرَّبّ، ظهر جمعٌ كبير من الملائكة. كان هذا الجُمْهُور مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ يعلن السلام. لقد كان العالم آنذاك بحاجة إلى السَّلَام، وما يزال بحاجة إليه اليوم.
• حتى الوثنيون في عالم القرن الأول كانوا يشعرون بهذه الحاجة إلى السلام وإلى مُخلِّص. وقد عبّر عن ذلك أبيكتيتوس، الكاتب الوثني في القرن الأول، بقوله: “قد يمنح الإمبراطور سلامًا من الحروب في البرّ والبحر، لكنه يعجز عن أن يمنح سلامًا من الشهوة والحزن والحسد. وهو لا يستطيع أن يمنح سلام القلب، ذلك السلام الذي يتوق إليه الإنسان أكثر حتى من السلام الخارجي.”
• لا بدّ أن التناقض بين مجد الملائكة ويسوع المتواضع بدا صارخًا للغاية. فالله يحبّ أن يضع مجده في أوانٍ خزفيّة، لكي يُظهر مجده بوضوحٍ أكبر (كورنثوس الثانية ٧:٤).
• “دَعُوا الله ينال كلَّ المجد، لكي ننالَ نحنُ السلام.” تراب (Trapp)
١. لِنَذْهَبِ الْآنَ: يُظهر هذا إلحاحًا حقيقيًا، إذ لم يتردّدوا على الإطلاق.
٢. وَنَنْظُرْ هَذَا الْأَمْرَ الْوَاقِعَ: قال لهم الملاك أن يجدوا طِفْلًا مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ (لوقا ١٢:٢). ولم يكن منظر طفلٍ مقمَّطٍ أمرًا غير مألوف، لكن الغريب أن يكون الطفل مضجعًا في مذود، أي معلفٍ للحيوانات. ولولا أن الملاك حدد لهم هذه العلامة الدقيقة، لما أمكنهم أن يُصدّقوا ذلك.
٣. وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ: كان المشهد غريبًا، وهو العلامة التي أُعطيت لهم. لم يعودوا يرون ملائكة أو يسمعونهم، لكن الذي يقي معهم هو لقاء يسوع نفسه. الملائكة يمضون، أما يسوع فيبقى.
• “كان هذا منظرًا صادمًا، وكافيًا وحده لأن يثير النفور من المسيح. فكيف يمكن تصديق أن يكون ملك الشعب كلّه هو ذاك الذي اعتُبر غيرَ مستحقٍّ حتى أن يُحسب مع أدنى الناس منزلة؟” كالفن (Calvin)
• “إنها فكرة جميلة أن يكون الرعاة الذين اعتنوا بحملان الهيكل هم أول من رأى حَمَلَ اللهِ الذي يرفع خطية العالم.” باركلي (Barclay)
١. فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلَامِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هَذَا الصَّبِيِّ: إعلانُ الملائكة وعلامةُ الطفل في المذود دفعا الرعاة إلى أن يخبروا من استطاعوا بما سمعوه وما عاينوه.
٢. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ: أدهش خبر الرعاة كل من سمعه. وحتى إن لم يفهموا تمامًا، أدركوا أن أمرًا عظيمًا قد حدث.
• “ولكي يُظهر الله أنه لا يُحابي الوجوه، كشف هذا السر العظيم للرعاة والحكماء معًا: أولئك فقراء وهؤلاء أغنياء، أولئك غير متعلّمين وهؤلاء متعلّمون، أولئك يهود وهؤلاء أمم، أولئك قريبون وهؤلاء بعيدون.” تراب (Trapp)
٣. وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذَا الْكَلَامِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا: كان رد فعل مريم مختلفًا عن الرعاة أو من سمعوهم، إذ تقبّلت الأمر بهدوء وحفظته في قلبها متأملةً معناه.
• “دهشة الكثيرين كانت انفعالًا مؤقتًا، أما تذكّرُ مريم وتأمّلُها فكان سلوكًا دائمًا ملازمًا لها. (في الأصل اليوناني، جاء التعبير الأول بصيغة الماضي البسيط، والثاني بصيغة الماضي المستمر).” بروس (Bruce)
• كان لدى مريم سببٌ وجيه للتأمل. فما الذي جاء بها إلى بيت لحم؟ مرسومٌ عظيم لإمبراطور روماني، وربما ألسنة متداولة في الناصرة. هكذا يعمل الله من خلال أناسٍ مختلفين وأحداثٍ متنوعة ليُتمّم خطته.
٤. ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ: امتلأ الرعاة فرحًا وتسبيحًا لله، لأن الكلمة قد تمّت تمامًا كما قيل لهم.
• “إن غيرتهم في تمجيد الله وتسبيحه تحمل توبيخًا ضمنيًا لتراخينا، بل بالأحرى لجحودنا. فإذا كان مهدُ المسيح قد أثر فيهم إلى هذا الحد، فرفعهم من الإسطبل والمذود إلى السماء، فكم بالحري ينبغي لموت المسيح وقيامته أن يرفعانا إلى الله؟” كالفن (Calvin)
١. وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ: تمّ هذا لكي يُكمل يسوع كلَّ متطلبات الشريعة، كما هو مُوصى به في لاويين ٢:١٢-٣. ويُظهر هذا أن يوسف ومريم كانا والدين تقيّين ومطيعين حقًا، إذ خضعا لوصية الله في لاويين ١٢، وكذلك خضع لها يسوع نفسه.
٢. لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ .. أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا: كانت طقوس الختان والتطهير تذكيرًا بأننا جميعًا نُولد في الخطية (مزمور ٥:٥١). وكان يمكن أن يُستثنى يسوع من ذلك، لأنه لم يُولد في الخطية. ومع ذلك، نراه، حتى وهو طفل، يضع نفسه في صفّ الخطاة، كما فعل لاحقًا في معموديته، وكما فعل أيضًا على الصليب.
• القراءة الصحيحة للآية في لوقا ٢٢:٢ هي: وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهِم… وقد حُسِب يسوع مع الخطاة حتى وهو طفل.
• “فلنتحدث الآن أولًا عن التطهير. فإن لوقا يطبقه على مريم والمسيح معًا، لأن الضمير ’لهم‘ لا يمكن أن يعود بأي حال من الأحوال على يوسف.” كالفن (Calvin)
• “لأن ذاك الذي لم يعرف خطية، والذي لم يكن له أن يعرف خطية، قد جُعِل خطية لأجلنا منذ ختانه. ولم تمضِ عليه ثمانية أيام في هذا العالم حتى بدأ يُحصى مع الأثمة. كان ابن مريم البكر حَمَلًا بلا عيب ولا دنس، ولكن قبل أن يتم أسبوعه الأول، بدأ يحمل خطايا كثيرين… وكما بدأ في ذلك اليوم في الهيكل، هكذا استمر كل يوم يعيش حياة ألمٍ وخزيٍ وسفك دمٍ لأجلنا ولأجل أولادنا، إلى أن أتمّ على الصليب عمل الكفّارة الذي أعطاه الآب أن ينجزه. ومنذ ذلك اليوم الأول الذي جُرح فيه لأجل معاصينا، ظل ذاك القدوس يحمل في جسده علامات فدائنا.” وايت (Whyte)
٣. زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ: بحسب شريعة لاويين ١٢، يُقدَّم خَرُوف عند ولادة الابن كجزء من طقوس التطهير والتكريس. غير أنها تسمح بتقديم زوج يمامٍ أو فرخي حمامٍ إذا لم تستطع الأسرة أن تُقدم خروفًا.
• “كان تقديم زَوْجِ يمامٍ أو فَرْخَي حَمَامٍ بدلًا من خَرُوفٍ وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ يُسمى ’تقدمة الفقراء…‘ وهكذا نرى أن يسوع وُلِد في بيتٍ عادي.” باركلي (Barclay)
• هذا يشير إلى أن الأحداث كلها وقعت قبل مجيء المجوس من المشرق (متى ١:٢-١٢). فلم يكن من الممكن أن يعود يوسف ومريم إلى أورشليم بعد أن حذرهما الملاك (متى ١٣:٢)، كما أنهما لم يكونا ليقدما ذبيحة من زَوْجِ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ بعد أن تسلّما الهدايا الثمينة من المجوس (متى ١١:٢).
١. يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ: ربما كان سمعان قد سمع بما يتداوله الناس عن قرب مجيء المسيا. فقد شاع خبر ولادة يوحنا المعمدان ومعناه على نطاق واسع (لوقا ٦٥:١)، كما أن الرعاة الذين سمعوا إعلان الملائكة نقلوا ما رأوه وسمعوه إلى الناس في الهيكل.
٢. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ: لكن لم تكن تلك الأخبار هي التي قادته، بل الروح جاء به إلى الهيكل في ذلك اليوم. كان سمعان رجلًا يعرف كيف يستجيب لقيادة الروح القدس، سواء في سماعه وعد الله له، أو في تحرُكه للذهاب إلى الهيكل في الوقت المناسب.
٣. أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ: كانت نبوة سمعان مملوءة محبةً لمخلّصه، مع أنه بالكاد كان يعرف يسوع. أما نحن، الذين نعرف عنه أكثر بكثير، فينبغي أن تكون محبتنا له أعظم.
٤. حَسَبَ قَوْلِكَ: صار لسمعان الآن سلامُ مَن رأى وعدَ الله يتحقق في حياته.
٥. الْآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلَامٍ، لِأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلَاصَكَ: بدا الأمر كأن سمعان قد أُقيم من الله ليبقى ساهرًا طوال الليل، مترقبًا شروق الشمس. وهذا كان، بالنسبة إليه، فجرَ الله نفسه، وبمجيء يسوع انتهى سهره واستراح.
٦. نُورَ إِعْلَانٍ لِلْأُمَمِ: الأمر المدهش في نبوة سمعان أنها تُظهر أن هذا النور هو أيضًا لِلْأُمَمِ. فقد بدأ خلاص يسوع بإسرائيل، لكنه كان منذ البدء مُعدًّا لأن يمتد إلى ما وراء إسرائيل.
• اقتبس جون تراب (John Trapp) تعبيرًا شعريًا يصف قلب سمعان:
• “لا أخاف خطية، لا أرهب موتًا؛
• لقد عشتُ ما يكفي، ولي حياتي.
• اشتقتُ ما يكفي، ولي محبوبي.
• أبصرتُ ما يكفي، ولي نوري.
• خدمتُ ما يكفي، ولي فرحي.
• أيها الطفل الجميل، دع هذا المزمور يكون تهويدةً لك، وجنازةً لي. نمْ في ذراعيّ، ودعني أنام في سلامك.”
١. وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ: يمكننا أن نتصور فرحهم الممزوج بالدهشة وهم يَرَوْنَ كيف لمسَ الله قُلُوبَ آخرين وفَتَحَ أذهَانهم لفهم حقيقةِ ابنِهِم. ومهما بلغت معرفتك بيسوع، ستشعر بشيءٍ مميزٍ عندما ترى شخصًا آخر يؤمن به.
٢. لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ: رأينا تطبيقًا لهذه الآية في أن بطرس تَابَ، أما يهوذا فاستسلم لليأس؛ وفي أن أحد اللّصين جدّف، أما الآخر فآمن. فيسوع كالمغناطيس، يجذب بعضهم، بينما يَنْفِرُ آخرين مِنهُ.
٣. وَلِعَلَامَةٍ تُقَاوَمُ: تُفهم كلمة ’عَلَامَةٍ‘ هُنا بمعناها الحرفي، أي ’هدفٌ تُوَجَّهُ إليهِ السِّهام،‘ وبهذا يكون يسوع هو الهدف الذي سيتعرض لشرٍ عظيمٍ.
٤. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ: كان من الضروري أن تعرف مريم أن أُمُومَتَهَا للمسيح لن تكونَ كلها فرحًا ونورًا، بل سَتَجمَعُ بين شرفٍ عظيم وحِملٍ ثقيلٍ.
• ربما لم يتألم أي إنسان آخر بقدر ما تألمت أُمُّ يسوع من رفضه وآلامه. ولم يكن ذلك فقط بسبب محبة الأم الطبيعية، بل أيضًا لأن رفضه كان هو نفسه رفضها. وبصورةٍ رائعةٍ، كان تبريره هو أيضًا تبريرها.
١. وَكَانَتْ نَبِيَّةٌ، حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ: لا نعرف بأي صفة كانت حنة نَبِيَّةً، ربما تجلَّى ذلك في ما قالته عن يسوع.
٢. لَا تُفَارِقُ الْهَيْكَلَ، عَابِدَةً بِأَصْوَامٍ وَطَلِبَاتٍ لَيْلًا وَنَهَارًا: خدمت هذه المرأة التقية الله بتكريسٍ كاملٍ. وقد اِنعكست علاقتها الحية مع الله في محبتها ليسوع، وفي رغبتها في أن تُخبِر الآخرين عنه (وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً).
• كانت حنّة امرأة لافتة. فبصفتها أرملة، عرفت الألم والفَقْد، ولكنها لم تُصبح مُرّةً. وبصفتها امرأةً مُسنَّة، لم تفقد الرجاء. ولعل ذلك كان لأنها كانت امرأة مُكرَّسةٌ للعبادة والصلاة.
١. وَلَمَّا أَكْمَلُوا كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ نَامُوسِ الرَّبِّ: يؤكد لوقا أن يسوع كان مطيعًا لله طاعة كاملة، حتى وهو طِفلٌ.
٢. وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، مُمْتَلِئًا حِكْمَةً: نَمَا يسوع نموًا طبيعيًا كسائر الأطفال، غير أن نموهُ الروحي يُلاحظ هُنا أولًا. ويمكننا أن نقول إن يسوع كان واعيًا بهويته ودعوته بما يتناسب مع مرحلة نموه العُمُريَّة. ففي سِنّ الخامسة لم يكن لديه فهم رجلٍ في الثلاثين من عُمرِه، ولكنه كان يمتلك أعظمَ قدرةٍ على الفهم تتناسب مع سِنِّ طفلٍ في الخامسة.
• يُقدم نُمُوُّ يسوع إلهامًا للآباء المؤمنين في أيامنا. فَهُمْ أيضًا يُصَلُّونَ من أجل أولادهم ليصيروا أقوياء في الرُّوح وممتلئينَ حِكمةً، ويُرشِدُون أولادهُم في تلك السُّبلِ.
٣. وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: كان صلاحُ الله ونِعمَتُهُ ظاهرتين في حياته، حتى وهو طفلٌ. أما الأساطير عن المعجزات الغريبة المنسوبة إلى طفولة يسوع، فليست سِوى حِكاياتٍ خُرافيةٍ؛ لكن كَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
• لا نعرف إلا القليل عن حياة يسوع منذ شهَرِه الأول إلى أن بَلَغَ سِنَّ الثانيةِ عشرةّ، باستثناء ما ذُكِرَ في لوقا ٤٠:٢. وقد نكون فُضُوليين إزاء تفاصيل طفولته، لكن ليس هناك شيءُ نحتاجُ أن نَعرِفَهُ سوى ما أعلنهُ لنا الروحُ القدسُ في الكلمة.
• “لإشباعِ هذا الفضول، ألَّفَ بعضُ الناسِ ما يُسمى بـ ’أناجيل الطفولة.‘ وتحتوي هذه الكُتُبُ على معجزاتٍ استعراضيةٍ وسخيفةٍ، مِثْلَ تَكلُّم يسوع من المذود؛ وشفاء رَجُلٍ حُوِّلَ إلى بَغلٍ بِسِحرٍ؛ وإحياء طيورٍ من الطين بتصفيق يديه؛ وشفاء الناس برشٍ من ماءِ اغتساله القديم، وغير ذلك. غَيرَ أَنَّ “حيثُ لا يكُونُ للكتابِ المُقدسِ لِسَانٌ، لا يجبُ أن تكونَ لنا آذانٌ.” تراب (Trapp)
رابعًا. يسوع في بيت أبيهِ
أ) الآيات (٤١-٤٥): ضَيُاع يسوع في أورشليم في عِيدِ الفِصْحِ.
١. وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ: أوصى الناموس بحُضُور الأعياد الرئيسية، كما ورد في خروج ١٧:٢٣ وتثنية ١٦:١٦. وكان من المعتاد أن يتوجه أتقياء الجليل إلى أورشليم وقت الأعياد في جماعاتٍ كبيرةٍ.
• لم يكن صعبًا أن يضيع صبيٌّ وسط هذه المجموعات الكبيرة، ولا ينبغي أن نتَّهم يوسف ومريم بالإهمال. ولكن لا بدَّ أن مريم شعرت بالسُّوء لفقدانها المسيّا.
٢. رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ: كما نتوقع من والِدَينِ مُجتهدين تقيَّين، سَعَيَا للبحثِ عن ابنهما يسوع.
ب) الآيات (٤٦-٥٠): وجدوا يسوع يُعلِّم ويَتَعلَّم في الهيكل.
١. جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ: كان يسوع ذو الاثنتي عشرة سنة يُناقِشُ المُعلمِين في كلمة الله، ويُدهش مُستمعيه بِفَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ.
• “في موسم الفِصح كان من المُعتاد أن يجتمع السنهدرين علانية في دار الهيكل، ليتباحثوا، أمام جميع من يُريدُ أن يَسمعَ، في المسائل الدينية واللاهوتية.” باركلي (Barclay)
• عندما نُدرِك عُمق البصيرة الفكرية وقدرة التحليل لدى المُعلمين اليهود، يتبين أن هذا أمرٌ لافتٌ. فهو يشبه، إلى حدٍ ما، طفلًا في سِنّ المرحلة المتوسطة يتناقشُ في عِلم الفيزياء مع عالمِ صواريخ. وقد كان ليسوعَ فعلًا ميزةٌ فريدةٌ، إذ كانت له علاقةٌ خاصةٌ بكَاتِبِ كلمة الله.
٢. يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي: في ذلك الزمان، كان من الطبيعي أن يتولَّى الابن عَمَلَ أَبيهِ. وقد سار يسوع فعلًا على خُطى يوسف كنجَّارٍ، إلا أن كلِمَاتِهِ هُنا تُظهِرُ أنهُ بدأَ يَعِي علاقتهُ الفريدةَ بأبيه.
• من الصعب أن نُحَدِّدَ متَى أدركَ يسوع، في إطار القيود التي ارتَضَاهَا في طبيعته البشرية، مَنْ هُوَ وما الذي أُرسِلَ لِيَعمَلَهُ. غيرَ أنَّ ذلك الإدراك كان مُبكرًا. ولعل هذا الموقف لا يُمثِلُ بدايتهُ، بل المرحلة التي بَلَغَ فيها كامل نُضجِهِ.
٣. يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي: تَحْمِلُ هذه الكلمات الأولى المُسجلة ليسوع أهمية خاصة. فالدهشة التي تتضمنها كلماته تُشيرُ إلى أنهُ كان يعلمُ أن مريم ويوسف كانا على درايةٍ بعلاقتهِ الخاصة بالله أبيه. وهذا يعني أنَّ هذه العلاقة كانت موضوعَ حديثٍ، وربما تعليمٍ، أثناء نشأتِهِ في بيتهم.
٤. فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلَامَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمَا: كشَفت عبارة يسوع لهم شيئًا عن هويته بصفته الابن الفريد لله الآب، دُونَ أن يفهموهُ. وفي اليهودية في ذلك الزمان، كان الصبي يبدأُ تَعَلُّمَ صَنعَةِ أبيه نحو سِنّ الاثنتي عشرة. وقد أتمَّ يسوع هذا بأن كان يُعلِّمُ المُعلمين في الهيكل.
١. ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ: نشأ يسوع في الناصرة، وَنَمَا مِن الصِّبا إلى الشَّبابِ. وقد أتمَّ المسؤوليات المتوقعة من الابن البِكر، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ، اختفى يوسف من المشهد، وأصبح يسوع ’رَجُلَ البيت.‘ فعَمِلَ في صنعتهِ، وأعال أُسرَتَهُ، وأحبَّ إِلهَهُ، وأَثبَتَ أمانتهُ الكامِلة في أُلُوفٍ من الأمور الصغيرة قَبْلَ أن يبدأ خِدمَتَهُ المُعَيّنة.
• “لا يَقُومُ المسيحي دائمًا بأمورٍ غير عادية، بل يَقُومُ بالأُمورِ العادية بِطُرُقٍ غيرِ عادية.” موريسون (Morrison)
٢. وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا: لم تجعله معرفتهُ بهويته متكبرًا أو مُتعاليًا، بل كان يسوع خَاضِعًا لِوَالِديهِ، وهكذا كان ينتقل من الرؤيا إلى الواجب، كما فعل لاحقًا عندما نَزَلَ من جبل التَّجلي.
٣. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي قَلْبِهَا: من المُرجح أن لوقا سمع كل هذا (وكذلك عن أحداث ميلاد يوحنا ويسوع) خلال مقابلاتٍ شخصية مع مريم، بينما كان يجمع مادة إنجيله.
٤. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ: استمر النمو الذي وُصِف أولًا في لوقا ٤٠:٢.
٥. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي… الْقَامَةِ: لم يَنمُ جسديًا فحسب، بل نَمَا أيضًا كإنسان.
٦. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي… النِّعْمَةِ: تعمقت علاقته بأبيه السماوي، كما نَمَا أيضًا في صداقاته وعلاقاته الإنسانية.
• الكلمة المُترجمة (نِعْمَة) هنا لم تكن نعمةَ الخلاص التي تُمنح للخطاة. “أفضل طريقة لترجمة الكلمة هي: ’كانت مسرّة الله عليه.‘” وايت (Whyte)
• “لم يُولَد يسوع كائنًا خارقًا، بل كان ينمو ويتطور مع الزمن. “لقد مرّ بنموٍ روحيٍ وجسديٍ طبيعي، وكان في كل مرحلةٍ كاملًا بما يناسبها.” غيلدنهاوس (Geldenhuys)
إنجيل لوقا – الإصحاح ٢ – ميلاد المسيح وفترة الصِّبا
أولًا. العالم الذي وُلِدَ فيه يسوع
أ) الآية (١): مرسومٌ من رُومَا يَصِلُ إلى كافة بلاد البحر المتوسط.
١وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ.
١. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ: يخبرنا لوقا بوضوح أنه دوَّن تاريخًا حقيقيًا وأحداثًا واقعية. هذا ليس ’كان يا ما كان.‘ وليست هذه قصصًا خيالية عن زيوس أو أبولّو على جبل أوليمبوس. هذا واقعٌ حقيقي.
٢. صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ: بدأت قصة ميلاد يسوع في عهد أحد أبرز رجال التاريخ القديم.
• وُلِدَ حاملًا اسم أُكتافِيَان، تيمُّنًا باسم والده. وكانت جدَّتُه أخت يوليوس قيصر، وبسبب ما كان يتمتع به من موهبةٍ وذكاءٍ لفت أُكتافِيَان انتباه عمّه الأكبر، يوليوس قيصر، الذي تبنّاه في نهاية الأمر وجعله وارثه الرسمي سنة ٤٥ ق.م. وخلال عامٍ واحدٍ قُتِلَ قيصر، فانضم أُكتافِيَان إلى اثنين آخرين، هما مرقس أنطونيوس وليبيدوس، لتقاسم السيطرة على روما ثلاثيًا. وعلى مدى عقودٍ كان عالمُ البحر المتوسط غارقًا في الحروب والعنف، وفي ظل الحكم الثلاثي، ازداد الوضع سوءًا، إذ شهدت روما والأقاليم سنواتٍ من القتال الدموي الوحشي من أجل السلطة والمال.
• سرعان ما استبعد أُكتافِيَان وأنطونيوس ليبيدوس من المشهد. وعلى الرغم من أن أخت أُكتافِيَان تزوجت أنطونيوس، فقد ظل أُكتافِيَان وأنطونيوس، طوال ثلاث عشرة سنة، خصمين، إلى سنة ٣١ ق.م. وعلى مدى عامٍ كامل تجمَّعت جيوشهما الضخمة واتخذت مواقعها. فجاء أنطونيوس، بمساعدة كليوباترا، بخمسمئة سفينةٍ حربية، ومئة ألفٍ من المشاة، واثني عشر ألف فارس. وردّ أُكتافِيَان بأربعمئة سفينةٍ حربية، وثمانين ألفًا من المشاة، واثني عشر ألف فارس. وكان لأُكتافِيَان التخطيط الأفضل والسفن الأكثر خفة ومناورة، فهزم القوات المشتركة لأنطونيوس وملكة مصر كليوباترا في معركة أكتيوم. وهكذا صار أُكتافِيَان الحاكم الأوحد للعالم الروماني، واتخذ لقب أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ.
٣. كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. وعلى مدى عقودٍ، كان العالَمُ الذي عاش فيه أُوغُسْطُس، والذي وُلِدَ فيه يسوع لاحقًا، أي عالمُ حوض البحر الأبيض المتوسط، مدمرًا بالحروب والخراب والوحشية والانحلال الأخلاقي.
• “لقد أُنهكت شبهُ الجزيرة المتوسِّطة، المتحللة بالشهوات، عشرون سنةً من الحرب الأهلية. أُهمِلت مزارعها، ونُهبت مدنها أو حوصرت، وسُرِقَ أو دُمِّرَ جانبٌ كبيرٌ من ثرواتها. انهارت سلطة الدولة وتلاشى الأمن؛ فجعل اللصوص كل شارعٍ غير آمنٍ ليلًا؛ وجاب قُطّاعُ الطرق يختطفون المسافرين ويبيعونهم عبيدًا. تراجعت التجارة، وتوقَّف الاستثمار، وارتفعت أسعار الفائدة، وانخفضت قيم الممتلكات. أمّا الأخلاق، التي أفسدها الغِنى والترف، فلم يُصلِحها العَوَز والفوضى، إذ لا شيء يُفسد أكثر من فقرٍ يأتي بعد ثراء. كانت روما تعجّ برجالٍ فقدوا استقرارهم الاقتصادي ثم الأخلاقي: جنودٍ ذاقوا طعم المغامرة وتعلّموا القتل؛ ومواطنين رأوا مدَّخراتهم تلتهمها ضرائبُ الحرب والتضخّم، فانتظروا عبثًا موجةً تعيدهم من جديد إلى اليسر؛ ونساءً أذهلتهن الحرية، فتضاعفت حالات الطلاق والإجهاض والزنا.” دورانت (Durant)
٤. صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ: بدا أن سُلطة هذا الرجل غيّرت فوضى ذلك الزمان تغييرًا دراميًا. فقد جلب ثلاث أمور قلبت الموازين على نحوٍ يكاد يكون معجزيًا. أولًا، أرسى السلام لأنه هزم جميع خصومه. ثانيًا، امتلك مهارة سياسية وإدارية، بل وربما براعة لافتة. ثالثًا، وفّر مبالغ طائلة من مصر لدفع رواتب الجنود ولدعم الاقتصاد الروماني.
• “وُلِدَ يسوع في عهد أُوغُسْطُس. وبعد فترةٍ طويلةٍ من الحروب التي مزقت البحر الأبيض المتوسط وسواحله، تحققت الوحدة السياسية، وصارت الإمبراطورية الرومانية تكاد تشمل حوض البحر المتوسط بأكمله، ثم سرعان ما توسعت خارجه. وكان أُوغُسْطُس أول إمبراطور؛ فبناءً على الأسس التي وضعها عمّه يوليوس قيصر، أرسى السلام، وحكم دولةً كانت روما تبنيها عبر أجيال، متسترًا بلقب المواطن الأول لجمهورية مُعاد ترميمها. وقد دام السلام والنظام الداخليان اللذان حققهما أُوغُسْطُس، مع انقطاعات عرضية، قرابة قرنين من الزمان. ولم يحدث من قبل أن خضعت جميعُ سواحل البحر المتوسط لسلطةٍ واحدة، ولم تنعم قط بمثل ذلك الازدهار. وقد أسهم السلام الروماني (باكس رومانا) في انتشار الأفكار والديانات عبر الرقعة التي ساد فيها.” لاتوريت (Latourette)
• كن، برغم عظمة أُوغُسْطُس قيصر، لم يكن سوى إنسان. فالإنسان الذي جلب الحلول فرض أيضًا ثمنًا باهظًا لذلك؛ إذ طالب بسلطةٍ مطلقة على الإمبراطورية الرومانية. وعلى مدى مئات السنين كانت روما تفخر بكونها جمهورية، أمةً تُحكم بالقوانين لا بالأشخاص. وكان المبدأ الراسخ أن لا أحد فوق القانون، وأن مجلس الشيوخ الروماني والجيش وقادة السياسة عملوا معًا ضمن نظامٍ سياسيٍّ معقّد كثيرًا ما اتّسم بالتوتر. لكن أُكتافِيَان كان على وشك أن يغيّر كل ذلك. ففي سنة ٢٧ ق.م. دبّر أن يمنحه مجلس الشيوخ لقب ’أُوغُسْطُس،‘ أي ’الممجَّد‘ و’المقدَّس.‘ عندئذٍ لم تعد روما جمهورية تُحكم بالقوانين، بل صارت إمبراطورية يحكمها إمبراطور. وكان أول أباطرة روما هذا القيصر نفسه، أُوغُسْطُس.
• علّق دورانت (Durant) على لقب ’أُوغُسْطُس‘ قائلًا: “حتى ذلك الحين لم تكن هذه الكلمة تُطلق إلا على الأشياء والأماكن المقدسة، وعلى بعض الآلهة المرتبطة بالخلق والنمو؛ وحين أُطلقت على أُكتافِيَان ألبسته هالةً من القداسة، وأحاطته بحماية الدين والآلهة.”
• كان أحد ألقابه المبكرة إمبيراطور (imperator)، أي القائد الأعلى للقوات المسلحة في الدولة. لكنه جعل هذا اللقب يعني لاحقًا إمبراطورًا (emperor).
• يقول هذا شيئًا مهمًا عن العالم الذي وُلِدَ فيه يسوع. فقد كان عالمًا متعطشًا لمخلّص، وعالمًا يعيش في ظل مُخلّص سياسي – أُوغُسْطُس قَيْصَر – لكن ذلك لم يكن كافيًا.
• “في القرن الذي سبق ميلاد المسيح كانت دلائل التفكك واضحة إلى حدٍ ملموس في الحروب، وفي زوال النظام القديم، وفي الفساد الأخلاقي، حتى إن المفكرين خافوا انهيارًا وشيكًا. ومن هذه الكارثة أُنقِذَ حوضُ البحر المتوسط على يد يوليوس قيصر وأُوغُسْطُس قَيْصَر… لكن ينبغي أن نلاحظ أن النظام الإمبراطوري الذي ابتكره أُوغُسْطُس لم يُشفِ المرض الذي كانت الثقافة اليونانية-الرومانية تعاني منه، بل أوقف مساره مؤقتًا.” لاتوريت (Latourette)
• “لم يعالج أُوغُسْطُس وخلفاؤه المشكلات الأساسية لعالم البحر المتوسط، بل أخفَوْها. فبدلًا من معالجة ما بدا فشلًا في الحُكم، استبدلوه بمزيدٍ من الحُكم، ولم يكن الحُكم هو الجواب.” لاتوريت (Latourette)
ب) الآية (٢): وَالِي الإقليم الإداري الروماني القريب من الجليل.
٢وَهَذَا الِاكْتِتَابُ الْأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ.
١. الِاكْتِتَابُ: لم يكن التسجيلُ والإحصاء (الِاكْتِتَابُ) الموصوفان مجرد تدوينٍ للسجلات أو جمعٍ للإحصاءات، بل كانا يهدفان إلى فرض الضرائب على جميع سُكان الإمبراطورية الرومانية بكفاءة وفاعلية.
• بحسب ليون موريس (Leon Morris)، كتب يوستينوس الشهيد في منتصف القرن الثاني أنه في زمنه (بعد أكثر من مئة عام على زمن يسوع) كان من الممكن الرجوع إلى سجل الإحصاء نفسه الذي ذكره لوقا.
٢. الِاكْتِتَابُ الْأَوَّلُ: الفكرة في اللغة الأصلية هي أن هذا كان ’الِاكْتِتَابُ الْأَوَّلُ (التسجيل).‘ وبما أن استخدام الإحصاء لفرض الضرائب كان أمرًا شائعًا في روما القديمة، سمّى لوقا هذا الإحصاء ’الِاكْتِتَابُ الْأَوَّلُ‘ ليميزه عن الإحصاء المعروف الذي جرى سنة ٦م، والذي أشار إليه لاحقًا في أعمال الرسل ٣٧:٥.
٣. إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ: هذا مرساةٌ تاريخيةٌ أخرى تُثبّت رواية لوقا بربطها بعهدِ شخصياتٍ تاريخيةٍ معروفة ويمكن التحقّق منها.
ج) الآية (٣): يستجيب العالم لأمر أُوغُسْطُس قَيْصَر.
٣فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ.
١. فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا: إنها فكرة مهيبة فعلًا، رجلٌ واحد، جالسٌ في قصور روما العاجيّة، أصدر أمرًا واحدًا، فاستجاب له العالم كلّه. وربما لم يكن قد وُجد حتى ذلك الحين إنسان امتلك سلطانًا على حياة عددٍ من البشر يفوق ما كان لأُوغُسْطُس قَيْصَر من نفوذ.
• بوجهٍ عام، كان أُوغُسْطُس قَيْصَر حاكمًا صالحًا. فقد وسّع حدود الإمبراطورية الرومانية، وحقق الكثير لشعبه. لكن أشدّ آلام حياته جاءت من بيته، إذ كانت له ابنة متهوّرة، ولم يكن له ابن، كما أن جميع أبناء إخوته وأحفاده، وابن زوجته المفضّل، ماتوا في سنٍ مبكرة. لكن كغيره من الرجال ذوي الطموح والنفوذ، كان معتدًّا بنفسه. ومن السهل أن نتخيّل مدى شعوره بالقوة حين أصدر مرسومًا… بأن يُكتتب كل العالم لأجل الجباية. وليس من الصعب أن يفكر قائلًا: أنا آمر، وكل العالم الروماني عليه أن يطيع.
• لكن أُوغُسْطُس لم يكن في الحقيقة صاحب سلطانٍ حقيقي. وفي يوحنا ١٠:١٩-١١، واجه يسوع رجلًا رومانيًا آخر كان يعتقد أنه يملك السلطان. فَقَالَ لَهُ بِيلَاطُسُ: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟». أَجَابَ يَسُوعُ: «لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ». وينطبق المبدأ نفسه على أُوغُسْطُس قَيْصَر. فأيّ سلطانٍ كان له لم يكن ذاتيًا، بل سلطانًا مُعطىً من الله.
• وبينما كان يجلس في قصره ويُصدر مرسومه، كان يعتقد أن ذلك أسمى تعبير عن إرادته، وأوضح استعراض لقوته. لكنه لم يكن سوى أداةٍ في يد الله. فقد وعدَ الله في ميخا ٢:٥ بأن المسيّا سيولد في بيت لحم، وهذا الوعد سيتحقّق. فكيف يمكن إذًا دفع زوجين شابّين إلى النزول من الناصرة إلى بيت لحم، إن لم يكونا راغبين في السفر؟ ببساطة، اِعْمَلْ من خلال ’مخلّص العالم‘ السياسي، واستخدمه أداةً في خطّتك.
• ونرى أيضًا أن أُوغُسْطُس، رغم كلّ إنجازاته، لم يكن في الحقيقة هو الحل. فقد سمح الله له أن يصل إلى مستوى من السلطان لم يبلغه غيره لأسباب كثيرة. في نهاية القصة، المهم هو يسوع. فمن الذي يعرفه العالم اليوم أكثر: يسوع أم أُوغُسْطُس قَيْصَر؟ ومن له الأثر الأعمق والأبقى؟
٢. كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ: لا يوجد في السجلات التاريخية غير الدينية ما يذكر أن أُوغُسْطُس أصدر هذا الاكتتاب وأمر بتنفيذه بهذه الطريقة، لكن ذلك ينسجم مع ما نعرفه عنه من التاريخ. كان أُوغُسْطُس معروفًا بحساسيته الشديدة تجاه المشاعر القومية لرعاياه، ولذلك أمرهم أن يعودوا إلى مدن أصولهم العائلية لأجل الاكتتاب.
• يستشهد وليم باركلي وآخرون بمرسومٍ حكوميٍ صادرٍ عن تعدادٍ رومانيٍ أُجري في مصر في الحقبة نفسها، ينصّ أن على كل شخص أن يذهب إلى مدينته للتسجيل في الاكتتاب.
• وبهذه الطريقة خفف أُوغُسْطُس وطأة الأمر على كثيرين. نعم، كان عليهم أن يسافروا، وكان عليهم أن يدفعوا الضرائب، لكنهم في المقابل كانوا يجتمعون مع عائلاتهم، ويرون أقارب ربما لم يلتقوا بهم منذ زمن طويل.
ثانيًا. ميلاد يسوع
أ) الآيات (٤-٧): وصول يوسف ومريم إلى بيت لحم وولادة يسوع.
٤فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، ٥لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. ٦وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. ٧فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ.
١. فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ: تبلغ المسافة من الناصرة إلى بيت لحم، القريبة من أورشليم، نحو ١٢٩ كيلومترًا. ولم تكن هذه مسافة قصيرة في تلك الأيام، بل كانت رحلة شاقة تتطلب وقتًا وجهدًا وتكلفة مالية.
٢. مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى: غالبًا ما نتصور أن مريم كانت قريبة من موعد ولادتها عندما قاما بهذه الرحلة، لكن قد لا يكون الأمر كذلك على الإطلاق. وربما كان يوسف حريصًا على إخراجها من الناصرة لتجنّب الفضيحة. ويخبرنا لوقا أن الولادة لم تحدث إلا بعد وصولهما إلى بيت لحم، إذ يقول: وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ.
• بحسب القانون الروماني، لم يكن على مريم أن ترافق يوسف في اكتتاب الضرائب، لكن كان من المنطقي أن تذهب معه، ولا سيما أنها كانت في المراحل الأخيرة من حَمْلٍ مثيرٍ للجدل، وكان بلا شك موضوعًا لكثيرٍ من القيل والقال في الناصرة.
• “من المحتمل أنه استخدم أمر الإمبراطور وسيلةً لإبعاد مريم عن القيل والقال، وما قد يسببه ذلك من معاناةٍ نفسية في قريتها. فقد كان قد قبلها زوجةً له بالفعل (متى ٢٤:١)، لكنه، على ما يبدو، استمرّ في فترة الخطوبة (لوقا ٥:٢)، أي ملتزمًا بالزواج، إلى ما بعد الولادة.” ليفيلد (Liefeld)
٣. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ: من الأمور اللافتة في رواية لوقا بساطتها الشديدة، على الرغم من عظمة الأحداث التي يرويها. ففي عصرنا الحديث، كثيرًا ما نُضخم أحداث صغيرة بالإفراط في الوصف، وتُقدم على أنها أهم مما هي عليه في الواقع. أما لوقا، وتحت إرشاد الروح القدس، فقد عرض هذا الحدث المذهل بأسلوب هادئ غير متكلّف.
٤. فَوَلَدَتِ: هذه العبارة مملوءة بالعجب. فلا يخبرنا النص أن أحدًا ساعد مريم في الولادة، مع أن ذلك ربما حدث. وعلى أي حال، كانت هذه الشابة منفصلة تمامًا عن أسرتها وكل أصدقائها الداعمين، الذين كانوا يقيمون في الناصرة.
• “تجري الرواية وكأن مريم قامت بهذه الأمور بنفسها، ومن هنا استنتج آباء الكنيسة ولادةً بلا ألم” بروس (Bruce). “كونُ مريم هي التي قَمَّطَت الطفل بنفسها يشير إلى ولادةٍ جرت في عزلة.” موريس (Morris)
• متى حدث هذا؟ إن تاريخ ٢٥ كانون الأول/ديسمبر غير مرجّح، لكنه ليس مستحيلًا، وقد شاع هذا التاريخ في الكنيسة للمرة الأولى خلال القرن الرابع.
• أين يحدث هذا؟ في نحو ١٥٠م قال يوستينوس الشهيد إن الموضع الذي وُلِدَ فيه يسوع كان مغارة في بيت لحم. ولاحقًا، في سنة ٣٣٠م، بُنيت كنيسة فوق تلك المغارة في عهد قسطنطين الكبير، وهو ما يراه كثيرون حتى اليوم أرجح موضعٍ لميلاد يسوع.
٥. ابْنَهَا الْبِكْرَ: هذا يقود إلى استنتاج منطقي مفاده أن مريم أنجبت أولادًا آخرين بعد ولادتها يسوع، رغم تعليم الكنيسة الكاثوليك القائل بدوام بتوليّة مريم.
٦. وَقَمَّطَتْهُ: هذه أقمطة ملفوفة بإحكام. غير أن الأشد لفتًا للنظر من الأقمطة هو أنه وُضع فِي الْمِذْوَدِ، أي معلفٍ يُقدم فيه العلف للحيوانات.
• يشير تراب (Trapp) إلى أن الكلمة المترجمة ’أَقمِطَة‘ مشتقّة من كلمة يونانية قديمة تعني ’يُمزِّق،‘ ما يدلّ على أنها كانت شرائط قماشٍ ممزقة لُفَّت حول يسوع.
٧. إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ: حدث هذا في مكان عام، وسط مسافرين وسكّان آخرين. “كان الرجال منشغلين بأعمالهم، والأطفال الصغار يلعبون، والنساء يتبادلن الحديث عند البئر، وإذا بملكوت السموات قد حضر بينهم.” موريسون (Morrison)
• “جُملة ’لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ‘ كانت رمزًا لما سيحدث ليسوع لاحقًا. فالمكان الوحيد الذي وُجد له فيه مَوْضِع كان على الصليب.” باركلي (Barclay)
ب) الآية (٨): رُعَاةٌ يَحْرُسُونَ رَعِيَّتِهِمْ.
٨وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ.
١. وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ: كان رعاة بيت لحم مشهورين برعاية قطعان الهيكل. وربما كان هؤلاء يحرسون ويعتنون بالحملان المُعدّة لذبائح الهيكل.
٢. يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ: قال كثيرون إن تاريخًا متأخرًا في كانون الأول/ديسمبر غير ممكن، لأن الرعاة لم يكونوا يبيتون في الحقول ليلًا في ذلك الوقت من السنة. ومع ذلك، ففصول الشتاء الدافئة ليست أمرًا غير مألوف في اليهودية.
ج) الآيات (٩-١٤): بشارة الملائكة.
٩وَإِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. ١٠فَقَالَ لَهُمُ الْمَلَاكُ: «لَا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: ١١أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. ١٢وَهَذِهِ لَكُمُ الْعَلَامَةُ: تَجِدُونَ طِفْلًا مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ». ١٣وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلَاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: ١٤«الْمَجْدُ لِلهِ فِي الْأَعَالِي، وَعَلَى الْأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ».
١. وَإِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ: قاطع هدوء هذه الليلة المظلمة حضور ملاكٍ مشرق، وَمَجْدُ الرَّبّ. وقد حمل هذا الملاك بشرى سارة لهؤلاء الرعاة الذين كانوا منبوذين اجتماعيًا.
• “كان الرعاة، بوصفهم فئة، معروفين بسمعة سيئة… وكان يُؤخذ عليهم أنهم لا يميزون دائمًا بين ما هو لهم وما هو لغيرهم أثناء تجوالهم. لذلك كان يُنظر إليهم على أنهم غير موثوقين، ولم يكن يُسمح لهم بالشهادة أمام المحاكم.” موريس (Morris)
• “كان أول من بشّر برسالة الإنجيل ملاكًا. أمّا الآن فقد نزع الله هذا الشرف من الملائكة، وأعطاه للخدّام، الذين تُطلق عليهم الأسفار المقدسة اسم ملائكة، كما في رؤيا ١:٢.” تراب (Trapp)
٢. أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ: أعلنوا ميلاد مُخَلِّص، وهو ما كان، وما يزال، حاجة البشر الحقيقية. فنحن لا نحتاج إلى مستشارٍ آخر، ولا إلى مُصلِح، ولا إلى لجنة، بل إلى مُخَلِّص.
٣. وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلَاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ: بعد إعلان مَلَاك الرَّبّ، ظهر جمعٌ كبير من الملائكة. كان هذا الجُمْهُور مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ يعلن السلام. لقد كان العالم آنذاك بحاجة إلى السَّلَام، وما يزال بحاجة إليه اليوم.
• حتى الوثنيون في عالم القرن الأول كانوا يشعرون بهذه الحاجة إلى السلام وإلى مُخلِّص. وقد عبّر عن ذلك أبيكتيتوس، الكاتب الوثني في القرن الأول، بقوله: “قد يمنح الإمبراطور سلامًا من الحروب في البرّ والبحر، لكنه يعجز عن أن يمنح سلامًا من الشهوة والحزن والحسد. وهو لا يستطيع أن يمنح سلام القلب، ذلك السلام الذي يتوق إليه الإنسان أكثر حتى من السلام الخارجي.”
• لا بدّ أن التناقض بين مجد الملائكة ويسوع المتواضع بدا صارخًا للغاية. فالله يحبّ أن يضع مجده في أوانٍ خزفيّة، لكي يُظهر مجده بوضوحٍ أكبر (كورنثوس الثانية ٧:٤).
• “دَعُوا الله ينال كلَّ المجد، لكي ننالَ نحنُ السلام.” تراب (Trapp)
د) الآيات (١٥-١٦): جاء الرعاة ورأوا الطفل يسوع.
١٥وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الرِّجَالُ الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لِنَذْهَبِ الْآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هَذَا الْأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ». ١٦فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ.
١. لِنَذْهَبِ الْآنَ: يُظهر هذا إلحاحًا حقيقيًا، إذ لم يتردّدوا على الإطلاق.
٢. وَنَنْظُرْ هَذَا الْأَمْرَ الْوَاقِعَ: قال لهم الملاك أن يجدوا طِفْلًا مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ (لوقا ١٢:٢). ولم يكن منظر طفلٍ مقمَّطٍ أمرًا غير مألوف، لكن الغريب أن يكون الطفل مضجعًا في مذود، أي معلفٍ للحيوانات. ولولا أن الملاك حدد لهم هذه العلامة الدقيقة، لما أمكنهم أن يُصدّقوا ذلك.
٣. وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ: كان المشهد غريبًا، وهو العلامة التي أُعطيت لهم. لم يعودوا يرون ملائكة أو يسمعونهم، لكن الذي يقي معهم هو لقاء يسوع نفسه. الملائكة يمضون، أما يسوع فيبقى.
• “كان هذا منظرًا صادمًا، وكافيًا وحده لأن يثير النفور من المسيح. فكيف يمكن تصديق أن يكون ملك الشعب كلّه هو ذاك الذي اعتُبر غيرَ مستحقٍّ حتى أن يُحسب مع أدنى الناس منزلة؟” كالفن (Calvin)
• “إنها فكرة جميلة أن يكون الرعاة الذين اعتنوا بحملان الهيكل هم أول من رأى حَمَلَ اللهِ الذي يرفع خطية العالم.” باركلي (Barclay)
هـ) الآيات (١٧-٢٠): الرعاة ينشرون خبر ميلاد يسوع.
١٧فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلَامِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هَذَا الصَّبِيِّ. ١٨وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ. ١٩وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذَا الْكَلَامِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا. ٢٠ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ.
١. فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلَامِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هَذَا الصَّبِيِّ: إعلانُ الملائكة وعلامةُ الطفل في المذود دفعا الرعاة إلى أن يخبروا من استطاعوا بما سمعوه وما عاينوه.
٢. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ: أدهش خبر الرعاة كل من سمعه. وحتى إن لم يفهموا تمامًا، أدركوا أن أمرًا عظيمًا قد حدث.
• “ولكي يُظهر الله أنه لا يُحابي الوجوه، كشف هذا السر العظيم للرعاة والحكماء معًا: أولئك فقراء وهؤلاء أغنياء، أولئك غير متعلّمين وهؤلاء متعلّمون، أولئك يهود وهؤلاء أمم، أولئك قريبون وهؤلاء بعيدون.” تراب (Trapp)
٣. وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذَا الْكَلَامِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا: كان رد فعل مريم مختلفًا عن الرعاة أو من سمعوهم، إذ تقبّلت الأمر بهدوء وحفظته في قلبها متأملةً معناه.
• “دهشة الكثيرين كانت انفعالًا مؤقتًا، أما تذكّرُ مريم وتأمّلُها فكان سلوكًا دائمًا ملازمًا لها. (في الأصل اليوناني، جاء التعبير الأول بصيغة الماضي البسيط، والثاني بصيغة الماضي المستمر).” بروس (Bruce)
• كان لدى مريم سببٌ وجيه للتأمل. فما الذي جاء بها إلى بيت لحم؟ مرسومٌ عظيم لإمبراطور روماني، وربما ألسنة متداولة في الناصرة. هكذا يعمل الله من خلال أناسٍ مختلفين وأحداثٍ متنوعة ليُتمّم خطته.
٤. ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ: امتلأ الرعاة فرحًا وتسبيحًا لله، لأن الكلمة قد تمّت تمامًا كما قيل لهم.
• “إن غيرتهم في تمجيد الله وتسبيحه تحمل توبيخًا ضمنيًا لتراخينا، بل بالأحرى لجحودنا. فإذا كان مهدُ المسيح قد أثر فيهم إلى هذا الحد، فرفعهم من الإسطبل والمذود إلى السماء، فكم بالحري ينبغي لموت المسيح وقيامته أن يرفعانا إلى الله؟” كالفن (Calvin)
ثالثًا. تقديم يسوع في الهيكل
أ) الآيات (٢١-٢٤): ختان يسوع وتقديمه في الهيكل.
٢١وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ، كَمَا تَسَمَّى مِنَ الْمَلَاكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ. ٢٢وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، ٢٣كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ. ٢٤وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ.
١. وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ: تمّ هذا لكي يُكمل يسوع كلَّ متطلبات الشريعة، كما هو مُوصى به في لاويين ٢:١٢-٣. ويُظهر هذا أن يوسف ومريم كانا والدين تقيّين ومطيعين حقًا، إذ خضعا لوصية الله في لاويين ١٢، وكذلك خضع لها يسوع نفسه.
٢. لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ .. أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا: كانت طقوس الختان والتطهير تذكيرًا بأننا جميعًا نُولد في الخطية (مزمور ٥:٥١). وكان يمكن أن يُستثنى يسوع من ذلك، لأنه لم يُولد في الخطية. ومع ذلك، نراه، حتى وهو طفل، يضع نفسه في صفّ الخطاة، كما فعل لاحقًا في معموديته، وكما فعل أيضًا على الصليب.
• القراءة الصحيحة للآية في لوقا ٢٢:٢ هي: وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهِم… وقد حُسِب يسوع مع الخطاة حتى وهو طفل.
• “فلنتحدث الآن أولًا عن التطهير. فإن لوقا يطبقه على مريم والمسيح معًا، لأن الضمير ’لهم‘ لا يمكن أن يعود بأي حال من الأحوال على يوسف.” كالفن (Calvin)
• “لأن ذاك الذي لم يعرف خطية، والذي لم يكن له أن يعرف خطية، قد جُعِل خطية لأجلنا منذ ختانه. ولم تمضِ عليه ثمانية أيام في هذا العالم حتى بدأ يُحصى مع الأثمة. كان ابن مريم البكر حَمَلًا بلا عيب ولا دنس، ولكن قبل أن يتم أسبوعه الأول، بدأ يحمل خطايا كثيرين… وكما بدأ في ذلك اليوم في الهيكل، هكذا استمر كل يوم يعيش حياة ألمٍ وخزيٍ وسفك دمٍ لأجلنا ولأجل أولادنا، إلى أن أتمّ على الصليب عمل الكفّارة الذي أعطاه الآب أن ينجزه. ومنذ ذلك اليوم الأول الذي جُرح فيه لأجل معاصينا، ظل ذاك القدوس يحمل في جسده علامات فدائنا.” وايت (Whyte)
٣. زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ: بحسب شريعة لاويين ١٢، يُقدَّم خَرُوف عند ولادة الابن كجزء من طقوس التطهير والتكريس. غير أنها تسمح بتقديم زوج يمامٍ أو فرخي حمامٍ إذا لم تستطع الأسرة أن تُقدم خروفًا.
• “كان تقديم زَوْجِ يمامٍ أو فَرْخَي حَمَامٍ بدلًا من خَرُوفٍ وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ يُسمى ’تقدمة الفقراء…‘ وهكذا نرى أن يسوع وُلِد في بيتٍ عادي.” باركلي (Barclay)
• هذا يشير إلى أن الأحداث كلها وقعت قبل مجيء المجوس من المشرق (متى ١:٢-١٢). فلم يكن من الممكن أن يعود يوسف ومريم إلى أورشليم بعد أن حذرهما الملاك (متى ١٣:٢)، كما أنهما لم يكونا ليقدما ذبيحة من زَوْجِ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ بعد أن تسلّما الهدايا الثمينة من المجوس (متى ١١:٢).
ب) الآيات (٢٥-٣٢): وعدُ تحقَّق لسِمعَان.
٢٥وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. ٢٦وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لَا يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. ٢٧فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، ٢٨أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: ٢٩«الْآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلَامٍ، ٣٠لِأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلَاصَكَ، ٣١الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. ٣٢نُورَ إِعْلَانٍ لِلْأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ».
١. يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ: ربما كان سمعان قد سمع بما يتداوله الناس عن قرب مجيء المسيا. فقد شاع خبر ولادة يوحنا المعمدان ومعناه على نطاق واسع (لوقا ٦٥:١)، كما أن الرعاة الذين سمعوا إعلان الملائكة نقلوا ما رأوه وسمعوه إلى الناس في الهيكل.
٢. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ: لكن لم تكن تلك الأخبار هي التي قادته، بل الروح جاء به إلى الهيكل في ذلك اليوم. كان سمعان رجلًا يعرف كيف يستجيب لقيادة الروح القدس، سواء في سماعه وعد الله له، أو في تحرُكه للذهاب إلى الهيكل في الوقت المناسب.
٣. أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ: كانت نبوة سمعان مملوءة محبةً لمخلّصه، مع أنه بالكاد كان يعرف يسوع. أما نحن، الذين نعرف عنه أكثر بكثير، فينبغي أن تكون محبتنا له أعظم.
٤. حَسَبَ قَوْلِكَ: صار لسمعان الآن سلامُ مَن رأى وعدَ الله يتحقق في حياته.
٥. الْآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلَامٍ، لِأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلَاصَكَ: بدا الأمر كأن سمعان قد أُقيم من الله ليبقى ساهرًا طوال الليل، مترقبًا شروق الشمس. وهذا كان، بالنسبة إليه، فجرَ الله نفسه، وبمجيء يسوع انتهى سهره واستراح.
٦. نُورَ إِعْلَانٍ لِلْأُمَمِ: الأمر المدهش في نبوة سمعان أنها تُظهر أن هذا النور هو أيضًا لِلْأُمَمِ. فقد بدأ خلاص يسوع بإسرائيل، لكنه كان منذ البدء مُعدًّا لأن يمتد إلى ما وراء إسرائيل.
• اقتبس جون تراب (John Trapp) تعبيرًا شعريًا يصف قلب سمعان:
• “لا أخاف خطية، لا أرهب موتًا؛
• لقد عشتُ ما يكفي، ولي حياتي.
• اشتقتُ ما يكفي، ولي محبوبي.
• أبصرتُ ما يكفي، ولي نوري.
• خدمتُ ما يكفي، ولي فرحي.
• أيها الطفل الجميل، دع هذا المزمور يكون تهويدةً لك، وجنازةً لي. نمْ في ذراعيّ، ودعني أنام في سلامك.”
ج) الآيات (٣٣-٣٥): وعد وتحذير من سمعان.
٣٣وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. ٣٤وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: «هَا إِنَّ هَذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلَامَةٍ تُقَاوَمُ. ٣٥وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ».
١. وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ: يمكننا أن نتصور فرحهم الممزوج بالدهشة وهم يَرَوْنَ كيف لمسَ الله قُلُوبَ آخرين وفَتَحَ أذهَانهم لفهم حقيقةِ ابنِهِم. ومهما بلغت معرفتك بيسوع، ستشعر بشيءٍ مميزٍ عندما ترى شخصًا آخر يؤمن به.
٢. لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ: رأينا تطبيقًا لهذه الآية في أن بطرس تَابَ، أما يهوذا فاستسلم لليأس؛ وفي أن أحد اللّصين جدّف، أما الآخر فآمن. فيسوع كالمغناطيس، يجذب بعضهم، بينما يَنْفِرُ آخرين مِنهُ.
٣. وَلِعَلَامَةٍ تُقَاوَمُ: تُفهم كلمة ’عَلَامَةٍ‘ هُنا بمعناها الحرفي، أي ’هدفٌ تُوَجَّهُ إليهِ السِّهام،‘ وبهذا يكون يسوع هو الهدف الذي سيتعرض لشرٍ عظيمٍ.
٤. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ: كان من الضروري أن تعرف مريم أن أُمُومَتَهَا للمسيح لن تكونَ كلها فرحًا ونورًا، بل سَتَجمَعُ بين شرفٍ عظيم وحِملٍ ثقيلٍ.
• ربما لم يتألم أي إنسان آخر بقدر ما تألمت أُمُّ يسوع من رفضه وآلامه. ولم يكن ذلك فقط بسبب محبة الأم الطبيعية، بل أيضًا لأن رفضه كان هو نفسه رفضها. وبصورةٍ رائعةٍ، كان تبريره هو أيضًا تبريرها.
د) الآيات (٣٦-٣٨): شهادة حَنَّة عن الفادي.
٣٦وَكَانَتْ نَبِيَّةٌ، حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ، وَهِيَ مُتَقدِّمَةٌ فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ عَاشَتْ مَعَ زَوْجٍ سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ بُكُورِيَّتِهَا. ٣٧وَهِيَ أَرْمَلَةٌ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، لَا تُفَارِقُ الْهَيْكَلَ، عَابِدَةً بِأَصْوَامٍ وَطَلِبَاتٍ لَيْلًا وَنَهَارًا. ٣٨فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ، وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ.
١. وَكَانَتْ نَبِيَّةٌ، حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ: لا نعرف بأي صفة كانت حنة نَبِيَّةً، ربما تجلَّى ذلك في ما قالته عن يسوع.
٢. لَا تُفَارِقُ الْهَيْكَلَ، عَابِدَةً بِأَصْوَامٍ وَطَلِبَاتٍ لَيْلًا وَنَهَارًا: خدمت هذه المرأة التقية الله بتكريسٍ كاملٍ. وقد اِنعكست علاقتها الحية مع الله في محبتها ليسوع، وفي رغبتها في أن تُخبِر الآخرين عنه (وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً).
• كانت حنّة امرأة لافتة. فبصفتها أرملة، عرفت الألم والفَقْد، ولكنها لم تُصبح مُرّةً. وبصفتها امرأةً مُسنَّة، لم تفقد الرجاء. ولعل ذلك كان لأنها كانت امرأة مُكرَّسةٌ للعبادة والصلاة.
هـ) الآيات (٣٩-٤٠): الرُّجُوع إلى الناصرة.
٣٩وَلَمَّا أَكْمَلُوا كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ نَامُوسِ الرَّبِّ، رَجَعُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى مَدِينَتِهِمُ النَّاصِرَةِ. ٤٠وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، مُمْتَلِئًا حِكْمَةً، وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
١. وَلَمَّا أَكْمَلُوا كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ نَامُوسِ الرَّبِّ: يؤكد لوقا أن يسوع كان مطيعًا لله طاعة كاملة، حتى وهو طِفلٌ.
٢. وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، مُمْتَلِئًا حِكْمَةً: نَمَا يسوع نموًا طبيعيًا كسائر الأطفال، غير أن نموهُ الروحي يُلاحظ هُنا أولًا. ويمكننا أن نقول إن يسوع كان واعيًا بهويته ودعوته بما يتناسب مع مرحلة نموه العُمُريَّة. ففي سِنّ الخامسة لم يكن لديه فهم رجلٍ في الثلاثين من عُمرِه، ولكنه كان يمتلك أعظمَ قدرةٍ على الفهم تتناسب مع سِنِّ طفلٍ في الخامسة.
• يُقدم نُمُوُّ يسوع إلهامًا للآباء المؤمنين في أيامنا. فَهُمْ أيضًا يُصَلُّونَ من أجل أولادهم ليصيروا أقوياء في الرُّوح وممتلئينَ حِكمةً، ويُرشِدُون أولادهُم في تلك السُّبلِ.
٣. وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: كان صلاحُ الله ونِعمَتُهُ ظاهرتين في حياته، حتى وهو طفلٌ. أما الأساطير عن المعجزات الغريبة المنسوبة إلى طفولة يسوع، فليست سِوى حِكاياتٍ خُرافيةٍ؛ لكن كَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
• لا نعرف إلا القليل عن حياة يسوع منذ شهَرِه الأول إلى أن بَلَغَ سِنَّ الثانيةِ عشرةّ، باستثناء ما ذُكِرَ في لوقا ٤٠:٢. وقد نكون فُضُوليين إزاء تفاصيل طفولته، لكن ليس هناك شيءُ نحتاجُ أن نَعرِفَهُ سوى ما أعلنهُ لنا الروحُ القدسُ في الكلمة.
• “لإشباعِ هذا الفضول، ألَّفَ بعضُ الناسِ ما يُسمى بـ ’أناجيل الطفولة.‘ وتحتوي هذه الكُتُبُ على معجزاتٍ استعراضيةٍ وسخيفةٍ، مِثْلَ تَكلُّم يسوع من المذود؛ وشفاء رَجُلٍ حُوِّلَ إلى بَغلٍ بِسِحرٍ؛ وإحياء طيورٍ من الطين بتصفيق يديه؛ وشفاء الناس برشٍ من ماءِ اغتساله القديم، وغير ذلك. غَيرَ أَنَّ “حيثُ لا يكُونُ للكتابِ المُقدسِ لِسَانٌ، لا يجبُ أن تكونَ لنا آذانٌ.” تراب (Trapp)
رابعًا. يسوع في بيت أبيهِ
أ) الآيات (٤١-٤٥): ضَيُاع يسوع في أورشليم في عِيدِ الفِصْحِ.
٤١وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. ٤٢وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ. ٤٣وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الْأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. ٤٤وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الْأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. ٤٥وَلَمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ.
١. وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ: أوصى الناموس بحُضُور الأعياد الرئيسية، كما ورد في خروج ١٧:٢٣ وتثنية ١٦:١٦. وكان من المعتاد أن يتوجه أتقياء الجليل إلى أورشليم وقت الأعياد في جماعاتٍ كبيرةٍ.
• لم يكن صعبًا أن يضيع صبيٌّ وسط هذه المجموعات الكبيرة، ولا ينبغي أن نتَّهم يوسف ومريم بالإهمال. ولكن لا بدَّ أن مريم شعرت بالسُّوء لفقدانها المسيّا.
٢. رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ: كما نتوقع من والِدَينِ مُجتهدين تقيَّين، سَعَيَا للبحثِ عن ابنهما يسوع.
ب) الآيات (٤٦-٥٠): وجدوا يسوع يُعلِّم ويَتَعلَّم في الهيكل.
٤٦وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. ٤٧وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. ٤٨فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: «يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هَكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!» ٤٩فَقَالَ لَهُمَا: «لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي؟». ٥٠فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلَامَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمَا.
١. جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ: كان يسوع ذو الاثنتي عشرة سنة يُناقِشُ المُعلمِين في كلمة الله، ويُدهش مُستمعيه بِفَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ.
• “في موسم الفِصح كان من المُعتاد أن يجتمع السنهدرين علانية في دار الهيكل، ليتباحثوا، أمام جميع من يُريدُ أن يَسمعَ، في المسائل الدينية واللاهوتية.” باركلي (Barclay)
• عندما نُدرِك عُمق البصيرة الفكرية وقدرة التحليل لدى المُعلمين اليهود، يتبين أن هذا أمرٌ لافتٌ. فهو يشبه، إلى حدٍ ما، طفلًا في سِنّ المرحلة المتوسطة يتناقشُ في عِلم الفيزياء مع عالمِ صواريخ. وقد كان ليسوعَ فعلًا ميزةٌ فريدةٌ، إذ كانت له علاقةٌ خاصةٌ بكَاتِبِ كلمة الله.
٢. يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي: في ذلك الزمان، كان من الطبيعي أن يتولَّى الابن عَمَلَ أَبيهِ. وقد سار يسوع فعلًا على خُطى يوسف كنجَّارٍ، إلا أن كلِمَاتِهِ هُنا تُظهِرُ أنهُ بدأَ يَعِي علاقتهُ الفريدةَ بأبيه.
• من الصعب أن نُحَدِّدَ متَى أدركَ يسوع، في إطار القيود التي ارتَضَاهَا في طبيعته البشرية، مَنْ هُوَ وما الذي أُرسِلَ لِيَعمَلَهُ. غيرَ أنَّ ذلك الإدراك كان مُبكرًا. ولعل هذا الموقف لا يُمثِلُ بدايتهُ، بل المرحلة التي بَلَغَ فيها كامل نُضجِهِ.
٣. يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي: تَحْمِلُ هذه الكلمات الأولى المُسجلة ليسوع أهمية خاصة. فالدهشة التي تتضمنها كلماته تُشيرُ إلى أنهُ كان يعلمُ أن مريم ويوسف كانا على درايةٍ بعلاقتهِ الخاصة بالله أبيه. وهذا يعني أنَّ هذه العلاقة كانت موضوعَ حديثٍ، وربما تعليمٍ، أثناء نشأتِهِ في بيتهم.
٤. فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلَامَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمَا: كشَفت عبارة يسوع لهم شيئًا عن هويته بصفته الابن الفريد لله الآب، دُونَ أن يفهموهُ. وفي اليهودية في ذلك الزمان، كان الصبي يبدأُ تَعَلُّمَ صَنعَةِ أبيه نحو سِنّ الاثنتي عشرة. وقد أتمَّ يسوع هذا بأن كان يُعلِّمُ المُعلمين في الهيكل.
ج) الآيات (٥١-٥٢): نُمُوُّ يسوع وتَقَدُّمُهُ.
٥١ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي قَلْبِهَا. ٥٢وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.
١. ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ: نشأ يسوع في الناصرة، وَنَمَا مِن الصِّبا إلى الشَّبابِ. وقد أتمَّ المسؤوليات المتوقعة من الابن البِكر، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ، اختفى يوسف من المشهد، وأصبح يسوع ’رَجُلَ البيت.‘ فعَمِلَ في صنعتهِ، وأعال أُسرَتَهُ، وأحبَّ إِلهَهُ، وأَثبَتَ أمانتهُ الكامِلة في أُلُوفٍ من الأمور الصغيرة قَبْلَ أن يبدأ خِدمَتَهُ المُعَيّنة.
• “لا يَقُومُ المسيحي دائمًا بأمورٍ غير عادية، بل يَقُومُ بالأُمورِ العادية بِطُرُقٍ غيرِ عادية.” موريسون (Morrison)
٢. وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا: لم تجعله معرفتهُ بهويته متكبرًا أو مُتعاليًا، بل كان يسوع خَاضِعًا لِوَالِديهِ، وهكذا كان ينتقل من الرؤيا إلى الواجب، كما فعل لاحقًا عندما نَزَلَ من جبل التَّجلي.
٣. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي قَلْبِهَا: من المُرجح أن لوقا سمع كل هذا (وكذلك عن أحداث ميلاد يوحنا ويسوع) خلال مقابلاتٍ شخصية مع مريم، بينما كان يجمع مادة إنجيله.
٤. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ: استمر النمو الذي وُصِف أولًا في لوقا ٤٠:٢.
٥. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي… الْقَامَةِ: لم يَنمُ جسديًا فحسب، بل نَمَا أيضًا كإنسان.
٦. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي… النِّعْمَةِ: تعمقت علاقته بأبيه السماوي، كما نَمَا أيضًا في صداقاته وعلاقاته الإنسانية.
• الكلمة المُترجمة (نِعْمَة) هنا لم تكن نعمةَ الخلاص التي تُمنح للخطاة. “أفضل طريقة لترجمة الكلمة هي: ’كانت مسرّة الله عليه.‘” وايت (Whyte)
• “لم يُولَد يسوع كائنًا خارقًا، بل كان ينمو ويتطور مع الزمن. “لقد مرّ بنموٍ روحيٍ وجسديٍ طبيعي، وكان في كل مرحلةٍ كاملًا بما يناسبها.” غيلدنهاوس (Geldenhuys)