١. فِي أَیَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ: تبدأ هذه القصة في أواخر أیام القضاة، وهي فترة من أربعمائة سنة من الفوضى العامة والظلم، حیث كان الإسرائیلیون بلا حاكم. لم یكن هناك سوى القضاة الذين كان االله یقیمهم بصفة دوریة عندما كانت الأمة تطلبه مرة أخرى.
• ومن أبرز القضاة جدعون وشمشون ودبورة. وقد أقام االله كلًا منهم لا لیحكم كملك، بل لیقود إسرائیل أثناء تحدي معین، ثم یتوارى عن الأنظار مجددًا.
• فِي أَیَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ: كانت هذه الأیام في الواقع مظلمة بالنسبة لشعب إسرائیل، وقد وصِفت هذه الفترة بالعبارة “كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ یَعْمَلُ مَا یَحْسُنُ فِي عَیْنَیْهِ.” (سفر القضاة ١:١٩، ١:١٨، ٦:١٧، ٢٥:٢١).
٢. رَجُلٌ مِنْ بَیْتِ لَحْمِ: في تلك الأیام ترك رجل بیت لحمي أرضه إسرائیل لیتغرب في أرض موآب بسبب المجاعة. كانت بيت لحم أرضًا زراعية خصبة (بيت لحم تعني “أرض الخبز”)، ولكن كانت تلك الأیام صعبة، لذلك ذهب إلى أرض موآب الوثنیة. ولكي یفعل ذلك أضطر أن یعبر خلال طریق أریحا المُقفر، وخلال بریة الیهودیة قرب البحر المیت، وعبر نهر الأردن، وصولًا إلى أرض موآب. وكان هذا رحیلًا واضحًا عن أرض إسرائیل الموعود بها ورجوعًا إلى البریة التي كان االله قد خلَّص إسرائیل منها منذ مئات السنین. وكانت هذه خطوات، من الواضح، في الاتجاه الخطأ.
٣. جُوعٌ فِي الأَرْضِ: وعد االله بالوفرة الدائمة في الأرض إذا أطاعه الشعب، لذا فوجود “جُوعٌ فِي الأَرْضِ” یعني أن إسرائیل كأُمَة لم تكن مطیعة للرب. (تثنية ١٣:١١-١٧).
٤. لِیَتَغَرَّبَ فِي بِلاَدِ مُوآبَ: وهذا معناه التَرك مع نیة الرجوع. والآیة التالیة تخبرنا عن اسم الرجل وهو ألیمالك الذي تحولت نیته في قضاء زیارة وجیزة، إلى عشر سنوات ملیئة بالمآسي. ولم یعد ألیمالك إلى اسرائیل أبدًا. یعني الأسم ألیمالك “االله هو الملك”، ولكن لم یعشْ ألیمالك واقعیًا كونَ االله مَلِكهُ.
١. وَمَاتَ أَلِیمَالِكُ رَجُلُ نُعْمِي: عندما جاء ألیمالك وعائلته إلى موآب، لم یجدوا الحیاة سهلة. فسرعان ما مات ألیمالك، وتُركت نعمي زوجته لتعتني بإبنیها محلون وكلیون.
• من الصعب القول بأن هذه كانت بوضوح ید االله للقضاء ضدهم. فمن الصعب أحیانًا إدراك لماذا تحدث المآسي. ولكن الأمر الأكید أن تغیر المشهد لم یُحَّسن الأمور.
• نعتقد أحیانًا أننا نستطیع الهروب من مشاكلنا، فنجد أننا فقط قد حملناها معنا. فلا یهم أین تذهب، ستبقى الشخص بذاته، لذا فإن المشاكل ذاتها یمكن أن تحدث في مكان آخر.
٢. فَأَخَذَا لَهُمَا امْرَأَتَیْنِ مُوآبِیَّتَیْنِ: كَبِرا محلون وكلیون وتزوجا من امرأتین مؤآبیتین هما عُرفة وراعوث. ومجددًا لم یكن هذا طاعة الله. فلقد أمر االله شعب إسرائیل بألا یتزوجوا من الأمم الوثنیة المحیطة بهم.
٣. ثُمَّ مَاتَا كِلاَهُمَا مَحْلُونُ وَكِلْیُونُ: وبمرور الوقت (بعد عشر سنوات) مات ابنّي نعُمي، وبذلك أصبح هناك ثلاثة أرامل كلهن بلا أبناء: نعمي وكنتاها عُرفة وراعوث.
• كانت الأرملة بدون أبناء في العالم القدیم تعتبر من أقل الطبقات وأكثرها حرمانًا. فتخیل أنه لا یوجد أحد لیدْعَمك وقد أضطررتَ أن تعتاش على كرم الغرباء. فلم یكن لدى نعمي عائلة في موآب، ولم یوجد أحد آخر لیساعدها. لقد كان الوضع بائسًا.
ثانيًا. العودة إلى الیهودیة
أ ) الآيات (٦-٧): تتوجه الثلاث أرامل إلى الیهودیة.
١. لأَنَّهَا سَمِعَتْ فِي بِلاَدِ مُوآبَ أَنَّ الرَّبَّ قَدِ افْتَقَدَ شَعْبَهُ لِیُعْطِیَهُمْ خُبْزًا: سمعت نعمي وهي في موآب البعیدة أن االله یصنع أمورًا عظیمة في اسرائیل بلدها. وأرادت أن تكون جزءًا من تلك الأمور العظیمة التي كان االله یصنعها.
• لا بد لحیاتنا مع االله أن تجعل الآخرین یرجعون إلى االله من خلال النظر إلى حیاتنا. مسیرنا مع الرب لا بد أن یكون أمرًا یجعل الآخرین یقولون: “إنني أرید بعضًا من هذا أیضًا.”
٢. وَخَرَجَتْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِیهِ: لقد میّز هذا الفعلُ نعمي عن أُناسٍ آخرین كثیرین. إذ يسمع كثیرین عن الأمور العظیمة التي یفعلها االله في حیاة الآخرین، ویتمنون لو أنهم يستطيعون إختبار ذلك، ولكنهم لا يفعلون شيئًا للحصول على هذه الأمور. فقد كان باستطاعة نعمي المكوث في موآب كل أیام حیاتها وهي تتمنى أن یتبدل الحال، ولكنها أخذت خطوة نحو ما كان في جُعبة االله لها.
ب) الآيات (٨-٩): نعمي تطلب من كنتاها أن تعدنا إلى موآب.
• اذْهَبَا ارْجِعَا كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى بَیْتِ أُمِّهَا: كان هذا هو الصواب بكل معنى الكلمة. فقد كان لدى عُرفة وراعوث روابط عائلیة في موآب أقوى مما كان لدیهما مع نعمي، لذا كان من المنطقي لكنتي نعمي أن یمكثا في موآب بدلًا من الذهاب إلى أرض جدیدة – أي إسرائیل – مع نعمي.
• وَلْيَصْنَعِ ٱلرَّبُّ مَعَكُمَا إِحْسَانًا … وَلْيُعْطِكُمَا ٱلرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً: باركتهما نعمي بهذه الكلمات بتلقائیة، وصَلّت أن یتزوجا مرة أخرى (كلٌ في بیت زوجها).
• إِحْسَانًا: يقول هيو (Huey) “تعني الكلمة في اللغة العبرية القدیمة، وتنطق (حیسید)، أعمالِ رحمةٍ یُنجزها شخص ما لفائدة الشخص الضعیف.”
• في راعوث ٩:١ تصف نعمي الزواج كمكان الراحة؛ “وَلْیُعْطِكُمَا الرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَیْتِ رَجُلِهَا.” لقد قصد االله أن یكون كل زواج مكانًا ومصدرًا للراحة، والسلام، والأنتعاش في الحیاة.
• فَقَبَّلَتْهُمَا، وَرَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَیْنَ: إن هذا الشعور الموضح لهو دلیل على علاقة حقیقیة من المحبة بین نعمي وكنتيها.
ج) الآيات (١٠-١٣): نعمي تلتمس من كنتیها أن یبقیا في موآب.
١. هَلْ فِي أَحْشَائِي بَنُونَ بَعْدُ: طبقًا للقوانین القدیمة لإسرائیل، إذا ترملت فتاة ولم یكن لدیها ابن، فإن أحد أخوة زوجها المتوفي یصبح مسؤولًا عنها ويتزوجها وینجب منها ابنًا. لذا فإن نعمي تقول أنه لم یعد لدیها أبناء لتعطیهم سواء لعُرفة أو لراعوث.
• وفضلًا عن ذلك: وَإِنْ قُلْتُ لِي رَجَاءٌ أَیْضًا بِأَنِّي أَصِیرُ هذِهِ اللَّیْلَةَ لِرَجُل وَأَلِدُ بَنِینَ أَیْضًا: فبدون أن یكون لها زوج، لم تكن لتبغي أن یكون لها أطفال، كما تفعل الكثیرات اللاتي یجعلن من أنفسهن بناتًا للهوى وينجبن أطفالًا غیر شرعیین، وكل هذا لأجل أشباع شهوة وقتیة، ثم يتوبوا بعدها بندم وخزي.
٢. لأَنَّ یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ: من الواضح أن قلب وعقل نُعمي كان مليئًا بالحزن. فلقد شعرت أن الفاجعة التي أصابت عائلتها حلت لأنهم كانوا عصاةً، ربما لأنهم تركوا إسرائیل أرض الموعد وزوّجوا أبناءهم من نساء موآبیات.
• من المحتمل أنها شعرت بالذنب لأنها ربما كانت السبب وراء ترك زوجها لإسرائيل، وأیضًا تشجيع أبناءها على الزواج من نساء موآب.
٣. لأَنَّ یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ: على الرغم من هذه المشاعر، لكننا نراها عائدة إلى أرض إسرائیل، وراجعة إلى إلهها. ورغم هذه المشاعر: “یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ” لم تشعر بمرارة من جهة االله. فلقد رجعت إلیه بتوبة، عالمة أن الأستجابة هي بالإقتراب منه، لا بالإبتعاد عنه.
• لم تتّهم نعمي االله بأنه قد فعل شیئًا طالحًا لها، بل أعترفت بسیطرته الكاملة على كل ظروف الحیاة. وقد كان هذا بالفعل تعبیرًا عن الثقة فیه.
• فلو كانت نعمي ناقمةً أو تشعر بمرارة تجاه االله، لكانت قد أتخذت طریقًا آخر، مبتعدة عن إله إسرائیل بدلًا من الرجوع إلیه. ولكنها أظهرت ثقتها في سلطان االله، وعلمت أنه رغم نكباتها الشخصیة، فهو إله صالح وهو من یبارك.
• ما لم تستطع نعمي أن تراه هو ید االله التي كانت على وشك أن تمتد إلیها. فلیس هناك سبب في أن نیأس إذا أعتقدنا أن “یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ”. فإن رجعنا إلیه، فسوف تمتد یده إلینا مرة أخرى. لم یكن لدى نعمي أدنى فكرة عن كیف كان االله على وشك أن یباركها بطریقة عظیمة.
د ) الآية (١٤): عُرفة تبقى في موآب؛ وراعوث تُكمل المسیر مع نعمي.
١. ثُمَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَیْنَ أَیْضًا: كُلًا من عُرفة وراعوث حملتا مودةَ عميقة لنعمي وأحّبوها كثيرًا. وكلتیهما كانتا قلقتین من جهة المستقبل. ولكن كان لابد لهما أن یتخذا قرارًا: فاختارت عُرفة أن تبقى في موآب، بینما “لَصِقَتْ” راعوث بنعمي.
٢. فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا: یأتي وقت أثناء تبعیتنا لله لا بد من أتخاذ قرارًا ما: فلقد شعرتا راعوث وعُرفة بالمشاعر ذاتها، ولكن راعوث شعرت بطریقة مختلفة عما شعرت به عُرفة.
• البعض یكتفي بأن یشعر مشاعر مسیحیة، كالشعور بمحبة االله، والشعور بمحبة كلمته، والشعور بمحبة شعبه. وأنت ماذا ستفعل؟ من المُفرح أن االله لم یشعر فقط بالمحبة تجاهنا، بل عمل شيئًا: “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ االلهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِیدَ” يوحنا ١٦:٣.
٣. فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا: ماذا حدث لعُرفة؟ بالطبع لا نعرف. ولكن الناس یختلقون دائمًا تقالیدًا حتى یعوضوا عما لا یعرفونه. إذ یُفید التقلید الیهودي أن نعمي طلبت منهن أن يتركوها على بُعد أربعة أمیال خارج موآب، وأن عُرفة ذرفت أربعة دموع فقط لأفتراقها عن حماتها نعمي. ثم يضيف المعلمين الیهود: لأنها سارت هذه الأربعة أمیال مع نعمي، رزقها الله بأربعة أولاد هم جلیات وإخوته الثلاثة.
١. هُوَذَا قَدْ رَجَعَتْ سِلْفَتُكِ: لقد بذلت نعمي كل ما استطاعت لكي تثني راعوث عن المجيء معها إلى اسرائیل. لم یكن هذا لعدم رغبة نعمي في مجيء راعوث معها، ولكنها لم تكن ترید صدیقًا ربما لن یُعتمد علیه وقت الضیق.
٢. لأَنَّهُ حَیْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَیْثُمَا بِتِّ أَبِیتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي: هذا كان إلتزامًا نبیلًا، بل باهرًا، من صدیق لصدیقه؛ بل إن إلتزام راعوث من نحو نعمي بلغ حدًا أبعد: وَإِلهُكِ (یكون) إِلهِي”.
• لقد كان هذا أكثر من تغییر في أسلوب الحدیث، فقد كانت راعوث مستعدة أن تَجحد آلهتها التي ترّبت علیها، وتُعانق إلهَ اسرائیل. وبفعلها هذا قررت أن تتبع الرب. تلك المرأة الأممیة، البعیدة عن االله، قد أقتربت منه.
• وَإِلهُكِ (یكون) إِلهِي: ومعنى هذا أن علاقة نعمي بالله كان لها تأثیرًا على راعوث. و هذا مُلفت للأنتباه، لأن حیاة نعمي لم تكن سهلة. فلقد ترملت، ثم فقدت ابنیها، وأعتقدت أنها كانت باعث كل فاجعة مرت بها بسبب عصیانها. ومع ذلك ما لبثت تكرمُ وتحبُ الربَ.
• لا بد للناس أن یكونوا قادرین على ملاحظة حیاتك، مثلما لاحظت راعوث حیاة نعمي، وقالت لها: “أرید أن یكون إلهك إلهي.” إن ثقتك في االله، والأتجاه إلیه في الأوقات العسیرة، غالبًا سوف یكون الشيء الذي یجذب الآخرون إلى الرب.
٣. إِلهُكِ إِلهِي: لمدة عشر سنوات في موآب لم تساهم مساومة نعمي لإيمانها أن تجعل راعوث تعترف بولاءها لإله إسرائیل. لكن حالما عزمت قائلة: “إنني راجعة لإله إسرائیل، وسأضع مصیري في یدیه،” عقدت راعوث العزم أیضًا. إذا أعتقدتَ أنك عندما تساوم في إيمانك سوف تقنع أصدقاءك أو أقرباءك بیسوع، فأنت مخطيء. ربما تكون سلیمَ النیة، ولكنك مخطيءٌ. إن موقفًا جریئًا واحدًا من أجل یسوع سیفلحُ بلا ریب.
• يقول سبيرجن (Spurgeon): “لا یمكن ربح أي نفس للطریق المستقیم بتهاونك مع الطریق الباطل. إن القوة الأعظم وسط العائلة، وفي العالم أیضًا، تكمنُ في اتخاذ الموقف الجريء من أجل المسیح ومن أجل حقه.”
٤. هَكَذَا يَفْعَلُ ٱلرَّبُّ بِي وَهَكَذَا يَزِيدُ. إِنَّمَا ٱلْمَوْتُ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ: لم يكن لدى راعوث قدرًا كبيرًا من المعرفة عن الإله الحقيقي، إله اسرائیل، ولكنها علمت أنه هو إله العدل والأستقامة، لذا فمن الممكن التوسل إلیه لكي یحسبَها ضمن رعیته.
و ) الآيات (١٩-٢١): نعمي وراعوث ترجعان إلى بیت لحم.
١. فَذَهَبَتَا كِلْتَاهُمَا حَتَّى دَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ: لقد كانت مسیرة طویلة من موآب إلى بیت لحم، وكانت أغلب الرحلة صعودًا. ولنا أن نتخیل راعوث وهما في طریقهما تطرح استفساراتها على نعمي حماتها بشأن إله اسرائیل وأرض إسرائیل.
٢. أَنَّ الْمَدِینَةَ كُلَّهَا تَحَرَّكَتْ بِسَبَبِهِمَا: كانت بیت لحم قریة كبیرة؛ ولكن كل الناس یعرفون بعضهم البعض ویتذكرون أیضًا من رحلوا عن القریة منذ سنین.
٣. لاَ تَدْعُونِي نُعْمِيَ بَلِ ادْعُونِي مُرَّةَ: إن الاسم (نُعمي) یعني “لذیذة، حلو”، والأسم (مُرةَّ) یعني “علقم، مُر.” لقد أفادت نعمي بذلك لكي تخبر أهل بیت لحم أن فترة إبتعادها عن إسرائیل وعن إله اسرائیل، لم تكن فترة جميلة وحلوة بل مُرَّة.
• لم تكن نعمي متصّنعةً أو مزيفة. لم تكن لدیها نیة الرجوع للبیت متظاهرةً بأن كل شيء على ما یُرام، وأنها لذیذة والحياة حلوة، بل نَوَت أن تكون صادقةً لهذا قالت: “ها أنا وها حیاتي التي أصبحت مُرة.”
٤. الْقَدِیرَ قَدْ أَمَرَّنِي جِدًا… وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ فَارِغَةً… وَالرَّبُّ قَدْ أَذَلَّنِي وَالْقَدِیرُ قَدْ كَسَّرَنِي: لم تكن نعمي خائفة من أن ترى ید االله في فاجعتها كلها.
• لقد علمت نعمي أن المأساة التي حدثت في حیاتها لم تكن بسبب القضاء والقدر، أو المصادفة، أو الحظ الأعمى. لكنها آمنت بأن المآسي كانت إمتحان من الله لأنها لم تستطع أن ترى نهایةَ خطته. وعلمت أيضًا أنه یوجد إله في السماء هو المهیمن وكلي القدرة، وليس مجرد سوء حظ.
• علاوة على ذلك، لم تشعر نعمي بالمرارة تجاه االله في خضّم كل هذه الظروف المُرة. فلنا أن نتخیل أحد أهل القریة یتساءل: “یا نعمي، إذا كان االله قد أمَّركِ جدًا، وإذا كان االله قد أرجعكِ فارغة، وإذا كان االله أذلكِ والقدیر كسركِ، فلماذا رجعت إذًا؟” ستجيب: “لأنني أردت إصلاح الأمور معه من جدید؛ لقد كانت الأمور عسیرة، والإجابة لیست في البعد عنه، بل في الإقتراب منه.“
• يقول تراب (Trapp): لا یتفاعل الكلُ مع المِحن مثلما فعلت نعمي. “إن الكثیرین یتمسكنون، ولكنهم غیر متواضعین؛ أدنیاء، ولكنهم غیر ودعاء. إن هؤلاء قد فقدوا ثمرة أختباراتهم، وبُناءً على ذلك فهم الأكثر بؤسًا.”
• فَرَجَعَتْ نُعْمِي: رجعت نعمي بتوبة وبإخلاص. فنراها تقول: “وَالْقَدِیرُ قَدْ كَسَّرَنِي.” ولكن في الفصول اللاحقة، سنرى كیف أن االله سیباركها. يا ليتها استطعت أن ترى ذلك وقتها.
٢. وَدَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ: كان من السهل على نعمي أن تركز على ما فقدته. فلقد فقدت زوجًا، وابنین، وكنّة وكل الممتلكات المادیة، كل ما تبقى لدیها هو كنّتها راعوث. ولكن من خلال ما تبقى لدیها، كان االله ینوي أن یجلب بركة لا تُصَّدق على حیاتها.
• إن كل الخیر الذي یحدث في الفصول التالیة یبدأ بنعمي التائبة بورع وبإخلاص. وهذا سوف یصنع فرقًا لیس في حیاتها فحسب، بل في حیاة كنّتها راعوث وفي مصیر أمة إسرائیل في خلاصك الأبدي أیضًا.
• یستطیع االله أن یحقق أمورًا مذهلة فیما یتعلق بالوقت الحاضر وبالأبدیة، فقط إذا رجعنا إلیه الیوم، لیس فقط بمشاعرنا، بل أیضًا بأفعالنا.
سِفر راعوث – الإصحاح ١ – رحلة راعوث
أولًا. خلفیة تاریخیة: ألیمالك وابناؤه
أ ) الآیة (١): الإقامة المؤقتة في موآب.
• حَدَثَ فِي أَيَّامِ حُكْمِ ٱلْقُضَاةِ أَنَّهُ صَارَ جُوعٌ فِي ٱلْأَرْضِ، فَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لَحْمِ يَهُوذَا لِيَتَغَرَّبَ فِي بِلَادِ مُوآبَ هُوَ وَٱمْرَأَتُهُ وَٱبْنَاهُ.
١. فِي أَیَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ: تبدأ هذه القصة في أواخر أیام القضاة، وهي فترة من أربعمائة سنة من الفوضى العامة والظلم، حیث كان الإسرائیلیون بلا حاكم. لم یكن هناك سوى القضاة الذين كان االله یقیمهم بصفة دوریة عندما كانت الأمة تطلبه مرة أخرى.
• ومن أبرز القضاة جدعون وشمشون ودبورة. وقد أقام االله كلًا منهم لا لیحكم كملك، بل لیقود إسرائیل أثناء تحدي معین، ثم یتوارى عن الأنظار مجددًا.
• فِي أَیَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ: كانت هذه الأیام في الواقع مظلمة بالنسبة لشعب إسرائیل، وقد وصِفت هذه الفترة بالعبارة “كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ یَعْمَلُ مَا یَحْسُنُ فِي عَیْنَیْهِ.” (سفر القضاة ١:١٩، ١:١٨، ٦:١٧، ٢٥:٢١).
٢. رَجُلٌ مِنْ بَیْتِ لَحْمِ: في تلك الأیام ترك رجل بیت لحمي أرضه إسرائیل لیتغرب في أرض موآب بسبب المجاعة. كانت بيت لحم أرضًا زراعية خصبة (بيت لحم تعني “أرض الخبز”)، ولكن كانت تلك الأیام صعبة، لذلك ذهب إلى أرض موآب الوثنیة. ولكي یفعل ذلك أضطر أن یعبر خلال طریق أریحا المُقفر، وخلال بریة الیهودیة قرب البحر المیت، وعبر نهر الأردن، وصولًا إلى أرض موآب. وكان هذا رحیلًا واضحًا عن أرض إسرائیل الموعود بها ورجوعًا إلى البریة التي كان االله قد خلَّص إسرائیل منها منذ مئات السنین. وكانت هذه خطوات، من الواضح، في الاتجاه الخطأ.
٣. جُوعٌ فِي الأَرْضِ: وعد االله بالوفرة الدائمة في الأرض إذا أطاعه الشعب، لذا فوجود “جُوعٌ فِي الأَرْضِ” یعني أن إسرائیل كأُمَة لم تكن مطیعة للرب. (تثنية ١٣:١١-١٧).
٤. لِیَتَغَرَّبَ فِي بِلاَدِ مُوآبَ: وهذا معناه التَرك مع نیة الرجوع. والآیة التالیة تخبرنا عن اسم الرجل وهو ألیمالك الذي تحولت نیته في قضاء زیارة وجیزة، إلى عشر سنوات ملیئة بالمآسي. ولم یعد ألیمالك إلى اسرائیل أبدًا. یعني الأسم ألیمالك “االله هو الملك”، ولكن لم یعشْ ألیمالك واقعیًا كونَ االله مَلِكهُ.
ب) الآيات (٢-٥): المأساة في موآب.
٢وَٱسْمُ ٱلرَّجُلِ أَلِيمَالِكُ، وَٱسْمُ ٱمْرَأَتِهِ نُعْمِي، وَٱسْمَا ٱبْنَيْهِ مَحْلُونُ وَكِلْيُونُ، أَفْرَاتِيُّونَ مِنْ بَيْتِ لَحْمِ يَهُوذَا. فَأَتَوْا إِلَى بِلَادِ مُوآبَ وَكَانُوا هُنَاكَ. ٣وَمَاتَ أَلِيمَالِكُ رَجُلُ نُعْمِي، وَبَقِيَتْ هِيَ وَٱبْنَاهَا. ٤فَأَخَذَا لَهُمَا ٱمْرَأَتَيْنِ مُوآبِيَّتَيْنِ، ٱسْمُ إِحْدَاهُمَا عُرْفَةُ وَٱسْمُ ٱلْأُخْرَى رَاعُوثُ. وَأَقَامَا هُنَاكَ نَحْوَ عَشَرِ سِنِينٍ. ٥ثُمَّ مَاتَا كِلَاهُمَا مَحْلُونُ وَكِلْيُونُ، فَتُرِكَتِ ٱلْمَرْأَةُ مِنِ ٱبْنَيْهَا وَمِنْ رَجُلِهَا.
١. وَمَاتَ أَلِیمَالِكُ رَجُلُ نُعْمِي: عندما جاء ألیمالك وعائلته إلى موآب، لم یجدوا الحیاة سهلة. فسرعان ما مات ألیمالك، وتُركت نعمي زوجته لتعتني بإبنیها محلون وكلیون.
• من الصعب القول بأن هذه كانت بوضوح ید االله للقضاء ضدهم. فمن الصعب أحیانًا إدراك لماذا تحدث المآسي. ولكن الأمر الأكید أن تغیر المشهد لم یُحَّسن الأمور.
• نعتقد أحیانًا أننا نستطیع الهروب من مشاكلنا، فنجد أننا فقط قد حملناها معنا. فلا یهم أین تذهب، ستبقى الشخص بذاته، لذا فإن المشاكل ذاتها یمكن أن تحدث في مكان آخر.
٢. فَأَخَذَا لَهُمَا امْرَأَتَیْنِ مُوآبِیَّتَیْنِ: كَبِرا محلون وكلیون وتزوجا من امرأتین مؤآبیتین هما عُرفة وراعوث. ومجددًا لم یكن هذا طاعة الله. فلقد أمر االله شعب إسرائیل بألا یتزوجوا من الأمم الوثنیة المحیطة بهم.
٣. ثُمَّ مَاتَا كِلاَهُمَا مَحْلُونُ وَكِلْیُونُ: وبمرور الوقت (بعد عشر سنوات) مات ابنّي نعُمي، وبذلك أصبح هناك ثلاثة أرامل كلهن بلا أبناء: نعمي وكنتاها عُرفة وراعوث.
• كانت الأرملة بدون أبناء في العالم القدیم تعتبر من أقل الطبقات وأكثرها حرمانًا. فتخیل أنه لا یوجد أحد لیدْعَمك وقد أضطررتَ أن تعتاش على كرم الغرباء. فلم یكن لدى نعمي عائلة في موآب، ولم یوجد أحد آخر لیساعدها. لقد كان الوضع بائسًا.
ثانيًا. العودة إلى الیهودیة
أ ) الآيات (٦-٧): تتوجه الثلاث أرامل إلى الیهودیة.
٦فَقَامَتْ هِيَ وَكَنَّتَاهَا وَرَجَعَتْ مِنْ بِلَادِ مُوآبَ، لِأَنَّهَا سَمِعَتْ فِي بِلَادِ مُوآبَ أَنَّ ٱلرَّبَّ قَدِ ٱفْتَقَدَ شَعْبَهُ لِيُعْطِيَهُمْ خُبْزًا. ٧وَخَرَجَتْ مِنَ ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَكَنَّتَاهَا مَعَهَا، وَسِرْنَ فِي ٱلطَّرِيقِ لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ يَهُوذَا.
١. لأَنَّهَا سَمِعَتْ فِي بِلاَدِ مُوآبَ أَنَّ الرَّبَّ قَدِ افْتَقَدَ شَعْبَهُ لِیُعْطِیَهُمْ خُبْزًا: سمعت نعمي وهي في موآب البعیدة أن االله یصنع أمورًا عظیمة في اسرائیل بلدها. وأرادت أن تكون جزءًا من تلك الأمور العظیمة التي كان االله یصنعها.
• لا بد لحیاتنا مع االله أن تجعل الآخرین یرجعون إلى االله من خلال النظر إلى حیاتنا. مسیرنا مع الرب لا بد أن یكون أمرًا یجعل الآخرین یقولون: “إنني أرید بعضًا من هذا أیضًا.”
٢. وَخَرَجَتْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ فِیهِ: لقد میّز هذا الفعلُ نعمي عن أُناسٍ آخرین كثیرین. إذ يسمع كثیرین عن الأمور العظیمة التي یفعلها االله في حیاة الآخرین، ویتمنون لو أنهم يستطيعون إختبار ذلك، ولكنهم لا يفعلون شيئًا للحصول على هذه الأمور. فقد كان باستطاعة نعمي المكوث في موآب كل أیام حیاتها وهي تتمنى أن یتبدل الحال، ولكنها أخذت خطوة نحو ما كان في جُعبة االله لها.
ب) الآيات (٨-٩): نعمي تطلب من كنتاها أن تعدنا إلى موآب.
٨فَقَالَتْ نُعْمِي لِكَنَّتَيْهَا: «ٱذْهَبَا ٱرْجِعَا كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا. وَلْيَصْنَعِ ٱلرَّبُّ مَعَكُمَا إِحْسَانًا كَمَا صَنَعْتُمَا بِٱلْمَوْتَى وَبِي. ٩وَلْيُعْطِكُمَا ٱلرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتِ رَجُلِهَا». فَقَبَّلَتْهُمَا، وَرَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَيْنَ.”
• اذْهَبَا ارْجِعَا كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى بَیْتِ أُمِّهَا: كان هذا هو الصواب بكل معنى الكلمة. فقد كان لدى عُرفة وراعوث روابط عائلیة في موآب أقوى مما كان لدیهما مع نعمي، لذا كان من المنطقي لكنتي نعمي أن یمكثا في موآب بدلًا من الذهاب إلى أرض جدیدة – أي إسرائیل – مع نعمي.
• وَلْيَصْنَعِ ٱلرَّبُّ مَعَكُمَا إِحْسَانًا … وَلْيُعْطِكُمَا ٱلرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً: باركتهما نعمي بهذه الكلمات بتلقائیة، وصَلّت أن یتزوجا مرة أخرى (كلٌ في بیت زوجها).
• إِحْسَانًا: يقول هيو (Huey) “تعني الكلمة في اللغة العبرية القدیمة، وتنطق (حیسید)، أعمالِ رحمةٍ یُنجزها شخص ما لفائدة الشخص الضعیف.”
• في راعوث ٩:١ تصف نعمي الزواج كمكان الراحة؛ “وَلْیُعْطِكُمَا الرَّبُّ أَنْ تَجِدَا رَاحَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَیْتِ رَجُلِهَا.” لقد قصد االله أن یكون كل زواج مكانًا ومصدرًا للراحة، والسلام، والأنتعاش في الحیاة.
• فَقَبَّلَتْهُمَا، وَرَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَیْنَ: إن هذا الشعور الموضح لهو دلیل على علاقة حقیقیة من المحبة بین نعمي وكنتيها.
ج) الآيات (١٠-١٣): نعمي تلتمس من كنتیها أن یبقیا في موآب.
١٠فَقَالَتَا لَهَا: «إِنَّنَا نَرْجِعُ مَعَكِ إِلَى شَعْبِكِ». ١١فَقَالَتْ نُعْمِي: «ٱرْجِعَا يَا بِنْتَيَّ. لِمَاذَا تَذْهَبَانِ مَعِي؟ هَلْ فِي أَحْشَائِي بَنُونَ بَعْدُ حَتَّى يَكُونُوا لَكُمَا رِجَالًا؟ ١٢اِرْجِعَا يَا بِنْتَيَّ وَٱذْهَبَا لِأَنِّي قَدْ شِخْتُ عَنْ أَنْ أَكُونَ لِرَجُلٍ. وَإِنْ قُلْتُ لِي رَجَاءٌ أَيْضًا بِأَنِّي أَصِيرُ هَذِهِ ٱللَّيْلَةَ لِرَجُلٍ وَأَلِدُ بَنِينَ أَيْضًا، ١٣هَلْ تَصْبِرَانِ لَهُمْ حَتَّى يَكْبُرُوا؟ هَلْ تَنْحَجِزَانِ مِنْ أَجْلِهِمْ عَنْ أَنْ تَكُونَا لِرَجُلٍ؟ لَا يَا بِنْتَيَّ. فَإِنِّي مَغْمُومَةٌ جِدًّا مِنْ أَجْلِكُمَا لِأَنَّ يَدَ ٱلرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ».
١. هَلْ فِي أَحْشَائِي بَنُونَ بَعْدُ: طبقًا للقوانین القدیمة لإسرائیل، إذا ترملت فتاة ولم یكن لدیها ابن، فإن أحد أخوة زوجها المتوفي یصبح مسؤولًا عنها ويتزوجها وینجب منها ابنًا. لذا فإن نعمي تقول أنه لم یعد لدیها أبناء لتعطیهم سواء لعُرفة أو لراعوث.
• وفضلًا عن ذلك: وَإِنْ قُلْتُ لِي رَجَاءٌ أَیْضًا بِأَنِّي أَصِیرُ هذِهِ اللَّیْلَةَ لِرَجُل وَأَلِدُ بَنِینَ أَیْضًا: فبدون أن یكون لها زوج، لم تكن لتبغي أن یكون لها أطفال، كما تفعل الكثیرات اللاتي یجعلن من أنفسهن بناتًا للهوى وينجبن أطفالًا غیر شرعیین، وكل هذا لأجل أشباع شهوة وقتیة، ثم يتوبوا بعدها بندم وخزي.
٢. لأَنَّ یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ: من الواضح أن قلب وعقل نُعمي كان مليئًا بالحزن. فلقد شعرت أن الفاجعة التي أصابت عائلتها حلت لأنهم كانوا عصاةً، ربما لأنهم تركوا إسرائیل أرض الموعد وزوّجوا أبناءهم من نساء موآبیات.
• من المحتمل أنها شعرت بالذنب لأنها ربما كانت السبب وراء ترك زوجها لإسرائيل، وأیضًا تشجيع أبناءها على الزواج من نساء موآب.
٣. لأَنَّ یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ: على الرغم من هذه المشاعر، لكننا نراها عائدة إلى أرض إسرائیل، وراجعة إلى إلهها. ورغم هذه المشاعر: “یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ” لم تشعر بمرارة من جهة االله. فلقد رجعت إلیه بتوبة، عالمة أن الأستجابة هي بالإقتراب منه، لا بالإبتعاد عنه.
• لم تتّهم نعمي االله بأنه قد فعل شیئًا طالحًا لها، بل أعترفت بسیطرته الكاملة على كل ظروف الحیاة. وقد كان هذا بالفعل تعبیرًا عن الثقة فیه.
• فلو كانت نعمي ناقمةً أو تشعر بمرارة تجاه االله، لكانت قد أتخذت طریقًا آخر، مبتعدة عن إله إسرائیل بدلًا من الرجوع إلیه. ولكنها أظهرت ثقتها في سلطان االله، وعلمت أنه رغم نكباتها الشخصیة، فهو إله صالح وهو من یبارك.
• ما لم تستطع نعمي أن تراه هو ید االله التي كانت على وشك أن تمتد إلیها. فلیس هناك سبب في أن نیأس إذا أعتقدنا أن “یَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ”. فإن رجعنا إلیه، فسوف تمتد یده إلینا مرة أخرى. لم یكن لدى نعمي أدنى فكرة عن كیف كان االله على وشك أن یباركها بطریقة عظیمة.
د ) الآية (١٤): عُرفة تبقى في موآب؛ وراعوث تُكمل المسیر مع نعمي.
١٤ثُمَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَيْنَ أَيْضًا. فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا.
١. ثُمَّ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ وَبَكَیْنَ أَیْضًا: كُلًا من عُرفة وراعوث حملتا مودةَ عميقة لنعمي وأحّبوها كثيرًا. وكلتیهما كانتا قلقتین من جهة المستقبل. ولكن كان لابد لهما أن یتخذا قرارًا: فاختارت عُرفة أن تبقى في موآب، بینما “لَصِقَتْ” راعوث بنعمي.
٢. فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا، وَأَمَّا رَاعُوثُ فَلَصِقَتْ بِهَا: یأتي وقت أثناء تبعیتنا لله لا بد من أتخاذ قرارًا ما: فلقد شعرتا راعوث وعُرفة بالمشاعر ذاتها، ولكن راعوث شعرت بطریقة مختلفة عما شعرت به عُرفة.
• البعض یكتفي بأن یشعر مشاعر مسیحیة، كالشعور بمحبة االله، والشعور بمحبة كلمته، والشعور بمحبة شعبه. وأنت ماذا ستفعل؟ من المُفرح أن االله لم یشعر فقط بالمحبة تجاهنا، بل عمل شيئًا: “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ االلهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِیدَ” يوحنا ١٦:٣.
٣. فَقَبَّلَتْ عُرْفَةُ حَمَاتَهَا: ماذا حدث لعُرفة؟ بالطبع لا نعرف. ولكن الناس یختلقون دائمًا تقالیدًا حتى یعوضوا عما لا یعرفونه. إذ یُفید التقلید الیهودي أن نعمي طلبت منهن أن يتركوها على بُعد أربعة أمیال خارج موآب، وأن عُرفة ذرفت أربعة دموع فقط لأفتراقها عن حماتها نعمي. ثم يضيف المعلمين الیهود: لأنها سارت هذه الأربعة أمیال مع نعمي، رزقها الله بأربعة أولاد هم جلیات وإخوته الثلاثة.
هـ) الآيات (١٥-١٨): راعوث وتصریحها الإیماني البلیغ.
١٥فَقَالَتْ: «هُوَذَا قَدْ رَجَعَتْ سِلْفَتُكِ إِلَى شَعْبِهَا وَآلِهَتِهَا. اِرْجِعِي أَنْتِ وَرَاءَ سِلْفَتِكِ». ١٦فَقَالَتْ رَاعُوثُ: «لَا تُلِحِّي عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجِعَ عَنْكِ، لِأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلَهُكِ إِلَهِي. ١٧حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ وَهُنَاكَ أَنْدَفِنُ. هَكَذَا يَفْعَلُ ٱلرَّبُّ بِي وَهَكَذَا يَزِيدُ. إِنَّمَا ٱلْمَوْتُ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ». ١٨فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا مُشَدِّدَةٌ عَلَى ٱلذَّهَابِ مَعَهَا، كَفَّتْ عَنِ ٱلْكَلَامِ إِلَيْهَا.
١. هُوَذَا قَدْ رَجَعَتْ سِلْفَتُكِ: لقد بذلت نعمي كل ما استطاعت لكي تثني راعوث عن المجيء معها إلى اسرائیل. لم یكن هذا لعدم رغبة نعمي في مجيء راعوث معها، ولكنها لم تكن ترید صدیقًا ربما لن یُعتمد علیه وقت الضیق.
٢. لأَنَّهُ حَیْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَیْثُمَا بِتِّ أَبِیتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي: هذا كان إلتزامًا نبیلًا، بل باهرًا، من صدیق لصدیقه؛ بل إن إلتزام راعوث من نحو نعمي بلغ حدًا أبعد: وَإِلهُكِ (یكون) إِلهِي”.
• لقد كان هذا أكثر من تغییر في أسلوب الحدیث، فقد كانت راعوث مستعدة أن تَجحد آلهتها التي ترّبت علیها، وتُعانق إلهَ اسرائیل. وبفعلها هذا قررت أن تتبع الرب. تلك المرأة الأممیة، البعیدة عن االله، قد أقتربت منه.
• وَإِلهُكِ (یكون) إِلهِي: ومعنى هذا أن علاقة نعمي بالله كان لها تأثیرًا على راعوث. و هذا مُلفت للأنتباه، لأن حیاة نعمي لم تكن سهلة. فلقد ترملت، ثم فقدت ابنیها، وأعتقدت أنها كانت باعث كل فاجعة مرت بها بسبب عصیانها. ومع ذلك ما لبثت تكرمُ وتحبُ الربَ.
• لا بد للناس أن یكونوا قادرین على ملاحظة حیاتك، مثلما لاحظت راعوث حیاة نعمي، وقالت لها: “أرید أن یكون إلهك إلهي.” إن ثقتك في االله، والأتجاه إلیه في الأوقات العسیرة، غالبًا سوف یكون الشيء الذي یجذب الآخرون إلى الرب.
٣. إِلهُكِ إِلهِي: لمدة عشر سنوات في موآب لم تساهم مساومة نعمي لإيمانها أن تجعل راعوث تعترف بولاءها لإله إسرائیل. لكن حالما عزمت قائلة: “إنني راجعة لإله إسرائیل، وسأضع مصیري في یدیه،” عقدت راعوث العزم أیضًا. إذا أعتقدتَ أنك عندما تساوم في إيمانك سوف تقنع أصدقاءك أو أقرباءك بیسوع، فأنت مخطيء. ربما تكون سلیمَ النیة، ولكنك مخطيءٌ. إن موقفًا جریئًا واحدًا من أجل یسوع سیفلحُ بلا ریب.
• يقول سبيرجن (Spurgeon): “لا یمكن ربح أي نفس للطریق المستقیم بتهاونك مع الطریق الباطل. إن القوة الأعظم وسط العائلة، وفي العالم أیضًا، تكمنُ في اتخاذ الموقف الجريء من أجل المسیح ومن أجل حقه.”
٤. هَكَذَا يَفْعَلُ ٱلرَّبُّ بِي وَهَكَذَا يَزِيدُ. إِنَّمَا ٱلْمَوْتُ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ: لم يكن لدى راعوث قدرًا كبيرًا من المعرفة عن الإله الحقيقي، إله اسرائیل، ولكنها علمت أنه هو إله العدل والأستقامة، لذا فمن الممكن التوسل إلیه لكي یحسبَها ضمن رعیته.
و ) الآيات (١٩-٢١): نعمي وراعوث ترجعان إلى بیت لحم.
١٩فَذَهَبَتَا كِلْتَاهُمَا حَتَّى دَخَلَتَا بَيْتَ لَحْمٍ. وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِهِمَا بَيْتَ لَحْمٍ أَنَّ ٱلْمَدِينَةَ كُلَّهَا تَحَرَّكَتْ بِسَبَبِهِمَا، وَقَالُوا: «أَهَذِهِ نُعْمِي؟» ٢٠فَقَالَتْ لَهُمْ: «لَا تَدْعُونِي نُعْمِيَ بَلِ ٱدْعُونِي مُرَّةَ، لِأَنَّ ٱلْقَدِيرَ قَدْ أَمَرَّنِي جِدًّا. ٢١إِنِّي ذَهَبْتُ مُمْتَلِئَةً وَأَرْجَعَنِيَ ٱلرَّبُّ فَارِغَةً. لِمَاذَا تَدْعُونَنِي نُعْمِي، وَٱلرَّبُّ قَدْ أَذَلَّنِي وَٱلْقَدِيرُ قَدْ كَسَّرَنِي؟»
١. فَذَهَبَتَا كِلْتَاهُمَا حَتَّى دَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ: لقد كانت مسیرة طویلة من موآب إلى بیت لحم، وكانت أغلب الرحلة صعودًا. ولنا أن نتخیل راعوث وهما في طریقهما تطرح استفساراتها على نعمي حماتها بشأن إله اسرائیل وأرض إسرائیل.
٢. أَنَّ الْمَدِینَةَ كُلَّهَا تَحَرَّكَتْ بِسَبَبِهِمَا: كانت بیت لحم قریة كبیرة؛ ولكن كل الناس یعرفون بعضهم البعض ویتذكرون أیضًا من رحلوا عن القریة منذ سنین.
٣. لاَ تَدْعُونِي نُعْمِيَ بَلِ ادْعُونِي مُرَّةَ: إن الاسم (نُعمي) یعني “لذیذة، حلو”، والأسم (مُرةَّ) یعني “علقم، مُر.” لقد أفادت نعمي بذلك لكي تخبر أهل بیت لحم أن فترة إبتعادها عن إسرائیل وعن إله اسرائیل، لم تكن فترة جميلة وحلوة بل مُرَّة.
• لم تكن نعمي متصّنعةً أو مزيفة. لم تكن لدیها نیة الرجوع للبیت متظاهرةً بأن كل شيء على ما یُرام، وأنها لذیذة والحياة حلوة، بل نَوَت أن تكون صادقةً لهذا قالت: “ها أنا وها حیاتي التي أصبحت مُرة.”
٤. الْقَدِیرَ قَدْ أَمَرَّنِي جِدًا… وَأَرْجَعَنِيَ الرَّبُّ فَارِغَةً… وَالرَّبُّ قَدْ أَذَلَّنِي وَالْقَدِیرُ قَدْ كَسَّرَنِي: لم تكن نعمي خائفة من أن ترى ید االله في فاجعتها كلها.
• لقد علمت نعمي أن المأساة التي حدثت في حیاتها لم تكن بسبب القضاء والقدر، أو المصادفة، أو الحظ الأعمى. لكنها آمنت بأن المآسي كانت إمتحان من الله لأنها لم تستطع أن ترى نهایةَ خطته. وعلمت أيضًا أنه یوجد إله في السماء هو المهیمن وكلي القدرة، وليس مجرد سوء حظ.
• علاوة على ذلك، لم تشعر نعمي بالمرارة تجاه االله في خضّم كل هذه الظروف المُرة. فلنا أن نتخیل أحد أهل القریة یتساءل: “یا نعمي، إذا كان االله قد أمَّركِ جدًا، وإذا كان االله قد أرجعكِ فارغة، وإذا كان االله أذلكِ والقدیر كسركِ، فلماذا رجعت إذًا؟” ستجيب: “لأنني أردت إصلاح الأمور معه من جدید؛ لقد كانت الأمور عسیرة، والإجابة لیست في البعد عنه، بل في الإقتراب منه.“
• يقول تراب (Trapp): لا یتفاعل الكلُ مع المِحن مثلما فعلت نعمي. “إن الكثیرین یتمسكنون، ولكنهم غیر متواضعین؛ أدنیاء، ولكنهم غیر ودعاء. إن هؤلاء قد فقدوا ثمرة أختباراتهم، وبُناءً على ذلك فهم الأكثر بؤسًا.”
ز ) الآية (٢٢): وهكذا عادت نعمي.
• “فَرَجَعَتْ نُعْمِي وَرَاعُوثُ الْمُوآبِیَّةُ كَنَّتُهَا مَعَهَا، الَّتِي رَجَعَتْ مِنْ بِلاَدِ مُوآبَ، وَدَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ فِي ابْتِدَاءِ حَصَادِ الشَّعِیرِ.”
• فَرَجَعَتْ نُعْمِي: رجعت نعمي بتوبة وبإخلاص. فنراها تقول: “وَالْقَدِیرُ قَدْ كَسَّرَنِي.” ولكن في الفصول اللاحقة، سنرى كیف أن االله سیباركها. يا ليتها استطعت أن ترى ذلك وقتها.
٢. وَدَخَلَتَا بَیْتَ لَحْمٍ: كان من السهل على نعمي أن تركز على ما فقدته. فلقد فقدت زوجًا، وابنین، وكنّة وكل الممتلكات المادیة، كل ما تبقى لدیها هو كنّتها راعوث. ولكن من خلال ما تبقى لدیها، كان االله ینوي أن یجلب بركة لا تُصَّدق على حیاتها.
• إن كل الخیر الذي یحدث في الفصول التالیة یبدأ بنعمي التائبة بورع وبإخلاص. وهذا سوف یصنع فرقًا لیس في حیاتها فحسب، بل في حیاة كنّتها راعوث وفي مصیر أمة إسرائیل في خلاصك الأبدي أیضًا.
• یستطیع االله أن یحقق أمورًا مذهلة فیما یتعلق بالوقت الحاضر وبالأبدیة، فقط إذا رجعنا إلیه الیوم، لیس فقط بمشاعرنا، بل أیضًا بأفعالنا.